النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١ -
١٣٥ - ذكر الأقراء - حديث رقم ٢١١
قال أحمد بن صالح المصري : سمعت ابن وهب يقول : ما ذكر مالكٌ
بكيرَ بن الأشج إلا قال : كان من العلماء ، وقال ابن الطباع : سمعت
معن بن عيسى يقول : ما ينبغي لأحد أن يَفْضُل أو يفوق بكير بن الأشج
في الحديث ، وقال حرب عن أحمد ثقة صالح ، وقال الدوري عن یحیی
ابن معين ، وأبو حاتم : ثقة ، وقال ابن البراء عن ابن المديني : لم يكن
بالمدينة بعد کبار التابعین أعلم من ابن شهاب، ویحیی بن سعيد، وبکیر
ابن الأشج ، وقال العجلي : مدني ثقة لم يسمع منه مالك شيئا خرج
قديما إلى مصر، فنزل بها ، وقال النسائي : ثقة ثبت ، وقال ابن نمير :
توفي سنة ١١٧، وقال الترمذي: مات سنة ١٢٠، وقال عمرو بن علي:
سنة ٢٢، وقال الواقدي سنة ٢٧ .
قال الحافظ رحمه الله : قد روى مالك في الموطأ عن الثقة عنده عن
بكير بن عبد الله بن الأشج، وقال أحمد بن صالح المصري : إذا رأيت
بكير بن عبد الله روى عن رجل فلا تسأل عنه فهو الثقة الذي لاشك
فيه، وقال البخاري في التاريخ الكبير : كان من صلحاء الناس ، وهلك
في زمن هشام ، وقال ابن البراء عن علي بن المديني : أدركه مالك ولم
يسمع منه، وكان بكير سيء الرأي في ربيعة، فأظنه تركه من أجل
ربيعة، وإنما عرف مالك بكيرا بنظره في كتاب مخرمة ، وقال الواقدي :
كان يكون كثيرا بالثغر وَقَلَّ من يروي عنه من أهل المدينة ، وقال بشر بن
عمر الزهراني : قلت لمالك : سمعت من بكير ؟ فقال : لا ، وقال يحيى
ابن بكير : بنو عبد الله بن الأشج ثلاثة لا أدري أيهم أفضل ؟ وقال ابن
سعد : كان كثير الحديث ، وقال النسائي : ثقة ثبت مأمون ، وذكره ابن
حبان في الثقات في أتباع التابعين من صلحاء الناس ، وقال : كان من
خيار أهل المدينة ، وقال الحاكم : لم يثبت سماعه من عبد الله بن الحارث
ابن جَزْء ، وإنما روايته عن التابعين. اهـ ((تت)) ج١ ص٤٩١-٤٩٣.
أخرج له الجماعة .
٥- (المنذر بن المغيرة) حجازي. روى عن عروة بن الزبير.

- ٢٨٢
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
وعنه بکیر بن عبد الله بن الأشج ، قال أبو حاتم: مجهول لیس بمشهور،
وذكره ابن حبان في الثقات . قال المزي : يحتمل أن يكون جد المنذر بن
عبد الله الحزامي. اهـ (تت)) ج ١٠ ص٣٠٣ - ٣٠٤.
(تنبيه) رمز على المنذر هذا في التقريب وتهذيب التهذيب والخلاصة
لأبي داود والمصنف فقط ، وهذا يوهم أنه ما أخرج له ابن ماجه ، وهذا
تقصیر فإنه أخرج له هذا الحديث عن محمد بن رمح ، عن اللیث بسند
المصنف . برقم ٦٢٠، ص٢٠٣ ترقيم محمد فؤاد . فتنبه .
٦- ( عروة بن الزبير) المدني ثقة فقيه-٣ - تقدم في ٤٠/ ٤٤.
٧- (فاطمة بنت أبي حبيش) واسمه قيس بن المطلب الأسدية
الصحابية رضي الله عنها تقدمت في ٢٠١/١٣٤. والله أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها : أنه من سباعياته ، وأن رواته كلهم ثقات ، غير المنذر ، فذكره
ابن حبان في الثقات، وقال أبو حاتم : مجهول ، وقال في التقريب:
مقبول. لکن قد عرفت ما قاله أحمد بن صالح من أن مَن رَوی عنه بکیر
ثقة. فتنبه. وفيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة . والله تعالى أعلم .
شرح الحديث
(عن عروة) بن الزبير ( أن فاطمة بنت أبي حبيش) قيس بن المطلب
الأسدية رضي الله عنها (حدثت) قد تقدم أن عروة اختلفوا في سماعه
منها ، فالبيهقي ینفیه ، ورجح ابن حزم سماعه منها ، ومن عائشة ( أنها
أتت رسول اللهځے فشکت إلیه الدم) أي عدم انقطاعه ( فقال لها رسول
الله &: إنما ذلك عرق) أي دم عرق (فانظري إذا أتاك قرؤك) بالفتح
والضم، أي حيضك (فلاتصلي) لحرمة الصلاة في الحيض (فإذا مر

٢٨٣-
١٣٥ - ذكر الأقراء - حديث رقم ٢١١
قرؤك) أي قدر قرئك من الوقت ( فتطهري) بالغسل ( ثم صلي ما بين
القرء إلى القرء) أي ما بين الحيض إلى الحيض ، وأما ما عدا ذلك فهو
استحاضة لا يمنع الصلاة ولا غيرها .
قال المصنف رحمه ( هذا الدليل) أي حديث فاطمة هذا هو الدليل
(على أن الأقراء حيض) بکسر ففتح جمع حيضة بفتح فسكون، مثل
بَدْرَة، وبدر، والقياس حَيْضَات، مثل بَيْضَة وبَيْضَات. قاله في المصباح .
ومراد المصنف بهذا الاستدلال على أن المراد بالقرء في الآية هو
الحيض ، وكذا أورده في كتاب الطلاق برقم ٣٥٥٣ مستدلا عليه أيضا،
لكن قد عرفت أن العلماء قالوا : أن لفظ القرء مشترك بين معنى الحيض،
والطهر ، فلا يلزم من استعماله في هذا لحديث في الحيض أن يكون في
كل موضع بهذا المعنى ، فلا يثبت أن المراد بالقرء في آية العدة هو
الحيض .
وهذا الذي ذهب إليه المصنف هو مذهب الإمامين، أبي حنيفة،
ومالك رحمهما الله، وهو قول عمر رضي الله عنه، وسيأتي مزيد تحقيق
للمسألة في موضعها إن شاء الله تعالى .
( قال أبو عبد الرحمن ) النسائي رحمه الله (وقد روى هذا الحديث
هشام بن عروة ، عن عروة ولم يذكر فيه) أي فيما رواه (ما ذكر) ،
(المنذر) بن المغيرة فيه سندا ومتنا ، فإنه قال عن عروة أن فاطمة الخ ،
وهشام قال: عن عروة، عن عائشة، وقال: إذا أتاك قرؤك، وهشام قال:
فإذا أقبلت الحيضة .
والظاهر من كلامه أنه يريد تضعيف روايته للمخالفة ، وكذا قال
البيهقي: إن في الحديث انقطاعا ، فقال هشام بن عروة : إن أباه إنما سمع
قصة فاطمة بنت أبي حبيش عن عائشة ، وروايته في الإسناد والمتن أصح
من رواية المنذر بن المغيرة .

- ٢٨٤
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
لكن رُدَّ هذا بأنه لا يستلزم الضعف أما السند فلإمكان حمله على أن
عروة سمعه منهما ، قال ابن حزم رحمه الله : إن عروة أدرك فاطمة،
ولا يبعد أن يسمع الحديث من عائشة، ومن فاطمة، وأما المتن فإن
حديث أم حبيبة يشهد له ، والله أعلم .
(تنبيه) هذا الحديث صحيح .
وقد تقدم الكلام في بيان مواضعه عند المصنف، وفي ذكر من أخرجه
وفوائده، وغير ذلك من المسائل في الباب الماضي ٢٠٢/١٣٤ فارجع
إليه تزدد علمًا . والله تعالى أعلم ، والله المستعان ، وعليه التكلان .
ثم ذكر المصنف حديث هشام الذي أشار أن المنذر خالفه فيه فقال :
٢١٢ - أخْبَرَنَا إسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أخْبَرَنَا عَبْدَةُ، وَوَكِيعٌ ، وأبُو
مُعَاوِيَةَ ، قَالُوا: حَدَّثْنَا هِشَامُ بنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ
عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، قَالَتْ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي
حُبَيْشٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ لَّهِ، فَقَالَتْ: إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَخَاضُ
فَلاَ أَطْهُرُ ، أَفَأْدَعُ الصَّلاَةَ؟ ، فَقَالَ: (( لا، إنَّمَا ذَلك عرْقٌ
وَلَيْسَتْ بالحَيْضَة، فَإِذَا أقْبَلَتْ الحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلاَةَ،
وَإِذَا أَدْبَرَتْ فاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وصَلِّي » .

١٣٥ - ذكر الأقراء - حديث رقم ٢١٢
٢٨٥ _
رجال الإسناد : سبعة
١ - (إسحاق بن إبراهيم ) الحنظلي المعروف بابن راهويه ثقة حجة
ثبت-١٠ - تقدم في ٢/ ٢ .
٢- ( عبدة) بن سليمان الكلابي أبو محمد الكوفي ثقة ثبت من صغار
-٨- تقدم في ١٩٥/١٣١ .
٣- ( وكيع) بن الجراح الإمام الحجة الثبت-٩ - الكوفي تقدم في
٢٥/٢٣.
٤ - ( أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير الكوفي ثقة ثبت من
کبار-٩- تقدم في ٢٦/ ٣٠.
٥- ( هشام بن عروة) الأسدي المدني ثقة فقيه-٥ - تقدم في ٤٩/ ٦١ .
٦- (عروة) بن الزبير بن العوام الإمام المدني ثقة فقيه-٣- تقدم في
٤٠ / ٤٤.
٧ - (عائشة) رضي الله عنها تقدمت في ٥/٥ . والله أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها : أنه من خماسياته ، وأن رواته كلهم ثقات ، وهم ما بين كوفيين
وهم عبدة، ووكيع، وأبو معاوية ، ومدنيين وهم الباقون إلا إسحاق،
فمروزي، ثم نيسابوري ، وفيه عروة أحد الفقهاء السبعة ، وفيه رواية
الابن عن أبيه ، وفيه الإخبار ، والعنعنة، والتحديث . والله تعالى أعلم
(تنبيه ) هذا الحديث صحيح .
وأما شرحه ، وما يتعلق به من المسائل فقد تقدمت في ١٣٤/ ٢٠١ فلا
نطيل الكتاب بإعادتها . والله تعالى أعلم .

- ٢٨٦
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
١٣٦ - ذكْرُ الْتَالِ المُسْتَحَاضَة
٠
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على أي صفة تغتسل المستحاضة .
والمُستحاضَةُ : اسم مفعول من استُحيضت المرأة: إذا استمر بها الدم ،
وقد تقدم الكلام عليه مستوفى في ٢٠١/١٣٤.
٢١٣ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ، قَالَ :
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِّهِ،
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّامْرَأَةً مُسْتَحَاضَةٌ عَلَى عَهْد
رَسُولِ اللّهِ عَ قِيلَلَّهَا: إِنَّهُ عِرْقٌ عَانِدٌ ، فَأُمِرَتْ أَنْ تُؤَخِّرَ
الظُّهْرَ ، وَتُعَجِّلَ الْعَصْرَ، وَتَغْتَسِلَ لَهُمَا غُسْلاً وَأَحدًاً ،
وتُؤَخِّرَ المَغْرِبَ وتُعَجِّلَ الْعِشَاءَ، وَتَغْتَسِلَ لَهُمَا غُسْلاً
واحدًا ، وَتَغْتَسِلَ لِصَلََّةِ الصُّبْحِ غُسْلاً وَاحِدًاً .
رجال هذا الإسناد : ستة
١ - (محمد بن بشار) بندار أبو بكر البصري ثقة ثبت-١٠ - تقدم في
٢٧/٢٤.
٢- (محمد) هو محمد بن جعفر، غندر البصري ثقة-٩ - تقدم في
٢٢/٢١.

-٢٨٧ -
١٣٦ - ذكر اغتسال المستحاضة - حديث رقم ٢١٣
٣- (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت-٧- تقدم في ٢٦/٢٤.
٤- (عبد الرحمن بن القاسم) أبو محمد المدني ثقة جليل فاضل-٦-
تقدم في ١٢٠ / ١٦٦.
٥- (القاسم بن محمد) بن أبي بكر الصديق التيمي أحد الفقهاء
السبعة ثقة ثبت- ٣ - تقدم في ١٦٦/١٢٠.
٦ - (عائشة) رضي الله عنها تقدمت في ٥/ ٥ . والله أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسياته ، وأن رواته كلهم ثقات أجلاء ، وأن هذا
السند أحد الأسانيد التي قيل فيها : إنها من أصح أسانيد عائشة رضي الله
عنها ، والله تعالى أعلم .
شرح الحديث
(عن عائشة) رضي الله عنها ( أن امرأة) هى سهلة بنت سهيل القرشية
رضي الله عنها ، كما بينها أبو داود من طريق ابن إسحاق ، وهذا هو
الذي مشى عليه أبو الحجاج المزي في التحفة ج٢٧١/١٢، أو هي زینب
بنت جحش ، كما عند الطحاوي من طريق الثوري انظر شرح معاني
الآثارج١ ص ١٠٠. وكذا عند البيهقي في السنن الکبری ج١ ص٣٥٣
(مستحاضة) اسم مفعول من استحيضت المرأة بالبناء للمفعول : إذا
استمر بها الدم في غير وقته المعتاد (على عهد رسول الله ٤) أي في وقته
(قيل لها : إنه عرق) بكسر فسكون ، قال ابن الأثير رحمه : العرْق من
الحيوان : الأجوف الذي يكون فيه الدم ، والعصب - أي بفتحتين - :
غير الأجوف. اهـ نهاية ج ٣ص٢١٩ (عاند) صفة لعرق ، اسم فاعل من
عَنَدَ العرقُ كقتل، وعَندَ كفَرَح، وعَنُدَ كَكَرُمَ ، ويقال أيضًا : أعند

- ٢٨٨ -
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
بالهمزة ، قال ابن منظور رحمه الله : وعَنَدَ العرقُ وعَنُد وعند وأعند :
سال فلم يكد يَرْقَأ، وهو عرق عاند، قال عمرو بن ملقط (من السريع) :
بِطَعْنَة يَجْرِي لَهَا عَاندٌ كَالمَاء مِنْ غَائِلَة الْجَابِيَه
وأعْنَدَ أنفُهُ: كثر سيلان الدم منه، وأعندَ القيءَ وأعْنَدَ فيه: تابعه، وقال
أبو عبيد : العرْق العائد الذي عَنَد وبَغَى، كالإنسان يُعَاند ، فهذا العرق
في كثرة مايخرج منه بمنزلته ، شُبَّهَ به لكثرة مايخرج منه على خلاف
عادته ، وقيل العاند الذي لا يرقأ قال الراعي (من الطويل):
وَنَحْنُ تَرَكْنَا بِالفَعَالِيِّ طَعْنَةً لَهَا عَانِدٌ فَوْقَ الذِّرَاعَيْن مُسْبَلُ
اهـلسان ببعض اختصار .
وهذا العرق هو المسمى بالعاذل بالذال المعجمة واللام، أو العاذر
بالذال والراء بدل اللام، وقد تقدم الكلام عليه في ١٣٤ / ٢٠١ (فأمرت)
بالبناء للمفعول والآمر هو النبي عنه ، لما تقرر في أصول الحديث أن
الصحابي إذا قال : أمرنا ، أو نحو ذلك فهو مرفوع حكمًا ، قال الحافظ
السيوطي رحمه الله :
وَلَيُعْطَ حُكْمَ الرَّفْع في الصَّوَبِ نَحْوُ منَ السُّنَّةِ مِنْ صَحَابي
كَذَا أمرْنَا وَكَذَا كُنَّ نَرَى فِي عَهْدِه أوْ عَنْ إِضَافَة عَرَى
هذا مع أنه قد وقع التصريح بالرفع فيه في رواية شعبة عند البيهقي من
طريق الحسن بن سهل، عن عاصم بن علي، ثنا شعبة، عن عبد الرحمن
ابن القاسم عن أبيه، عن عائشة ((أن امرأة استحيضت على عهد رسول
الله:#، فأمرها النبي على أن تؤخر الظهر ... الحديث، وقدادعى
البيهقي أن رواية الحسن بن سهل هذه غلط ، لمخالفته غيره ممن لم يصرح
بالرفع .

٢٨٩ -
١٣٦ - ذكر اغتسال المستحاضة - حديث رقم ٢١٣
قال الجامع : لكن يؤيده رواية ابن إسحاق مصرحًا بالرفع ، وسيأتي
تمام البحث في ذلك إن شاء الله تعالى في المسائل الآتية .
(أن تؤخر الظهر وتعجل العصر) في تأويل المصدر نائب فاعل
أمرت، أي أمرت بتأخير الظهر، وتعجيل العصر ( وتغتسل لهما غسلا
واحدًا ، وتؤخر المغرب وتعجل العشاء ، وتغتسل لهما غسلا واحدًا)
أي أمرت بالجمع بين الصلاتين بغسل واحد في وقت واحد ، وإنما أمرها
◌ّ بذلك لما رأى أن الأمر قد طال عليها، وقد أجهدها الاغتسال لكل
صلاة فرخص لها في الجمع بين الصلاتين بغسل واحد كالمسافر الذي
رخص له في الجمع بين الصلاتين. أفاده في المنهل ج٢ ص ١١٠ (وتغتسل
لصلاة الصبح غسلا واحدا) لكونه لا يجمع مع غيره من الصلوات .
والله تعالى أعلم ، وهو المستعان ، وعليه التكلان .
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته : هذا الحديث صحيح .
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف : أخرجه في هذا
الموضع، وفي ٣٦/٥ من كتاب الحيض بهذا السند .
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه أبو داود في الطهارة عن
عبيد الله بن معاذ، عن أبيه ، عن شعبة ، بسند المصنف . وأخرجه
الطحاوي في شرح معاني الآثارج١ ص٣٥٢.
المسألة الرابعة: قد تكلم البيهقي في هذا الحديث في السنن الكبرى ،
فأخرجه من طريق الحسن بن سهل، ثنا عاصم، ثنا شعبة، عن عبدالرحمن
ابن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة، أن امرأة استحيضت على عهد رسول
الله ﴾ فأمرها النبي عليه ... الحديث، قال البيهقي: وهو غلط من جهة
الحسن يعني رفعه صريحًا لمخالفته الجماعة ، ثم أخرجه من طريق عمر بن

- ٢٩٠
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
حفص، عن عاصم بهذا السند ، استحيضت امرأة على عهد رسول
الله عَّ فأمرت أن تؤخر الظهر ... الحديث، يعني بالبناء للمفعول، ثم
قال البيهقي : وهكذا رواه جماعة عن شعبة ، وذكر جماعة منهم امتناع
عبد الرحمن بن القاسم من رفع الحديث ، ثم أخرجه من طريق أبي داود
الطيالسي عن شعبة ، بسنده ومتنه ، قال شعبة : قلت: من أمرها ،
النبي عَله؟، قال: لست أحدثك عن النبي عليهشيئا، ثم قال البيهقي:
ورواه معاذ بن معاذ، عن شعبة ، وفيه قال : فقلت لعبد الرحمن : عن
النبي ◌َ﴾؟ فقال: لا أحدثك عن النبي ◌َّ بشيء، وكذلك قاله النضر بن
شميل عن شعبة ، ورواه محمد بن إسحاق بن يسار، عن عبد الرحمن،
فخالف شعبة في رفعه ، وسمى المستحاضة . ثم ذكر البيهقي بسنده عن
ابن إسحاق، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، أن سهلة
بنت سهيل استحيضت ، فأتت النبي:َه فأمرها ... الحديث ، ثم قال :
قال أبو بكر بن إسحاق: فإن بعض مشايخنا لم يسند هذا الخبر غير ابن
إسحاق ، وشعبة لم يذكر النبي #، وأنكر أن يكون الخبر مرفوعا . اهـ
السنن باختصار ج١ ص٣٥٢-٣٥٣.
والحاصل أن البيهقي يرى كون هذا الحديث غير مرفوع ، فلا تقوم به
الحجة على الحكم المذكور .
وقد أجاب عن هذا العلامةُ ابن التركماني في الجوهر النقي ، فقال :
قلت : امتنع عبد الرحمن من إسناد الأمر إلى النبي ته صريحًا ، ولا شك
أنه إذا سمع ((فَأَمرَت)) ليس له أن يقول: فأمرها النبي ◌َّه لأن اللفظ الأول
مسند إلى النبي ټ﴾بطريق اجتهادي ، لا بالصریح ، فليس له أن ينقله إلى
ما هو صريح ، ولا يلزم من امتناعه من صريح النسبة إلى النبي عليه أن
لا يكون مرفوعا بلفظ «أمرت)) على ماعرف من ترجيح أهل الحديث
والأصول في هذه الصيغة أنها مرفوعة فتأمله فقد یتوهم من لاخبرة له من

٢٩١ -
١٣٦ - ذكر اغتسال المستحاضة - حديث رقم ٢١٣
كلام البيهقي وغيره أنه من الموقوف الذي لا تقوم به الحجة ، وبهذا يعلم
أن ابن إسحاق لم يخالف شعبة في رفعه بل رفعه ابن إسحاق صريحًا،
ورفعه شعبة دلالة ، ورفعه هو أيضًا صريحًا في رواية الحسن بن سهل
عن عاصم عنه .
قال الجامع عفا الله عنه : قد وافق ابن إسحاق في رفعه سفيان بن عيينة
إلا أنه أرسله ، أخرج البيهقي بسنده عن سفيان ، عن عبد الرحمن بن
القاسم، عن أبيه ((أن امرأة من المسلمين استحيضت ، فسألت رسول الله
عَة؟ ... الحديث، فهذا المرسل يؤيد رواية ابن إسحاق .
والحاصل أن الحديث مرفوع صحيح . والله أعلم .
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه،
توکلت ، وإليه أنيب » .

- ٢٩٢
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
١٣٧ - بَابُ الاثْتَالِ مِنَ النِّفَاسِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على وجوب الاغتسال على المرأة التي
حصل لها الولادة ، من أجل الدم الذي خرج منها ، فـ((من)) تعليلية .
والنفاس: بالكسر الولادة ، قال ابن منظور رحمه الله: والنفاس:
ولادة المرأة إذا وضعت ، فهي نُفَسَاء ، والنَّفْسُ: الدم ، ونُفسَت المرأة ،
ونَفْسَت ، بالكسر نَفَسًا ونَفَاسَة ونفَاسًا ، وهي نُفَسَاء ، ونَفْسَاء ،
ونَفَسَاء: وَلَدت ، وقال ثعلب : النفساء الوالدة، والحامل، والحائض ،
والجمع من كل ذلك نُفَسَاوات ونفَاس ونُفَاس ونُفَّس ، (عن اللحياني)
ونُفُس ونُفَّاس .
قال الجوهري : وليس في الكلام فُعَلاءُ يُجمع على فعال غير نُفَساء
وعُشَراء ، ويجمع أيضا على نُفَسَاوات وعُشَروات، وامرأتان نُفَسَاوان،
أبدلوا من همزة التأنيث واوا. وفي الحديث: ((أن أسماء بنت عميس
نُفست بمحمد بن أبي بكر)) أي وضعت ، ومنه الحدیث « فلما تَعَلَّت من
نفاسها)) : أي خرجت من أيام ولادتها ، وحكى ثعلب نُفسَت ولداً ،
على فعل المفعول . وَوَرَثَ فلان هذا الماء في بطن أمه قبل أن يُنْفَسَ ، أي
يولد ، قال الجوهري : وقولهم ورث فلان هذا المال قبل أن يُنْفَسَ فلان ،
أي قبل أن يولد ، قال أوس بن حجر يصف محاربة قومه لبني عامر بن
صعصعة (من المتقارب) :
وَإِنَّا وَإِخْوَانَنَا عَامِرًا عَلَى مِثْلِ مَا بَيْنَنَا نَأْتَمِرْ
لَنَا صَرْخَةٌ ثُمَّ إِسْكَاتَةٌ كَمَا طَرَّقَتْ بنفَاس بكرْ
أي بولد، وقوله: لنا صرخة، أي اهتياجة يتبعها سكون كما يكون

٢٩٣ -
١٣٧ - باب الاغتسال من النفاس - حديث رقم ٢١٤
للنفساء إذا طرّقت بولدها ، والتطريق أن يعسر خروج الولد فتصرخ
لذلك ، ثم تسكن حركة المولود ، فتسكن هي أيضا ، وخص تطريق
البكر لأن ولادة البكر أشد من ولادة الثيب ، والمنفُوس : المولود ، وفي
الحديث : (( ما من نفس منفوسة إلا قد كتب مكانها من الجنة والنار))،
وفي رواية (( إلا كتب رزقها وأجلها)) منفوسة: أي مولودة، قال : يقال:
نَفْسَت ، ونُفسَت ، فأما الحيض فلا يقال فيه إلا نَفست ، بالفتح. وفي
حديث عمر رضي الله عنه: ((أنه أجبر بني عَمِّ على منفوس)) أي ألزمهم
إرضاعه وتربيته . وفي حديث أبي هريرة: (( أنه صلى على منفوس)) أي
طفل حين ولد ، والمراد أنه صلى عليه ولم يعمل ذنبًا ، وفي حديث ابن
المسيب: (( لا يرث المنفوس حتى يستهل صارخا))، أي حتى يسمع له
صوت . وقالت أم سلمة : كنت مع النبي # في الفراش فحضت ،
فخرجت ، وشددت عليّ ثيابي، ثم رجعت ، فقال: ((أنفست)) ؟ أراد :
أحضت؟ ، يقال: نفست المرأة تَنْفَس، بالفتح: إذا حاضت . اهـلسان.
٢١٤- أخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةً ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ يَحْتَى
ابْنِ سَعِيدٍ، عَنْ جَعْفَرِبْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِبْنِ
عَبْدِ اللَّهِ فِي حَدِيثِ أسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ حِينَ نُفِسَتْ بِذِي
الحُلَيْفَة: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَُّ قَالَ لأبِي بَكْرِ: ((مُرْهَا أنْ
تَغْتَسِلَ وَتُِّلَّ» .

- ٢٩٤
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
رجال هذا الإسناد : ستة
١- (محمد بن قدامة) بن أعين بن المسور القرشي مولى بني هاشم أبو
عبدالله المصيصي . روى عن جرير بن عبد الحميد ، وإسماعيل بن علية،
وفضيل بن عياض، وعثَّام بن علي العامري، وأبي بدر شجاع بن الوليد،
وأبي عبيدة الحداد، وابن عيينة، وأبي أسامة، وعلي بن حمزة الكسائي،
ووکیع، وغيرهم . وروى عنه أبو داود، والنسائي، وأحمد بن فيل
الأنطاكي، وعبد الله بن أحمد بن معدان الفراء، وأبو حفص عمر بن
الحسن بن نصر القاضي، وأبو حميد عبد الله بن محمد بن تميم،
وعبدالرحمن بن عبيد بن أخي الإمام، وعثمان بن عبد الله بن عفان
الأنطاكي الفارض، وعمربن سعيد بن سنان الطائي، ومحمد بن
المسيب، ومحمد بن الحسن بن قتيبة، وأبو بكر بن أبي داود ، وغيرهم .
قال النسائي : لابأس به ، وقال مرة : صالح ، وقال الدار قطني :
ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات ، وقال مسلمة بن قاسم : ثقة صدوق ،
وروى عنه ابن وضاح لقيه بمكة . ومات قريبا من - ٢٥٠ - اهـ (تت))
ج٩ ص ٤١٠، انفرد به أبو داود ، والمصنف .
٢ - (جرير) بن عبد الحميد الضبي الكوفي نزيل الري ثقة ثبت -٨-
تقدم في ٢/ ٢ .
٣- (يحيى بن سعيد) بن قيس الأنصاري المدني أبو سعيد القاضي
ثقة ثبت -٥- تقدم في ٢٢/ ٢٣ .
(تنبيه ) وقع في شرح الشنقيطي رحمه الله هنا خطأ ، وهو أنه قال
يحيى بن سعيد القطان ، والصواب ما قلنا ، لأن جريرا لا يروى عن
القطان ، بل عن الأنصاري وكذا صرح بكونه الأنصاري أبو الحجاج
المزي في تحفته ج٢ ص٢٧٤ فتنبه .

٢٩٥ -
١٣٧ - باب الاغتسال من النفاس - حديث رقم ٢١٤
٤- (جعفر بن محمد) أبو عبد الله المعروف بالصادق المدني إمام
صدوق فقيه-٦ - تقدم في ١٢٣/ ١٨٢.
٥- (محمد بن علي) بن الحسين بن علي بن أبي طالب أبو جعفر الباقر
المدني ثقة فاضل -٤ - تقدم في ٩٥/٧٨ .
٦- (جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حرام الأنصاري السّلَميّ رضي
الله عنه تقدم في ٣٥/٣١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسياته ، وأن رواته كلهم ثقات إلا جعفرًاً فصدوق ،
وكلهم مدينون، إلا ابن قدامة فمصيصي ، وجريرًا فكوفي ، وأخرج لهم
الجماعة، غير ابن قُدَامة فأخرج له المصنف، وأبو داود ، وجعفرًا فلم
يخرج له (خ) وفيه جابر بن عبد الله رضي الله عنه أحد المكثرين السبعة
روى ١٥٤٠ حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن جابر بن عبد الله) الأنصاري رضي الله عنه ( في حديث أسماء
بنت عميس ) الخثعمية الصحابية الجليلة ، كانت عند جعفر بن أبي
طالب، فولدت له أولاده كلهم بالحبشة حينما هاجرت معه إليها وبعدما
قتل جعفر عنها تزوجها أبو بكر فولدت له ولده محمدا ، وهو الذي
نفست به بذي الحليفة ، ثم تزوجها بعده علي بن أبي طالب ، فكانت
عنده حتى قتل عنها - رضي الله عنهم أجمعين .
وكان عمر رضي الله عنه يسألها عن تعبير الرؤيا ، ولما بلغها قتل ابنها
محمد بن أبي بكر جلست في مسجدها، وكظمت غيظها حتى شَخَبت
ثديُهَا دمًا . أفاده في ((تت)) ج١٢ ص٣٩٨ -٣٩٩.

:
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
- ٢٩٦
والجار والمجرور حال من قوله: إن رسول الله عَّه لأنه في تأويل المصدر
مفعول «أخبرنا» ، أي أخبرنا بقول رسول اللهټ# لأبي بكر الخ حال كون
هذا القول من جملة حديث أسماء ، إنما قال كذا ، لأن الحديث طويل
جدّاً فاختصر منه هنا مايستدل به على حكم النفاس فقط. واختصار
الحديث فيه خلاف مشهور عند المحدثين ، والصحيح الجواز إذا لم يخل
المتروك بالمعنى المقصود ، وهو مذهب الشيخين، والمصنف، وکثیرین ،
قال السيوطي في الألفية الحديثية :
وَجَائِزٌ حَذْفُكَ بَعْضَ الخَبَرَ إِنْ لَمْ يُخلَّ الْبَاقِي عِنْدَ الأكْثَر
والحديث بطوله ساقه مسلم في كتاب الحج، في صفة حجة النبي ◌َّ
(حين نفست) بالبناء للمفعول ، أي ولدت فهى نفساء والجمع نفاس
بالكسر ، وبعض العرب يقول : نفست تَنْفَس من باب تعب ، فھی نافس
مثل حائض ، والولد منفوس ، والنفاس بالكسر أيضا اسم من ذلك،
ونفست تنفس من باب تعب : حاضت ، ونقل الأصمعي : نفست
بالبناء للمفعول أيضا ، وليس بمشهور في الكتب في الحيض ، وهو من
النفس ، وهو الدم ، وسمي الدم نَفْسا لأن النفس التي هى اسم لجملة
الحيوان قوامها بالدم . أفاده في المصباح . وتقدم عن اللسان بأتم من هذا
في أول الباب . والظرف حال من حديث أسماء ، أي حال كون ذلك
الحديث حاصلا وقت ولادتها (بذي الحليفة) اسم ماء من مياه بني جُشَم،
ثم سمي به الموضع ، وهو ميقات أهل المدينة على نحو مرحلة عنها ،
ويقال على ستة أميال . قاله في المصباح (أن رسول الله ﴾﴾ قال لأبي بكر)
عبد الله عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم التيمي ابن أبي
قُحَافة الصديق ، رضي الله عنهما ، أول الرجال إسلاماً ، ورفيق سيد
المرسلين عمله في هجرته ، شهد المشاهد، وهو أفضل الناس بعد الأنبياء
والمرسلين عليهم الصلاة والسلام ، ومناقبه جمة ترجمته في تاريخ

٢٩٧ _
١٣٧ - باب الاغتسال من النفاس - حديث رقم ٢١٤
دمشق في مجلد ونصف، توفي رضي الله عنه سنة ١٣ عن ٦٣ سنة ، ودفن
بالحجرة النبوية ، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام ( مُرْها) فعل أمر
من أمر يأمر، من باب نصر ، وهو على غير قياس ، لأن قياسه اؤمُرْ بلا
حذف ، فحذف تخفيفًا لكثرة الاستعمال ومثله خُذ، وكُل ، ويَقلّ بلا
حذف مع العاطف ، نحو ((وامر أهلك بالصلاة)) قال ابن مالك في
لامیته (من البسيط) :
وَشَذَّ بِالْحَذْفِ مُرْ وَخُذْ وَكُلْ وَفَشَا وَمُرْ وَمُسْتَنْدَرٌ تَتْمِيمُ خُدُ وكُلا
(أن تغتسل، وتهل) أي تحرم بالحج ، يقال : أهل المحرم : رفع
صوته بالتلبية عند الإحرام ، وكل من رفع صوته فقد أهلَّ إهلالا ،
واستَهَلَّ استهلالا بالبناء للفاعل فيهما . أفاده في المصباح .
وهذا الاغتسال للنظافة لا للطهارة لأنها نفساء لا تطهر إلا بانقطاع
الدم عنها .
واعترض السندي على المصنف في إيراده هذا الحديث في هذا
الباب، لأن هذا الاغتسال للتنظيف ، لأجل الإحرام ، وليس هو من
قبيل الاغتسال من النفاس ، لأن ذلك يكون عند انقطاع النفاس، لافي
أثنائه، فإنه لا ينفع حينئذ، وهذا الاغتسال المأمور به هنا كان في ابتداء
النفاس وحال قيامه ، فلا وجه لذكره في هذا الباب .
قال الجامع عفا الله عنه : عندي أن ما اعترض به السندي غير
صحيح، لأن المصنف لم يقل : الاغتسال عند انقطاع النفاس ، وإنما
قال : الاغتسال من النفاس ، وهذه العبارة وإن كان فيها احتمال ما قاله
السندي ، إلا أن الأولى حملها على أعمّ منه، وهو : وجوب الاغتسال
من أجل النفاس لكونه نجسا ، سواء كان حال قيامه بها ، للنظافة ، أو
انقطاعه عنها للطهارة ، فيكون أخذ حكم النظافة من النص ، واستنبط

- ٢٩٨
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
منه حكم الطهارة عند الانقطاع، لأنه إذا وجب عليها حال القيام بسببه،
فوجوبه عليها حال الانقطاع من باب أولى ، لأن العلة هي كون الدم
نجسًا يجب الطهارة له مثل دم الحيض ، إذ لافرق بينه وبينه ، ولذا أجمع
أهل العلم على وجوب الاغتسال عند خروجها منه كما ذكره ابن المنذر
في الأوسط ج٢ ص٢٤٨. والله تعالى أعلم .
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته : هذا الحديث صحيح .
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف : أخرجه هنا ١٣٧ ، وفي
٢٤٣ وفي الكبرى ٢١٩/١٢٨ بهذا السند، وفي الحج ٢/٥٧ عن علي بن
حُجْر، عن إسماعيل بن جعفر ، عن جعفر بن محمد به نحوه ،
وفي ٥٧/ ١ عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، عن شعيب بن الليث،
عن أبيه ، عن ابن الهاد، عن جعفر به أتم منه .
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (م ق) فأخرجه (م) في
المناسك١٦/ ٢ عن أبي غسان محمد بن عمرو ، عن جرير ، عن يحيى
الأنصاري عن جعفر به . وأخرجه (ق) في الحج ١٢/ ٣ عن علي بن
محمد ، عن یحیی بن آدم ، عن سفيان ، عن جعفر به .
المسألة الرابعة : في فوائده : يستفاد من هذا الحدیث وجوب الاغتسال
من النفاس ، وأنه أحد موجبات الاغتسال بالإجماع ، كما قدمناه عن
ابن المنذر ، ومشروعية الإهلال بالتلبية عند الإحرام في الحج أو العمرة،
وأن المرأة كالرجل في ذلك ، ومشروعية النظافة للإحرام ، فيلزم المرأة
الغسل وإن كانت حائضًا أو نفساء . وستأتي بقية المسائل في كتاب
الحيض إن شاء الله تعالى . والله تعالى أعلم.

٢٩٩ _
١٣٨ - باب الفرق بين دم الحيض والاستحاضة - حديث رقم ٢١٦,٢١٥
١٣٨ - بَابُ الفَرْقِ بَيْنَ دَمِ الحَيْضِ وَالاسْتِحَاضَة
٠
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على الفرق بين دم الحيض ، وبین دم
الاستحاضة، وقد تقدم تعريف الحيض والاستحاضة في ١٣٤/ ٢٠١ .
فلا تغفل .
٢١٥- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ
مُحَمَّدٍ - وَهُوَابْنُ عَمْرِوِ بنِ عَلْقَمَةَ بنِ وَقَّاصٍ - عَنِ ابنِ
شِهَبٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبِيْرِ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْت أبي
حُبَيْشِ: أنَّهَا كَانَتْ تُسْتَحَاضُ ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ عَهُ:
((إِذَا كَانَ دَمُ الْخَيْضِ فَإِنَّهُ دَمِّ أَسْوَدُ يُعْرِفُ فَأَمْسِكِي عَنِ
الصَّلاَةَ ، وَإِذَا كَانَ الآخَرُ فَتَوَضَِّي، فإِنَّمَا هُوَ عِرْقٌ)) .
٢١٦ - أخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْثَنَّى، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيِّ هَذَا
مِنْ كِتَابِه، أخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أبي
عَدِيٍّ مِنْ حِفْظِهِ، قَالَ : حَدَثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو ، عَنِ ابْنٍ
شِهَبٍ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أنَّ فَاطِمَةً
بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ كَانَتْ تُسْتَحَاضُ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّه

= ٣٠٠
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
تَُّ: ((إنَّ دَمَ الخَيْضِ دَمٌ أَسْوَدُ يُعْرَفُ، فَإِذَا كَانَ ذَلكَ
فَأَمْسِكِي عَنِ الصََّةِ، وَإِذَا كَانَ الآخَرُ فَتَوَضَِّي وَصَلِّي)) .
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: قَدْ رَوَى هَذَ الحَدِيثَ غَيْرُ وَاحِدٍ ، لَمْ
يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ مَا ذَكَرَ ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، وَاللَّهُ تَعَلَى أَعْلَمُ .
رجال الإسناد : ستة
١- ( محمد بن المثنى) أبو موسى العنزي البصري الحجة
الثبت- ١٠ - تقدم في ٦٤/ ٨٠.
٢ - (ابن أبي عدي) محمد بن إبراهيم بن أبي عدي ، وقد ينسب إلى
جده ، وقيل: هو إبراهيم، أبو عمرو البصري ثقة -٩ - تقدم في
٠١٧٥/١٢٢
٣- (محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص) الليثي أبو عبد الله ،
ويقال : أبو الحسن المدني . صدوق له أوهام -٦ - روى عن أبيه، وأبي
سلمة بن عبد الرحمن، وعبيدة بن سفيان، وسعيد بن الحارث، وإبراهيم
ابن عبد الله بن حنين، ودينار أبي عبد الله القراظ، وعمر بن مسلم بن
أکیمة الليثي، ومحمد بن إبراهيم التيمي ، وغيرهم .
وروی عنه موسى بن عقبة ، ومات قبله، وابن عمه، عمر بن طلحة بن
علقمة، وشعبة، والثوري، وحماد بن سلمة، وابن أبي عدي، وغيرهم.
قال علي بن المديني : سمعت يحيى بن سعيد ، وسئل عن سهيل،
ومحمد بن عمرو ؟ فقال : محمد أعلى منه ، قال علي : قلت ليحيى :
محمد بن عمرو كيف هو ؟ قال : ترید العفو أو تشدد ؟ قال : لا بل