النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١ -
١٩١ - باب بول ما يؤكل لحمه - حديث رقم ٣٠٥
كونهم معتادين للبن فقط ، فلذا قالوا ( ولم نكن أهل ريف) بكسر الراء
وسكون الياء : الخصب ، والسعة في المآكل ، جمعه أرياف ، ويحتمل
أن يكون المعنى إنا أهل بادية ، لا أهل مدن ، والمعنى متقارب .
وقال العلامة ابن منظور في لسانه : الرِّفُ: الخصب والسعة في
المآكل ، والجمع أرياف فقط ، والرّيف : ما قارب الماء من أرض العرب
وغيرها ، والجمع أرياف ، ورُيُوف ، ، قال أبو منصور: الرّيفُ: حيث
يكون الحَضَر والمياه ، والرّيف : أرض فيها زرع وخصْب ، ورافت
الماشية، أي رَعَت الريفَ، وفي الحديث: ((تُفْتَحُ الأريافُ فيخرج إليها
الناس » هي جمع ريف ، وهو کل أرض فيها زرع ونخل ، وقيل : هو ما
قارب الماء من أرض العرب وغيرها ، ومنه حديث العُرَنَيِّينَ: ((كُنَّا أهلَ
ضرع، ولم نكن أهل ريف )) أي إنَّ من أهل البادية ، لا من أهل
المدن (١).
( واستوخموا المدينة) أي وجدوها وَخِيمَة ، والوَخيمة الأرض
الوَبيئَة ، وقال السندي : أي استثقلوها ، وكرهوا الإقامة بها . انتهى .
وقال ابن منظور : واستوخمه : لم يَسْتَمْرِئُهُ، ولا حَمِدَ مَغَبَّتَه ،
واستوخمتُ الطعامَ، وتوخمته : إذا اسْتَوْبَلْتَهُ ، قال زهير : (من
الطويل) .
قَضَوْا مَا قَضَوْاْ منْ أمْرهمْ ثُمَّأَوْرَدُوا إلى كَلٍ مُسْتَوَبَل مُتَوَخِّمٍ
ومنه اشْتُقَّت التُّخَمَة ، وفي حديث العرنيين: (( واستوخموا المدينة ))
أي استثقلوها ، ولم يُوافق هواؤها أبدانَهم (٢).
ورواية البخاري: ((فاجتووا المدينة)) قال ابن فارس : اجتويت
(١) لسان جـ ٣ ص ١٧٩٤ .
(٢) لسان ج٦ ص ٤٧٩١ .

- ١٢٢
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
البلد: إذا كرهت الْمُقَام فيه ، وإن كنت في نعمة ، وقيده الخطابي بما إذا
تضرر بالإقامة ، وهو المناسب لهذه القصة ، وقال القَزَّاز : اجتووا ، أي
لم يوافقْهُمْ طعامها ، وقال ابن العربي : الجوَىَ : داء يأخذ من الوَبَاء .
وللبخاري في الطب من رواية ثابت عن أنس: (( أن ناسا كان بهم
سقم، قالوا : يا رسول الله آوِنَا وأطْعمنَا، فلما صَحُوا قالوا: إنَّ المدينة
وَخْمَةٌ)) والظاهر أنهم قدمواَ سِقَامًا، فلما صَحُّوا من السقم كرهوا
الإقامة بالمدينة لوَخْمِهَا ، فأما السقم الذي كان بهم فهو الهُزال الشديد
والجهد من الجوع، فعند أبي عوانة من رواية غَيْلان، عن أنس: ((كان
بهم هُزَال شديد)) وعنده من رواية أبي سعيد عنه (( مُصْفَرَّةَ الْوَانُهُم)).
والوخم الذي شكوا منه بعد أن صحت أجسامهم فهو من حمى
المدينة ، كما عند أحمد من رواية حميد ، عن أنس ، ووقع عند مسلم
من رواية معاوية بن قُرَّةً ، عن أنس: (( وقع بالمدينة الْمُوم - أي بضم الميم
وسكون الواو - قال : وهو البِرْسَام ، أي بكسر الموحدة سُرياني مُعَرَّب
أطلق على اختلال العقل ، وعلى وَرَم الرأس ، وعلى وَرَم الصدر ،
والمراد هنا الأخير ، فعند أبي عوانة من رواية همام ، عن قتادة ، عن أنس
هذه القصة: ((فَعَظُمَت بُطُونُهم))، أفاده الحافظ (١).
(فأمر لهم رسول الله 28) يحتمل أن تكون اللام زائدة ، أو
للتعليل، أو لشبه الملك ، أو للاختصاص ، وليست للتمليك ، قاله في
الفتح والعمدة (٢).
قال الجامع : الظاهر أنها للتعليل ، أي أمر لأجلهم بذَود وراعٍ حتى
يخرج ذلك الراعي بتلك الذود إلى الصحراء ، فيتبعوه ويُوَضُحُ هذا
(١) فتح جـ١ ص٤٠٣ .
(٢) فتح جـ١ ص ٤٠٣، عمدة القاري جـ ٣ ص١٥٣.

١٢٣
١٩١ - باب بول ما يؤكل لحمه -حديث رقم ٣٠٥
المعنى قولُهُ: ((وأمرهم أن يخرجوا فيها)) أي مع تلك الذود (بذود) -
يفتح الذال المعجمة ، وإسكان الواو آخره دال - اسم للقطيع من الإبل
من الثلاث إلى التسع ، وقيل : ما بين الثلاث إلى العشر ، وقيل : من
ثلاث إلى خمس عشرة ، وقيل : إلى عشرين ، وفُوَيَقَ ذلك ، وقيل : ما
بين الثلاث إلى الثلاثين ، وقيل : ما بين الثنتين والتسع ، ولا يكون إلا
من الإناث دون الذكور . قال ابن سيده : الذود مؤنث ، وتصغيره بغیر
هاء على غير قياس ، تَوَهَّمُوا به المصدر ، قال اللغويون : الذَّودُ جمع لا
واحد له من لفظه كالنّعَم ، وقال بعضهم: الذود واحد، وجمع (١).
(وراع) اسم فاعل من رَعَيْتُ الماشيةَ، يقال : رَعَت الماشية تَرْعى
رَعْيًا، فهي راعية: إذا سَرَحَتْ بنفسها، وَرَعَيْتُهَا أرعاها ، يستعمل
لازما ومتعديا، والفاعل راع ، والجمع رُعاة - بالضم - مثل قاض
وقضاة ، وقيل أيضا : رعاء بالكسر والمد ، ورُعيان بالضم مثل
رُغْفان (٢).
وفي الرواية الآتية: ((فبعث بهم رسول الله على إلى لقاح .. )) وعند
البخاري: ((فأمرهم بلقاح)) وله في رواية: ((فأمرهم أن يلحقوا براعيه)»
وفي رواية: ((فأمر لهم بلقاح)) وعند أبي عوانة من رواية أخرج مسلم
إسنادها (( أنهم بدأوا بطلب الخروج إلى اللقاح ، فقالوا : يا رسول الله قد
وقع هذا الوجع ، فلو أذنت لنا فخرجنا إلى الإبل )) وفي رواية للبخاري
(( أنهم قالوا: يا رسول الله أَبْغنا رسْلا)) أي اطلب لنا لَبَنّا (( قال: ما أجد
لكم إلا أن تلحقوا بالذود)) وفي رواية: ((هذه نَعَمٌ لنا تخرج فاخرجوا
فيها)).
قال الحافظ رحمه الله: وظاهر ما مضى أن اللقاح كانت للنبي عليه،
(١) لسان .
(٢) المصباح .

- ١٢٤
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
وصرح - أي البخاري - بذلك في المحاربين عن موسى ، عن وهيب
بسنده فقال: ((إلا أن تلحقوا بإبل رسول الله عَ)) وله فيه من رواية
الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير، بسنده: ((فأمرهم أن يأتوا إبل
الصدقة )) وكذا في الزكاة من طريق شعبة ، عن قتادة ، قال الحافظ :
والجمع بينها أن إبل الصدقة كانت ترعى خارج المدينة ، وصادف بعث
النبي ◌َّه بلقاحه إلى المرعى طلبَ هؤلاء النفر الخروجَ إلى الصحراء
لشرب ألبان الإبل ، فأمرهم أن يخرجوا مع راعيه ، فخرجوا معه إلى
الإبل ، ففعلوا ما فعلوا، وظهر بذلك مصْدَاق قوله عليه: ((إن المدينة
تنفي خبئها)).
وذكر ابن سعد أن عدد لقاحه عَّ كانت خمس عشرة ، وأنهم نَحَرُوا
منها واحدة يقال لها الحِنَّاء ، وهو في ذلك متابع للواقدي ، وقد ذكره
الواقدي في المغازي بإسناد ضعيف مرسل (١).
( وأمرهم أن يخرجوا فيها) أي مع تلك الذود ( فيشربوا من ألبانها
وأبوالها) عطف على يخرجوا ، أي أمرهم بالخروج والشرب من ألبانها
وأبوالها، وفي رواية للبخاري: ((فاخرجوا فاشربوا من ألبانها وأبوالها ))
بصيغة الأمر، وفي رواية: ((فرخص لهم أن يأتوا إبل الصدقة فيشربوا))
فأما شربهم ألبان الصدقة ، فلأنهم من أبناء السبيل ، وأما شربهم من
لبن لقاح النبي ◌َّ، فلإنه أذنَ لهم، وأما شربهم من أبوالها، فقد احتج
به من قال بطهارة بول مأكول اللحم ، أما من الإبل فلهذا الحديث ، وأما
سائر المأكول فبالقياس عليه ، وهو الذي ذهب إليه المصنف ، وهو
مذهب مالك ، وأحمد ، وطائفة من السلف ، وبه يقول ابن خزيمة ،
وابن المنذر، وابن حبان ، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك في المسائل آخر
الباب إن شاء الله تعالى .
(١) فتح جـ١ ص٤٠٣.

١٢٥ -
١٩١ - باب بول ما يؤكل لحمه-حديث رقم ٣٠٥
( فلما صحوا) الفاء عاطفة على محذوف ، أي فخرجوا ، فشربوا
حتى صحوا ، فلما صحوا الخ ، وفي رواية أبي رجاء عند البخاري :
((فانطلقوا فشربوا من ألبانها ، وأبوالها، فلما صَحَّوا)) وفي رواية وهيب
((وسَمِنُوا))، وفي رواية الإسماعيلي من رواية ثابت (( ورجعت إليهم
ألوانهم)» .
قال الفيومي : الصحة في البدن : حالة طبيعية تجَري أفعالُه معها على
المَجْرَى الطبيعي ، وقد استُعيرت الصحة للمعاني ، فقيل : صحت
الصلاةُ : إذا أسقَطَت القضاءَ، وصحَّ العقدُ : إذا ترتب عليه أثره ،
وصح القول : إذا طابق الواقعَ ، وصح الشيءُ يصح من باب ضرب ،
فهو صحيح ، والجمع صحاح ، مثل كَريم وكرام ، والصّحاح بالفتح في
اللغة الصحيح. اهـ (١).
( وكانوا بناحية الحرّة ) أي كان هؤلاء الناس بجهة الحرة ، والجملة إما
اعتراضية ، وإما استئنافية ، سيقت لبيان مكانهم الذي أوقعوا فيه هذا
الحَدَثَ ، ويحتمل كونها حالية ، والناحية : الجانب ، فاعلة بمعنى
مفعولة ، لأنك نَحَوْتها ، أي قصدتها ، قاله الفيومي .
والحرة - بفتح الحاء - أرض ذات حجارة سود ، والجمع حِرَار ،
مثل كَلْبَة وكلاب .
وقال ابن منظور : والحَرَّة أرض بظاهر المدينة بها حجارة سود كبيرة ،
كانت بها وقعة .
وفي حديث جابر: ((فكانت زيادة رسول الله عَّ معي ، لا تفارقني
حتى ذهبت مني يوم الحرة)) .. قال ابن الأثير: قد تكرر ذكر الحرة
(١) المصباح .

- ١٢٦
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
ويومها في الحديث ، وهو مشهور في الإسلام أيام يزيد بن معاوية ، لما
انتهبَ المدينةَ عسكرُه من أهل الشام الذين نَدَبَهم لقتال أهل المدينة من
الصحابة والتابعين ، وأمَّرَ عليهم مُسلم بن عُقبة المُرِّيّ في ذي الحجة سنة
[٦٣] وعَقِبَهَا هَلَكَ يزيد. انتهى (١).
ثم إن المدینة بین حرتین :
إحداهما : حرة واقم ، وهي الشرقية ، سُميت باسم رجل من
العَمَاليق نَزلها في الدهر الأول ، وقيل : باسم أُطُم من آطام المدينة ،
وهذه الحرة هي موضع الوقعة المتقدمة .
والثانية : حرة الوَبَرَة - بفتحات وقيل : يسكن باؤها - وهي تقع
غربي المدينة ، وهي كما قال ياقوت في معجم البلدان : على ثلاثة أميال
من المدينة (٢).
والأكثرون على أن هاتين الحرتين هما الَّلاَبتان المذكورتان في تحديد
حرم المدينة ، ثم إنه لم يبين أيَّ الحرتين أراد هنا في قوله : وكانوا بناحية
الحرة ، ومال بعضهم إلى أن الأولى هي المرادة هنا ، ولكن ما ذكر دليلا
على ذلك والله أعلم .
(كفروا بعد إسلامهم) جواب (( لماً)) أي ارتدوا عن الإسلام الذي
أظهروه ( وقتلوا راعي النبي #) اسمه يسار ، بياء تحتانية ، ثم مهملة
خفيفة ، كذا ذكر ابن إسحاق في المغازي ، ورواه الطبراني موصولا من
حديث سلمة بن الأكوع بإسناد صالح ، قال: ((كان للنبي تَُّ غلام ،
يقال له يسار)) زاد ابن إسحاق ((أصابه في غزوة بني ثَعلَبة)) قال سلمة:
((فرآه يُحسِنُ الصلاةَ ، فأعتقه وبعثه في لقاح له بالحرة ، فكان بها )» فذكر
قصة العُرَنيين وأنهم قتلوه .
(١) لسان.
(٢) معجم البلدان جـ٢ ص ٢٤٩ - ٢٥٠ .

١٢٧ _
١٩١ - باب بول ما يؤكل لحمه -حديث رقم ٣٠٥
وعند أبي عوانة في صحيحه من رواية معاوية بن قُرَّة ، عن أنس ،
وقد أخرج مسلم إسنادها: ((فقتلوا أحد الرَّاعيين ، وجاء الآخر قد
جِزَعَ، فقال: قد قَتَّلوا صاحبي، وذهبوا بالإبل)).
قال الحافظ : ولم أقف على تسمية الراعي الآخر بالخبر ، والظاهر
أنه راعي إبل الصدقة ، قال : ولم تختلف روايات البخاري في أن
المقتول راعي النبي ﴾، وفي ذكره بالإفراد ، وكذا لمسلم ، لكن عنده من
رواية عبد العزيز بن صهيب ، عن أنس: ((ثم مالوا على الرعاة فقتلوهم))
بصيغة الجمع ، ونحوه لابن حبان من رواية يحيى بن سعيد ، عن أنس ،
فيحتمل أن إبل الصدقة كان لها رُعاة ، فقُتل بعضهم مع راعي اللقاح ،
فاقتصر بعض الرَّواة على راعي النبي ◌َّه، وذكر بعضهم معه غيره ،
ويحتمل أن يكون بعض الرواة ذكره بالمعنى ، فتجوز في الإتيان بصيغة
الجمع ، قال الحافظ : وهذا أرجح لأن أصحاب المغازي لم يذكر أحد
منهم أنهم قتلوا غير يسار (١).
(واستاقوا الذَّود) استاقوا : من الاستياق ، افتعال من السَّوْق ،
يقال: ساق الدابة وغيرها : إذا حثها من خلفها على السير .
وقال المجد : وساق الماشية سَوْقا ، وسياقة ، ومَسَاقا، واستاقها ،
فهو سائق وسَوَّاق (٢).
وقال في الفتح: قوله: ((واستاقوا النعم)): من السوق ، وهو
السير العَنيف .
قال الجامع : هذا تفسير غير واضح ، ولم يذكره أهل اللغة ، فيما
أظن فليتأمل .
(١) فتح جـ١ ص ٤٠٥ .
(٢) ق.

- ١٢٨
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
(فبلغ النبي #) أي خبرهم وفعلهم هذا، ففاعل ((بلغ)) ضمير
يعود إلى ما ذكر من فعلهم، وعند البخاري: (( فجاء الخبر في أول
النهار)) وفي رواية ((فجاء الصَّريخُ)) وهو فعيل بمعنى فاعل ، أي الصَّارخ
بالإعلام بما وقع منهم ، وهذا الصارخ ، كما مرَّ آنفا أحد الراعيين
(فبعث) أي أرسل عَّ (الطَّلبَ) بفتحتين جمع طالب ، لأنه يجمع على
طُلَّب وطُلاّب، وطَلَبَة، وطَلَب ، يقال: طَلَّبَهُ طَلَبًا مُحرَّكَةً، وتَطَلَّبَهُ،
واطَّلَبَهُ كافتعله: حَاولَ وُجوده وأخْذَه، قاله المجد (١). أي جماعة
يطلبونهم ( في آثارهم) أي بعدهم ، يقال : خرج في إثره - بكسر
فسكون ، وأثره ، بفتحتين - : أي بَعْدَه، قاله المجد ، وفي حديث
سلمة بن الأكوع: ((خيلا من المسلمين أميرهم كُرْزُ بن جابر الفهري )»
وكذا ذكره ابن إسحاق ، والأكثرون ، وهو بضم الكاف ، وسكون
الراء، بعدها زاي، وللنسائي من رواية الأوزاعي: (( فبعث في طلبهم
قَافَةٌ)) أي جمع قائف ، ولمسلم من رواية معاوية بن قرة ، عن أنس :
أنهم شباب من الأنصار ، قريب من عشرين رجلا ، وبعث معهم قائفا
يقتص آثارهم ، قال الحافظ : ولم أقف على اسم هذا القائف ، ولا على
اسم واحد من العشرين ، لكن في مغازي الواقدي : أن السرية كانت
عشرين رجلا ، ولم يقل : من الأنصار ، بل سمى منهم جماعة من
المهاجرين منهم : بريدة بن الحُصيب ، وسلمةُ بن الأكوع الأسلميان،
وجُندَبُ، ورافع ابنا مُكَيث الْجُهَيَّان ، وأبو ذر وأبو رُهم الغفاريان ،
وبلال بن الحارث ، وعبد الله بن عمرو بن عوف المزنيان ، وغيرهم .
والواقدي لا يحتج به إذا انفرد ، فكيف إذا خالف ، لكن يحتمل أن
يكون من لم يسمه الواقدي من الأنصار ، فأطلق الأنصار تغليبا ، أو قيل
للجميع : أنصار بالمعنى الأعم .
(١) ق .

١٢٩ -
١٩١ - باب بول ما يؤكل لحمه-حديث رقم ٣٠٥
وفي مغازي موسى بن عقبة : أن أمير هذه السرية سعيد بن زيد ، كذا
عنده بزيادة ياء ، والذي ذكره غيره أنه : سعد - بسکون العین - بن زید
الأشهلي ، وهذا أيضا أنصاري ، فيحتمل أنه كان رأس الأنصار ، وكان
كرز أمير الجماعة .
وروى الطبراني وغيره من حديث جرير بن عبد الله البجلي أن النبي
◌َّ بَعَثه في آثارهم ، لكن إسناده ضعيف ، والمعروف أن جريرا تأخر
إسلامه عن هذا الوقت بمدة (١).
(فَأتي بهم) بالبناء للمفعول ، والفاء عاطفة على محذوف ، أي
طلبوهم فأدركوا ، فأتيَ بهم، وعند البخاري: (( فلما ارتفع النهار جيء
بهم )) .
( فسمروا أعينهم) بتشديد الميم وتخفيفها - على بناء الفعل للفاعل ،
والضمير للصحابة ، أي كَحَلُوها بمسامير مُحمَاة ، والفعل من باب قتل.
قال الحافظ : ولم تختلف روايات البخاري في أنه بالراء ، ووقع
لمسلم من رواية عبد العزيز: ((وسَمَلَ)) بالتخفيف واللام ، قال
الخطابي: السَّمَلُ: فَقْءُ العين بأي شيء كان ، قال أبو ذؤيب الهُذلي
(من الكامل ) :
والعَيْنُ بَعْدَهُمُ كَأنَّ حِدَاقَهَا سُمِلَتْ بِشَوك فَهَيَ عُوْرٌ تَدْمَعُ
قال : والسَّمْر : لغة في السمْل ، ومخارجهما متقاربان ، قال : وقد
يكون من المسمار ، يريد أنهم كُحلُوا بأميال قد أُحْميَت ، قال الحافظ :
وقد وقع التصريح بالمراد عند البخاري من رواية وهيب ، عن أيوب ،
ومن رواية الأوزاعي، عن يحيى، كلاهما عن أبي قلابة ، ولفظه: (( ثم
(١) فتح ج١ ص٤٠٥.

شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
- ١٣٠
أمَرَ بمسَامير، فَأُحْمَيَتْ، فَكَحَلَهم بها)) ، فهذا يوضح ما تقدم، ولا
يخالف ذلك رواية ((السمل )) لأنه فقء العين بأي شيء كان كما مضى.
انتھی (١)
وقال ابن منظور: وسمر عينه كَسَمَلَها ، وفي حديث الرهط العُرَنَيِّن
الذين قَدمَوا المدينةَ، فأسلموا ثم ارتدوا، فسَمَرَ النبي ◌َ﴾ أعينهم)»
ويروى ((سَمَلَ)) فمن رواه باللام فمعناه: فقأها بشوك، أو غيره ،
وقوله: ((سمر أعينهم)) أي أحمى لها مسامير الحديد ثم كحلها بها)) (٢)
(وقطعوا أیدیھم وأرجلهم) قال الداودي : يعني قطع یدي کل
واحد ورجليه . قال الحافظ: تَرُدَّه رواية الترمذي: ((من خلاف))
وللبخاري من رواية الأوزاعي أيضا: ((ولم يَحْسمْهُم)) أي : لم يكْو ما
قطع منهم بالنار ، لينقطع الدم ، بل تركه يَنْزف (ثم تُركُوا في الحرة)
بالبناء للمفعول ، أي تركهم الناس ، وإنما تُركُوا في الحرة ، لأنها قرب
المكان الذي فعلوا فيه ما فعلوا ( على حالهم) أي مقطعة أيديهم وأرجلهم
(حتى ماتوا) على تلك الحال، وعند البخاري: ((فألقوا في الحرة
يَسْتَسْقُون فلا يُسقَون)) وفي رواية: (( ثم نَبَذَهم في الشمس حتى ماتوا))
وفي رواية: ((يَعَضُّون الحجارة))، وفي رواية، قال أنس: ((فرأيت
الرجل منهم يَكْدمُ الأرض بلسانه حتى يموت))، ولأبي عوانة: (( يعضّ
الأرض ليجد بردها مما يجد من الحر والشدة)).
وزعم الواقدي أنهم صُلُبُوا ، قال الحافظ : والروايات الصحيحة ترده
لكن عند أبي عوانة من رواية أبي عقيل عن أنس: ((فَصَلَب اثنين، وقَطَع
اثنين ، وسمل اثنين)) كذا ذكر ستة فقط فإن كان محفوظا ، فعقوبتهم
كانت مُوَزَّعَةً .
(١) فتح جـ١ ص٤٠٦.
(٢) لسان جـ ٣ ص ٢٠٩١.

١٣١ -
١٩١ - باب بول ما يؤكل لحمه-حديث رقم ٣٠٥
ومال جماعة منهم ابن الجوزي إلى أن ذلك وقع على سبيل القصاص
لما عند مسلم من حديث سليمان التيمي عن أنس: « إنما سَمَلَ النبي
أعينهم لأنهم سملوا أعين الرَّعَاة)) قال الحافظ : وقصر من اقتصر في
عزوه للترمذي والنسائي .
وتَعَقَّبَ ابنُ دقيق العيد ما قاله ابن الجوزي وغيره بأن المثلة في حقهم
وقعت من جهات وليس في الحديث إلا السمل ، فيحتاج إلى ثبوت
البقية .
قال الحافظ : كأنهم تمسكوا بما نقله أهل المغازي أنهم مثلوا بالراعي .
وذهب آخرون إلى أن ذلك منسوخ ، قال ابن شاهين عقيب حديث
عمران بن حصين في النهي عن المثلة : هذا الحديث ينسخ كل مثلة ،
وتعقبه ابن الجوزي : بأن ادعاء النسخ يحتاج إلى تاريخ . قال الحافظ :
يدل عليه ما رواه البخاري في الجهاد من حديث أبي هريرة في النهي عن
التعذيب بالنار بعد الإذن فيه ، وقصة العرنيين قبل إسلام أبي هريرة ،
وقد حضر الإذن ، ثم النهي . وروى قتادة عن ابن سيرين : أن قصتهم
كانت قبل أن تُنزِلَ الحدود ، ولموسى بن عقبة في المغازي : وذكروا أن
النبي ◌َِّ نُهي بعد ذلك عن المثلة بالآية التي في سورة المائدة ، وإلى هذا
مال البخاري وحكاه إمام الحرمين في النهاية عن الشافعي .
قال الجامع عفا الله عنه : هذا الذي مال إليه البخاري ، ونقل عن
الشافعي هو الواضح الراجح ، لوضوح دلیله ، كما قرره الحافظ رحمه
الله آنفا. والله أعلم.
تنبيه :
قد استشكل القاضي عياض عدم سقيهم الماء للإجماع على أنّ من

شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
- ١٣٢
وجب عليه القتل فاستسقى لا يُمنَعُ ، وأجاب بأن ذلك لم يقع عن أمر
النبي ◌َّ ولا وقع منه نهي عن سقيهم .
قال الحافظ: وهو ضعيف جدّاً، لأن النبي ◌َّ اطلع على ذلك ،
وسكوته كاف في ثبوت الحكم .
وأجاب النووي بأن المحارب المرتد لا حرمة له في سقي الماء ، ولا في
غيره ، ويدل عليه أن من ليس معه ماء إلا لطهارته ليس له أن يسقيه
للمرتد ويتيمم ، بل يستعمله ، ولو مات المرتد عطشا .
وقال الخطابي: إنما فعل النبي ◌َّ بهم ذلك ، لأنه أراد بهم الموت
بذلك ، وقيل : إن الحكمة في تعطيشهم لكونهم كفروا نعمة سقي ألبان
الإبل التي حصل لهم بها الشفاء من الجوع والوخم ، ولأن النبي ◌َ﴾ دعا
بالعطش على من عَطَّشَ آل بيته ، في قصة رواها النسائي ، فيحتمل أن
يكونوا في تلك الليلة منعوا إرسال ما جرت به العادة من اللبن الذي كان
يُرَاح به إلى النبي ◌َّه من لقاحه في كل ليلة ، كما ذكر ذلك ابن سعد .
والله أعلم (١).
قال الجامع عفا الله عنه : الظاهر عندي رأي القاضي عياض رحمه
الله ، وما رد به الحافظ بأنه تمّ اطلع عليه غير واضح لعدم ذكر دليل
صريح فيه ، بل هو مجرد احتمال ، وكذا ما أجاب به النووي ،
والخطابي وغيره فليس عليها دليل صريح يُعْتَمدُ عليه ، وأما الاستدلال
بدعائه ټ علی من عطّش آل بيته فلیس دلیلا لما نحن فيه ، كما لا يخفى
على من تأمله . فَتَبَصِّر . وبالله التوفيق ، وعليه التكلان .
(١) فتح جـ١ ص ٤٠٦ -٤٠٧.

١٣٣ -
١٩١ - باب بول ما يؤكل لحمه-حديث رقم ٣٠٥
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى : في درجته :
حديث أنس رضي الله عنه هذا متفق عليه .
المسألة الثانية : في بيان مواضع ذكر المصنف له :
أخرجه المصنف هنا - ١٩١ / ٣٠٥ - والكبرى - ١٧١ / ٢٩٤ -
بالسند المذكور . وفي ٣٠٦ - والكبرى ٢٩٥ - بالسند الآتى ، وفي
الكبرى في الحدود ، وفي الطب أيضا عن محمد بن عبد الأعلى ، عن
يزيد بن زريع ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن أنس رضي الله
عنه ، وفي المحاربة عن أبي موسى ، عن عبد الأعلى به .
المسألة الثالثة : فيمن أخرجه معه :
أخرجه (خ) من حديث سعيد بن أبي عروبة عن قتادة ، عن أنس .
وفي الطب ، وفي المغازي عن عبد الأعلى بن حماد ، عن يزيد بن زريع
عنه . وفي الجهاد عن بُندار عن ابن أبي عدّي ، وسهل بن يوسف .
قال : وتابعه معاذ بن معاذ ، وعبد الأعلی کلهم عنه به .
وأخرجه (م) في الحدود عن أبي موسى ، عن عبد الأعلى بن
عبد الأعلى به . وأخرجه (خ م د) من حديث أبي قلابة عن أنس ،
وأخرجه (ت ق) وابن خزيمة ، والدارقطني ، وابن حبان ، وأحمد .
المسألة الرابعة : في فوائده :
منها : طهارة بول الإبل ، وكذا كل ما يؤكل لحمه ، وهو الذي أراده
المصنف بإيراده هنا، إذ إذنه * في شرب أبوال الإبل لقوم حديثي عهد
بالإسلام، جاهلين بالأحكام ، مع عدم أمرهم بغسل أفواههم ، وما

- ١٣٤
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
يصيبهم منها للصلاة مع اعتيادهم شربها دليل على طهارتها ، ويقاس
عليها غيرها من مأكول اللحم ، وسيأتي تحقيق ما قاله أهل العلم في
المسألة التالية إن شاء الله تعالى.
ومنها : جواز التَّطَبِّب بكل ما يُلائم البدن إذا كان طاهرا .
ومنها : ثبوت أحكام المحاربة في الصحراء ، فإنه ﴾ بعث في طلبهم
لما بلغه فعلهم بالرعاة . قال البدر العيني رحمه الله: واختلف العلماء
في ثبوت أحكامها في الأمصار فنفاه أبو حنيفة ، وأثبته مالك ،
والشافعي.
ومنها : شرعية المماثلة في القصاص .
ومنها : جواز عقوبة المحاربين وهو موافق لقوله تعالى: ﴿إنما جزاء
الذين يحاربون الله ورسوله .. ﴾ [المائدة: الآية ٣٣]، وهل كلمة ((أو))
فيها للتخيير ، أو للتنويع ، قولان .
ومنها : قتل المرتد من غير استتابة ، وفي كونها واجبة ، أو مستحبة
خلاف مشهور ، وقيل : هؤلاء حاربوا ، والمرتد إذا حارب لا يستتاب ،
لأنه يجب قتله ، فلا معنى للاستتابة .
ومنها : نظر الإمام في مصالح الوفد الذين يَقدَمون إليه ، ومراعاة
أحوالهم بما يصلح لهم من طعام أو شراب ، أو غيره . وبالله التوفيق ،
وعليه التكلان (١).
المسألة الخامسة : في مذاهب أهل العلم في بول ما يؤكل لحمه :
ذهب بعضهم إلى القول بطهارته ، وهو الراجح كما يأتي قريبا ، قال
الشوكاني : وهو مذهب العترة ، والنخعي ، والأوزاعي ، والزهري ،
(١) أفاد هذه الفوائد في عمدة القاري ج ٣ص١٥٥ .

١٣٥ -
١٩١ - باب بول ما يؤكل لحمه-حديث رقم ٣٠٥
ومالك ، وأحمد ، ومحمد ، وزفر ، وطائفة من السلف ، ووافقهم من
الشافعية : ابن خزيمة ، وابن المنذر ، وابن حبان ، والاصطخري ،
والروياني .
أما في الإبل فبالنص ، وأما في غيرها مما يؤكل لحمه فبالقياس .
قال ابن المنذر : ومن زَعَمَ أن هذا خاص بأولئك الأقوام فلم يُصب ،
إذ الخصائص لا تثبت إلا بدليل ، ويؤيد ذلك تقرير أهل العلم لمن يبيع
أبعار الغنم في أسواقهم ، واستعمال أبوال الإبل في أدويتهم ، ويويده
أيضا : أن الأشياء على الطهارة حتى تثبت النجاسة ، واعترض الحافظ
على ابن المنذر في استدلاله بترك من يبيع الأبعار ، بأنه استدلال
ضعيف، لأن المختلف فيه لا يجب إنكاره ، فلا يدل ترك إنكاره على
جوازه فضلا عن طهارته .
وفي استدلاله باستعمال أبوال الإبل في أدويتهم بأنه حالة ضرورية ،
وما أبيح للضرورة لا يُسَمَّى حراما وقت تناوله ، لقوله تعالى : ﴿وقد
فصّل لكم ما حرّم عليكم إلا ما اضطررتم إليه ﴾ [الأنعام الآية - ١١٩].
قال الجامع : في هذا القول نظر ، لأن التداوي بالمحرم ممنوع ، لما
سيأتي قريبا .
ومن أدلة القائلين بالطهارة : حديث الإذن بالصلاة في مرابض
الغنم، رواه أحمد ، والترمذي ، وصححه.
وأما الجواب عنه بأنه معلل بأنها لا تؤذي كالإبل ، ولا دلالة فيه على
جواز المباشرة ، وإلا لزم نجاسة أبوال الإبل وبعرها للنهي عن الصلاة في
مباركها .
يُرَدّ بأن الصلاة في مرابض الغنم تستلزم المباشرة لآثار الخارج منها ،

شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
_ ١٣٦
والتعليل بكونها لا تؤذي أمر وراء ذلك ، والتعليل عن الصلاة في معاطن
الإبل بأنها تؤذي المصلي يدل على أن ذلك هو المانع ، لا ما كان في
المعاطن من الأبوال والبعر .
وأما استدلال على الطهارة بحديث: ((لا بأس بيول ما أكل لحمه))
رواه الدار قطني من حديث جابر ، والبراء ، مرفوعا فمردود بكونه غير
ثابت، لأن في إسناده عمرو بن الحصین العقيلي ، وهو واه جدّاً ، قال أبو
حاتم : ذاهب الحديث ليس بشيء ، وقال أبو زرعة : واهي الحديث ،
وقال الأزدي : ضعيف جدا ، وقال ابن عدي : حَدَّث عن الثقات بغیر
حديث منكر ، وهو متروك ، وفي إسناده أيضا يحيى بن العلاء أبو عمر
البجلي الرازي ، قد ضعفوه جدّاً ، قاله الدار قطني ، وكان وكيع شديد
الحمل عليه ، وقال أحمد : كَذَّاب ، وقال يحيى: ليس بثقة ، وقال
النسائي والأزدي : متروك .
واحتجوا أيضا بما أخرجه ابن خزيمة ، وابن حبان في صحيحيهما ،
والحاكم في المستدرك ، وقال : صحيح على شرط الشيخين ، من
حديث عمر في قصة عطشهم في بعض المغازي ، قال: (( حتى إن كان
الرجل ليلتمس الماء ، حتى إنه لينحر بعيره ، فيَعْصرُ فَرْئَه ، فيشربه
ويجعل ما بقي على كبده)).
قال ابن خزيمة رحمه الله : فلو كان ماء الفرث إذا عُصر نجسا ، لم
يجز للمرء أن يجعل علی کبده فینجس بعض بدنه ، وهو غير واجد لماء
طاهر يغسل موضع النجس منه ، فأما شرب الماء النجس عند خوف
التلف إن لم يشرب ذلك الماء ، فجائز إحياءُ النفس بشرب ماء نجس ، إذ
الله عز وجل قد أباح عند الاضطرار إحياء النفس بأكل الميتة ، والدم
ولحم الخنزير، إذا خيف التلف إن لم يأكل ذلك ، والميتةُ ، والدم، ولحم

١٣٧ -
١٩١ - باب بول ما يؤكل لحمه-حديث رقم ٣٠٥
الخنزير نجس محرم على المستغني عنه ، مباح للمضطر إليه لإحياء النفس
بأكله ، فكذلك جائز للمضطر إلى الماء النجس أن يحيي نفسه بشرب ماء
نجس إذا خاف التلف على نفسه بترك شربه .
فأما أن يجعل ماء نجسا على بعض بدنه ، والعلم محيط بأنه لم يجعل
ذلك الماء النجس على بدنه لم يخف التلف على نفسه ، ولا كان في
إمساس ذلك الماء النجس بعض بدنه إحياء نفسه بذلك ولا عنده ماء طاهر
يغسل ما نَجَّس من بدنه بذلك الماء ، فهذا غير جائز ولا واسع لأحد فعله.
انتھی کلام ابن خزيمة (١).
واحتجوا أيضا بحديث: ((إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم
علیکم)) عند مسلم (٢) والترمذي ، وأبي داود من حديث وائل بن حجر،
وابن حبان ، والبيهقي ، من حديث أم سلمة ، وعند الترمذي ، وأبي
داود من حديث أبي هريرة بلفظ : (نَھی رسول الله تَّ عن کل دواء
خبیٹ )) .
والتحريم يستلزم النجاسة ، والتحليل يستلزم الطهارة ، فتحليل
التداوي بها دليل على طهارتها ، فأبوال الإبل وما يلحق بها طاهر .
قال الجامع : في قوله : والتحريم يستلزم النجاسة .. الخ في محل
(١) صحيح ابن خزيمة جـ١ ص٥٣ -٥٤ .
(٢) هكذا عزاه الشوكاني إلى مسلم ، والترمذي ، وأبي داود ، ، ولا أراه صحيحا ، وقد عزاه
الشيخ الألباني موقوفا على ابن مسعود إلى أحمد، والطبراني في الكبير ، قال : وإسناده
صحيح ، قال : وعلقه البخاري بصيغة الجزم ، وصححه الحافظ ابن حجر .
وعزاه إلى الدولابي عن أبي الدرداء مرفرعا بلفظ ((إن الله خلق الداء والدواء ، فتداووا ولا
تتداووا بحرام)) قال: وإسناده حسن. ومن حديث أم سلمة بلفظ ((إن الله لم يجعل في حرام
شفاء)) وقال : أخرجه أحمد في الأشربة ، وابن أبي الدنيا في ذم المسكر ، وأبو يعلى وابن
حبان ، وقال : إسناد رجاله كلهم ثقات ، غير حسان بن مخارق فهو مستور . اهـ الصحيحة
جـ ٤ ص١٧٤ - ١٧٥ .

- ١٣٨
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
منع ، فإن السم محرم ، ولا يقال إنه نجس .
وأجاب القائلون بالنجاسة عن الاستدلال بهذا الحديث بأنه محمول
على حالة الاختيار ، وأما في الضرورة فلا يكون حراما كالميتة للمضطر ،
فالنهي عن التداوي بالحرام باعتبار الحالة التي لا ضرورة فيها ، والإذن
بالتداوي بأبوال الإبل باعتبار حالة الضرورة ، وإن كان خبيثا حراما ،
ولو سلم فالتداوي إنما وقع بأبوال الإبل ، فيكون خاصا بها ، ولا يجوز
إلحاق غيره به لما ثبت من حديث ابن عباس مرفوعا: ((إن في أبوال الإبل
شفاء للذَّرَبَة بطونهم)). والذَّرَب: فساد المَعدَة.
فلا يقاس ما ثبت فيه دواء على ما ثبت نفي الدواء عنه ، على أن
حديث تحريم التداوي بالحرام في جواب من سأل عن التداوي بالخمر ،
کما في صحيح مسلم وغيره ، ولا يجوز إلحاق غير المسكر به من سائر
النجاسات ، لأن شرب المسكر يجر إلى مفاسد كثيرة ، ولأنهم كانوا في
الجاهلية يعتقدون أن في الخمر شفاء ، فجاء الشرع بخلاف ذلك ، هكذا
أجاب الحافظ في الفتح عن الاستدلال بهذا الحديث .
ورد عليه بأنه قصر للعام على السبب بدون مُوجب ، والمعتبر عموم
اللفظ لا خصوص السبب .
ومن العجيب أنه استدل لمن قال بالنجاسة بحديث : « کان لا يستنزہ
من البول)) فقال : إن هذا عام لا يخص منه أبوال الإبل ، فلمَ لا يقول
هنا: إن حديث: ((لم يجعل الله شفاءكم .. )) الخ عام لا يخص منه
التداوي بأبوال الإبل ، فتبصر .
وذهب بعضهم إلى القول بنجاسة جميع الأبوال والأزبال ، وبه يقول
الشافعية والحنفية ، ونسبه في الفتح إلى الجمهور، ورواه ابن حزم في
المُحَلَّى عن جماعة من السلف .

١٣٩ -
١٩١ - باب بول ما يؤكل لحمه-حديث رقم ٣٠٥
واحتج هؤلاء بحديث ابن عباس رضي الله عنهما المتفق عليه: (( أنه
عَّهُ مَرَّ بقبرين ، فقال : إنهم ليعذبان ، وما يعذبان في كبير ، أما أحدهما
فكان لا يستنزه من البول .. )) الحديث ، قالوا : يعم جنس البول ، ولم
يخصه ببول الإنسان ، ولا أخرج عنه بول المأكول ، وهذا غاية ما
تمسكوا به .
وأجيب عنه بأن المراد بول الإنسان ، لما في صحيح البخاري بلفظ :
«کان لا يستنزه من بوله » قال البخاري : ولم یذکر سوى بول الناس ،
فالتعريف في البول للعهد . قال ابن بطال : أراد البخاري أن المراد
بقوله: ((كان لا يستنزه من البول)) بول الإنسان ، لا بول سائر الحيوان ،
فلا يكون فيه حجة لمن حمله على العموم في بول جميع الحيوان ، وكأنه
أراد الرد على الخطابي حيث قال : فيه دليل على نجاسة الأبوال كلها ،
قال في الفتح : ومحصل الرد أن العموم في رواية من (( البول)) أريد به
الخصوص لقوله: ((من بوله)) أو الألف واللام بدل من الضمير. انتهى.
قال العلامة الشوكاني رحمه الله بعد ذكر ما تقدم ما نصه : والظاهر
طهارة الأبوال والأزبال من كل حيوان يؤكل لحمه ، تمسكا بالأصل ،
واستصحابا للبراءة الأصلية ، والنجاسةُ حكم شرعي ناقل عن الحكم
الذي يقتضيه الأصلُ والبراءةُ ، فلا يقبل قول مدعيها إلا بدليل يصلح
للنقل عنها ، ولم نجد للقائلين بالنجاسة دليلا كذلك ، وغاية ما جاءوا به
حديث صاحبي القبرين ، وهو مع كونه مرادًا به الخصوص كما سلف
عموم ظني الدلالة لا ينتهض على معارضة تلك الأدلة المعتضدة بما سلف
فإن قلت : إذا كان الحكم بطهارة بول ما يؤكل لحمه وزيْله لما تقدم
حتى يرد دليل ، فما الدليل على نجاسة بول غير المأكول وزبله على
العموم ؟

- ١٤٠
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
قلت : قد تمسكوا بحديث: ((إنها ركس)) قاله ﴾ في الروثة،
أخرجه البخاري ، والترمذي ، والنسائي ، وبما تقدم في بول الآدمي ،
وألحقوا سائر الحيوانات التي لا تؤكل به بجامع عدم الأكل ، وهو لا يتم
إلا بعد تسليم أن علة النجاسة عدم الأكل ، وهو منتقض بالقول بنجاسة
زبل الجلاّلة ، والدفعُ بأن العلة في زبل الجلالة هو الاستقذار منقوض
باستلزامه لنجاسة كل مستقذر كالطاهر إذا صار منتنا ، إلا أن يقال : إن
زبل الجلالة هو محكوم بنجاسته لا للاستقذار ، بل لكونه عين النجاسة
الأصلية التي جَلَّتها الدابة لعدم الاستحالة التامة .
وأما الاستدلال بمفهوم حديث : (( لا بأس ببول ما يؤكل لحمه))
المتقدم ، فغير صالح لما تقدم من ضعفه الذي لا يصلح معه للاستدلال به
حتى قال ابن حزم : إنه خبر باطل موضوع ، قال : لأن في رجاله سَوَّار
ابن مصعب ، وهو متروك عند جميع أهل النقل ، متفق على ترك الرواية
عنه يروي الموضوعات .
فالذي يتحتم القول به في الأبوال والأزبال هو الاقتصار على نجاسة
بول الآدمي وزبله ، والروثة .
وقد نقل التيمي أن الروث مختص بما يكون من الخيل والبغال
والحمير ، ولكنه زاد ابن خزيمة: ((إنها ركس، إنها روثة حمار)).
وأما سائر الحيوانات التي لا يؤكل لحمها ، فإن وَجَدْتَ في بول
بعضها أو زبله ما يقتضي إلحاقه بالمنصوص عليه طهارة أو نجاسة ألحقته ،
وإن لم تجد فالمتوجه البقاء على الأصل والبراءة ، كما عرفت . انتهى
كلام الشوكاني رحمه الله تعالى(١).
قال الجامع عفا الله عنه : حاصل کلام الشوكاني رحمه الله أنه لا
(١) نيل الأوطار جـ ١ ص ٨٣ - ٨٦ .