النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١ -
١٢٧ - تقديم غسل الكافر إذا أراد أن يسلم - حديث رقم ١٨٩
وإن الله ضاربهم ببلية لا يقومون بها ولا يقعدون ، وما أرى أن نتخلف
عن هؤلاء، يعني ابن الحضرمي وأصحابه وهم مسلمون، وقد عرفنا الذي
يريدون ، وقدمروا بنا ، ولا أرى إلا الخروج معهم ، فمن أراد منكم
فليخرج ، فخرج ممدا للعلاء ، ومعه أصحابه من المسلمين فَفَتَّ ذلك في
أعضاد عدوهم حين بلغهم مدد بني حنيفة وشهدٍ مع العلاء قتال الحطم
فانهزم المشركون وقتلوا ، وقسم العلاء الغنائم ونَفِّلَ رجالا فأعطى العلاء
خميصة كانت للحطم يباهي بها رجلا من المسلمين فاشتراها منه ثمامة
فلما رجع ثمامة بعد هذا الفتح رأى بنو قيس بن ثعلبة قوم الحطم خميصته
على ثمامة ، فقالوا : أنت قتلت الحطم قال : لم أقتله ولكني اشتريتها
من المغنم ، فقتلوه . اهـ أسدج١ ص٢٤٦ -٢٤٧ . والله أعلم .
مسائل تتعلق بحديث الباب
المسألة الأولى: في درجته : حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذامتفق
عليه .
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف: أخرجه هنا ١٨٩/١٢٧ ،
وفي الصلاة ٢٠/ ٧١٢، وفي الكبرى ١١٩/ ١٩٣ و٧٩١/٢٠ عن قتيبة ،
عن الليث ، عن سعيد المقبري ، عنه .
المسألة الثالثة : فيمن أخرجه معه أخرجه (خ م د) فأخرجه (خ) في
الصلاة - ٨٢-، وفي الإشخاص -٧ - عن قتيبة ، وفيهما وفي المغازي
-١/٧١- عن عبد الله بن يوسف، وأخرجه (م) في المغازي-١/٢١ -،
وأخرجه (د) في الجهاد - ٣/١٢٤ - عن عيسى بن حماد ، وقتيبة ثلاثتهم
عن الليث بن سعد ، به . وأخرجه أحمد ، وابن خزيمة ، وابن حبان ،
وعبد الرزاق ، والبيهقي .
المسألة الرابعة : في فوائده :
منها جواز دخول الكافر المسجد ، وفيه خلاف بين العلماء وسيأتي

- ١٤٢
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
تحقيق الخلاف مع بيان الأدلة وترجيح الراجح منها في كتاب المساجد في
باب ربط الأسير بسارية المسجد - ٢٠/ ٧١٢ - إن شاء الله تعالى.
ومنها أسر الكافر ، وجواز إطلاقه .
ومنها جواز ربطه في المسجد لينظر حسن صلاة المسلمين واجتماعهم
عليها فيأنس لذلك ، ففي صحيح ابن خزيمة عن عثمان بن أبي العاص
((إن وفد ثقيف لما قدموا أنزلهم النبي * المسجد ليكون أرَقّ لقلوبهم)) ،
وقال جبير بن مطعم فيما ذكره أحمد رحمه الله : ((دخلت المسجد والنبي
◌ّ يصلي المغرب فقرأ بالطور، فكأنما صدع قلبي حين سمعت القرآن))
وقيل: يمكن أن يكون ربطه بالمسجد لأنه لم يكن لهم موضع يربط فيه إلا
المسجد .
قال الجامع : والأول أولى لما تقدم .
ومنها مشروعية اغتسال الكافر إذا أسلم وفيه الخلاف المتقدم في الباب
الماضي في وجوبه وعدمه ، وقد قدمنا أن الراجح هو قول من قال
بالإستحباب ، وهو مذهب الشافعي ، وبعض العلماء .
ومنها أنه أخذ ابن المنذر من هذا الحديث جواز دخول الجنب المسلم
المسجد ، وأنه أولى من المشرك ، لأنه ليس بنجس .
قال الجامع : لكن يرد عليه حديث عائشة رضي الله عنه مرفوعًا ((لا
أحل المسجد لحائض ولا لجنب )) رواه أبو داود ، وحديث أم سلمة رضي
الله عنها مرفوعًا (( إن المسجد لا يحل لحائض ولا لجنب )) رواه ابن ماجه.
والحديثان وإن ضعف ابن حزم إسنادهما بأنَّ أفلَتَ بن خليفة مجهول ،
فقد ردوا عليه بأن ابن حبان وثقه ، وقال أبو حاتم : هو شيخ ، وقال
أحمد : لا بأس به ، وروى عنه سفيان الثوري، وعبد الواحد بن زياد ،
وقال في الكاشف : صدوق ، وقال في البدر المنير : بل هو مشهور ثقة .

١٤٣ -
١٢٧ - تقديم غسل الكافر إذا أراد أن يسلم - حديث رقم ١٨٩
وكذا قول البخاري في جسرة الراوية عن عائشة : إن عندها عجائب
قال ابن القطان : لا يكفي في رد أخبارها . وقال العجلي : تابعية ثقة .
وذكرها ابن حبان في الثقات . وقد حسن ابن القطان حديثهما هذا ،
وصححه ابن خزيمة ، قال ابن سيد الناس : ولعمري إن التحسين لأقل
مراتبه لثقة رواته، ووجود الشواهد له من خارج، فلاحجة لأبي محمد بن
حزم في رده . أفاده في نيل الأوطار ج١ ص٣٤٥-٣٤٦.
قال الجامع عفا الله عنه : الحاصل أن دخول الجنب المسجد ، وكذا
الحائض ممنوع للحديثين المذكورين (١) . والله أعلم .
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله ، عليه
توكلت وإليه أنيب » .
(١) وقد ضعف الشيخ الألباني الحديث ، ولكن الظاهر مع الذين قالوا بتحسينه ، والله أعلم .

-١٤٤
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
١٢٨- الفَسْلُ مِنْ مُؤَارَاة المُشْرك
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية الإغتسال من أجل دفن
المشرك إذا مات .
والمواراة مصدر واراه : إذا ستره . أفاده في المصباح .
١٩٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْثَنَّى، عَنْ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَثَنِي شُعْبَةُ ،
عَنْ أَبِي ◌ِسْحَاقَ، قَالَ : سَمِعْتُ نَاجِيةَ بْنَ كَعْبٍ، عَنْ
عَلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّهُ أَتَّى النَّيِّ ◌َ فَقَالَ : إِنَّأَبَا طَالب
مَاتَ، فَقَالَ : ((اذْهَبْ فَوَارِه))، قَالَ: إِنَّهُ مَاتَ مُشْرِكًا،
قَالَ : ((اذْهَبْ فَوَارِهِ)) ، فَلَمَا وَارَيْتُهُ رَجَعْتُ إلَيْه ، فَقَالَ
لِي: ((اغْتَسِلْ)) .
رجال الإسناد : ستة
١- ( محمد بن المثنى) أبو موسى العنزي البصري ثقة - ١٠ - تقدم في
٨٠/٦٤.
٢- (محمد) بن جعفر غندر البصري ثقة -٥ - تقدم في ٢٢/٢١ .
٣- (شعبة) بن الحجاج البصري ثقة -٧- تقدم في ٢٦/٢٤.
٤- ( أبو إسحاق) السبيعي عمرو بن عبد الله الكوفي ثقة - ٣- تقدم
في ٣٨/ ٤٢.

١٤٥ -
١٢٨ - الغسل من موادة المشركـ - حديث رقم ١٩٠
٥- ( ناجية بن كعب ) الأسدي، ويقال : ابن خُفَاف - بضم المعجمة،
وبفائين - العَنَزی أبو خفاف الكوفي ، ويقال: إنهما اثنان . روى عن
ابن مسعود ، وعلي ، وعمار . وعنه أبو إسحاق السبيعي ، وأبو حسان
الأعرج ، ووائل بن داود ، وأبو السفر الهمداني ، ويونس بن أبي
إسحاق . قال ابن أبي خيثمة عن ابن معين : ناجية بن كعب صالح ،
وقال أبو حاتم : شيخ ، وقال يعقوب بن شيبة في حديث أبي إسحاق عن
ناجية ، عن عمار في التيمم رواه جماعة عن أبي إسحاق ، فقال زائدة
عنه ، عن ناجية ، ولم ينسبه ، وقال أبو الأحوص : عن ناجية أبي
خفاف ، وقال أبو بكر بن عياش : عن ناجية العنزي ، وقال ابن عيينة
وإسرائيل : عن ناجية بن كعب ، فقال علي بن المديني : قول ابن عيينة
عن ناجية بن كعب غلط ، وإنما هو ناجية بن خفاف العنزي ، قال علي :
وأما ناجية بن كعب فهو أسدي ، قال علي : وناجية بن خفاف أبو خفاف
العنزي لم يسمع هذا الحدیث عندي من عمار، لأن ناجية هذا لقیه یونس
ابن أبي إسحاق ، وليس بالقديم . وقال الخطيب أبو بكر : قال ابن عيينة
وإسرائيل ومعلى بن هلال ، عن أبي اسحاق ، عن ناجية بن كعب ،
وهو وهم. قال : وأحسب أبا إسحاق رواه لهم عن ناجية غير منسوب،
فظنوه ناجية بن کعب . انتهى .
وقد رواه أبو نعيم ، وخلف بن هشام ، ومحمد بن عبيد المحاربي ،
عن أبي الأحوص ، عن أبي إسحاق ، عن ناجية بن كعب ، عن علي ،
في قصة وفاة أبي طالب ، وروى الترمذي بهذا الإسناد قول أبي جهل
للنبي # ((إنَّا لا نكذبك)) الحديث، وهذا جميع ماله عندهم.
قال الحافظ رحمه الله : فيلخص من أقوال هؤلاء الأئمة أن الراوي
عن عمار حديث التيمم هو ناجية بن خفاف أبو خفاف العنزي ، وهو
الذي روى عن ابن مسعود ، وعنه أبو إسحاق، وابنه يونس بن أبي
أ

- ١٤٦
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
إسحاق وغيرهما ، وأما ناجية بن كعب الأسدي فهو الراوي عن علي بن
أبي طالب ، فقد قال ابن المديني أيضا : لا أعلم أحداً روى عنه غير أبي
إسحاق ، وهو مجهول ، وقال العجلي : ناجية بن كعب كوفي ثقة ،
وذكره ابن حبان في الثقات ، وقال الجوزجاني : مذموم ، وفرق
البخاري، وابن أبي حاتم عن أبيه، ومسلم في الطبقات ، وغير واحد بين
ناجية بن کعب الأسدي، وبين ناجية بن خفاف العنزي ، وذكر ابن منده
ناجية بن خفاف في الصحابة ، وقال : لاتصح له صحبة . اهـ تت ج١٠
ص٤٠١.
٦- (علي) بن أبي طالب رضي الله عنه تقدم في ٧٤/ ٩١ .
لطائف هذا لإسناد
منها أنه من سداسياته ، وأن رواته كلهم ثقات غير ناجية بن كعب،
فمختلف فيه كما تقدم ، ففي التقريب : ناجية بن کعب الأسدي عن
علي ثقة من الثالثة . وتقدم عن ابن المديني أنه قال : لا أعلم روى عنه
غير أبي إسحاق، وهو مجهول ، ووثقه العجلي ، وابن حبان .
ومنها أنهم ما بين بصريين ، وهم من قبل أبي إسحاق ، وکوفیین،
وهم الباقون. والله تعالى أعلم .
شرح الحديث
(عن علي) بن أبي طالب ( رضي الله عنه أنه أتى النبي(#) أي جاء
إليه ، يقال: أتى الرجل يأتي أتيًا - أي من باب رمى - : جاء ، والإتيان
اسم منه ، وأتيته يستعمل لازما ومتعديا ، قال الشاعر (من الكامل) :
فَاحْتَلْ لِنَفْسِكَ قَبْلَ أتِ العَسْكَرِ
وأتا يأتو أتْوًا لغة فيه . قاله في المصباح. ج١ ص٣.

١٤٧ -
١٢٨ - الغسل من موارة المشرك - حديث رقم ١٩٠
( فقال : إن أبا طالب) ابن عبد المطلب ، واسمه عبد مناف ، والد
علي رضي الله عنه، وعم النبي ◌َّ شقيق أبيه ، وهو الذي قام بكفالته
بعد موت جده عبد المطلب بوصية منه (مات) وفي رواية المصنف الآتية
في الجنائز ٢٠٠٦/٨٤، وأبي داود: قال: قلت للنبي عَّ إن عمك
الشيخ الضال مات فمن يواريه ؟ ( فقال : اذهب فواره) وفي الرواية
الآتية ((فوار أباك)) أي ادفنه ، وغيِّبه عن أعين الناس ، لئلا يتأذى أحد
بجیفته (فلما واريته) أي دفنته ( رجعت إليه) تَ﴾ ( فقال لي: اغتسل)
وفي الرواية الآتية ((ولا تحدثن حدثا حتى تأتيني ، فواريته ، ثم جئت،
فأمرني ، فاغتسلت ، ودعالي)) . وقوله: ولا تحدثنَّ حدثًا أي لا تفعل
شيئًا قبل مجيئك إلي .
وفيه أنه لم يأمره بغسله ، ولا بتكفينه .
ثم الظاهر أن هذا الاغتسال من دفنه ، لا من غسله فیکون مخصوصا
بالكافر لنجاسته على قول أنَّ بدن الكافر نجس لقوله تعالى : ﴿ إنما
المشركون نجس﴾ ، أو لأنه لا يخلو عن نجاسة لعدم عنايته بالنظافة .
وقال السندي : الاغتسال مبني على أنه غسله ، وأن من يغسل الميت
ينبغي له أن يغتسل ، ويحتمل أن يختص ذلك بالكافر لقوله تعالى :
﴿إنما المشركون نجس﴾ [التوبة: ٢٨] لكن الأحاديث تقتضي العموم،
نعم لوقيل : إن اغتساله من جهة المواراة ، ومواراة الكافر توجب الغسل
لنجاسته لکان له وجه . اهـ کلام السندي ج٤ ص ٨٠ .
قال الجامع عفا الله عنه : هذا الذي قاله السندي رحمه الله أخيرًا هو
المتجه عندي . والله أعلم. وهو المستعان ، وعليه التكلان .

- ١٤٨
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى في درجته : هذا الحديث صححه الشيخ الألباني ، وقد
عرفت ما في ناجية من الكلام ، فقال ابن المديني: مجهول ، وقال
الجوزجاني : مذموم ، ووثقه ابن حبان ، والعجلي ، والحافظ في
التقريب ، وضعف الحديث البيهقي .
قال الجامع : الحق أنه لا ينزل عن درجة الحسن . والله أعلم .
المسألة الثانية : في بيان مواضعه عند المصنف : أخرجه هنا
-١٩٠/١٢٨ - بالسند المذكور، وفي الجنائز ٨٤ - عن أبي قدامة عن
يحيى ، عن سفيان ، عن أبي إسحاق به . وفي الكبرى في الطهارة
١/١٢٠ - عن محمد بن بشار ، عن یحیی به .
المسألة الثالثة : فيمن أخرجه : أخرجه (د) في الجنائز - ٧٠ - عن
مسدد ، عن يحيى ، عن سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن ناجية بن كعب،
عن علي رضي الله عنه. وأخرجه الطيالسي ، وابن أبي شيبة، وأبو
يعلى، والبزار ، والبيهقي .
قال الحافظ رحمه الله : ومدار كلام البيهقي على أنه ضعيف ، ولا
يتبين وجه ضعفه ، وقد قال الرافعي : أنه حديث ثابت مشهور ، قال
ذلك في أماليه . اهـ تلخيص ج٢ ص ١١٤ .
المسألة الرابعة : قال الحافظ في التلخيص : ليس في شيء من طرق
هذا الحديث التصريح بأنه غسله إلا أن يؤخذ ذلك من قوله : فأمرني
فاغتسلت ، فإن الاغتسال من غسل الميت .
قال الجامع : هذا غير واضح ، بل الظاهر أنه من دفنه ، لا من غسله
كما تقدم .

١٤٩ -
١٢٨ - الغسل من موادة المشركـ - حديث رقم ١٩٠
قال الحافظ : وقد وقع عند أبي يعلى من وجه آخر في آخره : وكان
علي إذا غسل ميتًا اغتسل ، ووقع عند ابن أبي شيبة في مصنفه بلفظ :
فقلت : إن عمك الشيخ الكافر قد مات ، فما ترى فيه ؟ قال : أرى أن
تغسله وتجنه ، وقد ورد من وجه آخر أنه غسله . رواه ابن سعد عن
الواقدي : حدثني معاوية بن عبد الله بن عبيد الله بن أبي رافع ، عن
أبيه، عن جده ، عن علي قال: لما أخبرت رسول الله عليه بموت أبي
طالب بكى، ثم قال لي : اذهب فاغسله ، وكفنه ، قال : ففعلت ، ثم
أتيته، فقال لي : اذهب فاغسله وكفنه ، قال : ففعلت ، ثم أتيته ، فقال
لي : اذهب فاغتسل ، وكذلك رويناه في الغيلانيات .
واستدل بعضهم على ترك غسل المسلم للكافر بما رواه الدارقطني من
طريق عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه قال : جاء ثابت بن قيس بن
شماس ، فقال : يارسول الله أن أمي توفيت وهي نصرانية ، وإني أحب
أن أحضرها ، فقال له اركب دابتك وسرْ أمامها ، فإنك إذا كنت أمامها
لم تكن معها ، قال الدارقطني : لا يثبت .
قال الحافظ : قلت : وهو مع ضعفه لا دلالة فيه على الأمر بترك
الغسل ولا بفعله . اهـ تلخيص ج٢ ص ١١٤ - ١١٥.
المسألة الخامسة : في فوائده : من فوائد الحديث الإحسان إلى القريب
ولو كافرا ، ودفنه ومشروعية الغسل من دفنه ، وهو الذي ترجم عليه
المصنف ، وكمال أدب الصحابة رضي الله عنهم مع النبي عليه، فلا
يُقدمُون على شيء إلا عن أمر منهعَّه ولو كان ذلك الأمر مما يتعين عليهم،
حيث إن عليا سأل عن شأن أبيه بعد موته ولم يتولّ أمره بانفراده، وهذا
من وفور إيمانه فلا تغلبه حنانة الأبوة ، ولا عظيم قربه منه، بل آثر الله
ورسوله ◌ّه، فصدق عليه قوله تعالى : ﴿لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم
---- -- -

- ١٥٠
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباأهم﴾ الآية
[المجادلة: ٢٢] .
المسألة السادسة : في مذاهب العلماء في غسل الكافر ودفنه :
قال النووي رحمه الله في المجموع ماحاصله : مذهب الشافعي أن
للمسلم غسله ودفنه واتباع جنازته ، قال : ونقله ابن المنذر عن أصحاب
الرأي وأبي ثور ، وقال مالك وأحمد : ليس للمسلم غسله ولا دفنه ،
لکن قال مالك : له موارتہ . اهـ مجموع ج٥ص١٥٣ .
قال الجامع عفا الله عنه :
الراجح عندي أنه يواريه ، لحديث الباب ، ولا يغسله ، ولا يتبع
جنازته، لعدم صحة دليل على ذلك ، وما تقدم فهو من طريق الواقدي ،
وهو ضعيف . والله أعلم .
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه
توكلت وإليه أنيب )).

١٢٩ - باب وجوب الغسل إذا التقى الختانان - حديث رقم ١٩١
١٥١ -
١٢٩ - بابُ وُجُوبِ الفَسْلْ إِذَا التَّقَى الخِتَانَانِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على وجوب الغسل إذا التقى ختان
الرجل بختان المرأة ، وإن لم يُنْزلا .
الختانان بالكسر : تثنية ختَان ، وهو موضع القطع من الذكر والأنثى .
قال ابن منظور رحمه الله : خَتَنَ الغلامَ والجارية يختنهما ،
ويختُّنُهما- يعني من بابي ضرب ونصر -ختْنًا ، والإسم : الختان
والختانة ، وهو مختون ، وقيل : الختن للرجال ، والخفض للنساء .
والخَتين المختون ، الذكر والأنثى في ذلك سواء . والختانة : صناعة
الخاتن ، والخَتْن فعل الخاتن الغلامَ، والختان ، ذلك الأمر كله وعلاجه .
والختان : موضع الختن من الذكر ، وموضع القطع من نواة الأنثى ، ومنه
الحديث المروي: ((إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل)). وهما موضع
القطع من ذكر الغلام وفرج الجارية ، ويقال لقطعهما : الإعذار
والخفض.
ومعنى التقائهما : غيوب الحشفة في فرج المرأة حتى يصير ختانه
بحذاء ختانها ، وذلك أن محل الذكر من المرأة سافل عن ختانها ، لأن
ختانها مستعل ، وليس معناه أن يماس ختانه ختانها ، هكذا قال الشافعي
في كتابه . وأصل الختن: القطع . اهـلسان العرب ج٢ ص ١٠٢ .
١٩١ - أخبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْد الأعْلَى، قَالَ: حَدَثَنَا خَالدٌ، قَالَ :
حَدَثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَالَ : سَمِعْتُ الْحَسَنَ يُحَدِّثُ
عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللهِ عَهُ قَالَ:
ثُمّ اجْتَهَدَ، فَقَدْ وَجَبَ الغُسْلُ))
وي
((إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبَهَا الأَرْبَع ثـ
أ

= ١٥٢
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
رجال هذا الإسناد : سبعة
١- (محمد بن عبد الأعلى) الصنعاني البصري ثقة - ١٠ - تقدم في
٥/٥.
٢- (خالد) بن الحارث الهُجَيمي البصري ثقة ثبت-٨- تقدم في
٤٢/ ٤٧.
٣- ( شعبة) بن الحجاج الإمام العلم الحجة -٧ - تقدم في ٢٦/٢٤ .
٤ - ( قتادة ) بن دعامة أبو الخطاب البصري الحجة الثبت -٤ - تقدم
في ٣٠/ ٣٤ .
٥- (الحسن) بن يسار البصري الحجة الثبت -٣ - تقدم في ٣٦/٣٢.
٦ - ( أبو رافع ) نفيع الصائغ المدني نزيل البصرة مولى ابنة عمر وقيل :
مولى بنت العجماء ، أدرك الجاهلية ، وروى عن أبي بكر ، وعمر ،
وعثمان ، وعلي، وابن مسعود ، وزيد بن ثابت ، وأبي بن كعب، وأبي
موسى الأشعري ، وأبي هريرة ، وحفصة بنت عمر رضي الله عنهم .
وروى عنه ابنه عبد الرحمن ، والحسن البصري ، وحميد بن هلال
وخلاس بن عمرو ، وعبد الله بن فيروز الدَّانَاج ، وثابت البناني ،
وعطاء بن أبي ميمونة ، وقتادة ، ويكر بن عبد الله المزني، وسليمان
التيمي ، وعلى بن زيد بن جدعان ، وغيرهم . ذكره ابن سعد في الطبقة
الأولى من أهل البصرة ، وقال : خرج من المدينة قديما ، وكان ثقة ،
وقال العجلي : بصري تابعي ثقة من كبار التابعين ، وقال أبو حاتم : ليس
به بأس ، وقال حماد بن سلمة عن ثابت: لما أعتق أبو رافع بكى، وقال :
كان لي أجران فذهب أحدهما .
قال الحافظ : وقال الدراقطني قيل : إن اسمه نفيع ، ولا يصح - يعني
أن اسمه قتيبة ، قال : وهو ثقة ، وذكره ابن حبان في الثقات ، وقال ابن

١٥٣-
١٢٩ - باب وجوب الغسل إذا التقى الختانان - حديث رقم ١٩١
عبد البر في الصحابة : لا أقف على نسبه ، وهو مشهور من علماء
التابعين أدرك الجاهلية ، وروى إبراهيم الحربي في غريبه من طريق أبي
رافع قال : كان عمر يمازحني حتى يقول : أكذب الناس الصائغ يقول :
اليوم، وغدا . اهـ تت ج ١٠ ص٣٧٢ -٣٧٣، أخرج له الجماعة .
٧- ( أبو هريرة) رضي الله عنه تقدم في ١/ ١.
لطائف هذا الإسناد
منها أنه من سباعياته ، وأن رواته كلهم ثقات أجلاء ، وأنهم ممن
اتفقوا على الإخراج لهم إلا شیخه فلم يخرج له (خ) وفيه رواية ثلاثة من
التابعين بعضهم عن بعض ، قتادة ، والحسن ، وأبو رافع ، وفيه أبو
هريرة أحد المكثرين السبعة، وأن الرواة كلهم بصريون ، إلا الصحابي
فمدني . والله تعالى أعلم .
شرح الحديث
(عن أبي هريرة) رضي الله عنه ( أن رسول الله قال: إذا جلس)
الضمير المستتر فيه وفي قوله ((ثم جهد)) للرجل ، والضميران البارزان في
قوله ((شعبها))، و((جهدها)) للمرأة، وترك إظهار ذلك لدلالة السياق
عليه كما في قوله تعالى: ﴿حتى توارت بالحجاب﴾ [ص: ٣٢]. وقد وقع
مصرحًا به في رواية لابن المنذر من وجه آخر عن أبي هريرة رضي الله عنه
قال: ((إذا غَشيَ الرجل امرأته فقعد بين شعبها)) ... الحديث . أفاده في
الفتح ج١ ص ٤٧٠ (بين شعبها الأربع) بضم الشين المعجمة وفتح العين
المهملة جمع شعبة بضم فسكون : القطعة من الشيء ، قيل : المرادهنا
يداها ورجلاها ، وقيل : رجلاها وفخذاها ، وقيل ساقاها وفخذاها ،
وقيل : فخذاها وإسكتاها (١)، وقيل: فخذاها وشُفْرَاهَا ، وقيل : نواحي
(١) (الإسكتان) تثنية إسْكَة وزان سدرة ، وفتح الهمزة لغة قليلة: جانب فرج المرأة ، قال
الأزهري : الإسكتان ناحيتا الفرج ، والشفران - أي بضم فسكون - طرفا الناحيتين . قاله في
المصباح . ج١ ص ١٥ .

- ١٥٤
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
فرجها الأربع ، ورجح القاضي عياض الأخير ، واختار ابن دقيق العيد
الأول ، قال : لأنه أقرب إلى الحقيقة أو هو حقيقة في الجلوس ، وهو
كناية عن الجماع فاكتفى به عن التصريح . قاله في الفتح ج١ ص ٤٧٠ .
(ثم جهدها) قال الفيومي رحمه الله : جَهَد في الأمر جَهْدا من باب
نفع: إذا طلب حتى بلغ غايته في الطلب ، وجهده الأمر والمرض جهدا
أيضا : إذا بلغ منه المشقة ، ومنه جَهْدُ البلاء ، ويقال : جهدت فلانا جهدا
إذا بلغت مشقته ، جهدت الدابة ، وأجهدتها : حملت عليها في السير
فوق طاقتها ، وجهدت اللبن جهدًا: مزجته بالماء ، ومخضته حتى
استخرجت زبده ، فصار حلوا لذيذًا ، قال الشاعر (من البسيط):
مِنْ نَاصع اللَّوْن حُلْو الطُّعْم مَجْهُود
وصفه إبله بغزارة لبنها ، والمعنى أنه مُشتهى لا يمل من شربه ، لحلاوته
وطيبه .
وقوله عليه الصلاة والسلام : ((إذا جلس بين شعبها، وجهدها))
مأخوذ من هذا ، شبه لذة الجماع بلذة شرب اللبن الحلو ، كما شبهه
بذوق العسل بقوله: ((حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك)) . اهـ
المصباح ج١ ص١١٢ .
وقال ابن منظور رحمه الله: ((ثم جهدها)): أي دفعها، وحَفَزَهَا،
وقيل الجهد من أسماء النكاح . - يعني الجماع - اهـ لسان ج١ ص٧٠٩ .
وفي الفتح : يقال : جهد ، وأجهد أي بلغ المشقة ، قيل : معناه كَدَّهَا
بحركته ، أو بلغ جهده في العمل بها . اهـج١ ص ٤٧٠.
قال الجامع : حاصل المعنى المراد : أنه جامعها . والله أعلم .
ووقع في مسلم من طريق شعبة ، عن قتادة (( ثم اجتهد)) ، ورواه أبو
أ

١٥٥ -
١٢٩ - باب وجوب الغسل إذا التقى الختانان - حديث رقم ١٩١
داود من طريق شعبة ، وهشام معا، عن قتادة بلفظ ((وألزق الختان
بالختان)» بدل قوله: («ثم جهدها)) .
قال الحافظ رحمه الله : وهذا يدل على أن الجهدهنا كناية عن معالجة
الإيلاج. ورواه البيهقي من طريق ابن أبي عروبة، عن قتادة مختصراً
ولفظه ((إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل)) . وروي أيضا بهذا اللفظ
من حديث عائشة أخرجه الشافعي من طريق سعيد بن المسيب عنها ،
وفي إسناده علي بن جُدْعان ، وهو ضعيف ، وابن ماجه من طريق
القاسم بن محمد عنها ، ورجاله ثقات ، ، ورواه مسلم من طريق أبي
موسى الأشعري عنها بلفظ ((ومس الختان الختان))، والمراد بالمس
والالتقاء المحاذاة ، ويدل عليه رواية الترمذي بلفظ ((إذا جاوز))، وليس
المراد بالمس حقيقته لأنه لايتصور عند غيبة الحشفة ، ولو حصل المس قبل
الإيلاج لم يجب الغسل بالإجماع . قاله في الفتح ج١ ص ٤٧١.
(فقد وجب الغسل) جواب ((إذا))، أي لزمه الغسل، وإن لم ينزل ، فلا
يشترط الإنزال ، بل متى غابت الحشفة في الفرج وجب الغسل عليه،
وإن لم ينزل ، يدل على هذا رواية مسلم من طريق مطر الوراق، عن
الحسن في آخر هذا الحديث ((وإن لم ينزل))، ووقع ذلك في رواية قتادة
أيضًا رواه ابن أبي خيثمة في تاريخه عن عفان ، قال : حدثنا همام ،
وأبان قالا : أخبرنا قتادة به ، وزاد في آخره ، (( أنزل ، أو لم ينزل))،
وكذا رواه الدراقطني وصححه من طريق علي بن سهل عن عفان ، وكذا
ذكرها أبو داود الطيالسي عن حماد بن سلمة، عن قتادة . أفاده في الفتح
ج١ ص٤٧١. والله أعلم ، وهو المستعان ، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى : في درجته : حديث الباب متفق عليه
المسألة الثانية : في بيان مواضعه عند المصنف أخرجه هنا

- ١٥٦
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
-١٩١/١٢٩ - وفي الكبرى-١٩٧/١٢١ -عن محمد بن عبد الأعلى،
عن خالد الهجيمي ، عن شعبة ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن أبي رافع،
عن أبي هريرة رضي الله عنه .
المسألة الثالثة : فيمن أخرجه معه: أخرجه ( خ م دق ) فأخرجه (خ)
في الطهارة ١٠٧ - عن معاذ بن فضالة، وأبي نعيم ، كلاهما عن هشام ،
عن قتادة ، به . قال: وقال موسى عن أبان عن قتادة : أخبرنا الحسن
مثله . وتابعه عمرو يعني ابن مرزوق - ، عن شعبة ، عن قتادة .
وأخرجه مسلم فيه - ١/٥٦ عن أبي خيثمة زهير بن حرب ، وأبي
غسان المسمعي ، وابن المثنى ، وابن بشار ، أربعتهم عن معاذ بن هشام،
عن أبيه، عن قتادة ، ومطر الوراق ، كلاهما عن الحسن به . وفي -
٢/٥٦- عن محمد بن عمرو بن جبلة ، عن ابن أبي عدي - وفي
-٥٦/ ٢- عن ابن المثنى، عن وهب بن جرير - كلاهما عن شعبة به .
وأخرجه (د) فيه ٨٤/ ٢ - عن مسلم بن إبراهيم ، عن هشام ، وشعبة،
كلاهما عن قتادة نحوه ((إذا قعد بين شعبها الأربع وألزق الختان بالختان))
وأخرجه (ق) فيه - ١١١/ ٣- عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن أبي نعيم،
الفضل بن دکین به .
المسألة الرابعة : في مذاهب العلماء في حكم من أولج ولم ينزل :
ذهب جمهور أهل العلم من الصحابة والتابعين إلى إيجاب الغسل
بالإيلاج وإن لم ينزل ، وبه قال الخلفاء الأربعة ، والأئمة الأربعة ، وقد
ادعی بعضهم انعقاد إجماع الصحابة والتابعین علیه ، ولیس کذلك بل
الخلاف موجود . كما سنحققه ، وذهب بعض أهل العلم من الصحابة
والتابعين إلى عدم الإيجاب إلا بالإنزال ، وممن روى عنه ذلك عثمان بن
عفان، وعلي بن أبي طالب ، والزبير بن العوام ، وطلحة بن عبيد الله،

١٥٧-
١٢٩ - باب وجوب الغسل إذا التقى الختانان - حديث رقم ١٩١
وسعد بن أبي وقاص ، وابن مسعود ، ورافع بن خديج ، وأبو سعيد
الخدري ، وأبي بن كعب ، وأبو أيوب الأنصاري ، وابن عباس ،
والنعمان بن بشير ، وزيد بن ثابت ، وجمهور الأنصار رضي الله عنهم ،
وهو قول عطاء بن أبي رباح ، وأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ،
وهشام بن عروة ، والأعمش ، وبعض أهل الظاهر . قاله ابن حزم في
المحلی ج٢ص٤ .
قال النووي رحمه الله بعد ذكر بعض من ذكرهم ابن حزم : ثم منهم
من رجع عنه الى موافقة الجمهور ، ومنهم من لم يرجع . اهـ المجموع
جـ٢ ص ١٣٦.
وحجة هؤلاء ما رواه الشيخان، والطحاوي، والبزار من حديث زيد بن
خالد الجهني رضي الله عنه : أنه سأل عثمان بن عفان رضي الله عنه
فقال: أرأيت إذا جامع الرجل امرأته ، فلم يمن؟ قال عثمان : يتوضأ كما
يتوضأ للصلاة ، ويغسل ذكره ، قال عثمان: سمعته من رسول الله ﴾﴾ ،
فسألت عن ذلك علي بن أبي طالب ، والزبير بن العوام ، وطلحة بن
عبيد الله ، وأبي بن كعب رضي الله عنهم ، فأمروه بذلك . هذا لفظ
البخاري ، وما رواه مسلم عن أبي أيوب ، عن أبي بن كعب ، قال :
سألت رسول الله عَّة عن الرجل يصيب من المرأة ، ثم يكسل؟ فقال :
((يغسل ما أصابه من المرأة، ثم يتوضأ)). وأخرجه ابن أبي شيبة،
وأحمد، والطحاوي . وما أخرجه الشيخان من حديث أبي سعيد
الخدري رضي الله عنه ((أن رسول الله ﴾ مرَّ على رجل من الأنصار،
فأرسل إليه، فخرج، ورأسه يقطر، فقال: ((لعلنا أعجلناك))؟ فقال:
نعم يا رسول الله، قال: ((إذا أعجلتَ، أو قُحطتَ فلا غسل عليك،
وعليك الوضوء)). وأخرجه الطحاوي. وأخرج الطحاوي أيضًا عن أبي
سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قلت لإخواني من الأنصار : أنزلوا

- ١٥٨
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
الأمر كما تقولون : الماء من الماء ، أرأيتم إن اغتسل ؟ فقالوا : لا والله
حتى لا یکون في نفسك حرج مما قضى الله ورسوله، وأخرج أبو العباس
السراج أيضا في مسنده : حدثنا روح بن عبادة عن زكريا بن إسحاق ،
عن عمرو بن دينار أن ابن عباس أخبره أن أبا سعيد الخدري كان ينزل في
داره ، وأن أبا سعيد أخبره أنه كان يقول لأصحابه : أرأيتم إذا اغتسلت،
وأنا أعرف أنه كما تقولون ؟ قالوا : لا حتى لا يكون في نفسك حرج مما
قضى الله ورسوله في الرجل يأتي امرأته ولا ينزل . وأخرج مسلم أيضًا
عن أبي سعيد عن رسول الله عنه قال: ((الماء من الماء)).
وما رواه ابن ماجه، والطحاوي من حديث أبي أيوب رضي الله عنه ،
قال: قال النبي عَلّ: ((الماء من الماء)).
وما أخرجه الطحاوي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال:
((بعث رسول الله عَّه إلى رجل من الأنصار فأبطأ، فقال: ما حبسك؟
قال : كنت أصبت من أهلي ، فلما جاءني رسولك اغتسلت من غير أن
أحدث شيئا، فقال رسول الله عنه: ((الماء من الماء ، والغسل على من
أنزل)» .
وما أخرجه أحمد من حديث عتبان الأنصاري ، قال قلت : يانبي الله
إني كنت مع أهلي ، فلما سمعت صوتك أقلعْتُ فاغتسلت ، فقال
رسول الله عَهُ: ((الماء من الماء)). وما أخرجه أحمد، والطبراني من حديث
رافع بن خديج رضي الله عنه، ناداني رسول الله عَّ وأنا على بطن
امرأتي، فقمت ولم أمْن، فاغتسلت، فقال رسول الله عَل: ((لا عليه،
الماء من الماء)). وما أخرجه أبو يعلى من حديث عبد الرحمن بن عوف
رضي الله عنه قال: ((انطلق رسول الله في طلب رجل من الأنصار ،
فدعاه ، فخرج الأنصاري، ورأسه يقطر ماء، فقال رسول الله عليه: ما
:

١٢٩ - باب وجوب الغسل إذا التقى الختانان - حديث رقم ١٩١
١٥٩ -
لرأسك)»، فقال : دعوتني وأنا مع أهلي ، فخفت أن أحتبس عليك ،
فعجلت فقمت وصببت علي الماء ، ثم خرجت ، فقال: ((هل كنت
أنزلت؟)) قال: لا، قال: ((إذا فعلت ذلك ، فلا تغتسلن ، اغسل ما
مس المرأة منك، وتوضأ وضوءك للصلاة . فإن الماء من الماء)). وأخرجه
البزار أيضًا .
وما أخرجه البزار من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: أرسل
رسول الله عَليه إلى رجل من الأنصار فأبطأ عليه، فقال: ((ماحبسك؟))
قال: كنت حين أتاني رسولك على امرأتي، فقمت، فاغتسلت ، فقال :
((وكان عليك أن لا تغتسل ما لم تنزل))، قال : فكان الأنصار يفعلون
ذلك)» .
وما أخرجه معمر بن راشد في جامعه من حديث عبد الله بن عقیل
قال: ((سلم النبي # على سعد بن عبادة ، فلم يأذن له كان على حاجته ،
فرجع النبي #فقام سعد سريعا فاغتسل ، ثم تبعه ، فقال : يارسول الله
إني كنت على حاجة، فقمت، فاغتسلت، فقال النبي عليه: ((الماء من
الماء )).
واحتج الجمهور بحديث الباب ، وحديث عائشة رضي الله عنها أنها
سئلت عن الرجل يجامع فلا ينزل؟ فقالت : فعلته أنا ورسول الله
فاغتسلنا منه جميعا . أخرجه الطحاوي، والترمذي، ولفظه: (( إذا
جاوز الختان الختان وجب الغسل ، فعلته أنا ورسول الله ﴾﴾فاغتسلنا)).
وقال : هذا حديث صحيح ، وأخرجه ابن ماجه أيضا ، وروى مالك عن
يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب (( أن أبا موسى الأشعري أتى
عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها ، فقال : لقد شقّ على اختلاف
أصحاب رسول الله ◌َّ في أمر، إني لأعظم أن أستقبلك به ، فقالت :
!

- ٠١٦٠
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
ماهو ؟ ماكنت سائلا عنه أمك فاسألني عنه، فقال لها: الرجل يصيب
أهله فيكسل ولا ينزل ؟ قالت : إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل،
فقال أبو موسى : لا أسأل أحدًا عن هذا بعدك أبدًا)). ورواه الشافعي
أيضًا عن مالك ، وأخرجه البيهقي من طريقه ، وقال الإمام أحمد : هذا
إسناد صحيح إلا أنه موقوف على عائشة رضي الله عنها .
وقال أبو عمر: هذا الحديث موقوف في الموطأ عند جماعة من رواته،
وروى موسى بن طارق أبو قرة، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن
سعيد بن المسيب، عن أبي موسى ، عن عائشة رضي الله عنها ، أن النبي
عَّ﴾ قال: ((إذا التقى الختانان وجب الغسل)). ولم يتابع على رفعه عن
مالك. وأخرج الطحاوي أيضًا عن جابر بن عبد الله، قال : أخبرتني أم
كلثوم عن عائشة رضي الله عنها : أن رجلا سأل رسول الله ع# عن
الرجل يجامع أهله ، ثم يكسل ، هل عليه من غسل ؟ ، وعائشة جالسة،
فقال رسول الله عنه: ((إني لأفعل ذلك أنا وهذه ثم نغتسل)).
قال الجمهور فهذه الآثار تخبر عن فعل رسول الله ټۍأنه کان یغتسل إذا
جامع وإن لم ينزل .
وقالت الطائفة الأولى هذه الآثار تخبر عن فعل رسول الله عليه، وقد
يجوز أن يفعل ما ليس عليه - يعني يفعله بطريقٍ الاستحباب ، لا بطريق
الوجوب ، فلا يتم الاستدلال بها ، والآثار الأَولُ تُخبر عما يجب ، وما
لا یجب فهي أولى .
فأجاب الجمهور عن هذا ، بأن هذه الآثار على نوعين : أحدهما (( الماء
من الماء)) لا غير ، فهذا ابن عباس رضي الله عنه قد روي عنه أنه قال :
مراد رسول الله به أن يكون هذا في الاحتلام ، فقد أخرج الترمذي بسنده
عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: ((إنما الماء من الماء))
في الاحتلام ، يعني إذا رأى أنه يجامع، ثم لم ينزل، فلا غسل عليه (١).
(١) في إسناده لين لأنه من رواية شريك عن أبي الجحاف، لكن يشهد له حديث أبي بن كعب الآتي