النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١ -
١٢٠ - ترك الوضوء من مس الرجل امرأته .. - حديث رقم ١٦٩
وقال السندي رحمه الله : قوله: أعوذ برضاك : أي متوسلا برضاك
من أن تسخط علي وتغضب . انتهى ، وقيل : أي أسألك الرضا عوضا
من السخط . أفاده السيوطي .
(و) أعوذ ( بمعافاتك) مصدر عافاه ، من العفو ، وهو التجاوز عن
الذنب ، وترك العقاب عليه ، وأصله : المحو والطمس ، يقال: عَفًا
يَعْفُو عَفْوًا فهو عَاف ، وعَفُوّ ، وقال ابن الأنباري في قوله تعالى : ﴿عفا
الله عنك لم أذنت لهم﴾: محا الله عنك، مأخوذ من قولهم : عفت
الرياح الآثار تعفو عفوا ، لفظ اللازم والمتعدي سواء. أفاده في اللسان.
ج٤ ص٣٠١٨ ( من عقوبتك ) أي تعذيبك .
قال القاضي عياض رحمه الله : رضى الله ، وسخطه، ومعافاته،
وعقوبته، من صفات كماله ، فاستعاذ من المكروه منهما إلى المحبوب ،
ومن الشر إلى الخير .
وقال القرطبي رحمه الله : ثم ترقى عن الأفعال إلى منشىء الأفعال ،
فقال: (وأعوذ بك منك) مشاهدة للحق وغيبة عن الخلق (١)، وهذا
محض المعرفة الذي لا يعبر عنه قول ، ولا يضبطه صفة ، وقوله ( لا
أحصى ثناء عليك) أي لا أطيقه، أي لا ، أنتهي إلى غايته ولا أحيط
بمعرفته كما قال عَّ في حديث الشفاعة: (( فأحمده بمحامد لا أقدر عليها
الآن))، وروى مالك لا أحصي نعمتك وإحسانك والثناء عليك، وإن
اجتهدت في ذلك ، والأول أولى ، لما ذكرناه ، ولقوله في الحديث (أنت
كما أثنيت على نفسك ) ومعنى ذلك اعتراف بالعجز عند ما ظهر له من
(١) في هذه العبارة نظر لا يخفى ، لأنها تستلزم أن ما تقدم من الرضا ، والسخط ، والمعافاة ،
والمعاقبة من جملة الخلق ، والحق أنها من صفاته تعالى، كالعلم والقدرة ، وغيرهما . فتنبه .

- ٢٢ -
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
صفات جلاله ، وكماله ، وصمديته ، وقدوسيته ، وعظمته ،
وكبريائه، وجبروته ما لايُنْتَهى إلى عدّه، ولا يُوصَل إلى حدّه ، ولا
يحمله عقل ، ولا يحيط به فكر ، وعند الانتهاء إلى هذا المقام انتهت
معرفة الأنام . قاله في زهر ج١ ص١٠٣ .
وقال السندي رحمه الله في تفسير (أعوذ بك منك) الخ: ما حاصله:
أي أعوذ بصفات جمالك عن صفات جلالك فهذا إجمال بعد شيء من
التفصيل ، وتعوذ بتوسل جميع صفات الجمال عن صفات الجلال ، وإلا
فالتعوذ من الذات مع قطع النظر عن شيء من الصفات لا يظهر ، وقيل :
هذا من باب مشاهدة الحق والغيبة عن الخلق وهذا محض المعرفة الذي
لا يحيطه العباد ( لا أحصي ثناء عليك) أي لا أستطيع فردا من ثنائك على
شيء من نعمائك ، وهذا بيان لكمال عجز البشر عن أداء حقوق الرب
تعالى . ومعنى ( أنت كما أثنيت على نفسك) أي أنت الذي أثنيت على
ذاتك ثناء يليق بك، فمن يقدر على أداء حق ثنائك ؟، فالكاف زائدة
والخطاب في عائد الموصول بملاحظة المعنى ، نحو :
أَنَا الذي سَمَّتْني أمِّي حَيْدَرَهُ
ويحتمل أن الكاف بمعنى ((على)) والعائد إلى الموصول محذوف أي
أنت ثابت دائم على الأوصاف الجليلة التي أثنيت بها على نفسك ،
والجملة على الوجهين في موضع التعليل ، وفيه إطلاق لفظ النفس على
ذاته تعالی بلا مشاكلة، وقيل: أنت تأکید للمجرور في «علیك)) ، فهو
من استعارة المرفوع المنفصل موضع المجرور المتصل ، إذ لا منفصل في
المجرور ، و((ما )) في كما : مصدرية ، والكاف بمعنى مثل صفة ثناء ،
ويحتمل أن تكون ((ما)) على هذا التقرير موصولة ، أو موصوفة والتقدير

-٢٣ _
١٢٠ - ترك الوضوء من مس الرجل امرأته .. - حديث رقم ١٦٩
مثل ثناء أثنيته ، أو مثل الثناء الذي أثنيته على أن العائد المقدر ضمير
المصدر ، ونصبه على كونه مفعولا مطلقا ، وإضافة المثل إلى المعرفة
لا يضر في كونه صفة نكرة ، لأنه متوغل في الإبهام ، فلا يتعرف
بالإضافة ، وقيل : أصله ثناؤك المستحق ، کثنائك على نفسك ، فحذف
المضاف من المبتدإ، فصار الضمير المجرور مرفوعا . والله أعلم . أفاده
السندي ج١ ص١٠٣ -١٠٤.
وقال ابن الأثير في النهاية: ((اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك
وبمعافاتك)) الحديث ... وفي رواية بدأ بالمعافاة، ثم بالرضا، إنما ابتدأ
بالمعافاة من العقوبة لأنها من صفات الأفعال كالإماتة والإحياء ،
والرضا والسخط من صفات الذات ، وصفات الأفعال أدنى رتبة من
صفات الذات (١) ، فبدأ بالأدنى مترقيا إلى الأعلى ، ثم لما ازداد يقينا
وارتقاء ترك الصفات، وقصر نظره على الذات، فقال (أعوذ بك منك)،
ثم لما ازداد قربا، استحيا معه من الاستعاذة على بساط القرب ، فالتجأ
إلى الثناء فقال (لا أحصي ثناء عليك)، ثم علم أن ذلك قصور، فقال
(أنت كما أثنيت على نفسك)، وأما على الرواية الأولى فإنما قدم
الاستعاذة بالرضا على السخط لأن المعافاة من العقوبة تحصل بحصول
الرضا ، وإنما ذكرها لأن دلالة الأولى عليها تضمن ، فأراد أن يدل عليها
دلالة مطابقة ، فكنى عنها أولاً ، ثم صرح بها ثانيا ، ولأن الراضي قد
يعاقب للمصلحة ، أو لاستيفاء حق الغير. اهـ مافي النهاية ج ٢ ص ٢٣٢ .
مسائل تتعلق بهذا الحديث
(١) قلت : في جعل صفة الأفعال أدنى من صفات الذات نظر لا يخفى، إذ الصفات كلها متساوية
في العلو . فتنبه.

- ٢٤
-
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
المسألة الأولى: في درجته : حديث عائشة رضي الله عنها أخرجه
مسلم .
المسألة الثانية : في بيان مواضعه عند المصنف . أخرجه المصنف هنا
٤/١٢٠ عن محمد بن عبد الله بن المبارك المخرّمي ونُصير بن الفرج
كلاهما عن أبي أسامة ، عن عبيد الله بن عمر، عن محمد بن یحیی بن
حبان ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن عائشة رضي
الله عنها. وأخرجه في الصلاة - ٣٩٤ - وفي النعوت (في الكبرى)
١/٥ عن إسحاق بن إبراهيم عن عبدة بن سليمان ، عن عبيد الله بن عمر
المذكور .
المسألة الثالثة : فیمن أخرجه معه : أخرجه (م دق ) فأخرجه (م) في
الصلاة - ٨/٤٢- عن أبي بكربن أبي شيبة ، عن أبي أسامة . وأخرجه
(د) في الصلاة - ١٥٣/ ٥- عن محمد بن سليمان الأنباري ، عن عبدة
ابن سليمان ، كلاهما عن عبيد الله بن عمر ، عن محمد بن يحيى بن
حبان به . وأخرجه (ق) في الدعاء (٤/٣) عن أبي بكر بن أبي شيبة ،
عن أبي أسامة الخ .
المسألة الرابعة: في فوائده : من فوائده عدم نقض الوضوء بمس المرأة
وقيده المصنف بما إذا كان بغير شهوة ، ولكن لادليل لهذا التقييد فالظاهر
إطلاق الحكم .
ومنها : استحباب نصب القدمين في السجود .
ومنها : مشروعية قيام الليل .
ومنها: استحباب الدعاء في حالة السجود لأنها من مواطن الإجابة .

٢٥ -
١٢٠ - ترك الوضوء من مس الرجل امرأته .. - حديث رقم ١٦٩
ومنها : التعوذ من سخط الله وعقوبته.
ومنها : بيان عظمة الله تعالى وعجز الخلق عن أداء الثناء عليه . بل هو
الذي يثني على نفسه ، كما ينبغي له الثناء .
وسيأتي بقية الكلام على مذاهب العلماء في حكم حديث الباب في
الباب الآتى إن شاء الله تعالى .
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه
تو کلت ، وإليه أنیب )» .

-٢٦
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
١٢١ - تَرْكُ الوُضُوءِ مِنَ القُبْلَة
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على ترك الوضوء من أجل قبلة الرجل
امرأته لعدم انتقاضه ، ثم إن ظاهر كلامه يشمل ما إذا كان بشهوة ، لأن
القبلة لاتخلو عن الشهوة غالبًا ، إلا أنه أعل الحديث بالإرسال كما يأتي،
والصحيح أن الحديث صحيح ، فعدم النقض مطلقا هو المذهب الأقوى
دليلا ، كما سنحققه بعد إن شاء الله تعالى .
١٧٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْثَنَّى، عَنْ يَحْيَى بِنِ سْعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ،
قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُورَوْقٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ عَائِشَةً
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أنَّالشَّيَّ ◌َهُ كَانَ يُقَبْلُ بَعْضَ أَزْوَاجِهِ ثُمَّ
يُصَلِّي، وَلاَ يَتَوَضَأَ .
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: لَيْسَ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثٌ أَحْسَنُ
مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ وإِنْ كَانَ مُرْسَلاً . وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ
الْأَعْمَثُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ
عَائشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا .
قَالَ يَحْيَى الْقَطَّنُ: حَدِيثُ حَبِيبٍ ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةً
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا هَذَا، وَحَدِيثُ حَبِيبٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ

٢٧ -
١٢١ - ترك الوضوء من القبلة - حديث رقم ١٧٠
عَائِشَةَ رَضيَ اللَّهُ عَنْهَا: «تُصَلِّي وَإِنْ قَطَرَ الدَّمُ عَلَى
الْحَصير)) لاشَيْء.
رجال هذا الإسناد : ستة
١- (محمد بن المثنى) أبو موسى العنزي البصري ثقة حافظ - ١٠ -
تقدم في ٦٤/ ٨٠ .
٢ - -( يحي بن سعيد) بن فروخ القطان أبو سعيد البصري ثقة
حجة -٩ - تقدم في ٤/ ٤ .
٣- ( سفيان) بن سعيد أبو عبد الله الثوري الحجة الثبت الفقيه -٧-
تقدم في ٨٩/ ١١١ .
٤- ( أبو رَوْق) بفتح الراء ، وسكون الواو بعدها قاف ، عطية بن
الحارث ، الهمداني الكوفي ، صاحب التفسير صدوق من الخامسة . اهـ
«ت)) ص ٢٤٠.
٥- ( إبراهيم التيمي) بن يزيد بن شريك ، أبو أسماء الكوفي العابد
ثقة ، إلا أنه يرسل ويدلس ، من الخامسة .
روى عن عائشة مرسلا ، وأبيه وأنس وعمرو بن ميمون والحارث بن
سويد وعنه الحكم بن عتيبة ، والأعمش وغيره . وثقه ابن معين ، وقال
أبو زرعة : ثقة مرجىء، وقال الأعمش : كان إذا سجد تجيء العصافير
تنقر على ظهره ، وقال لي : ما أكلت منذ أربعين ليلة إلا حبة عنب. مات
سنة ٩٢، وقيل : ٩٤، وقيل قتله الحجاج. اهـصة ج١ ص٥٩ أخرج له
الجماعة .
٦- ( عائشة) أم المؤمنين رضي الله عنها تقدمت في ٥/٥ .

- ٢٨
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
لطائف هذا الإسناد
منها أنه من سداسيات المصنف، وأن رواته ثقات، وأنهم ما بين
بصریین، وهما محمد ويحيى ، وكوفيين وهم الباقون ، ما عدا عائشة
رضي الله عنها فمدنية ، وهي من المكثرين السبعة.
شرح الحديث
(عن عائشة) رضي الله عنها ( أن النبي &كان يقبل) من التقبيل ،
وهو اللَّثْمُ (بعض أزواجه، ثم يصلي ولا يتوضأ) وفي رواية
للدار قطني: ((لقد كان نبي الله 44 يقبلني إذا خرج إلى الصلاة، وما
يتوضأ)) ج ١ ص ١٣٥. وفيه دلالة علي أن لمس المرأة لا ينقض الوضوء
وإليه ذهب علي ، وابن عباس ، وعطاء ، وطاوس ، وأبو حنيفة ،
وأصحابه . وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك إن شاء الله تعالى.
(قال أبو عبد الرحمن) النسائي ( ليس في هذا الباب ) أي باب ترك
الوضوء من القبلة ( حديث أحسن من هذا الحديث ، وإن كان مرسلا)
أي منقطعًا .
(تنبيه) قد اختلف العلماء في حد المرسل على ثلاثة أقوال : فقيل: ما
رفعه التابعي مطلقًا ، وقيل : ما رفعه التابعي الكبير ، وقيل : ما سقط
من سنده مطلقًا ، أي سواء كان من أوله أو من آخره ، أو بينهما راو واحد
أو أكثر ، فيشمل المنقطع ، والمعضل ، والمعلق ، وجعل الأول السيوطي
في الألفية هو المشهور حيث قال:
الْمُرْسَلُ المَرْفُوعُ بالتَّابع أوْ ذِي كَبَرَأُ وْسَقْطُ رَاو قَدْ حَكَوْا
أشْهَرُهَا الأوَّلُ ..... البيت
والقول الثالث : هو المعروف عند الأصوليين والفقهاء ، وبه قال
جماعة من المحدثين . كالخطيب البغدادي والحاكم .

٢٩ -
١٢١ - ترك الوضوء من القبلة - حديث رقم ١٧٠
قال الحافظ السخاوي رحمه الله : وممن صرح بنحوه من المحدثين
الحاكم في مدخله ، ولكن مشى في علومه بخلافه ، وصرح به أيضا
البغوي في شرح السنة ، وأبو نعيم في مستخرجه ، وأبو زرعة ، وأبو
حاتم ، ثم الدارقطني ، ثم البيهقي ، بل صرح البخاري في حديث
لإبراهيم بن يزيد النخعي ، عن أبي سعيد الخدري بأنه مرسل ، لكون
إبراهیم لم يسمع منه، وكذا صرح أبو داود في حديث لعون بن عبد الله
ابن عتبة بن مسعود، عن ابن مسعود بأنه مرسل لكونه لم يدركه ،
والترمذي في حديث لابن سيرين ، عن حكيم بن حزام ، ومشى عليه
أبو داود في مراسيله، وغيرهم . اهـ كلام السخاوي في فتح المغيث
ج١ ص١٣١ .
قال الجامع : وممن أطلقه المصنف هنا ، حيث قال : وإن كان مرسلا مع
أن صحابيته ذكرت ، وهي عائشة رضي الله عنها .
وسبب الإرسال كما قال أبو داود في السنن ، عدم سماع إبراهيم
التيمي من عائشة رضي الله عنها ، وقال الترمذي : لا نعرف لإبراهيم
التيمي سماعا من عائشة. وليس يصح عن النبي ◌ّ في هذا الباب شيء.
وقال الدارقطني : لم يروه عن إبراهيم التيمي غير أبي روق : عطية بن
الحارث ، ولا نعلم حدث به عنه غير الثوري ، وأبي حنيفة ، واختلف
فيه ، فأسنده الثوري عن عائشة ، وأسنده أبو حنيفة عن حفصة،
وكلاهما أرسله ، وإبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة ، ولا من حفصة،
ولا أدرك زمانهما ، وقد روى هذا الحديث معاوية بن هشام عن الثوري ،
عن أبي روق ، عن إبراهيم التيمي ، عن أبيه عن عائشة فوصل إسناده ،
واختلف عليه في لفظه ، فقال عثمان بن أبي شيبة عنه بهذا الإسناد: ((إن
النبي ## كان يقبل وهو صائم))، وقال عنه غير عثمان: ((إن النبي ◌ُّكان
يقبل ، ولا يتوضأ )) ، ومعاوية هذا قد أخرج له مسلم في صحيحه ،

= ٣٠
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
وبذلك زال انقطاع الحديث ، على أن أبا روق ثقة لم يذكره أحد بجرح .
قال ابن عبد البر : قال الكوفيون : هو ثقة ولم يذكره أحد بجرح . وقال
أبو حاتم : صدوق ، وقال يعقوب بن سفيان ، وأحمد ، والنسائي :
ليس به بأس ، وقال ابن معين : صالح، وذكره ابن حبان في الثقات .
أفاده في المنهل ج ٢ ص ١٨٢ - ١٨٤ وغرض المصنف من هذا الكلام
تضعیف حديث عائشة ، ولکن الراجح أنه صحیح ، كما سيأتي تحقيقه.
(وقد روى هذا الحديث) أي حديث عائشة رضي الله عنها في القبلة
(الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي أبو محمد الكوفي (عن حبيب
ابن أبي ثابت) قيس ، ويقال : هند بن دينار ، الأسدي مولاهم ، أبو
يحيى الكوفي ، ثقة فقيه جليل ، وكان كثير الإرسال والتدليس ، من
الثالثة ، مات سنة ١١٩. اهـ (ت)) ص ٦٣.
(عن عروة) لم ينسبه المصنف ، ولا الترمذي أصلا ، وقد نسبه ابن
ماجه ، فقال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا وكيع، ثنا الأعمش ، عن
حبيب بن أبي ثابت ، عن عروة بن الزبير ، فذكر الحديث ، قال الحافظ
الزيلعي: وكذلك رواه الدار قطني .، ورجال هذا السند كلهم ثقات . اهـ
ج١ ص٧٢.
وقيل عروة هذا هو عروة المزني ، قال أبو داود في السنن : حدثنا
إبراهيم بن مخلد الطالَقَاني ، قال : ثنا عبد الرحمن ، يعني بن مغراء ،
قال : حدثنا الأعمش ، أنا أصحاب لنا عن عروة المزني ، عن عائشة
بهذا. يعني حديث ((قبل امرأة من نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ)»
قال عروة : فقلت لها : من هي إلا أنت فضحكت .
وهكذا روى البيهقي هذا الحديث وضعفه ، وقال : إنه يرجع إلى
عروة المزني ، وهو مجهول .

٣١ -
١٢١ - ترك الوضوء من القبلة - حديث رقم ١٧٠
وقد رد الحافظ الزيلعي على البيهقي تبعا لشيخه ابن التركماني في
الجوهر النقي ، فقال : قلنا : بل هو عروة بن الزبير ، كما أخرجه ابن
ماجه بسند صحيح ، وأما سند أبي داود الذي قال فيه : عن عروة المزني
فإنه من رواية عبد الرحمن بن مغراء ، عن ناس مجاهيل ، وعبد الرحمن
مغراء متكلم فيه ، قال ابن المديني : ليس بشيء ، کان یروي عن
الأعمش ستمائة حديث تركناه ، لم يكن بذاك ، قال ابن عدي : والذي
قاله ابن المديني هو كما قال ، فإنه روى عن الأعمش أحاديث لا يتابعه
عليها الثقات . وأما ماحكاه أبو داود عن الثوري أنه قال : ماحدثنا
حبيب بن أبي ثابت إلا عن عروة المزني ، فهذا لم يسنده أبو داود ، بل قال
عقبه : وقد روى حمزة الزيات عن عروة بن الزبير عن عائشة حديثا
صحيحا ، فهذا يدل على أن أباداود لم يرض بما قاله الثوري ، ويقدم
هذا، لأنه مثبت والثوري ناف.
والحديث الذي أشار إليه أبو دادو هو أنه عليه الصلاة والسلام كان
يقول : ((اللهم عافني في جسدي ، وعافني في بصري)) ، رواه الترمذي
في الدعوات ، وقال : غريب (١) وسمعت محمد بن إسماعيل يقول :
حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة شيئا ، انتهى ، وعلى تقدير صحة
ما قاله البيهقي : إنه عروة المزني فيحتمل أن حبيبا سمعه من ابن الزبير ،
وسمعه من المزني أيضا ، كما وقع ذلك في كثير من الأحاديث . والله
أعلم . وقد مال أبو عمر بن عبد البر إلى تصحيح هذا الحديث ، فقال :
صححه الکوفیون ، وثبتوه لرواية الثقات من أئمة الحديث له ، وحبيب
لا ينكر لقاؤه عروة ، لروايته عمن هو أكبر من عروة ، وأقدم موتًا ، وقال
في موضع آخر: لاشك أنه أدرك عروة . انتهى . اهـ نصب الراية
ج١ ص٧٢ .
(١) ونسخة الترمذي : حديث حسن غريب .

- ٣٢
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
قال الجامع : وسيأتي مزيد بسط على هذا إن شاء الله تعالى .
(عن عائشة) رضي الله عنها، ( قال يحيى القطان ) بن سعيد بن
فروخ التميمي أبو سعيد البصري ، ثقة متقن حافظ إمام قدوة من كبار
التاسعة ، مات سنة -١٩٨ - وله -٧٨ - سنة. ( حديث حبيب عن
عروة، عن عائشة، هذا) أي ماتقدم في عدم وضوء النبي مث بعد التقبيل
(وحديث حبيب عن عروة عن عائشة : تصلي، وإن قطر الدم على
الحصير لاشيء) يعني أنه ضعيف . وحديث المستحاضة أخرجه أبو داود
في ((باب من قال تغتسل من طهر إلى طهر))، قال : حدثنا عثمان بن أبي
شيبة، حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة ،
عن عائشة ، قالت : جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي عَ* فذكر
خبرها ، وقال : (( ثم اغتسلي ، ثم توضئي لكل صلاة وصلي )).
وإنما ضعف القطان هذين الحديثين لأن في سندهما عروة المزني وهو
مجهول . وقد عرفت أن الصحيح أنه عروة بن الزبير ، وإنما قال عروة
المزني هو عبد الرحمن بن مغراء وهو متكلم فيه .
فالراجح أن الحديث صحيح . والله تعالى أعلم ، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بحديث الباب
المسألة الأولى: في درجته : حديث عائشة رضي الله عنها هذا حديث
صحيح .
المسألة الثانية : في بيان مواضع ذكر المصنف له : أخرجه هنا - ١٧٠ -
وفي الکبری -١٥٥ - بالسند المذکور
المسألة الثالثة : فيمن أخرجه معه: أخرجه (د) في الطهارة عن محمد
بن بشار عن يحيى، وعبد الرحمن كلاهما عن سفيان ، عن أبي روق
به. وأما طريق الأعمش ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن عروة، فقد
أخرجها أبو داود ، وابن ماجه ، كما تقدم قريبًا .

-٣٣ -
١٢١ - ترك الوضوء من القبلة - حديث رقم ١٧٠
المسألة الرابعة: في فوائده : يستفاد من الحديث عدم انتقاض الوضوء
بلمس المرأة ، وفيه ما كان عليه النبي ◌َّه من كريم الأخلاق ، حيث إنه كان
يلاطف أزواجه ، ويعاشرهن بالمعروف .
المسألة الخامسة : في مذاهب العلماء في انتقاض الوضوء بلمس
النساء :
اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال:
المذهب الأول: أنه لاينقض مطلقا، وهو مروي عن علي (١) وابن
عباس ، وعطاء ، وطاوس ، والحسن ، ومسروق ، وسفيان الثوري ،
وبه قال أبو حنيفة ، لكنه قال : إذا باشرها دون الفرج ، وانتشرفعليه
الوضوء .
المذهب الثاني : أنه ينقض بلا حائل ، وبه قال عمر بن الخطاب ،
وعبد الله بن مسعود ، وعبد الله بن عمر ، وزيد بن أسلم ، ومكحول ،
والشعبي ، والنخعي ، وعطاء بن السائب ، والزهري ، ويحيى بن سعيد
الأنصاري ، وربيعة ، وسعيد بن عبد العزيز ، وهي إحدى الروايتين عن
الأوزاعي ، وبه يقول الشافعي .
المذهب الثالث : إن لمس بشهوة انتقض ، وإلا فلا ، وهو مروي عن
الحكم ، وحماد ، ومالك، والليث ، وإسحاق ، ورواية عن الشعبي ،
والنخعي ، وربيعة ، والثوري . وهذا هو الذي ارتضاه المصنف ، حيث
ترجم عليه في الباب السابق ، وعن أحمد ثلاث روايات ، كالمذاهب
الثلاثة .
المذهب الرابع : إن لمس عمدا انتقض ، وإلا فلا ، وهو مذهب داود ،
وخالفه ابنه، فقال : لا ينقض بحال .
(١) ذكر عليا رضي الله عنه مع هؤلاء ابن قدامة في المغني ج١ ص ١٨٧.

- ٣٤
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
المذهب الخامس : إن لمس بأعضاء الوضوء انتقض ، وإلا فلا ، حكاه
صاحب الحاوي عن الأوزاعي ، وحكي عنه أنه لا ينقض إلا اللمس
بالید .
المذهب السادس: إن لمس بشهوة انتقض وإن لمس فوق حائل رقيق ،
حكي هذا عن ربيعة ومالك في رواية عنهما .
المذهب السابع : إن لمس من تحل له لم ينتقض ، وإن لمس من تحرم
عليه انتقض . حكاه ابن المنذر وصاحب الحاوي عن عطاء ، وهذا خلاف
ماحكاه الجمهور عنه .
قال النووي رحمه الله : ولا يصح هذا عنه إن شاء الله .
ذكر الحجج التي احتج بها المختلفون في هذه المسألة ومالها
وماعليها وترجيح الراجح منها:
حجة من قال لاينقض مطلقا ، وهو الراجح
احتج من قال : لا ينقض مطلقا بحديث حبيب بن أبي ثابت، عن
عروة، عن عائشة رضي الله عنها ((أن النبي ◌َ* قَبَّلَ بعض نسائه، ثم
خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ)). وعن أبي روق عن إبراهيم التيمي عن
عائشة ((أن النبي ◌َّ# كان يقبل بعد الوضوء ثم لايعيد الوضوء)). وبحديث
عائشة المتقدم أن يدها وقعت على قدم النبي ## وهو ساجد وهو حديث
صحيح، وبالحديث المتفق على صحته أن النبي عمّ ((صلى وهو حامل
أمامة بنت زينب رضي الله عنهما فكان إذا سجد وضعها وإذا قام
رفعها)). رواه الشيخان. وبحديث عائشة في الصحيحين أن النبي عليه.
((كان يصلي وهي معترضة بينه وبين القبلة فإذا أراد أن يسجد غمز رجلها
فقبضتها))، وفي رواية النسائي بإسناد صحيح ((فإذا أراد أن يوتر مسني
برجله» . ذکر هذه الحجج النووي رحمه الله في المجموع ج٢ ص٣١.

٣٥ -
١٢١ - ترك الوضوء من القبلة - حديث رقم ١٧٠
رد القائلين بالنقض على هذه الأدلة
ردهم علی حدیث حبيب بن أبي ثابت :
قال النووي رحمه الله : وأما الجواب عن احتجاجهم بحديث حبيب
ابن أبي ثابت فمن وجهين : أحسنهما وأشهرهما أنه حديث ضعيف
باتفاق الحفاظ .
قال الجامع : في دعوى الاتفاق نظر لما سيأتي .
قال : ممن ضعفه سفيان الثوري ، ويحيى بن سعيد القطان ، وأحمد
ابن حنبل ، وأبو داود ، وأبو بكر النيسابوري ، وأبو الحسن الدارقطني ،
وأبو بكر البيهقي ، وآخرون من المتقدمين والمتأخرين . قال أحمد بن
حنبل ، وأبو بكر النيسابوري ، وغيرهما : غلط حبيب من قبلة الصائم
إلى القبلة فى الوضوء . وقال أبو داود : روى سفيان الثوري ، أنه قال :
ما حدثنا حبيب إلا عن عروة المزني - يعني لا عن عروة بن الزبير،
وعروة المزني مجهول ، وإنما صح من حديث عائشة ((أن النبي ◌ّ كان
يقبل وهو صائم)) .
والجواب الثاني: لو صح لحمل على القبلة فوق حائل جمعًا بين الأدلة
مناقشة هذين الردين
قال الجامع : أما الجواب الثاني فهو أبعد الجوابين عن الصواب لايحتاج
إلى كبير مناقشة ، لظهور ضعفه .
وأما الجواب الأول فقد قام برده المحققون من العلماء كالحافظ الزيلعي
في نصب الراية ، وأحسن من رأيت قام برده ، وأجاد فيه هو العلامة
أحمد محمد شاكر المصري رحمه الله في تحقيقه على الترمذي ، ودونك
خلاصة ما كتبه :

- ٣٦
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
قال : بعد ذكر ما تقدم عن الثوري من أن حبيبًا لم يحدثهم إلا عن
عروة المزني مانصه : قال أبو داود : وقد رَوَى حمزة الزيات، عن
حبيب، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة حديثًا صحيحًا ، والحديث الذي
يشير إليه أبو داود، رواه الترمذي في الدعوات ٢/ ٢٦١ طبعة بولاق،
و-١٨٦/٢ - طبعة الهند، وقال : هذا حديث حسن غريب . قال :
سمعت محمدا يقول : حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة بن
الزبير، شيئا ، وهذا يدل أولا على أن عروة في هذا الإسناد هو عروة بن
الزبير ، كما صرح بذلك في رواية أحمد، وابن ماجه، خلافًا لمن وهم ،
فزعم أن عروة هنا هو عروة المزني، لما روى أبو داود من طريق
عبد الرحمن بن مغراء. قال: ثنا الأعمش قال: ثنا أصحاب لنا عن عروة
المزني عن عائشة بهذا الحديث. وهذا ضعيف لأن عبد الرحمن بن مغراء
وإن كان من أهل الصدق إلا أن فيه ضعفًا، وقد أنكر عليه ابن المديني
أحاديث يرويها عن الأعمش لا يتابعه عليها الثقات ، وقال الحاكم أبو
أحمد : حدث بأحاديث لايتابع عليها . وقد خالفه في روايته هنا الثقات
من أصحاب الأعمش الحفاظ كما بينا في أسانيد الحديث ، ويدل كلام
أبي داود ثانيًا على أنه يرى صحة رواية حبيب ، عن عروة بن الزبير،
ويؤيده أن حبيب بن أبي ثابت لم يعرف بالتدليس ، بل هو ثقة حجة ،
وقد أدرك کثیرًا من الصحابة وسمع منهم ، کابن عمر ، وابن عباس ،
وأنس ، وابن عمر مات سنة - ٧٤ - ، وابن عباس سنة -٦٨ - ، وهما
أقدم وفاة من عروة ، فقد توفى بعد التسعين ، وحبيب مات سنة -١١٩ -
وعمره - ٧٣ - سنة أو أكثر .
وقال الزيلعي في نصب الراية : - ٣٨/١ -: وقدمال أبو عمر بن
عبد البر إلى تصحيح هذا الحديث ، فقال : صححه الكوفيون وثبتوه
لرواية الثقات من أئمة الحديث له ، وحبيب لا ينكر لقاؤه عروة ،

٣٧ -
١٢١ - ترك الوضوء من القبلة - حديث رقم ١٧٠
لروايته عمن هو أكبر من عروة وأقدم موتا . وقال في موضع آخر :
لاشك أدرك عروة . انتھی.
وإنما صرح من صرح من العلماء بأنه لم يسمع هذا الحديث من عروة
تقليدًا لسفيان الثوري ، وموافقة للبخاري في مذهبه .
وقد تبین مما مضی أن سفیان أرسل الكلمة إرسالا من غیر دلیل یؤيده،
وأن أبا داود خالفه وأثبت صحة رواية حبيب عن عروة . والبخاري
شرطه في الرواية معروف وهو شرط شديد خالفه فيه أكثر أهل العلم .
ومع كل هذا فإن حبيبًا لم ينفرد برواية هذا الحديث ، وقد تابعه عليه
هشام بن عروة ، عن أبيه عروة بن الزبير . فروى الدارقطني ص٥٠ :
حدثنا أبو بكر النيسابوري ، نا حاجب بن سليمان ، نا وكيع عن هشام بن
عروة ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : «قبل رسول الله ،ڭ بعض نسائه ،
ثم صلى، ولم يتوضأ، ثم ضحكت)). قال الدار قطني : تفرد به
حاجب عن وكيع، ووهم فيه. والصواب عن وكيع بهذا الإسناد: (( أن
النبي #كان يقبل وهو صائم ؟ . وحاجب لم يكن له كتاب ، وإنما يحدث
من حفظه. وهذا إسناد صحيح لامطعن فيه . فإن النيسابوري إمام
مشهور ، وحاجب بن سليمان - المنبجي - بفتح الميم وإسكان النون
وكسر الباء الموحدة -: ذكره ابن حبان في الثقات ، وروى عنه النسائي ،
وقال : ثقة ، ولم يطعن فيه أحد من الأئمة إلا كلمة الدار قطني هذه ،
وهو تحكم منه بلا دليل ، وحكم على الراوي بالخطأ من غير حجة ، فإن
المعنيين مختلفان : بعض الرواة روى في قبلة الصائم ، وبعضهم روى في
قبلة المتوضىء ، فهما حديثان مختلفان لا يُعَلُّ أحدهما بالآخر .
وقد تابع أبو أويس وكيعًا على روايته عن هشام، عن أبيه ، فروى
الدار قطني عن الحسين بن إسماعيل، عن علي بن عبد العزيز الوراق : نا

- ٣٨
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
عاصم بن علي ، نا أبو أويس ، حدثني هشام بن عروة، عن أبيه، عن
عائشة : أنها بلغها قول ابن عمر: في القبلة الوضوء: فقالت: (( كان
رسول ◌َّ يقبل وهو صائم ثم لا يتوضأ)» ثم علله الدار قطني بعلة غريبة
فقال : لا أعلم حدث به عن عاصم بن علي هكذا غير علي بن عبد العزيز
أما علي بن عبد العزيز فهو الحافظ أبو الحسن البغوي شيخ الحرم
ومصنف المسند ، عاش بضعًا وتسعين سنة ، ومات سنة ٢٨٦ - وهو ثقة
حجة ، وقال الدارقطني : ثقة مأمون . وانظر تذكرة الحفاظ ١٧٨/٢
ومثل هذا يقبل منه ما تفرد بروايته ، بل ينظر فيما يخالفه فيه غيره من
الثقات ، فلعله يكون أحفظ منهم ، وأرجح رواية .
وأما عاصم بن علي الواسطي فإنه شيخ البخاري ، قال أحمد : ما
أصح حديثه عن شعبة، والمسعودي ، وقال المروزي : قلت لأحمد : إن
يحيى بن معين يقول : كل عاصم في الدنيا ضعيف ؟ قال : ما أعلم في
عاصم بن علي إلا خيرًاً كان حديثه صحيحًا . انظر مقدمة الفتح -
ص ٤١٠ طبعة بولاق - وقال الذهبي في الميزان : هو كما قال فيه المتعنت
أبو حاتم : صدوق ، وقال أيضا: كان من أئمة السنة قوّالا بالحق ، احتج
به البخاري . ومات عاصم هذا سنة [٢٢١] وكان في عشر التسعين.
وأما أبو أويس فهو عبد الله بن عبد الله بن أويس ، وهو ابن عم مالك
ابن أنس وزوج أخته ، وكان ثقة صدوقا ، في حفظه شيء . قال ابن
عبد البر : لا يحكي عنه أحد جرحة في دينه وأمانته ، وإنما عابوه بسوء
حفظه، وأنه يخالف في بعض حديثه . وهو هنا لم يخالف أحدًا ، وإنما
وافق وكيعًا في رواية هذا الحديث عن هشام بن عروة، عن أبيه فرواه عنه
مثله ، ووافقه أيضًا في أن الحديث عن عروة : وكيعٌ عن حبيب بن أبي
ثابت .

1
١٢١ - ترك الوضوء من القبلة - حديث رقم ١٧٠
٣٩ -
وقد جاء الحديث بإسناد آخر صحيح عن عائشة ، قال ابن التركماني
في الجوهر النقي ١/ ١٢٥ قال أبو بكر البزار في مسنده : حدثنا إسماعيل
ابن يعقوب بن صبيح ، حدثنا محمد بن موسى بن أعين ، حدثنا أبي،
عن عبد الكريم الجزري، عن عطاء، عن عائشة : أنه عليه السلام ((كان
يقبل بعض نسائه ولا يتوضأ)) . وعبد الكريم : روى عنه مالك في الموطأ،
وأخرج له الشيخان، وغيرهما ووثقه ابن معين، وأبو حاتم ، وأبو زرعة ،
وغيرهم . وموسى بن أعين : مشهور ، وثقه أبو زرعة ، وأبو حاتم،
وأخرج له مسلم. وابنه: مشهور، روی له البخاري.
وإسماعيل : روى عنه النسائي ، ووثقه أبو عوانة الإسفرايني ،
وأخرج له ابن خزيمة في صحيحه ، وذكره ابن حبان في الثقات .
وأخرج الدارقطني هذا الحديث من وجه آخر عن عبد الكريم . وقال
عبد الحق : بعد ذكره لهذا الحديث من جهة البزار : لا أعلم له علة
توجب تركه ، ولا أعلم فيه مع ما تقدم أكثر من قول ابن معين : حديث
عبد الكريم عن عطاء حديث رديء لأنه غير محفوظ، وانفراد الثقة
بالحديث لا يضره. وانظر أيضا نصب الراية ، للزيلعي - ١: ٣٨ - فقد
نقل هذا الكلام كله نصًا .
وهذا هو التحقيق الصحيح في تعليل الأحاديث من غير عصبية
لمذهب، ولا تقليد لأحد . اهـ خلاصة ما كتبه العلامة أحمد شاكر رحمه
الله . وهو في غاية التحقيق والتدقيق .
وقال في المنهل : وقد جاء لحديث عائشة طرق جيدة سوى مامر من
روایة حبیب عن عروة
منها ما رواه البزار في مسنده ، فذكر ما تقدم في كلام أحمد شاكر.
ومنها ما رواه الدار قطني من طريق سعيد بن بشير قال : حدثني منصور

- ٤٠
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
ابن زاذان ، عن الزهري ، عن أبي سلمة، عن عائشة ، قالت : ((لقد
كان رسول الله ﴾ يقبلني إذا خرج إلى الصلاة ولا يتوضأ) وقال: تفرد به
سعید بن بشير، عن منصور، ولم يتابع علیه وليس بقوي اهـ . ورد بأن
ابن الجوزي قال فيه: وثقه شعبة، ودحيم وأخرج له الحاكم في المستدرك.
وقال ابن عدي: لا أرى بما يروي سعيد بأسًا . والغالب عليه الصدق. اهـ
وأقل أحوال مثل هذا أن يستشهد به .
ومنها ما رواه أيضا من طريق ابن أخي الزهري عن الزهري عن عروة
عن عائشة قالت: ((لا تعاد الصلاة من القبلة كان النبي له يقبل بعض
نسائه ويصلي ولا يتوضأ))، ولم يعله بشيء سوى أن منصور اخالف
الزهري .
ومنها ما رواه إسحاق بن راهويه في مسنده قال : أخبرنا بقية بن
الوليد، قال : حدثني عبد الملك بن محمد ، عن هشام بن عروة عن أبيه
عن عائشة (( أن رسول الله عَ* قبلها وهو صائم وقال: إن القبلة لا تنقض
الوضوء ولا تفطر الصائم، وقال يا حميراء إن في ديننا لسعة)). اهـ
المنهل ج٢، ص-١٨٩ - ١٩٠.
ردهم على حديث أبي روق
قال النووي رحمه الله : والجواب عن حديث أبي روق بوجهین:
إحداها : ضعف أبي روق ، ضعفه يحيى بن معين (١) وغيره .
والثاني : أن إبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة ، هكذا ذكره الحفاظ :
منهم أبو داود وآخرون ، وحكاه عنهم البيهقي فتبين أن الحديث ضعيف
مرسل ، قال البيهقي : وقد روينا سائر ما روي في هذا الباب في
(١) المنقول عن ابن معين في تهذيب التهذيب وغيره قوله: إنه صالح كما يأتي ، ومانقل عن أحد
تضعيفه ، فتنبه .