النص المفهرس

صفحات 561-580

i
١٧١ - باب حجب الجنب من قراءة القرآن - حديث رقم ٢٦٥
٥٦١ -
وكذا قال ابن معين، والدراقطني، وابن ماكولا . وقال النسائي في
المرادي: لا أعلم أحداً روى عنه غير عمرو بن مرة ، وقال في الكنى : أنا
عبد الله بن أحمد، سألت أبي عن ابن سلمة روى عنه غير عمرو بن مرة ؟
فقال: أبو إسحاق ، وقال ابن نمير : هذا ليس هو ذاك ، صاحب عمرو
لم يرو عنه إلا عمرو . والذي قاله ابن نمير أصح ، وفرق بينهما أيضًا ابن
حبان ، فقال في الهمداني : ما حكاه عنه المزي ، وقال في المرادي:
عبد الله بن سلمة يروي عن علي ، وعنه عمرو بن مرة يخطىء ، وقد بينه
الحاكم أبو أحمد بيانا شافيا في كتاب الكنى ، وقال : عبد الله بن سلمة
مرادي يروي عن سعد، وعلي ، وابن مسعود، وصفوان بن عسال .
وعنه عمرو بن مرة، وأبو الزبير، حديثه ليس بالقائم ، وعبد الله بن
سلمة الهمداني إنما يعرف له قوله فقط ، ولا يعرف له راويًا غير أبي
إسحاق السبيعي ، ثم قال ما معناه : إن الغلط إنما وقع عند من جعلهما
واحدًا بكنية من كنى المرادي أبا العالية - يعني من المتأخرين - وإنما هي
كنية الهمداني ، قال : ولا أعلم أحدًا كنى المرادي ، قال : وقد وقع
الخطأ فيه لمسلم، وغيره. والله أعلم. أخرج له الأربعة. اهـاتتاج٥
ص٢٤١ - ٢٤٣ .
٦- (علي) بن أبي طالب أبو الحسن الهاشمي أحد الخلفاء الراشدين
رضي الله عنه تقدم في ٧٤/ ٩١.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسياته، وأن رواته كلهم ثقات، إلا عبد الله بن سلمة
فصدوق تغير حفظه ، وهم ما بين مروزي وهو شيخه ، وبصریین وهما
إسماعيل، وشعبة ، وكوفيين ، وهم الباقون ، وقد اتفق الأئمة بالتخريج
لهم إلا شیخه فلم یرو عنه (دق) وعبد الله بن سلمة فلم يرو عنه (خ م)،

-٥٦٢
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
وفيه سلمة بكسر اللام ، قال السيوطي في ألفية الحديث :
عَمْرٌوَ وَعَبْدُ اللَّه نَجْلًا سَلِمَهْ بِالكَسْرِمَعْ قَبِيلَة مُكَرَّمَهْ
والسَّلَميّ للقَبيلِ وَافِقِ
وَالْخُلْفُ في والد عَبْد الخَالقِ
يعني أن سَلَمة بفتح اللام إلا عمرو بن سَلِمَة، وعبد الله بن سلمة،
وبني سلمة القبيلة المعروفة من الأنصار ، واختُلف في عبد الخالق بن
سلمة فقيل بالفتح ، وقيل بالكسر. والله أعلم .
شرح الحديث
(عن عبد الله بن سلمة) بكسر اللام المرادي الكوفي ، أنه ( قال : أتيت
عليا ) أي ابن أبي طالب رضي الله عنه ( أنا ) ضمير منفصل أكد به
الضمير المتصل للقاعدة المقررة التي ذكرها ابن مالك بقوله :
وَإِنْ عَلَى ضَمير رَفْعِ مُتَّصلْ عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمير المُنْفَصِلْ
( ورجلان ) معطوف على الضمير الفاعل ، وقد طول الحديث أبو
داود في سننه ، فقال بسنده : عن عبد الله بن سلمة قال دخلت على
علي رضي الله عنه أنا ورجلان ، رجل منا ، ورجل من بني أسد ،
أحسب بعثهما علي رضي الله عنه وجها (١)، وقال: إنكما علْجَان(٢)
فعالجا عن دينكما، ثم قام فدخل المخرج ، ثم خرج ، فدعا بماء فأخذ منه
حفنة ، فتمسح بها(٣) يديه، ثم جعل يقرأ القرآن ، فأنكروا ذلك، فقال:
إن رسول # كان يخرج من الخلاء .. الحديث . (كان رسول الله:
يخرج من الخلاء) بالفتح والمد كالفضاء وزنا ومعنى، وهو أيضًا المُتَوَضَّأ،
قاله في المصباح ، والمراد هنا محل قضاء الحاجة من البول والغائط ،
سمي بذلك لأنهم يقضون حاجتهم غالبا في الفضاء بُعْدًا عن أعين
(٢) أي قویان .
(٣) أي غسل بتلك الحفنة كما صرح به الدار قطني .
(١) أي جهةً .

٥٦٣_
١٧١ - باب حجب الجنب من قراءة القرآن - حديث رقم ٢٦٥
الناس، وقد تقدم الكلام عليه مستوفى في أوائل هذا الشرح ١٦/١٦
(فيقرأ القرآن) إنما ذكر علي هذا حين أنكروا عليه قراءة القرآن بعد الخلاء
كما بينته رواية أبي داود المذكورة آنفا، وعند أبي داود: ((فيقرئنا القرآن»
من الإقراء ، وهو مستلزم للقراءة ، والمراد أنه لا يتوضأ لأجل القرآن
(ويأكل معنا اللحم) أي قبل الوضوء ، وعند ابن ماجه : ((فيأكل معنا
الخبز واللحم))، قال الطيبي: لعل انضمام أكل اللحم مع قراء القرآن
للإشعار بجواز الجمع بينهما من غير وضوء. أو مضمضة كما في
الصلاة. اهـ والمراد أنه كان لا يمنعه الحدث من القراءة والأكل ونحوهما.
کما أشار إليه بقوله ( ولم یکن یحجبه) أي يمنعه ، وقد تقدم أول
الباب أنه من باب قتل ، وعند أبي داود: أو قال: ((يحجزه)) (عن القرآن)
متعلق ب(یحجب)) ، أي عن قراءته وإقرائه ، جملة ((یحجبه)) خبر ((یکن))
مقدما على اسمها ، وهو قوله ( شيء) من أنواع الحدث .
قال السندي : والمراد بعموم شيء ما يجوز العقل فيه القراءة من
الأحوال ، وإلا فحالة البول والغائط مثل الجنابة ، لكن خروجهما عقلا
أغنى عن الاستثناء . اهـ وقوله ( ليس الجنابة ) ليس هنا من أداوت
الاستثناء ، وهي فعل ماض ناقص ، واسمها ضمير مستتر، اختلف
النحاة في مرجعه ، فقيل : يعود على البعض المفهوم من الكل السابق ،
والتقدير : ليس بعضُ الحدث ، وقيل على اسم الفاعل المفهوم من الفعل
السابق ، والتقدير : ليس الحَاجبُ، وقيل : على المصدر المفهوم من
الفعل السابق ، والتقدير : ليس الحجب ، والأول أصح ، وقوله
(الجنابة) بالنصب خبرها ، وهو المُسْتَثْنَى ، ونقل السيوطي رحمه الله في
شرحه عن الزركشي أن ((ليس)) هنا بمعنى ((غير))، اهـ .
فإن أراد أنها هنا للاستثناء فلا يخالف ما ذكرناه ، وإن أراد أنها اسم
بمعناها فهذا مما لم أر أحداً من النحاة أثبته فيحتاج إلى إثباته .

- ٥٦٤
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
قال: وقال البزار: إنها بمعنى ((إلا))، ويؤيده رواية ابن حبان ((إلا
الجنابة))، وفي رواية له ((ما خلا الجنابة)). اهـ.
وحاصل المعنى أنه عَّ كان لا يمنعه شيء من أنواع الحدث عن قراءة
القرآن إلا الجنابة . وفيه منع الجنب عن القرآن ، وسيأتي تحقيق الكلام
فيه قريبًا إن شاء الله تعالى . والله تعالى أعلم .
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته : هذا الحديث : ضعيف (١)، لأن في سنده
عبد الله بن سلمة كان قد تغير ، وروى هذا بعد ماكبر ، كما قال شعبة،
وصححه الترمذي، وابن السكن، وعبد الحق، والبغوي في شرح السنة ،
وروى ابن خزيمة بإسناده، عن شعبة قال : هذا الحديث ثلث رأس مالي ،
وقال الدارقطني : قال شعبة : ما أحدث بحديث أحسن منه ، وقال
البزار: لا يُروى من حديث علي إلا عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن
سلمة عنه، وحكى الدار قطني في العلل أن بعضهم رواه عن عمرو بن
مرة، عن أبي البختري ، عن علي، وخَطَّأ هذه الرواية ، وقال الشافعي
في سنن حرملة : إن كان هذا الحديث ثابتا ففيه دلالة على تحريم القرآن
على الجنب (٢) .
وقال في جماع كتاب الطهور : أهل الحديث لا يثبتونه ، قال البيهقي :
إنما قال ذلك ، لأن عبد الله بن سلمة راویه كان قد تغير ، وإنما روى هذا
الحديث بعدما كبر ، قاله شعبة . وقال الخطابي : كان أحمد یوهن هذا
(١) وممن ضعفه العلامة الألباني في ضعيف السنن ، ومن صححه العلامة أحمد شاكر في تحقيقه
للترمذي، ج١ ص ٢٧٥ ، وذكر أن حديث علي الآتي يكون شاهدا له فيصح وسيأتي الكلام
على حديث علي بأنه اختلف فيه بالوقف والرفع وصحح الدار قطني فيه الوقف وهو الحق .
لما يأتي فلا يكون الموقوف شاهدًا لهذا . فتدبر .
(٢) في الاستدلال بهذا الحديث على تقدير صحته نظر لأنه حكاية فعل ، وهي ليست نهيا ، كما
يأتي في كلام ابن خزيمة . فتبصر .

١٧١ - باب حجب الجنب من قراءة القرآن - حديث رقم ٢٦٥
٥٦٥ -
الحديث . وقال النووي في الخلاصة : خالف الترمذيَّ الأكثرون،
فضعفوا هذا الحديث ، قال الحافظ : وتخصيصه الترمذي بذلك دلیل
على أنه لم ير تصحيحه لغيره ، وقد قدمنا ذکر من صححه غیر الترمذي،
وروى الدراقطني عن علي موقوفا: ((اقرؤا القرآن ما لم تصب أحدكم
جنابة ، فإن أصابته فلا ولا حرفا»، قال الحافظ : وهذا يعضد حديث
عبد الله بن سلمة (١).
لكن قال ابن خزيمة : لاحجة في هذا الحديث لمن منع الجنب من
القراءة، لأنه ليس فيه نهي، وإنما هي حكاية فعل، ولم يبين النبي علمه أنه
إنما امتنع من ذلك لأجل الجنابة ، أفاده في التلخيص . ج١ ص١٢٩ .
قال الجامع عفا الله عنه : الراجح عندي أن حديث الباب ضعيف لأن
مداره على عبد الله بن سلمة ، وقد حدث به بعد ما تغير، وكبر كما قاله
شعبة ، وأما المصححون فلم يذكروا مستندا لقولهم وتساهل بعضهم
معروف کالترمذي، والحاكم، فإنه صححه، وقال: عبد الله بن سلمة
لامطعن فيه، وهذا هو التساهل، ومن الغريب أن الذهبي وافقه على هذا.
وأما ما قاله العلامة أحمد شاكر في تعليقه للترمذي من أن عبد الله بن
سلمة توبع على معنى حديثه هذا عن علي ، فارتفعت شبهة الخطأ عن
روايته إذا كان سيء الحفظ في كبره كما قالوا ، ثم ذكر ما رواه أحمد في
مسنده ج١ ص١١٠ : حدثنا عائذ بن حبيب، حدثني عامر بن السمط،
عن أبي الغَريف، قال : أتيَ علي رضي الله عنه بوَضُوء، فمضمض،
واستنشنق ثلاثا ، وغسل وجهه ثلاثًا ، وغسل يديه وذراعيه ثلاثا ثلاثا ،
ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه ، ثم قال : هكذا رأيت رسول الله ﴾.
(١) في هذا الكلام نظر لأن الموقوف معناه أنه رأي ومذهب له فكيف يكون مذهب الصحابي حجة
على إثبات التحريم ، وهذا غير مقبول فإن التشريع بالتحليل والتحريم لا يكون إلا بالنص أو
الإجماع . فتأمل .
أ

- ٥٦٦
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
توضأ ، ثم قرأ شيئًا من القرآن ، ثم قال : هذا لمن ليس بجنب ، فأما
الجنب فلا ، ولا آية .
فهذا الحديث وإن قال ابن شاكر صحيح جيد إلا أن فيه علة ، وقد
أشار الدارقطني إليها فذكره في سننه ج١ ص١١٨ عن أبي بكر
النيسابوري، وإسماعيل بن محمد الصفار، عن محمد بن عبد الملك
الدقيقي ، عن يزيد بن هارون ، عن عامر بن السِّمْط ، عن أبي الغريف ،
الهمداني ، قال : كنا مع علي في الرحبة ، فخرج إلى أقصى الرحبة ،
فو الله أبَوْلاً أَحْدَثَ أمْ غائطًا ، ثم جاء، فدعا بكوز من ماء، فغسل
كفيه، ثم قبضهما إليه ، ثم قرأ صدرًا من القرآن ، ثم قال : اقرءوا القرآن
ما لم يصب أحدكم جنابة ، فإن أصابته جنابة فلا ولا حرفا واحدا)).
قال الدارقطني : هو صحيح عن علي .
وهذا من الدار قطني إشارة إلى تضعيف رفعه ، حيث أن من وقفه
أرجح ممن رفعه ، فإن رافعه هو عائذ بن حبيب ، قال عنه في التقريب :
صدوق ورمي بالتشيع ، والكلام فيه كثير في الميزان وغيره ، وقد خالفه
فيه يزيد بن هارون المجمع على توثيقه فوقفه على علي وهو الصحيح .
كما قاله الدراقطني ، ولم ينتبه لهذا ابن شاكر.
والحاصل أن حديث الباب غير صحيح . وعلى تقدیر صحته لايكون
حجة في المسألة لأنه حكاية فعل ، فإنه عَّ ترك القراءة حال الجنابة ، وما
بَيَّن أنه إنما ترك لأجلها ، ومثله لا يصلح متمسكا للكراهة ، فكيف
يستدل به على التحريم .
وحديث علي المرفوع قد عرفت ما فيه من العلة ، وأما الموقوف فلا
يكون حجة . لأن قول الصحابة لا يكون حجة إلا إذا كان إجماعا ،
وقد خالفه ابن عباس من الصحابة كما يأتي قريبا ، إن شاء الله تعالى .

١٧١ - باب حجب الجنب من قراءة القرآن - حديث رقم ٢٦٥
٥٦٧ _
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا ١٧١ /
٢٦٥، ٢٦٦، والكبرى ١٥٠/ ٢٦١، ٢٦٢.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه : أخرجه ( د) في الطهارة عن حفص
ابن عمر الحوضي، عن شعبة، عن عمرو بن مرة ، عن عبد الله بن سلمة،
عن علي رضي الله عنه .
وأخرجه (ت) فيه عن أبي سعيد الأشج ، عن حفص بن غياث،
وعقبة بن خالد، كلاهما عن الأعمش، وابن أبي ليلى، كلاهما عن
عمرو بن مرة به .
وأخرجه (ق) فيه عن بندار، عن غندر، عن شعبة به ، ورواه أبو جعفر
الرازي، ومحمد بن فضيل ، ورواه عبد الله بن الأجلح، عن الأعمش،
كما قال ابن فضيل . قاله الحافظ المزي في ((تحفته)). ج٧ص٤٠٨.
وأخرجه أحمد، وابن حبان، والحاكم، والبزار، والدراقطني،
والبيهقي، وابن السكن، وعبد الحق، والبغوي .
المسألة الرابعة: في فوائده : يستفاد من هذا الحديث جواز قراءة القرآن
للمحدث حدثا أصغر من غير أن يتوضأ ، وكذا أكله اللحم ونحوه،
وشربه الشراب ، وعدم جواز التلاوة للجنب حتى يغتسل . وهو موضع
الترجمة للمصنف من الحديث . ولكن قد عرفت ضعفه ، ولئن سلمنا
صحته فلا يدل على المنع لما عرفت من كونه حكاية فعل لا تصلح متمسكا
للتحريم . فتنبه .
المسألة الخامسة: في مذاهب العلماء في قراءة الجنب للقرآن : قال
الحافظ أبو بكر بن المنذر رحمه الله : اختلف أهل العلم في قراءة الجنب
والحائض القرآن ، فكرهت طائفة أن يقرأ الجنب شيئا من القرآن ، وممن
رُوي عنه ذلك عمر ، وعلي، والحسن، وإبراهيم، والزهري، وقتادة،

- ٥٦٨
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
وجابر . وقال أبو عبيدة : الجنب مثل الحائض ، وقال عطاء : الحائض
لاتقرأ شيئا والجنب الآية ينفذها. وقال أبو العالية، وإبراهيم، والزهري،
وابن جبير : الحائض لا تقرأ من القرآن ، وقال جابر بن زيد : الحائض
لاتتم الآية . واختلف في قراءة الحائض عن الشافعي ، فحكى أبو ثور
عنه أنه قال : لا بأس أن تقرأ، وحكى الربيع عنه أنه قال : لا يقرأ الجنب
ولا الحائض ولا يحملان المصحف ، قال النووي : مذهبنا أنه يحرم على
الجنب والحائض القراءة قليلها وكثيرها حتى بعض الآية اهـ. المجموع
ج٢ ص ١٦٢ .
وكان أحمد يكره أن تقرأ الحائض ، وأما الجنب فاختلف النقل عنه ،
وقال أبو ثور : لا تقرأ الحائض، ولا الجنب القرآن .
ورخصت طائفة للجنب في القرآن، منهم ابن عباس، وكان يقرأ
ورده وهو جنب، فقيل له في ذلك ؟ فقال: ما في جوفي أكثر من ذلك ،
ومنهم عكرمة . ومنهم : ابن المسيب ، فقد قيل له : أيقرأ الجنب ؟ قال
نعم ، أليس في جوفه .
وقال مالك : لا يقرأ الجنب القرآن إلا أن يتعوذ بالآية والآيتين عند
منامه، ولا يدخل المسجد إلا عابر سبيل ، وكذلك الحائض .
وقال الأوزاعي : لايقرأ الجنب شيئا من القرآن إلا آية الركوب إذا
رکب ، قال : ﴿ سبحان الذي سخر لنا هذا ﴾ إلى قوله : ﴿ وإنا إلى ربنا
لمنقلبون﴾ [الزخرف: ١٤,١٣] ﴿رب أنزلني منزلا مباركًا وأنت خير
المنزلين﴾ [المؤمنون: ٢٩].
وفيه قول ثالث : قاله محمد بن مسلمة ، كره للجنب أن يقرأ القرآن
حتى يغتسل .
قال : وقد أرخص في الشيء الخفيف مثل الآية والآيتين يتعوذ بهما ،

١٧١ - باب حجب الجنب من قراءة القرآن - حديث رقم ٢٦٥
٥٦٩-
وأما الحائض ومن سواها فلا يكره لها أن تقرأ القرآن ، لأن أمرها يطول
فلا تدع القرآن ، والجنب ليس كحالها .
قال ابن المنذر رحمه الله : احتج الذين كرهوا للجنب قراءة القرآن
بحديث علي ، ثم ذکر بسنده حديث الباب .
قال : واحتج من سهل للجنب أن يقرأ القرآن بحديث عائشة رضي
الله عنها، ثم ساق بسنده حديثها: ((كان النبي ## يذكر الله على كل
أحيانه)) . وهو حديث صحيح علقه البخاري ، وأخرجه مسلم .
قال ابن المنذر: فقال بعضهم : الذكر قد يكون بقراءة القرآن، وغيره،
فكل ما وقع علیه اسم ذكر الله ، فغير جائز أن يمنع منه أحد ، إذ كان
النبي #لا يمتنع من ذكر الله على كل أحيانه ، وحديث علي لايثبت
إسناده، لأن عبد الله بن سلمة تفرد به، وقد تكلم فيه عمرو بن مرة ،
قال: سمعت عبد الله بن سلمة، وإنا لنعرف، وننكر ، فإذا كان هو
الناقل لخبره ، فجرحه بطل الاحتجاج به ، ولو ثبت خبر علي لم يجب
الامتناع من القراءة من أجله ، لأنه لم ينهه عن القراءة ، فيكون الجنب
ممنوعًا منه . اهـ كلام ابن المنذر في الأوسط ج ٢ ص ٩٦ - ١٠٠ .
قال الجامع عفا الله عنه: الحاصل أنه لم يثبت في منع الجنب عن
القرآن شيء يعتد به ، كما أوضحه العلماء ، ومنهم البيهقي، والنووي،
فإنه ضعف الأحاديث التي احتج بها المانعون ، ومن غريب ما اتفق له في
المجموع ج٢ ص١٥٩ في هذا الباب أنه بعدما ضعف حديث الباب
وحديثًا آخر احتج به المانعون ، أنه قال : واحتج أصحابنا أيضا بقصة
عبد الله بن رواحة رضي الله عنه المشهورة : أن امرأته رأته يواقع جارية له
فذهبت، فأخذت سكينًا ، وجاءت تريد قتله، فأنكر أنه واقع الجارية ،
وقال: أليس قد نهى رسول الله عنه الجنب أن يقرأ القرآن؟ قالت بلى،
i

- ٥٧٠
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
فأنشدها الأبيات المشهورة ، فتوهمتها قرآنا فكفت عنه ، فأخبر رسول
الله عهبذلك فضحك، ولم ينكر عليه . ثم ذكر بعده وجه الاستدلال
منه، ثم قال: ولكن إسناد هذه القصة ضعيف ، ومنقطع ، ثم أخذ في
الجواب عما استدل به المجيزون من حديث عائشة المذكور ، ومحل
العجب من هذا أنه بعد ما اعترف أن حديثهم الذي استندوا إليه ضعيف
لا يصلح للاستدلال به أخذ يدفع دليل الآخرين الصحيح، فهذا أعجب،
وأغرب.
وخلاصة القول أن الراجح قول من قال بجواز القراءة للجنب ، وهو
كما في الفتح مذهب البخاري، والطبري، وابن المنذر ، واحتجوا بعموم
حديث عائشة المذكور .
لكن يكره له كما قال الشيخ الألباني لحديث (إني كرهت أن أذكر الله
إلا على طهر)) قاله في رد السلام ، فالقرآن أولى من السلام ، لكنه لا
ينافي الجواز .
ومثل الجنب الحائض لعموم الدليل ، ويتأيد أيضا بالبراءة الأصلية فما
لم يصح دليل يخصص هذا العموم ، وينقل عن هذه البراءة لا يصح
العدول إلى غيره . انظر نيل الأوطار ج١ ص٣٤١.
وأما حديث ابن عمر مرفوعا : ((لايقرأ الجنب ولا الحائض شيئًا من
القرآن)) رواه أبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه، فضعيف، لأنه من رواية
إسماعيل بن عياش ، عن موسى بن عقبة، وهو حجازي ، وروايته عن
الحجازيين ضعيفة .
وكذا حديث جابر مرفوعًا: (( لايقرأ الحائض ولا النفساء من القرآن
شيئا)) رواه الدار قطني ، ففيه محمد بن الفضل ، وهو متروك، أو منسوب
إلى الوضع ، وقد رُوي موقوفًا ، وفيه يحيى بن أبي أنيسة ، كذاب . فلا

١٧١ - باب حجب الجنب من قراءة القرآن - حديث رقم ٢٦٥
٥٧١ -
يصلح شيء من هذه الأحاديث للاحتجاج بها ، فبقي الجنب والحائض
والنفساء على أصل الجواز . والله أعلم .
( تنبيه ) اختلف العلماء في مس الجنب، والحائض، والمحدث
المصحف، والدنانير، والدراهيم، التي فيها قرآن :
قال الحافظ ابن المنذر رحمه الله : اختلف أهل العلم في مس
الحائض، والجنب المصحف ، فکره کثیر منهم ذلك ، منهم ابن عمر ،
وكره الحسن للجنب مس المصحف ، إلا أن يكون له علاقة ، وروي
ذلك عن الشعبي، وطاوس والقاسم، وعطاء ، وقال عطاء : لا بأس أن
تأتيك الحائض بالمصحف بعلاقته ، وقال الحكم، وحماد في الرجل
يمس المصحف : إذا كان في علاقته فلا بأس . وكره عطاء، والزهري،
والقاسم، والنخعي، مس الدراهم التي فيها ذكر الله تعالى على غير
وضوء ، وكره مالك أن يحمل المصحف بعلاقته أو على وسادة أحد إلا
هو طاهر ، قال: ولا بأس أن يحمله في الخُرْج (١) والتابوت، والغرارة،
ونحو ذلك مَنْ عَلَى غير وضوء ، ويحمل النصراني، واليهودي،
المصحف في الغرارة، والتابوت في مذهبه ، وقال الأوزاعي، والشافعي :
لا يحمل المصحف الجنب والحائض ، وقال أحمد وإسحاق : لا يقرأ في
المصحف إلا متوضأ، قال إسحاق: لما صحّ قول النبي ◌َّ ((لا يمس القرآن
إلا طاهر))، وكذلك كان فعل أصحاب النبي ◌َّه و كره أحمد أن يمس
المصحف أحد على غير طهارة ، إلا أن يتصفحه بعود أو بشيء وقال أبو
ثور : لا يمس المصحف جنب ولا حائض ولا غير متوضى ، قال :
وذلك أن الله تعالى يقول: ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ [الواقعة: ٧٩]،
قال: وهذا قول مالك، وأبي عبد الله .
وحكى يعقوب، عن النعمان أنه قال في الرجل الجنب يأخذ الصَّرَّة
(١) الخرج بالضم من الأوعية معروف والجمع أخراج، والغرارة بالكسر الجوالق ، قاله في
اللسان .

- ٥٧٢
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
فيها دارهم فيها السورة من القرآن، أو المصحف بعلاقته ، قال : لا
بأس، وقال : لا يأخذ الدراهم إذا كان جنبا وفيها السورة من القرآن في
غير صرة، وكذلك المصحف في غير علاقته. وقال أبو يوسف ومحمد :
لا يأخذ ذلك وهو على غير وضوء ، إلا في صرة أو في علاقة .
قال ابن المنذر : أعلى ما احتج به من كره أن يمس المصحف غير طاهر
قوله تعالى: ﴿ لا يمسه إلا المطهرون﴾ [الواقعة: ٧٩]، وحديث عمرو بن
حزم ، ثم ذكر بسنده ، عن عبد الله بن أبي بكر ، عن أبيه ، قال: في
كتاب النبي# لعمرو: ((لاتمس القرآن إلا على طهور)).
قال : ورخص بعض من کان في عصرنا للجنب والحائض في مس
المصحف ، ولبس التعويذ ، ومس الدراهم والدنانير التي فيها ذكر الله
تعالى على غير طهارة، وقال معنى قوله: ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾
الملائكة، كذلك قال أنس، وابن جبير، ومجاهد، والضحاك، وأبو
العالية ، وقال : وقوله : ﴿ لا يمسه إلا المطهورن﴾ خبر بضم السين ،
ولو كان نهيا لقال : لا يمسنه ، واحتج بحديث أبي هريرة، وحذيفة عن
النبي # أنه قال: ((المؤمن لاينجس)).
والأكثر من أهل العلم على القول الأول ، وعن ابن جبير أنه بال ، ثم
توضأ وضوءه إلا رجليه، ثم أخذ المصحف . وروي عن الحسن، وقتادة
أنهما كانا لايريان بأسا أن يمس الدراهم على غير وضوء ، ويقولان :
جبلوا على ذلك .
واحتجت هذه الفرقة بقول النبي عليه لعائشة: ((أعطني الخمرة))،
قالت: إني حائض ، قال : ((إن حيضتك ليست بيدك))، وبقول عائشة:
((كنت أغسل رأس النبي عَّه وأنا حائض))، قال: وفي هذا دليل على أن
الحائض لا تنجس ماتمس ، إذ ليس جميع بدنها نجسا ، وإذا ثبت أن بدنها

-٥٧٣ -
١٧١ - باب حجب الجنب من قراءة القرآن - حديث رقم ٢٦٥
غير نجس إلا الفرج ثبت أن النجس في الفرج لکون الدم فیه ، وسائر
البدن طاهر . اهـ كلام ابن المنذر في الأوسط ج٢ ص ١٠١-١٠٤ .
قال الجامع عفا الله عنه: واحتجت الطائفة المجيزة أيضًا بكتابه عنّ إلى
هرقل كتابًا فيه آية ، وقد علم أنه يمسه هرقل وأصحابه .
فإن قيل : إنها آية واحدة : أجيب بأن الآية وغيرها سواء في تسميته
قرآنا فإذا جاز في الآية جاز في غيرها.
وأما احتجاجه بآية: ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾. فلا يتم إلا إذا كان
المعنى مسَّه بالجارحة ، وكان المراد بالخبر الأمر ، والمراد بقوله :
((المطهرون)) هم المحدثون أو نحوهم وفي كل هذا خلاف :
قال القرطبي في تفسيره : اختلف في معنى ﴿ لا يمسه إلا المطهرون﴾
هل هو حقيقة في المس بالجارحة أو معنى ؟ وكذلك اختلف في
﴿المطهرون﴾ من هم؟ فقال أنس، وسعيد بن جبير: لايمس ذلك
الكتاب إلا المطهرون من الذنوب وهم الملائكة ، وكذا قال
أبو العالية، وابن زيد: إنهم الذي طهروا من الذنوب كالرسل من الملائكة،
والرسل من بني آدم، فجبريل النازل به مطهر ، والرسل الذين يجيئهم
بذلك مطهرون.
وقال الكلبي: هم السفرة الكرام البررة ، وهذا كله قول واحد ، وهو
نحوما اختاره مالك حيث قال : أحسن ماسمعت في قوله : ﴿لا يمسه
إلا المطهرون﴾ أنها بمنزلة الآية التي في ((عبس وتولى)): ﴿فمن شاء ذكره
في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة﴾
[عبس: ١٢ -١٦]. يريد أن المطهرين هم الملائكة وصفوا بالطهارة في
سورة عبس ، وقيل معنى ﴿لا يمسه﴾ لا ينزل به ﴿إلا المطهرون ﴾ أي
الرسل من الملائكة على الرسل من الأنبياء وقيل : لا يمس اللوح المحفوظ

-٥٧٤
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
الذي هو الكتاب المكنون إلا الملائكة المطهرون ، وقيل : إن إسرافيل هو
الموكل بذلك ، حكاه القشيري قال ابن العربي : وهذا باطل ، لأن
الملائكة لا تناله في وقت ، ولا تصل إليه بحال ، ولو كان المراد به ذلك
لما كان للاستثناء فيه مجال، وقيل: المراد بالكتاب المصحف الذي بأیدینا،
واستظهره القرطبي .
قال : وعلى هذا المعنى قال قتادة وغيره : ﴿ لا يمسه إلا المطهرون﴾
من الأحداث والأنجاس . وقال الكلبي : من الشرك . وقال الربيع بن
أنس : من الذنوب والخطايا .
وقيل : معنى لا يمسه: لا يقرؤه ﴿ إلا المطهرون﴾ إلا الموحدون،
قاله محمد بن فضيل، وعبدة ، وقال الفراء : لا يجد طعمه ونفعه
وبركته إلا المطهرون ، أي المؤمنون بالقرآن .
قال ابن العربي : وهو اختيار البخاري ، إلى غير ذلك من الأقوال .
ثم قيل : ظاهر الآية خبر عن الشرع ، أي لا يمسه إلا المطهرون شرعا،
فإن وجد خلاف ذلك فهو غير الشرع ، وهذا اختيار القاضي أبي بكر بن
العربي ، وأبطل أن يكون لفظه لفظ الخبر ومعناه الأمر . وقال المهدوي:
يجوز أن يكون أمرا، وتكون ضمة السين ضمة إعراب ، ويجوز أن يكون
نهيا ، وتكون ضمة السين ضمة بناء ، والفعل مجزوم . اهـ كلام
القرطبي ببعض اختصارج١٧ ص٢٢٥ -٢٢٦ .
وقد ذكر إمام المفسرين أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في تفسيره
المشهور اختلاف العلماء في الذي عُنُوا بقوله : ﴿إلا المطهرون﴾ فقيل:
هم الملائكة ، وقيل : هم حملة التوراة والإنجيل ، وقيل : هم المطهرون
من الذنوب كالملائكة والرسل ، وقيل : عنى بذلك أنه لا يمسه عند الله
إلا المطهرون ، ثم ذكر من قال كل ذلك بأسانيده .

٥٧٥_
١٧١ - باب حجب الجنب من قراءة القرآن - حديث رقم ٢٦٥
ثم قال : والصواب من القول في ذلك عندنا أن الله جل ثناؤه أخبر
أنه لا يمس الكتاب المكنون إلا المطهرون ، فعم بخبره المطهرين ، ولم
يخص بعضًا دون بعض ، فالملائكة من المطهرين والرسل والأنبياء من
المطهرين ، وكل من كان مطهرا من الذنوب فهو ممن استثنى وعُني بقوله :
إلا المطهرون ﴾ . اهـج٢٧ ص ٢٠٥ - ٢٠٦.
قال الجامع عفا الله عنه: فظهر بهذا أن أكثر أقوال السلف بعيد عن
المسألة ، فلا يظهر الاستدلال بالآية عندهم .
وقد ذكر الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسيره نحوما تقدم ، ثم قال :
وقال آخرون: ﴿ لا يمسه إلا المطهرون﴾ [الواقعة: ٧٩] أي من الجنابة
والحدث، قالوا: ولفظ الآية خبر، ومعناها الطلب، قالوا: والمراد بالقرآن
ههنا المصحف کما روى مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما: « أن رسول
الله عَّه نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو، مخافة أن يناله العدو))،
واحتجوا في ذلك بما رواه مالك في موطأه عن عبد الله بن أبي بكر بن
محمد بن عمرو بن حزم : أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله عزّ﴾.
لعمرو بن حزم: ((أن لا يمس القرآن إلا طاهرٌ)).
وروى أبو داود في المراسيل من حديث الزهري ، قال : قرأت في
صحيفة عند أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم : أن رسول الله عَّه قال:
((ولا يمس القرآن إلا طاهر))، وهذه وجادة جيدة ، قد قرأها الزهري
وغيره ، ومثل هذا ينبغي الأخذ به ، وقد أسنده الدار قطني عن عمرو بن
حزم، وعبد الله بن عمرو، وعثمان بن أبي العاص، وفي إسناد كل منها
نظر . اهـ كلام ابن كثير في تفسيره ج٤ ص٣١٩- ٣٢٠.
قال الجامع عفا الله عنه: الاستدلال بحديث: ((لا يمس القرآن إلا
طاهر)) هو الأولى ، وقد تكلم فيه العلماء، ونلخص كلامهم الآن ليتم
الاحتجاج بعد ثبوت صحته :

- ٥٧٦
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
قال الحافظ الزيلعي رحمه الله في نصب الراية : رُوي- يعني الحديث
المذكور- من حديث عمرو بن حزم ، ومن حديث ابن عمر ، ومن
حديث حكيم بن حزام ، ومن حديث عثمان بن أبي العاص ، ومن
حديث ثوبان .
أما حديث عمرو بن حزم : فرواه النسائي(١) في سننه في كتاب
الدیات ، وأبو داود في المراسیل من حديث محمد بن بکار بن بلال، عن
يحيى بن حمزة، عن سليمان بن أرقم ، عن الزهري ، عن أبي بكر بن
محمد بن عمرو بن حزم ، عن أبيه، عن جده : أن في الكتاب الذي كتبه
رسول الله ٤ إلى أهل اليمن في السنن والفرائض والديات : أن لا يمس
القرآن إلا طاهر . انتهى. ورویناه أيضا من حديث الحكم بن موسى، عن
يحيى بن حمزة ، ثنا سليمان بن داود الخولاني ، حدثني الزهري ، عن
أبي بكر بن محمد بن عمر بن حزم ، عن أبيه، عن جده، بنحوه ، قال أبو
داود : وهم فيه الحكم بن موسى - يعني في قوله : سليمان بن داود -،
وإنما هو سليمان بن أرقم ، وقال النسائي : الأول أشبه بالصواب ،
وسلیمان بن أرقم متروك . انتهى .
وبالسند الثاني رواه ابن حبان في صحيحه ، وقال : سليمان بن داود
الخولاني من أهل دمشق ثقة مأمون . وكذلك الحاكم في المستدرك
بطوله، وقال : هو من قواعد الإسلام ، وإسناده من شرط هذا الكتاب ،
ورواه الطبراني في معجمه، والدراقطني، ثم البيهقي في سننهما،
وأحمد في مسنده ، وابن راهويه . قاله الزيلعي .
وأخرجه الدار قطني من طريق أبي ثور، عن مبشر بن إسماعيل، عن
مالك، عن عبد الله بن أبي بكر ، عن أبيه، عن جده ، قال : كان فيما
(١) لكن في رواية النسائي في هذا الموضع ليس فيها ((وأن لا يمس القرآن إلا طاهر)) ولعله أراد
أصل الحديث . اهـ .

١٧١ - باب حجب الجنب من قراءة القرآن - حديث رقم ٢٦٥
٥٧٧ -
أخذ عليه رسول الله ﴾ ((أن لا يمس القرآن إلا طاهر)) تفرد به أبو ثور،
وقال: الصواب ليس فيه عن جده، ثم أخرجه من طريق إسحاق بن
الصباغ (١)عن مالك كذلك. وأخرجه عبد الرزاق، والدار قطني، والبيهقي
من طريقه عن معمر، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، ليس فيه عن
جده . وقد أخرجه الطيالسي من طريق أبي بكر بن محمد، عن أبيه،
عن جده نحوه . قاله الحافظ في إتمام الدارية ج١ ص ٨٧.
وأما حديث ابن عمر : فرواه الطبراني في معجمه، والدراقطني، ثم
البيهقي من جهته في سننهما من حديث ابن جريج عن سليمان بن
موسى عن الزهري ، قال : سمعت سالما يحدث عن أبيه ، قال : قال
النبي : ((لا يمس القرآن إلا طاهر)» وسليمان بن موسى الأشدق
مختلف فيه فوثقه بعضهم ، وقال البخاري : عنده مناكير . وقال
النسائي: ليس بالقوي . وقال الحافظ : إسناده لا بأس به . وذكر الأثرم
أن أحمدا احتج به . لكن فيه كما قال الشيخ الألباني : عنعنة ابن جريج
وهو مدلس .
وأما حديث عثمان بن أبي العاص ، فرواه الطبراني في معجمه ، وفيه
إسماعيل بن رافع، ضعفه النسائي، وابن معين ، وقال البخاري : ثقة
مقارب الحديث .
وأما حديث حكيم بن حزام رضي الله عنه فرواه الحاكم في المستدرك،
وقال : صحيح الإسناد ، ووافقه الذهبي ، وأخرجه الطبراني،
والدار قطني، ثم البيهقي ، وفيه مطر الوراق ضعفوه، وقال عنه في
التقريب: صدوق كثير الخطأ . والراوي عنه سويد أبو حاتم ضعفوه ،
وقال عنه في التقريب : صدوق سيء الحفظ له أغلاط .
وأما حديث ثوبان رضي الله عنه: ((لا يمس القرآن إلا طاهر، والعمرة
(١) وفي نصب الراية : إسحاق الطباع ، فليحرر .

- ٥٧٨
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
الحج الأصغر)) فأخرجه علي بن عبد العزيز في منتخب المسند ، قاله في
إتمام الدارية . لكن قال ابن القطان : إسناده في غاية الضعف . وقال
الشيخ الألباني : هالك، فلا يستشهد به .
قال الجامع عفا الله عنه: الحاصل عندي أن الحدیث صحیح، كما قال
جماعة من المحققين ، قال الحافظ ابن عبد البر رحمه الله : إنه أشبه
المتواتر لتلقي الناس له بالقبول . وقال يعقوب بن سفيان رحمه الله : لا
أعلم كتابا أصح من هذا الكتاب ، فإن أصحاب رسول الله عمله والتابعين
یرجعون إلیه ويدعون رأیهم. وقال الحاكم: قد شهد عمر بن عبد العزيز،
والزهري لهذا الكتاب بالصحة . هذا ، ولا سيما وقد روي عن هؤلاء
الصحابة رضي الله عنهم بالأسانيد المختلفة ، فهي كما قال العلامة
الألباني في الإرواء ج١ ص ١٦٠: وإن كانت كلها لا تخلو من ضعف ،
لكنه ضعف يسير إذ ليس في شيء منها من اتهم بكذب ، وإنما العلة.
الإرسال، أو سوء الحفظ ، ومن المقرر في علم المصطلح أن الطرق يقوي
بعضها بعضًا إذا لم يكن فيها متهم . فالنفس تطمئن لصحة هذا
الحديث، لاسيما وقد احتج به إمام السنة أحمد بن حنبل، وصححه
صاحبه إسحاق بن راهويه ، فقال: لما سئل عن قراءة الرجل على غير
وضوء قال : نعم ، ولكن لا يقرأ في المصحف ، لما صح قول النبي ﴾ :
((لا يمس القرآن إلا طاهر))، وكذلك فعل أصحاب النبي عليه والتابعون.
اهـ. كلام الشيخ الألباني بتصرف .
ومما صح عن الصحابة ما رواه عبد الرحمن بن يزيد عن سلمان رضي
الله عنه: أنه قضى حاجته، فخرج، ثم جاء ، فقلت : لو توضأت لعلنا
نسألك عن آيات ؟ قال : إني لست أمسه ، ولا يمسه إلا المطهرون ، فقرأ
علينا ما شئنا. أخرجه الدراقطني وصححه . قاله في إتمام الدراية . وما
رواه مصعب بن سعد بن أبي وقاص أنه قال : كنت أمسك المصحف
على سعد بن أبي وقاص ، فاحتككت ، فقال سعد : لعلك مسست

٥٧٩ -
١٧١ - باب حجب الجنب من قراءة القرآن - حديث رقم ٢٦٦
ذكرك ؟ قال : فقلت : نعم ، فقال : قم توضأ ، فقمت فتوضأت ، ثم
رجعت . رواه مالك ، وعنه البيهقي ، وسنده صحيح . قاله في
الإرواء. ج١ ص١٦١ .
وخلاصة القول أن أرجح المذاهب مذهب من منع عن مس المصحف
للمحدث لصحة حديث: ((لا يمس القرآن إلا طاهر ».
وأما قول الصنعاني: لكن يبقى النظر في المراد من ((الطاهر)) فإنه لفظ
مشترك يطلق على الطاهر من الحدث الأكبر، والطاهر من الحدث
الأصغر، ويطلق على المؤمن، وعلى من ليس على بدنه نجاسة ، ولابد
لحمله على معين من قرينة . اهـ.
فمما لا يلتفت إليه ، لأن المراد به واضح إذ هو الطاهر من الحدث
بنوعيه ، وكذا الطاهر من النجاسة من باب أولى ، وأما المؤمن فغير مراد
هنا ، لأن في بعض طرق الحديث ((وأن لاتمس القرآن إلا طاهرًا)) ومعلوم
أنه لا يريد عند مخاطبة الصحابي معنى المؤمن . فتبصر . والله أعلم.
وهو المستعان وعليه التكلان .
٢٦٦ - أخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ أَبُو يُوسُفَ الصَّدَلاَنِيُّ الرِّقِّيُّ،
قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، قَالَ: حَدَّثَنَ اْأَعْمَشْرُ،
عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلِمَةَ، عَنْ عَلِيِّ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ عَيْهِ يَقْرَأُ القُرْآنَ
عَلَى كُلِّ حَال لَيْسَ الجَنَابَةَ.

- ٥٨٠
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
رجال هذا الإسناد : ستة
١- (محمد بن أحمد أبو يوسف الصيدلاني الرقي) هو محمد بن
أحمد بن الحجاج بن ميسرة القرشي الكريزي - بضم الكاف وفتح
المهملة- مولاهم أبو يوسف الحافظ الصيدلاني الجزري الرقي.
روى عن محمد بن سلمة الحراني، وعیسی بن یونس، وسفيان بن
عيينة، وخالد بن حيان، ومطرف بن مازن، وغيرهم . وعنه النسائي
وابن ماجه، وأبو حاتم، والحسين بن جمعة، وإسحاق بن أحمد بن
إسحاق الرقي، ومحمد بن علي بن حبيب الطرائفي، ومحمد بن علي
المُرّي ، وأبو عروبة، وآخرون .
قال أبوحاتم : صدوق . وقال أبو علي النيسابوري: أبو يوسف الرقي
هذا من حفاظ أهل الجزيرة ومتقنيهم . وذكره ابن حبان في الثقات ،
وقال : مات سنة ٢٤٦. وقال النسائي : لابأس به ، قال الحافظ :
ويقال فيه الصيدناني بنون بدل اللام، نبهت عليه لئلا يظن آخر . أخرج له
النسائي ، وابن ماجه .اهـ «تت)) ج٩ص٢٣ .
(تنبيه) الصيدلاني : بفح الصاد وسكون الياء هذه النسبة لمن يبيع
الأدوية والعقاقير . قالہ في اللباب ج٢ص٢٥٤ .
والرقي : بفتح الراء وتشديد القاف: نسبة إلى الرَّقَّة مدينة على طرف
الفرات . قاله في اللباب أيضًا ج٢ ص٣٤.
٢- (عيسى بن يونس) بن أبي اسحاق السبيعي الكوفي ثقة ثبت-٨-
تقدم في ٨/٨.
٣- (الأعمش) سليمان بن مهران أبو محمد الكاهلي الكوفي ثقة ثبت
مدلس -٥ - تقدم في ١٨/١٧ .
والباقون تقدموا في السند الماضي ، وكذا تقدم شرح الحديث ،
والمسائل المتعلقة به ، فلا تغفل . والله تعالى أعلم .
٠