النص المفهرس

صفحات 581-600

١٧٢ - باب مماسة الجنب ومجالسته - حديث رقم ٢٦٧
٥٨١ -
١٧٢ - بَابُ مَمَاسَّة الجُنُبِ وَمُجَالَسَتِهِ
٠٠
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على حكم مماسة الجنب ومجالسته .
والمماسة والمجالسة : مصدران لماسَّ وجَالَسَ ، كما قال ابن مالك :
لِفَاعَلَ الفِعَالُ وَالمُفَاعَلَه
وهذا الباب للمشاركة بين اثنين ، فالمعنى هنا أن يمسَّ الجنبُ غيرَه ،
ويمسَّهُ غيرُهُ ويجالسُ غيرَه ، ويجالسُهُ غيرُه .
وموضع الاستدلال واضح من الأحاديث المذكورة في الباب، حیث
قال: ((إن المسلم لا ينجس)) . فدل على جواز مماسته ومجالسته .
٢٦٧ - أَخْبُرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الشََّانِيِّ،
عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ عَّه إذا
لَقِيَ الرَّجُلَ مِنْ أصْحَابِهِ مَاسَحَهُ وَدَعَالَهُ، قَالَ: فَرَآَيْتُهُ
يَوْمَا بُكْرَةَ، فَحِدْتُ عَنْهُ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ حِينَ ارْتَفَعَ النَّهَارُ ، فَقَالَ:
(إنِّي رَأيْتُكَ فَحِدْتَ عَنِّي) فَقُلْت: إِنِّي كُنْتُ جُنُبًا فَخَشِيتُ
أَنْ تَمَسَّنِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَّهُ: ((إنَّ المُسْلِمَ لاَ يَنْجُسُ)).
رجال هذا الإسناد : خمسة
١ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزي المعروف بابن راهويه ثقة

- ٥٨٢
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
حجة - ١٠ - تقدم في ٢/ ٢ .
٢- (جرير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبي الكوفي نزيل الري ثقة
ثبت-٨- تقدم في ٢/ ٢ .
٣- ( الشيباني) سليمان بن أبي سليمان ، واسمه فيروز ، ويقال:
خاقان ، ويقال : عمرو ، الشيباني مولاهم الكوفي ، وقيل : مولى ابن
عباس ، والأول أصح . روی عن عبد الله بن أبي أوفى، وزر بن حبيش
وأشعث بن أبي الشعثاء، وبکیر بن الأخنس، وجبلة بن سحيم ، وحبيب
ابن أبي ثابت ، وأبي بردة بن أبي موسى، وابنه سعيد بن أبي بردة، وأبي
الزناد، وعكرمة مولی ابن عباس ، وغيرهم .
وعنه ابنه إسحاق، وأبو إسحاق السبيعي- وهو أكبر منه- وعاصم
الأحول-وهو من أقرانه- وإبراهيم بن طهمان، وأبو إسحاق الفزاري،
والثوري، وشعبة، والمسعودي، وعبد الواحد بن زياد، وهشيم، وغيرهم.
قال الجوزجاني : رأيت أحمد يعجبه حديث الشيباني ، وقال : هو
أهل أن لاندع له شيئا، وقال ابن أبي مريم عن ابن معين: ثقة حجة، وقال
أبو حاتم : ثقة صدوق صالح الحديث ، وقال النسائي : ثقة ، وقال
العجلي : كان ثقة من كبار أصحاب الشعبي ، وحكى الخطيب أن اسم
أبيه مهران ، وقال أبو بكر بن عياش : الشيباني فقيه الحديث ، وقال ابن
عبد البر : هو حجة ثقة عند جميعهم . مات سنة ١٢٩ وقيل : ١٣٨،
وقيل: ١٣٩، وقيل: ١، أو ١٤٢. أخرج له الجماعة.
٤ - ( أبو بردة) ابن أبي موسى الأشعري الكوفي قيل: اسمه عامر،
وقيل : الحارث، ثقة -٣ - تقدم في ٣/٣.
٥- ( حذيفة) بن اليمان الصحابي الجليل رضي الله عنه تقدم في
٢/٢ . والله تعالى أعلم.

١٧٢ - باب مماسة الجنب ومجالسته - حديث رقم ٢٦٧
٥٨٣ -
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رواته كلهم ثقات أجلاء متفق
عليهم ، وأنهم كوفيون إلا إسحاق فمروزي، ثم نيسابوري، وأن فيه
الشيباني وهذا أول موضع ذكره في هذا الكتاب.
(تنبيه) الشيباني بفتح الشين المعجمة وسكون الياء التحتانية نسبة إلى
قبيلة كبيرة من بكر بن وائل ، وهو شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن
صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط . ينسب إليه خلق كثير من
الصحابة، والتابعين، والأمراء، والفرسان، والعلماء في كل فن، وهو
نسبة إلى جد أيضا، ونسبة إلى شيبان بن عاتك بطن من كندة . قاله في
اللباب ج٢ ص٢١٩- ٢٢٠. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن حذيفة) بن اليمان رضي الله عنه ، أنه ( قال : كان رسول الله
# إذا لقي الرجل من أصحابه) ((من)) بيانية (ماسحه) بلفظ المفاعلة، أي
مسح ذلك الرجلَ، ومسحَ الرجل جسدَه الشريف ، وإنما يفعل ذلك
إيناسًا له وإظهارًا لمحبته إياه ، وهذا من كريم أخلاقه # وحسن معاشرته
لأصحابه، ويفعل ذلك الرجل لقصد أن ينال بركة جسده الشريف ، فقد
كانت الصحابة رضي الله عنهم يتسابقون إلى ذلك ، ففي حديث صلح
الحديبية: «فوالله ما تنخم رسول الله ﴾ نخامة إلا وقعت في كف رجل
منهم ، فدلك بها وجهه وجلده ، وإذا أمرهم ابتدروا أمره ، وإذا توضأ
كادوا يقتتلون على وضوئه ، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده ، وما
يُحدُّون إليه النظر تعظيمًا له)). الحديث أخرجه البخاري مطولا في باب
الشروط في الجهاد ، من كتاب الشروط.
(ودعا) النبي ◌ّ (له) أي للرجل، وإنما لم يجعله من باب المفاعلة
İ
٠

- ٥٨٤
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
كالسابق لأن الدعاء من جانبه على بخلاف المماسحة (فرأيته يوما .. بكرة)
بضم الياء وسكون الكاف : أول النهار جمعها بُكَر مثل غرفة وغُرَف ،
وأبكار جمع الجمع، مثل رُطَب، وأرطاب ، وإذا أريد بكرة يوم بعينه
منعت الصرف للتأنيث والعلمية . قاله في المصباح ، والمراد هنا مطلق
الغداة ، بدليل قوله : يوما فلذا يصرف هنا، فلو قال مثلا : يوم الجمعة
بكرة لم يصرف لما ذكر والمعنى أنه رأى النبي علّ في أول النهار (فحدت
عنه) أي ملت ، إلى جهة أخرى، يقال: حاد عن الشيء، يحيد حَيْدَةً
وحيودًا : تنحَّى، وبعد، ويتعدى بالحرف، والهمزة، فيقال: حدت
به، وأحدته، مثل ذهب، وذهبت به، وأذهبته. قاله في المصباح. وفي
((ق)): حاد عنه يحيد حَيْدًا، وحيدانًا، ومَحيدًا، وحَيْدة، وحَيْدُودَة: مال.
اهـ يعني أنه مال عن طريق النبي عليه لئلا يماسحه على عادته وهو
جنب، ظنا منه أن الجنابة تنافي ذلك .
( ثم أتیته حين ارتفع النهار) أي بعد أن اغتسل (فقال) مل#مستفسرا عن
سبب میله عنه علی غیر عادته حیث إنه إذا لقیه أحد من أصحابه كان
ياسحه، فترك حذيفة عادته في ذلك ، فسأله عنه ؟ فقال ( إني رأيتك
فحدت عني) أي تنحيت، وبَعُدت، وملتَ عن الطريق الذي سلكته ،
فما سبب ذلك ؟ قال حذيفة ( فقلت ) جوابًا عن سؤاله ، واعتذارًا إليه في
هذا الفعل (إني كنت جنبًا) تقدم أن الجنب وصف يستوي فيه المذكر،
والمؤنث ، والمثنى، والجمع وربما يطابق على قلة ( فخشيت) بفتح الخاء،
وكسر الشين ، يقال : خشي يخشى ، كرضي يرضى، خشية : خاف ،
فهو خَشْيَان ، والمرأة خَشْيا ، مثل غضبان، وربما قيل : خشيت بمعنى
علمت. اهـ المصباح .
والمعنى أنه يقول : خفت ( أن تمسني) على عادتك وأنا على هذه الحالة
ظنا منه أن الجنب لا يصلح لمماستهمهلنجاسته (فقال رسول الله&)

١٧٢ - باب مماسة الجنب ومجالسته - حديث رقم ٢٦٧
٥٨٥ -
موضحا له عدم كون الجنابة نجسًا يمنع من مماسته (إن المسلم لا ينجس)
بفتح الجيم وضمها ، يقال: نجس الشيءُ نجسا فهو نجس، من باب تعب:
إذا كان قذراً غير نظيف، ونجَس ینجُس ، من باب قتل ، لغة. قال بعضهم:
ونجس : خلاف طهر ، ومشاهير الكتب ساكتة عن ذلك ، وقد يكون
القذر نجاسة ، فهو موافق لهذا . أفاده في المصباح وفي ((ق)) النجس،
بالفتح وبالكسر وبالتحريك ، وككتف وعضد : ضد الطاهر ، وقد
نجس : كسمع، وكرم، وأنجسه، ونُجَّسَه، فتنجس . اهـ.
والمعنى أن المؤمن لا تصير ذاته نجسة بسبب هذا الحدث الذي حل في
بدنه ، لأنه وصف حکمي رتبه الشارع على البدن ، ولا يتأثر به بدن
المؤمن أكثر من الحكم عليه بالمنع مما تمنع الجنابة منه شرعا ، فالمجالسة
والمماسة لا تدخل في جملة ما مُنْعَ لها .
وقال السندي رحمه الله: لاينجس : أي الحدث ليس بنجاسة تمنع عن
المصاحبة، وتقطع عن المجالسة، وإنما هو أمر تعبدي، أو المؤمن لا ينجس
أصلا ، ونجاسة بعض الأعيان اللاصقة بأعضائه أحيانا لا توجب نجاسة
الأعضاء ، نعم تلك الأعيان يجب الاحتراز عنها ، فإذا لم تكن فما بقي
إلا أعضاء المؤمن فلا وجه للاحتراز عنها ، فكأنه قال : لو كانت هناك
نجاسة لكانت تلك النجاسة في أعضاء المؤمن إذ ليس هناك عين نجسة
لاصقة به ، والمؤمن لاينجس بهذه الصفة فلا نجاسة. اهـ والله أعلم.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته : حديث حذيفة رضي الله عنه هذا أخرجه
مسلم .
المسألة الثانية : في بيان مواضع ذكر المصنف له . أخرجه في هذا الباب
٢٦٧/١٧٢، ٢٦٨ وفي الكبرى ١٥١/ ٢٦٥ بهذا السند.

- ٥٨٦
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
المسألة الثالثة: فیمن أخر جه معه: أما من رواية أبي بردة عنه فهو من
أفراد المصنف کما أشار إليه المزي ، وقد أخرجه(م د ق) من رواية أبي
وائل عنه كما هو الطريق الآتي للمصنف . فأخرجه (م) في الطهارة عن
أبي بکر، وأبي کریب، كلاهما عن و کیع، و (د) فیه عن مسدد، عن
يحيى بن سعيد، كلاهما عن مسعر ، عن واصل بن حيان الأحدب، عنه
به . و(ق) عن إسحاق بن منصور، عن يحيى بن سعيد به . وأخرجه
أحمد، والبيهقي .
المسألة الرابعة : في فوائده: يستفاد من الحديث جواز مماسة الجنب،
ومجالسته ، وهو محل الترجمة للمصنف ، وما كان عليه الصحابة رضي
الله عنهم من تعظيمه عَلّ ، وإكرامهم له ، وماكان عليه هو من تفقده
لأحوالهم ، فينبغي لكبير القوم أن يتفقد أتباعه، ويعتني بأحوالهم،
ويسأل عما يصدر منهم ليرشدهم إلى ما فيه صلاحهم، ويعلمهم ما
يجهلون من أمرهم .
قال بعض الأدباء (من الطويل):
وَمَنْ عَادَة السَّادَاتِ أنْ يَتَفَقَّدُوا أصَاغِرَهُمْ وَالْمُكْرُمَاتُ عَوَائِدُ
سُلَيْمَانُ ذُو مُلْكٍ تَفَقَّدَ طَائِرًاً وَكَانَتْ أَقَلَّ الطَّائرَات الهَدَاهِدُ
وفيه عدم نجاسة بدن المسلم بحال من الأحوال ، وإن تنجس بدنه أو
بعض منه فهي نجاسة عارضة تزول ، وتمسك بمفهومه من قال بنجاسة
الكافر ، وسيأتي تحقيق القول فيه إن شاء الله . وفيه أن العالم إذا رأى من
تابعه خلاف الصواب أرشده ، وبیّن له الحكم ، وفيه جواز تأخير الغسل
من الجنابة عن أول وقت وجوبه مالم يخف خروج وقت صلاة ، وأن
الجنابة ليست من النجاسات التي يتنجس بها ملابسها. والله تعالى
أعلم، وهو المستعان ، وعليه التكلان .

١٧٢ - باب مماسة الجنب ومجالسته - حديث رقم ٢٦٨
-٥٨٧ -
٢٦٨- أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورِ أَخْبَرَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا
مسْعِرٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي وَصِلٌ، عَنْ أَبِيٍ وَائِلٍ ، عَنْ حُدَيْفَةَ:
أنَّ السَِّيَّ ◌َُّ لَقِيَهُ وَهُوَ جُنُبٌ فَأَهْوَى إِلَيَّ، فَقُلْتُ: إِنِّي
جُنُبٌ ، فَقَالَ: ((إِنَّ الْمُسْلِمَ لاَ يَنْجَسُ)).
رجال هذا الإسناد : ستة
١ - ( إسحاق بن منصور) بن بَهْرام الكوسج أبو يعقوب التميمي
المروزي نزيل نيسابور ثقة ثبت من -١١ - تقدم في ٨٨/٧٢ .
٢ - ( يحيى) بن سعيد بن فَرَّوخ القطان البصري أبو سعيد ثقة ثبت
حجة-٩- تقدم في ٤/ ٤ .
٣- ( مسعر) بن كدام بن ظُهَير الهلالي أبو سلمة الكوفي ثقة ثبت
فاضل -٧-تقدم في ٨/٨.
٤ - (واصل) بن حيان الأحدب الأسدي الكوفي بياع السَّابَريّ (١)
روى عن أبي وائل، وشريح القاضي، والمعرور بن سويد، وإبراهيم
النخعي، وقبيصة بن بُرْمَة، وعبد الله بن أبي الهذيل، وغيرهم . وعنه
أبو إسحاق الشيباني، وعبد الملك بن سعید بن أبجر، وجرير بن حازم،
ومغيرة بن مقسم، ومسعر، ومهدي بن ميمون، والثوري، وشعبة،
وآخرون . قال ابن معين، وأبو داود، والنسائي : ثقة . وقال ابن معين
في رواية أخرى: ثبت . وقال أبو حاتم : صدوق صالح الحديث .
(١) السابري بفتح الباء نسبة إلى نوع من الثياب، يقال له : السابري . قاله في اللباب ج٢
ص٨٩.

- ٥٨٨
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
وذكره ابن حبان في الثقات . ووثقه العجلي، ويعقوب بن سفيان، وأبو
بكر البزار ، مات سنة-١٢٩ - قيل : مات في ولاية مروان بن محمد .
أخرج له الجماعة
٥- (أبو وائل ) شقيق بن سلمة الكوفي ثقة مخضرم أحد سادة التابعين
-٢- تقدم في ٢/ ٢ .
٦- ( حذيفة) بن اليمان الصحابي الجليل رضي الله عنه تقدم في
٢/٢. والله أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسياته ، وأن رواته كلهم ثقات ، وكلهم كوفيون إلا
أن حذيفة أکثر مقامه بالمدائن، وإلا شيخه فمروزي ثم نيسابوري ،
ويحيى فبصري، وكلهم اتفقوا عليهم ، إلا شيخه فلم يرو عنه أبو داود.
(تنبيه) وقع في النسخة الهندية: ((حدثنا سفيان)) بدل مسعر ، وأشار
في الهامش إلى أن في بعض النسخ حدثنا مسعر، وأظن هذا خطأ فإن
الحديث عند (م دس ق) مروي عن مسعر، انظر تحفة الأشراف
ج٣ص٣٨.
والحديث مضى مشروحا، إلا أن قوله: ((فأهوى إليّ)) هكذا وقع
في النسخة المصرية والهندية ((إلى)) ففيه التفات فإن الظاهر أن يقول
((فأهوى إليه))، وأشار في هامش الهندية إلى أنه وقع في نسخة:
((فأهوى إليه)) وهو الذي عند أبي داود، وهو واضح .
وقوله: ((فأهوى إليه)) أي مال عَّ إلى حذيفة، ومَدَّيَدَه نحوه
ليصافحه، على عادته ، قال في المصباح: وأهوى إلى الشيء بيده: مَدَّها
ليأخذه إذا كان عن قُرب ، فإن كان عن بُعْد قيل : هَوَى إليه بغير
ألف . اهـ.

١٧٢ - باب مماسة الجنب ومجالسته - حديث رقم ٢٦٩
٥٨٩ -
ثم إنه لا منافاة بين هذه الرواية والرواية المتقدمة ، لأنه يمكن الجمع
بینهما بأنه حیث أهوى إليه حاد حذيفة بلا كلام ، ثم لما جاء كلمه =#في
ذلك؟ فاعتذر إليه بقوله : إني كنت جنبًا .. الخ . والله تعالى أعلم.
٢٦٩ - أخْبَرَنَا حُمَيْدُ(١) بْنُ مَسْعَدَةَ ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ وَهُوَ ابْنُ
الْفَضَّلِ -، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ بَكْرٍ ، عَنْ أَبِيٍ رَافِعِ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أنَّ الشِِّّ ◌َ* لَقِيَهُ فِي طَرِيقٍ ، مِنْ طُرقِ
المَدينَة وَهُوَ جُنُبٌ، فَانْسَلَّ عَنْهُ فَاغْتَسَلَ ، فَفَقَّدَهُ النَّبِيُّ ◌َِّ،
فَلَمَا جَاءَ قَالَ : ((أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟)) قَالَ: يَا رَسُولَ
اللَّهِ، إِنَّكَ لَقِيتَنِي، وَنَا جُنُبٌ فَكَرِهْتُ أنْ أُجَالِسَكَ حَتَّى
أَغْتَسلَ ، فَقَالَ: ((سُبْحَانَ اللَّه، إنَّ الْمُؤْمِنَ لاَ يَنْجَسُ)).
رجال هذا الإسناد : ستة
١- ( حميد بن مسعدة) بن المبارك السامي الباهلي البصري
صدوق-١٠ - تقدم في ٥/ ٥ .
٢- ( بشر بن المفضل) الرقاشي أبو إسماعيل البصري ثقة ثبت-٨-
تقدم في ٦٦/ ٨٢ .
(١) وقع في الهندية : بدلا عن حميد: قتيبة بن سعيد، وأظنه تصحيفا فإن المزي لم يذكر إلا
حميداً ، وقال محقق التحفة : هكذا وقع في الكبرى على الصواب ووقع في المجتبى قتيبة بن
سعيد ، وهو تصحيف . اهـ .

- ٥٩٠
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
٣- ( حميد) بن أبي حميد - تير ، وقيل : تيرويه البصري ثقة عابد
مدلس -٥- تقدم في ١٠٨/٨٧ .
٤ - (بكر) بن عبد الله المزني أبو عبد الله البصري ثقة ثبت
جليل-٣ - تقدم في ١٠٧/٨٧ .
٥- (أبو رافع) الصائغ نفيع المدني نزيل البصرة ثقة ثبت مشهور
بكنيته - ٣ - تقدم في ١٢٩ / ١٩١.
٦ - (أبو هريرة) الدوسي الصحابي الجليل رضي الله عنه تقدم في ١/ ١
لطائف هذا الإسناد
منها: أنها من سداسياته، وأن رواته كلهم ثقات، وحميد وثقه
المصنف، وكلهم بصريون إلا الصحابي فمدني ، وفيه ثلاثة من التابعين
یروی بعضهم عن بعض، حمید ، وبکر، وأبو رافع ، وفيه أبو هريرة أکثر
الصحابة رواية ، روى - ٥٣٧٤ - حديثًا ، وفيه قوله : وهو ابن
المفضل، وقد تقدم البحث عنه غير مرة . والله تعالى أعلم .
شرح الحديث
(عن أبي هريرة) رضي الله عنه (أن النبي # لقيه في طريق من طرق
المدينة ، وهو جنب) جملة حالية من المفعول (فانسل عنه) أي ذهب عن
النبي عَّ في خُفْية، قال ابن منظور رحمه الله : والانسلال المضيّ،
والخروج من مضيق، أو زحام ، وانسل، وتسلل : انطلق في استخفاء ،
ويقال : انسل فلان من بين القوم يَعْدُو: إذا خرج في خفية يَعْدُو . اهـ
باختصار وتصرف .
ووقع عند البخاري: ((فانخنست منه))، والانخناس الانقباض
والرجوع ، وماقارب ذلك المعنى ، يقال : خنس لازمًا ومتعديًا، فمن

٥٩١ -
١٧٢ - باب مماسة الجنب ومجالسته - حديث رقم ٢٦٩
اللازم ما جاء في الحديث في ذكر الشيطان (( فإن ذكر الله خَنَس )) ومن
المتعدي ما جاء في الحديث ((وخنس إبهامه)) أي قبضها .
وقيل : إنه يقال : أخنسه في المتعدي ، وقد روي في هذه اللفظة :
(فانبجست منه)) بالجيم من الانبجاس ، وهو الاندفاع ، أي اندفعت
عنه، ويؤيده قوله في حديث آخر: ((فانسللت منه )) وروي أيضًا
((فانبخست منه))، من البخس وهو النقص، وقد استُبعدَت هذه
الرواية، ووُجُّهَت على بعدها بأنه اعتقد نقصان نفسه بجنابته عن
مجالسته # أو مصاحبته مع اعتقاد نجاسة نفسه ، هذا أو معناه . قاله ابن
دقيق العيد رحمه الله في الإحكام ج١ ص٣٥٩- ٣٦٢. بنسخة الحاشية.
(فاغتسل ففقده النبي #&) أي عدمه ، يقال: فقدته، فقدا، من باب
ضرب، وفُقْدانا بالكسر والضم : عَدمته ، فهو فقيد ومفقود ، وافتقدته
مثله ، وتفقدته طلبته . اهـ المصباح بزيادة .
والمعنى أنه ## لم يجد أبا هريرة رضي الله عنه بعدما أبصره عنده ،
لكونه ذهب يغتسل عن جنابته لاعتقاده أنه نجس بسببها ( فلما جاء) من
المکان الذي يغتسل فیه(قال)﴾مستفهما له عن سبب غيبته (أین کنت یا
أبا هريرة ، قال : يا رسول الله إنك لقيتني) أي صادفتني ، يقال: لقيته
ألقاه ، من باب تعب، لُقيّا بالضم ، والأصل على فعول ، فاجتمعت
الواو والياء فقلبت الواو ياء ثم أدغمت في الياء، ولُقىّ بالضم مع القصر،
ولقاء- بالكسر مع المد والقصر، وكل شيء استقبل شيئًا ، أو صادفه ،
فقد لقيه ، ومنه لقاء البيت : استقباله اهـ المصباح بزيادة .
(وأنا جنب) جملة حالية من الضمير المفعول في ((لقيتني)) ( فكرهت
أن أجالسك حتى أغتسل) وعند البخاري ((وأنا على غير طهارة))،
وإنما فعل أبو هريرة هذا لأنه # كان إذا لقي أحدًا من أصحابه ماسحه

- ٥٩٢
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
ودعا له ، كما تقدم في حديث حذيفة رضي الله عنه ، فظن أنه يفعل معه
ذلك ، وهو على غير طهارة في ظنه (فقال) ﴾ تعجبا من خفاء هذا
الحكم عليه (سبحان الله) ((سبحان)) علم للتسبيح كعثمان علم للرجل،
وقال الفراء : منصوب على المصدر ، كأنك قلت: سبحت الله تسبيحًا ،
فجعل سبحان في موضع التسبيح، وهو منصوب بفعل محذوف وجوبًا.
قال ابن الأنباري : معناه : سبحتك تنزيها لك يا ربنا من الأولاد
والصاحبة والشركاء ، أي نزهناك من ذلك، وقال القزاز: معناه: بَرَّاتُ
الله تعالى من السوء ، وقال أبو عبيدة: نسبح لك، ونحمدك، ونصلي
لك، وقال الزمخشري في أساس البلاغة : سبحت الله، وسبحت له،
وكثرت تسبيحاته ، وتسابيحه . وفي المغيث لأبي موسى المديني : سبحان
الله قائم مقام الفعل ، أي أسبحه وسبحت ، أي لفظت سبحان الله ،
وقيل : معناه أتسرع إليه ، وألحقه في طاعته ، من قولهم : فرس سابح ،
وذكر النضر بن شميل : أن معناه السرعة إلى هذه اللفظة ، لأن الإنسان
يبدأ فیقول : سبحان الله . أفاده العیني في عمدته ج٣ص٢٣٨-٢٣٩.
واستعماله في مثل هذا الموضع يراد به التعجب ، ومعنى التعجب هنا
أنه كيف يخفى مثل هذا الظاهر عليه ( إن المؤمن لا ينجس) تقدم الكلام
على هذه الجملة في حديث حذيفة رضي الله عنه . والله تعالى أعلم .
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا متفق
عليه .
المسألة الثانية : في بيان مواضع ذكر المصنف له : أخرجه المصنف هنا
٢٦٩/١٧٢، وفي الكبرى-١٥١/ ٢٦٣ - بالسند المذكور.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه(خ) في الطهارة عن علي بن

1
١٧٢ - باب مماسة الجنب ومجالسته - حديث رقم ٢٦٩
٥٩٣-
عبد الله، عن يحيى بن سعيد، وعن عياش بن الوليد، عن عبد الأعلى،
كلاهما عن حميد الطويل، عن بكر بن عبد الله المزني، عن نفيع الصائغ
عنه .
وأخرجه (م) فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن إسماعيل بن علية ،
وعن زهير بن حرب، عن يحيى بن سعيد ، كلاهما عن حميد الطويل
به. وأخرجه (د) فيه عن مسدد ، عن يحيى بن سعيد، وبشر بن المفضل،
كلاهما عن حميد به . وأخرجه(ت) فیه عن إسحاق بن منصور، عن
يحيى بن سعيد به . وأخرجه (ق) فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن ابن
علية، عن حميد به . وأخرجه البيهقي . والله أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده : يستفاد من هذا الحديث : ما ترجم له
المصنف، وهو جواز مماسة الجنب، ومجالسته . وأن المؤمن لا ينجس سواء
کان جنبا أو محدثا حيا أو ميتا وكذا سؤره، وعرقه، ولعابه، ودمعه ،
واستدل به ابن حزم وبقوله تعالى: ﴿إنما المشركون نجس﴾ [التوبة: ٢٨]
على نجاسة الكافر نجاسة عينية ، وسيأتي تحقيق الخلاف في هذه المسألة
في المسألة التالية إن شاء الله .
وفيه استحباب الطهارة عند ملابسة الأمور المعظمة لأن محل الإنكار
على أبي هريرة قوله ((وأنا على غير طهارة)) لا قوله ((فكرهت أن أجالسك))
واستحباب احترام أهل الفضل، وتوقيرهم، ومصاحبتهم على أكمل
الهيئات، وأحسن الصفات ، وقد استحب العلماء لطالب العلم أن
يحسن حاله عند مجالسة شيخه ، فيكون متطهراً متنظفًا بإزالة الشعوث
المأمور بإزالتها ، نحو قص الشارب ، وقلم الأظفار، وإزالة الروائح
الكريهة، وغير ذلك . قاله النووي . وفيه استحباب استئذان التابع
للمتبوع إذا أراد أن يفارقه لقوله ((أین کنت) فأشار إلى أنه كان ينبغي له أن

- ٥٩٤
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
لا يفارقه حتى يعلمه ، وفيه استحباب تنبيه المتبوع لتابعه على الصواب،
وإن لم يسأله، وفيه جواز تأخير الاغتسال عن أول وقت وجوبه ، وبوب
عليه ابن حبان ((الرد على من زعم أن الجنب إذا وقع في البئر فنوى
الاغتسال أن ماء البئر ينجس)) واستدل به البخاري على طهارة عرق
الجنب، لأن بدنه لا ينجس بالجنابة ، فكذلك ما تحلب منه ، وعلى جواز
تصرف الجنب في حوائجه قبل اغتساله. قاله في الفتح . ج١ ص٤٦٥ .
المسألة الخامسة: في مذاهب العلماء في طهارة المسلم حيا وميتا، وهل
الكافر نجس، أم لا؟ . قال النووي رحمه الله : هذا الحديث أصل عظيم
في طهارة المسلم حيا وميتا ، فأما الحي فطاهر بإجماع المسلمين حتى
الجنين إذا ألقته أمه وعليه رطوبة فرجها ، قال بعض أصحابنا : هو طاهر
بإجماع المسلمين ، قال : ولا يجيء فيه الخلاف المعروف في نجاسة
رطوبة الفرج ، ولا الخلاف المذكور في كتب أصحابنا في نجاسة ظاهر
بيض الدجاج ونحوه ، فإن فيه وجهين بناء على رطوبة الفرج . هذا
حكم المسلم الحي ، وأما الميت ففيه خلاف للعلماء ، وللشافعي فيه
قولان، الصحيح منهما أنه طاهر، ولهذا غسل، ولقوله علي: ((إن
المسلم لا ينجس ))، وذكر البخاري في صحيحه عن ابن عباس تعليقا :
((المسلم لاينجس حيا ولا ميتا))، هذا حكم المسلم ، وأما الكافر
فحكمه في الطهارة والنجاسة حكم المسلم ، هذا مذهبنا ومذهب
الجماهير من السلف والخلف . وأماقول الله عز وجل: ﴿إنما المشركون
نجس﴾ فالمراد نجاسة الاعتقاد ، والاستقذار ، وليس المراد أن أعضاءهم
نجسة، كنجاسة البول ، والغائط ونحوهما ، فإذا ثبت طهارة الآدمي
مسلما كان أو كافرا فعرقه ولعابه ودمعه طاهرات ، سواء كان محدثًا،
أو جنبًا، أو حائضًا، أو نفساء ، وهذا كله بإجماع المسلمين .
قال الجامع عفا الله عنه : في دعواه الإجماع بالنسبة للكافر نظر ، فإن

١٧٢ - باب مماسة الجنب ومجالسته - حديث رقم ٢٦٩
٥٩٥ -
مذهب الظاهرية أنه نجس العين كما سنذكره .
قال: وكذلك الصبيان أبدانهم وثيابهم ولعابهم محمولة على الطهارة
حتى تتيقن النجاسة ، فتجوز الصلاة في ثيابهم والأكل معهم من المائع إذا
غمسوا أيديهم فيه ، ودلائل هذا كله من السنة والإجماع مشهورة .
والله أعلم . اهـ شرح مسلم - ج٤ ص٦٦.
وقال الحافظ في الفتح : تمسك بمفهومه - یعنی حدیث الباب - بعض
أهل الظاهر .
قال الجامع عفا الله عنه: هو أبو محمد بن حزم الظاهري. فقال إن
الكافر نجس العين، وقواه بقوله تعالى: ﴿إنما المشركون نجس﴾
[التوبة: ٢٨]، وأجاب الجمهور عن الحديث بأن المراد أن المؤمن طاهر
الأعضاء لاعتياده مجانبة النجاسة ، بخلاف المشرك لعدم تحفظه عن
النجاسة، وعن الآية بأن المراد أنهم نجس في الاعتقاد والاستقذار ،
وحجتهم أن الله تعالى أباح نكاح نساء أهل الكتاب ، ومعلوم أن
عرقهن لا يسلم منه من یضاجعهن ، ومع ذلك فلم یجب عليه من غسل
الكتابية إلا مثل مايجب عليه من غسل المسلمة ، فدل على أن الآدمي
الحي ليس بنجس العين إذ لافرق بين النساء والرجال ، وأغرب القرطبي
في الجنائز من شرح مسلم فنسب القول بنجاسة الكافر إلى الشافعي .
اه فتح ج ١ ص٤٦٥.
وقال الصنعاني رحمه الله : ذهب قوم إلى أنه - يعني الميت - ينجس
بالموت، ويطهر بالغسل ، وآخرون إلى أنه لا يطهره الغسل، بل الغسل
مجرد تعبد ، وآخرون إلى أنه لاينجس بالموت بل هو طاهر ، وهذا
الأخير أظهر الأقوال وألصقها بالصواب لعدم الأدلة على خلافه ، إلا
عمومات تحريم أكل الميتة ، ولا ملازمة بين تحريم الأكل والنجاسة ، فإنه
i

- ٥٩٦
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
يحرم أكله حيا ، وهو طاهر الذات اتفاقا ، والأصل بقاؤه بعد الموت على
ما کان علیه قبله . اهـ العدة ج١ ص٣٦٤.
قال الجامع عفا الله عنه : الذي يترجح عندي قول الجمهور ، من أن
الآدمي طاهر مطلقًا، مسلمًا كان أو كافراً ، للأدلة التي تقدمت ، وأقواها
جواز نكاح الكتابيات ، وجواز أكل طعامهم، وربط النبي # ثمامة بن
أثال الحنفي في مسجده حین أسر ، وقد ترجم البخاري علیهاباب دخول
المشرك المسجد)) فأورد حديث أبي هريرة رضي الله عنه: ((بعث رسول
الله عَّه خيلا قبل نجد ، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له: ثمامة بن
أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد))، وسيأتي للمصنف (( ربط
الأسير بسارية المسجد)) من كتاب المساجد برقم ٢٠/ ٧١٢، فدل هذا على
طهارته ، فلو كان نجسا لما أدخله المسجد، والأمر الصحابة الذين ربطوه
بغسل أعضائهم لمسه، وأما آية: ﴿إنما المشركون نجس﴾ [التوبة: ٢٨]
فمحولة على نجاسة الاعتقاد كما تقدم ، توفيقًا بين الأدلة . والله أعلم .
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه
توکلت ، وإليه أنيب » .

١٧٣ - باب استخدام الحائض - حديث رقم ٢٧٠
٥٩٧ -
١٧٣ - بَابُ اسْتِخْدَامِ الحَانِضِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على جواز استخدام الحائض ، لكون
بدنها طاهرا إلا محل الأذى .
وموضع الاستدلال من الحديث واضح من قوله : ((ناوليني
الثوب))، ((ناوليني الخمرة)) حيث أمرها بالمناولة وهي حائض ، فلما
أخبرته بأنها حائض، قال: ((ليست حيضتك في يدك)).
٢٧٠ - أخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْثَنَى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْتَى بْنُ سَعِيدٍ،
عَنْ يَزِيدَ بْنٍ كَيْسَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ ، قَالَ : قَالَ
أَبُو هُرَيْرَةَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ عَهُ فِي الْمَسْجد إِذْ قَالَ: ((يَا
عَائِشَةُ نَاوِلِينِي الثَّوْبَ))، فَقَالَتْ: إِنِّي لاَ أُصَلِّي، فَقَالَ:
((إِنَّهُ لَيْسَ فِي يَدِكِ)) فَنَاوَلَتْهُ .
رجال هذا الإسناد : خمسة
١- (محمد بن المثنى) أبو موسى العنزي البصري ثقة ثبت- ١٠ - تقدم
في ٨٠/٦٤ .
٢- (يحيى بن سعيد) أبو سعيد القطان البصري ثقة حجة-٩-تقدم
في ٤ / ٤ .
٣- (یزید بن كيسان) الیکشري أبو إسماعيل، ويقال: أبو مُنَين - بنونين

- ٥٩٨
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
مصغراً - الكوفي . روى عن أبي حازم سلمان الأشجعي، ومعبد أبي
الأزهر. وعنه عبد الواحد بن زياد، وابن عيينة، وأبو خالد الأحمر،
وخلف بن خلیفة، وعلي بن هاشم بن البرید، ومروان بن معاوية، ویحیی
ابن سعيد القطان، ومحمد بن عبيد الطنافسي، وآخرون .
قال علي بن المديني عن القطان : صالح وسط ليس هو ممن يعتمد
عليه، وقال ابن معين، والنسائي : ثقة ، وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه :
يكتب حديثه محله الصدق صالح الحديث . قلت: يحتج بحديثه ؟ قال :
بعض ما یأتي به صحیح ، وبعضه لا . قال أبي : يحول من کتاب
الضعفاء ، وقال ابن حبان في الثقات : يزيد بن كيسان الأسلمي كنيته
أبو إسماعيل ، وهو الذي يقال له : أبو منين كان يخطىء ويخالف لم
یفحش خطأه حتی یعدل به عن سبیل العدول ، ولا أتی ما ینکر ، فهو
مقبول ، إلا ما يعلم أنه أخطأ فيه فيترك خطأه كغيره من الثقات . وقال
الدار قطني : كوفي ثقة ، وقال العقيلي : قال أحمد بن حنبل : ثقة ،
وقال أبو أحمد الحاكم : ليس بالحافظ عندهم . أخرج له الجماعة إلا
البخاري . اهـ (تت)) ج١١ ص٣٥٦.
٤ - (أبو حازم) سلمان الأشجعي الكوفي . روى عن مولاته عزة
الأشجعية، وابن عمر، وأبي هريرة، والحسن، والحسين، وابن الزبير،
وغيرهم . وعنه الأعمش، ومنصور، وأبو مالك الأشجعي، وعدي بن
ثابت، وفضيل بن غزوان، وميسرة الأشجعي، ومحمد بن جُحَادة،
ومحمد بن عجلان، ويزيد بن كيسان، وسيار أبو الحكم، وبشير أبو
إسماعيل، وعبد الرحمن بن الأصبهاني، وفرات القزاز، ونعيم بن أبي
هند، وهارون بن سعد، وغيرهم .
وثقه أحمد، وابن معين، وأبو داود ، ووثقه العجلي، وابن سعد،

٥٩٩ -
١٧٣ - باب استخدام الحائض - حديث رقم ٢٧٠
وقال: وله أحاديث صالحة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن
عبدالبر : أجمعوا على توثيقه. قيل: مات في خلافة عمر بن عبد العزيز .
أخرج له الجماعة .
٥- ( أبو هريرة) رضي الله عنه تقدم في ١/١ . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها أنه من خماسياته ، وأن رواته كلهم ثقات، اتفقوا على توثيقهم،
إلا يزيد ففيه ما تقدم، وكلهم اتفقوا عليهم، إلا يزيد أيضًا ، فما أخرج
له (خ)، وفيه يزيد ، وأبو حازم هذا الموضع أول ذكرهما .
شرح الحديث
( قال أبو هريرة) رضي الله عنه ( بينما) هي ((بين)) ، يقال فيها : بينا
بإشباع الفتحة ، ويقال بينما بزيادة الميم ، وهما ظرفان بمعنى المفاجأة ،
ويضافان إلى جملة من فعل وفاعل ، ومبتدإ وخبر ، ويحتاجان إلى
جواب يتم به المعنى، والأفصح في جوابهما ألا يكون فيه ((إذ)) و((إذا))،
وقد جاءا في الجواب کثیرًا ، تقول : بينا زید جالس دخل عليه عمرو ،
وإذ دخل عليه ، وإذا دخل عليه ، ومنه قول الحرقة بنت النعمان (من
الطويل) :
فَبَيْنَا نَسُوسُ النَّاسَ وَالأَمْرُ أمْرُنَا إِذَا نَحْنُ فِيهِمْ سُوقَةٌ نَتَنَصَُّ
قاله ابن بَرّيّ، وكان الأصمعي يخفض بعد (بينا)) إذا صلح في
موضعه بین، وينشد قول أبي ذويب بالكسر (من الكامل) :
بَيْنَا تَعَنَّقُه الكُمَاةَ وَرَوْفِهِ يَوْمًا أُتْبِحَ لَهُ جَرِيءٌ سَلْفَعُ
وغيره يرفع ما بعد (بينا)) و((بينما)) على الابتداء والخبر، وقال المبرد: إذا
کان الاسم الذي يجيء بعد (بینا)) اسمًا حقيقيًا رفعته بالابتداء ، وإن كان
اسماً مصدريًا خفضته، ويكون في هذا الحال بمعنى ((بين))، وكذا قال

- ٦٠٠
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
أحمد بن يحيى لكنه قال : إلا أن من الفصحاء من يرفع الاسم الذي بعد
(بينا))، وإن كان مصدريا فيلحقه بالاسم الحقيقي، قال: وأما ((بينما)):
فالاسم الذي بعده مرفوع ، وكذلك المصدر ، وقال ابن سيده : ((بينا))
و((بينما)) من حروف الابتداء ، وليست الألف في (بينا)) بصلة، و((بينا))
فعلى أشبعت الفتحة فصارت ألفا ، و((بينما)) هي: ((بين)) ، زيدت عليه
((ما))، والمعنى واحد . أفاده في اللسان .
(رسول الله - في المسجد) جملة من مبتدإ وخبر ، فـ((رسول)) مبتدأ
والجارو والمجرور خبره، فإن ((بينما)) كما تقدم قريبًا تضاف إلى الجملة
الاسمية كما تضاف إلى الجملة الفعلية. لأنها((بين)) زيدت عليها (١) ((ما)) عند
بعضهم، أو أشبعت الفتحة فتولدت الألف ثم دعمت بالميم عند بعضهم.
فإن قيل : إن ((بین)) لايضاف إلا إلى ما يدل على أكثر من واحد وما
عطف عليه غيره بالواو ، نحو: المال بين القوم ، والمال بين زيد وعمرو ،
وليست الجملة كذلك ؟ أجيب بأن هنا مضافًا محذوفًا تقديره : بین
أوقات رسول الله عَّ في المسجد إذ قال. والجمل تضاف إليها أسماء
الزمان نحو أتيتك زَمَنَ الحجاج أمير، وأوَانَ الخليفةُ عبد الملك، ثم حذف
المضاف ، وأقيم المضاف إليه مقامه . أفاده ابن منظور في اللسان، ونقلته
بتصرف .
(إذ قال) ((إذ)) الواقعة بعد ((بينا)) و((بينما)) للمفاجأة، كما نص عليه
سيبويه ، وهل هي ظرف مكان ، أو زمان، أو حرف بمعنى المفاجأة ، أو
حرف توكيد ، أي زائد، أقوال ، وعلى القول بالظرفية ، فقال ابن جني :
عاملها الفعل الذي بعدها، لأنها غير مضافة إليه، وعامل ((بينا)) و((بينما))
(١) وقال ابن هشام في المغني: ((ما)) بعد ((بين)) كافة، وقيل مصدرية، و((بين)) مضافة إلى الجملة،
وقيل : زائدة ، و((بين)) مضافة إلى زمن محذوف مضاف إلى الجملة، قال: والأقوال الثلاثة
تجري في ((بينا)) مع الألف، اهـ انظر المغني جـ٢ ص ١٠ نسخة الأمير.