النص المفهرس

صفحات 461-480

٤٦١ -
١٢ ١ باب الوضوء من المذي - حديث رقم ١٥٧
لطائف هذا الإسناد
منها : أنه من سباعياته ، وأن رواته كلهم ثقات ، وأنهم ما بين بصريين
وهم الثلاثة الأولون ، وكوفيين : وهم الباقون إلا ابن الحنفية ، فمدني ،
وفيه رواية تابعي ، عن غير تابعي عن تابعي وهم الأعمش ، عن منذر ،
عن محمد بن علي ، وفيه رواية الابن عن أبيه، وفيه ماقيل: لا يُعْلَم أحد
أسند عن علي رضي الله عنه ، عن النبي ® مما أسند ابن الحنفية عنه.
شرح الحديث
(عن علي) رضي الله عنه أنه ( قال: استحييت) تقدم البحث عن
الحياء قريبا ( أن أسأل النبي #& عن) حكم ( المذي ) تقدم ضبطه ومعناه
قريبا ( من أجل فاطمة) بنت رسول الله ، وسيدة نساء المؤمنين ، لها
ثمانية عشر حديثا ، اتفقا على حديث . رَوَى عنها علي ، وابنها الحسين
وعائشة ، وأنس، وطائفة . وفضائلها كثيرة . ماتت سنة - ١١ - ودفنها
علي ليلا ، قيل صلى عليها العباس ، وقيل : علي ، وهو الذي غسلها ،
مع أسماء بنت عميس ، قاله ابن عبد البر. اهـ. (( صة)) باختصار،
وزيادة من الهامش . ج٣ص٣٨٩.
أي من أجل كونها زوجتي ( فأمرت المقداد بن الأسود) رضي الله
عنه، أي بسؤال النبي #، فسأله (فقال) & (فيه الوضوء) أي في
المذي الوضوء واجب ، وهذه العبارة تدل على أن عليا رضي الله عنه
سمعه من رسول الله ﴾، ولئن قلنا : إنه لم يسمعه ، فحكمه حكم مرسل
الصحابي ، قاله العيني ج ٢ ص ٢١٥ وقد تقدم تمام البحث في هذا قريبا .
قال الجامع : مسائل هذا الحديث تقدمت في الأحاديث المتقدمة فلا
نطيل الكتاب بتكرارها . والله أعلم .
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله، عليه
توكلت ، وإليه أنيب» .

-٤٦٢
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
١١٣ - بَابُ الوُضُوءِ مِنَ الغَائِطِ وَالَبَوْل
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على وجوب الوضوء من أجل خروج
الغائط ، والبول .
الغائط : في الأصل المُطمئنّ (١) الواسع من الأرض، والجمع غيطان،
وأغواط وغُوط ، ثم أطلق الغائط على الخارج المستقذر من الإنسان
كراهية لتسميته باسمه الخاص، لأنهم كانوا يقضون حوائجهم في المواضع
المطمئنة ، فهو من مجاز المجاورة ، ثم توسعوا فيه حتى اشتقوا منه
وقالوا: تغوط الإنسان ، وقال ابن القوطية : غاط في الماء غوطا : دخل
فيه ، ومنه الغائط. اهـ المصباح ج ٢ ص ٤٥٧ وأما البول : فهو في الأصل
مصدر ، یقال : بال الإنسان ، والدابة یبول بولا، ومبالا، فهو بائل ، ثم
استعمل في العين - أي في الماء الخارج من القبل - وجمع على أبوال .
اهـ المصباح ج١ ص٦٦.
١٥٨ - أخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ ، قَالَ :
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَاصِمٍ، أنه سمع زِرَّبْنَ حُبَيْشِ يُحَدِّثُ
قَالَ : أَتَيْتُ رَجُلاً يُدْعَى صَفْوَانَ بْنَ عَسَّالِ ، فَقَعَدْتُ عَلَى
بَابِهِ، فَخَرِجَ فَقَالَ : مَا شَأَنُكَ؟ قُلْتُ : أَطْلُبُ العِلْمَ،
قَالَ : إِنَّ المَلائِكَةَ تَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ العِلْمِ رِضَا بِمَا
يَطْلُبُ ، فَقَالَ : عَنْ أَيِّشَيْءٍ تَسْألُ؟ قُلْتُ: عَنِ الْحُقَّيْنِ ،
(١) موضع مطمئن - أي بصيغة اسم الفاعل - : منخفض . اهـ المصباح .

٤٦٣ -
١٣ ١ باب الوضوء من الغائط والبول - حديث رقم ١٥٨
قَالَ : كُنَّا إذا كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ◌َّهِ فِي سَفَرَ أمَرَنَا أنْ لاَ
نَنْزِعَهُ ثَلاثًا إِلَّ مِنْ جَنَةٍ ، وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ ونَوْمٍ .
رجال الإسناد : ستة
فتقدم -١- و-٢- و-٣- في السند السابق آخر الباب الماضي.
٤- (عاصم بن بهدلة)، وهو ابن أبي النجود - بنون وجيم -
الأسدي مولاهم الكوفي أبو بكر المقرىء ، صدوق له أوهام ، حجة في
القراءة ، وحديثه في الصحيحين مقرون ، من السادسة ، مات سنة
١٢٨ اهـ (ت)) ص١٥٩.
وفي مقدمة الفتح : أبو النجود اسمه بهدلة في قول الجمهور ، وقال
عمرو بن علي : بهدلة اسم أمه . قال أبو حاتم : محله الصدق ولیس
محله أن يقال: هو ثقة ، ولم يكن بالحافظ، قد تكلم فيه ابن علية . قال
العقيلي : لم يكن فيه إلا سوء الحفظ . وقال البزار : لانعلم أحدا ترك
حديثه مع أنه لم يكن بالحافظ . اهـ هدي الساري ص٥٧٨ -٥٧٩ . وتقدم
في ٩٨/ ١٢٦.
٥- (زر بن حبيش) - بكسر أوله وتشديد الراء - ، وحبيش - بمهملة
وموحدة ومعجمة مصغرا - ابن حباشة - بضم المهملة بعدها موحدة ثم
معجمة - الأسدي الكوفي ، أبو مريم ، ثقة جليل مخضرم ، مات سنة
إحدى أو اثنين ، أو ثلاث وثمانين وهو ابن - ١٢٧ - سنة. تقدم في ٩٨/ ١٢٦ .
٦- ( صفوان بن عسال)(ت س ق) بتشديد المهملة، المرادي الجملي-
بفتح الجيم والميم -غزا مع النبي # ثنتي عشرة غزوة، له عشرون حديثا .
وعنه ابن مسعود مع جلالته، وزر بن حبيش اهـ ((صة)) ج١ ص ٤٧٠، وفي
(ت)) صحابي نزل الكوفة اهـ ص١٥٣. وتقدم في ١٢٦/٩٨ .

-
٤٦٤
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
لطائف هذا الإسناد
منها : أنه من سداسياته ، وأن رواته ثقات ، غير عاصم فصدوق ،
وأنهم ما بين بصريين ، وهم الثلاثة الأولون ، وكوفيبين ، وهم الباقون.
شرح الحديث
(عن عاصم) بن بهدلة المقرىء ( أنه سمع زربن حبيش) أي كلامه
(يحدث) جملة حالية من المفعول ( قال : ) تفسير لقوله : يحدث ( أتیت
رجلا يدعى) أي يسمى يقال : دعوت الولد زيدا ، وبزيد : إذا سميته
بهذا الاسم . قاله في المصباح ج١ ص ١٩٤ ( صفوان بن عسال) تقدم
ضبطه ( فقعدت على بابه) منتظرًا خروجه ، لأن من آداب طالب العلم أن
لا يزعج شيخه بالنداء ، أو بدق الباب بل يصبر حتى يخرج بنفسه ، لأن
العالم وارث للنبي # ، لحديث أبي الدرداء رضي الله عنه مرفوعا
((وأن العلماء ورثة الأنبياء ، ورثوا العلم ، من أخذه أخذ بحظ وافر ))
الحديث رواه أبو داود ، والترمذي ، وابن حبان ، والحاكم مصححا ،
وحسنه حمزة الكناني ، وضعفه غيرهم باضطراب سنده ، قال الحافظ :
لكن له شواهد يتقوى بها . فللعلماء من التبجيل ، والاحترام ما للنبي
4 حيث إنهم ورثته ، قال الله تعالى ﴿إن الذين ينادونك من وراء
الحجرات أكثرهم لا يعقلون، ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان
خيرا لهم ﴾ الآية [الحجرات: ٥]. ( فخرج) صفوان رضي الله عنه من
بيته (فقال: ما شأنك ؟) أي ما حالك، استفهام عن جلوسه على الباب،
قال زر (قلت : أطلب العلم ، قال) صفوان مبشرا له بأنه على خير ،
وشرف عظيم ( إن الملائكة) مشتق من لفظ الألُوك ، وقيل : من المألَك ،
الواحد مَلَك وأصله مَلأك، ووزنه مَعْفَل ، فنقلت حركة الهمزة إلى
اللام وسقطت، فوزنه مَعَل ، فإن الفاء هي الهمزة وقد سقطت، وقيل :

٤٦٥ -
١٣ ١ باب الوضوء من الغائط والبول - حديث رقم ١٥٨
مأخوذ من لأك: اذا أرسل ، فَمَلأك مفعل ، فنقلت الحركة ، وسقطت
الهمزة وهي عين، فوزنه مَفَل ، وقيل غير ذلك. اهـ المصباح ج١ ص٨.
( تضع أجنحتها) جمع جناح ، وهو للطائر بمنزلة اليد من الإنسان .
قاله في المصباح. ج١ ص١١١. ( لطالب العلم رضا) أي لأجل رضاها
(بما يطلب) من العلم .
قال في النهاية في تفسير هذا الحديث : أي تضعها - يعني الأجنحة
لتكون وطاء له إذا مشى ، وقيل : هو بمعنى التواضع له ، تعظيما بحقه ،
وقيل : أراد بوضع الأجنحة نزولهم عند مجالس العلم ، وترك الطيران،
وقيل: أراد إظلالهم بها. اهـ زهرج١ ص١٠٠ . وقال السندي رحمه الله
بعد ذكر هذه الأقوال: ما نصه: وعلى التقادير فالفعل غير مُشَاهَد لكن
بإخبار الصادق صار كالمشاهد، ففائدته إظهار تعظيم العلم بواسطة
الإخبار، ويحتمل أن الملائكة يتقربون إلى الله تعالى بذلك، ففائدة فعلهم
بكون ذلك فائدةَ الإخبار إظهارُ جلالة العلم عند الناس، والله أعلم.
(فقال) صفوان بن عسال رضي الله عنه ( عن أي شيء تسأل ؟) قال
زر ( قلت : عن الخفين) أي عن حكم المسح عليهما ، أو عن مدته (قال)
صفوان ( كنا ) معاشر الصحابة (إذا كنا مع رسول الله ﴾ في سفر أمرنا)
أي أمر إباحة ( أن لا ننزعه) أي الخف ، وإنما أفرد الضمير باعتبار الجنس
( ثلاثا) أي ثلاثة أيام ، وإنما جرده من التاء ، لعدم ذكر المعدود ، أو
بتقدير التمييز بلفظ ليال ، وعند الترمذي (( ثلاثة أيام ولياليهن)) ( إلا من
جنابة) استثناء مفرغ ، فالجار والمجرور متعلق بننزع ، يعني أنه أمرهم أن
ينزعوا الخف من أجل الجنابة (ولكن من غائط وبول ونوم) الجار
والمجرور متعلق بمقدر يدل عليه ما قبله ، أي لاننزعه من أجل غائط ،
وبول ، ونوم، وتقدم عند المصنف في ٩٨/ ١٢٧ بلفظ (( كان رسول الله

- ٤٦٦
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
# يأمرنا إذا كنا مسافرين أن نمسح على خفافنا ، ولا ننزعها ثلاثة أيام ،
من غائط ، وبول ، ونوم ، إلا من جنابة)). وهو واضح .
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته : حديث صفوان رضي الله عنه هذا حديث
حسن كما نقله الترمذي ، عن البخاري ، وقد صححه الترمذي ،
والخطابي كما قال الحافظ في التلخيص ، قال : ومداره على عاصم بن
أبي النجود ، عن زر بن حبيش ، عنه ، وذكر ابن منده أبو القاسم أنه رواه
عن عاصم أكثر من أربعين نفسا ، وتابع عاصما عليه عبد الوهاب بن
بخت ، وإسماعيل بن أبي خالد ، وطلحة بن مصرف ، والمنهال بن
عمرو ، ومحمد بن سوقة ، وذکر جماعة معه ، قال الحافظ رحمه الله :
ومراده أصل الحديث لأنه في الأصل طويل مشتمل على التوبة، والمرءُ
مع من أحب ، وغير ذلك ، لكن حديث طلحة عند الطبراني بإسناد لا
بأس به ، وقد روى الطبراني أيضا حديث المسح من طريق عبد الكريم،
أبي أمية ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن زر ، وعبد الكريم ضعيف ،
ورواه البيهقي من طريق أبي رَوْق ، عن أبي الغريف ، عن صفوان بن
عسال ، ولفظه: ((وليمسح أحدكم إذا كان مسافرا على خفيه إذا أدخلهما
طاهرتين ثلاثة أيام ولياليهن ، وليمسح المقيم يوما وليلة)) ووقع في
الدار قطني زيادة في آخر هذا المتن وهو قوله: ((أو ريح))، وذكر أن وكيعا
تفرد بها ، عن مسعر عن عاصم ، اهـ تلخيص ج١ ص ١٥٧ - ١٥٨ .
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف
أخرجه١١٣/ ١٥٨ عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد بن الحارث ،
عن شعبة وفي ١٥٩/١١٤ عن عمرو بن علي ، وإسماعيل بن مسعود ،
كلاهما عن يزيدبن زريع عن شعبة وفي ١٢٦/٩٨ عن أحمد بن سليمان،

٤٦٧ -
١١٣ باب الوضوء من الغائط والبول - حديث رقم ١٥٨
عن يحيى بن آدم ، عن سفيان الثوري ، ومالك بن مغول ، وزهير بن
معاوية ، وأبي بكر بن عياش ، وسفيان بن عيينة وفي ٩٨/ ١٢٧ عن
قتيبة، عن سفيان بن عيينة - سنتهم عن عاصم بقصة المسح، وفي الكبرى
في التفسير عن محمد بن النضر بن مساور ، عن حماد ، عن عاصم ،
وليس فيه المسح . أفاده الحافظ المزِّيّ في تحفة الأشراف ج٤ ص ٢٤٠ .
المسألة الثالثة : في بيان من أخرجه مع المصنف ، من أصحاب
الأصول، وغيرهم : أخرجه (ت ق) فأخرجه الترمذي في الدعوات
١/١٠٣ وفي ٢/١٠٣ وقال حسن صحيح، وفي الزهد ٣/٥٠، وفي
٤/٥٠ وفي الطهارة ٧١/ ٢ وأخرجه (ق) في الطهارة ٦٢/ ٥، وفي الفتن
٣/٣٢. وقد تقدم تحقيق ذلك في الباب [٩٨] فارجع إليه تزدد علماً.
وأخرجه الشافعي ، وأحمد ، وابن خزيمة ، وابن حبان والدار قطني
والبيهقي قاله في التلخيص ، وتقدم تحقيق هذا كله في الباب المذكور .
المسألة الرابعة: في فوائده : مما يستفاد من هذا الحديث تأدب طالب
العلم ، واحترامه لشيخه ، وقد وردت أحاديث تدل عليه ساق الحافظ
المنذري منها ما فيه الكفاية .
فمنها حديث جابر رضي الله عنه: أن النبي ﴾ كان يجمع بين
الرجلين من قتلى أحد - يعني في القبر-، ثم يقول: ((أيهما أكثر أخذا
للقرآن؟ )) فإذا أشير إلى أحدهما قدمه في اللحد . رواه البخاري.
وعن أبي موسى رضي الله عنه أن رسول الله # قال: ((إن من
إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم ، وحامل القرآن ، غير الغالي فيه ،
ولا الجافي عنه ، وإكرام ذي السلطان المقسط )) رواه أبو داود.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله ﴾ قال: (( البَرَكَة مع
أكابركم )) رواه الطبراني في الأوسط ، والحاكم ، وقال: صحيح على

- ٤٦٨
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
شرط البخاري، وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يبلغ به النبي
قال: ((ليس منا من لم يرحم صغيرنا ، ويعرف حق كبيرنا)). رواه
الحاكم ، وقال : صحيح على شرط مسلم . وعن عبادة بن الصامت أن
رسول الله ﴾ قال: ((ليس من أمتي من لم يجل كبيرنا ، ويرحم
صغيرنا، ويعرف لعالمنا)) . رواه أحمد بإسناد حسن . والطبراني والحاكم
إلا أنه قال: ((ليس منا)). وعن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله
#: ((ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويجل كبيرنا)). رواه الطبراني
من رواية ابن شهاب ، عن واثلة ، ولم يسمع منه .
وعن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده أن رسول الله ﴾ قال:
((ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف شرف كبيرنا)) . رواه الترمذي،
وأبو داود ، إلا أنه قال: ((ويعرف حق كبيرنا)).
وعن عبد الله بن بسر رضي الله عنه قال : لقد سمعت حدیثا منذ
زمان: ((إذا كنت في قوم ، عشرين رجلا ، أو أكثر ، فتصفحت
وجوههم ، فلم تر فيهم رجلا يهاب في الله ، فاعلم أن الأمر قد رَقَّ)
رواه أحمد، والطبراني في الكبير، وإسناده حسن . أورد هذه الأحاديث
الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب ، وهي في ص ٤٤ - ٤٥ من
صحيح الترغيب للشيخ الألباني .
ومنها أن فيه شرف طالب العلم حيث إن الملائكة تخضع له ، وقد
وردت في بيان شرفه أحاديث كثيرة : منها ما أخرجه مسلم وغيره في
حديث طويل ((ومن سلك طريقا ، يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا
إلى الجنة)) ومنها حديث صفوان بن عسال رضي الله عنه قال: ((أتيت
النبي ® وهو في المسجد متکیء علی برد له أحمر فقلت له : يا رسول
الله إني جئت أطلب العلم، فقال: ((مرحبا بطالب العلم، إن طالب

٤٦٩ -
١٣ ١ باب الوضوء من الغائط والبول - حديث رقم ١٥٨
العلم تحفه الملائكة بأجنحتها ، ثم يركب بعضهم بعضا ، حتى يبلغوا
السماء الدنيا من محبتهم لما يطلب)) . رواه أحمد والطبراني بإسناد جيد،
واللفظ له ، وابن حبان في صحيحه ، والحاكم . وقال صحيح الإسناد .
اهـ صحيح الترغيب ج١ ص٣٢-٣٤ .
ومنها اعتناء المرء بسؤال العلماء عما يهمه من أمر دينه ، قال الله
تعالى: ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ [النحل: ٤٣].
ومنها مشروعية المسح على الخفين في السفر ، وتوقيته بثلاثة أيام ،
وأنه لا ينزع إلا من جنابة.
ومنها كون البول ، والغائط، والنوم ، من نواقض الوضوء ، وهو
الذي ترجم له المصنف . ولاخلاف بين أهل العلم في كون البول والغائط
ناقضا للضوء ، وأما النوم فسيأتي الخلاف فيه إن شاء الله تعالى.
المسألة الخامسة في بيان مذاهب العلماء في انتقاض الوضوء مما يخرج
من الجسد . قال العلامة ابن رشد رحمه الله تعالى في بداية المجتهد :
اختلف علماء الأمصار في انتقاض الوضوء مما يخرج من الجسد من
النجس على ثلاث مذاهب : فاعتبر قوم في ذلك الخارج وحده من أي
موضع خرج ، وعلى أي وجه خرج ، وهو أبو حنيفة، وأصحابه ،
والثوري ، وأحمد ، وجماعة ، ولهم من الصحابة السلف، فقالوا : كل
نجاسة تسيل من الجسد وتخرج منه يجب منها الوضوء كالدم ، والرعاف
الكثير ، والفصد ، والحجامة ، والقيء ، إلا البلغم عند أبي حنيفة ،
وقال أبو يوسف من أصحاب أبي حنيفة : إنه إذا ملأ الفم ففيه الوضوء ،
ولم يعتبر أحد من هؤلاء اليسير من الدم إلا مجاهد .
واعتبر آخرون المخرجين الذكر ، والدبر ، فقالوا : كل ماخرج من
هذين السبيلين فهو ناقض للوضوء من أي شيء خرج من دم ، أو حصاة

- ٤٧٠
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
أو بلغم ، وعلى أي وجه خرج ، كان خروجه على سبيل الصحة ، أو
على سبيل المرض ، وممن قال بهذا الشافعي ، وأصحابه ، ومحمد بن
عبد الحكم من أصحاب مالك .
واعتبر آخرون الخارج ، والمخرج ، وصفة الخروج ، فقالوا : كل ما
خرج من السبيلين مما هو معتاد خروجه ، وهو البول ، والغائط ،
والمذي ، والودي ، والريح ، إذا كان خروجه على وجه الصحة فهو
ينقض الوضوء ، فلم يروا في الدم ، والحصاة ، والدود ، وضوءا، ولا
في السلس ، وممن قال بهذا القول مالك ، وجل أصحابه . والسبب في
اختلافهم أنه لما أجمع المسلمون على انتقاض الوضوء مما يخرج من
السبيلين من غائط ، وبول ، وريح ، ومذي ، لظاهر الكتاب ، ولتظاهر
الآثار بذلك تطرق إلى ذلك ثلاث احتمالات :
أحدها : أن يكون الحكم إنما علق بأعيان هذه الأشياء فقط المتفق عليها
على ما رآه مالك رحمه الله .
الاحتمال الثاني: أن يكون الحكم إنما علق بهذه من جهة أنها أنجاس
خارجة من البدن لكون الوضوء طهارة والطهارة إنما يؤثر فيها النجس .
والاحتمال الثالث : أن يكون الحكم أيضا إنما علق بها من جهة أنها
خارجة من هذين السبيلين ، فيكون على هذين القولين الأخيرين ورود
الأمر بالوضوء من تلك الأحداث المجمع عليها إنما هو من باب الخاص
أريد به العام، ويكون عند مالك وأصحابه إنما هو من باب الخاص
المحمول على خصوصه، فالشافعي، وأبو حنيفة اتفقا على أن الأمر بها
هو من باب الخاص أريد به العام ، واختلفا أي عام هو الذي قصد به ؟
فمالك يرجح مذهبه بأن الأصل هو أن يحمل الخاص على خصوصه
حتى يدل الدليل على غير ذلك ، والشافعي محتح بأن المراد به المخرج لا

١٣ ١ باب الوضوء من الغائط والبول - حديث رقم ١٥٨
٤٧١ -
الخارج باتفاقهم على إيجاب الوضوء من الريح الذي يخرج من أسفل ،
وعدم إيجاب الوضوء منه إذا خرح من فوق ، وكلاهما ذات واحدة ،
والفرق بينهما اختلاف المخرجين ، فكان تنبيها على أن الحكم للمخرج ،
وهو ضعيف لأن الريحين مختلفان في الصفة والرائحة . وأبو حنيفة
يحتج لأن المقصود بذلك هو الخارج النجس بكون النجاسة مؤثرة في
الطهارة ، وهذه الطهارة وإن كانت حكمية فإن فيها شبها من الطهارة
المعنوية ، أعني طهارة النجس، وبحديث ثوبان ((أن رسول الله # قاء
فتوضأ)» وبما روي عن عمر ، وابن عمر رضي الله عنهما من إيجابهما
الوضوء من الرعاف ، وبما رُوي من أمره 4 المستحاضة بالوضوء لكل
صلاة ، فكان المفهوم من هذا كله عند أبي حنيفة الخارج النجس ، وإنما
اتفق الشافعي، وأبو حنيفة على إيجاب الوضوء من الأحداث المتفق
عليها ، وإن خرجت على جهة المرض لأمره # بالوضوء عند كل صلاة
المستحاضة ، والاستحاضة مرض . وأما مالك فرأى أن المرض له ههنا
تأثير في الرخصة قياسا أيضا على ما روي أيضا من أن المستحاضة لم تؤمر
إلا بالغسل فقط ، وذلك أن حديث فاطمة بنت أبي حبيش هذا هو متفق
على صحته ، ويختلف في هذه الزيادة فيه ، أعني الأمر بالوضوء لكل
صلاة ، ولكن صححها أبو عمر بن عبد البر ، قياسا على من يغلبه الدم
من جرح ولا ينقطع ، مثل ما روي أن عمر رضي الله عنه صلى وجرحه
یثعب دما. اهـ کلام ابن رشد في بدايته ج١ ص ٣٤ -٣٥.
وقال العلامة صديق بن حسن القنوجي رحمه الله تعالى في الروضة
الندية : قد اختلف أهل العلم في انتقاض الوضوء بخروج الدم ، وجميع
ما هو نص في النقض أو عدمه لم يبلغ إلى رتبة تصلح للاحتجاج بها ،
وقد تقرر أن كون الشيء ناقضا للوضوء لا يثبت إلا بدليل يصلح
للاحتجاج به ، وإلا وجب البقاء على الأصل ، لأن التعبد بالأحكام

- ٤٧٢
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
الشرعية لا يجب إلا بإيجاب الله أو رسوله ، وإلا فليس بشرع، ومع هذا
فقد كان الصحابة رضي الله عنهم يباشرون معاركَ القتال ، ومجاولة
الأبطال في كثير من الأحوال ماهو من الشهرة بمكان أوضح من الشمس
فلو كان خروج الدم ناقضا لما ترك #4 بيان ذلك مع شدة الاحتياج إليه
وكثرة الحامل علیه ، ومثل الدم القيء في عدم ورود دلیل علی أنه ناقض
وغاية ما هناك حديث إسماعيل بن عياش(١) وفيه من المقال ما لا يخفى .
اهـ كلام العلامة صديق بن حسن - الروضة الندية ج١، ص٤٧ .
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله العلامة القنوجي رحمه الله في غاية
التحقيق ، فالراجح عندي قول من قال بعدم نقض الوضوء بالأشياء
المذكورة لعدم ورود دلیل صحيح صريح ينتهض لذلك .
والحديث المذكور ضعيف، لأنه من رواية إسماعيل ، عن ابن جريج
وإسماعيل إذا روى عن غير أهل بلده يضعف. والله أعلم .
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله، عليه
تو کلت ، وإليه أنيب » .
(١) وهو حديث ((من أصابه قيء، أو رعاف، أو قلس، أو مذي، فلينصرف، فليتوضأ)).
الحديث رواه ابن ماجه والدار قطني وفيه إسماعيل بن عياش، عن ابن جريج ، وهو ضعيف .

١٤ ١ باب الوضوء من الغائط - حديث رقم ١٥٩
-٤٧٣ -
١١٤ - الوُضُوءُ مِنَ الفَائط
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على وجوب الوضوء من أجل خروج
الغائط . وهذا الحكم تقدم في الباب الماضي ، إنما أعاده لبيان تعدد سند
الحديث ، وحقيقةُ الغائط كما قال العلامة ابن قدامة في المغني : المكان
المطمئن ، سمي الخارج به لمجاورته إياه ، فإن المتبرز يتحراه لحاجته ، كما
سمي عذرة ، وهي في الحقيقة فناء الدار ، لأنه يطرح بالأفنية ، فسمي
بها المجاورة ، وهذا من الأسماء العرفية التي صار المجاز فيها أشهر من
الحقيقة . اهـ مغني . ج١ ص١٦٤ .
١٥٩ - أخبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُود ، قَالاً :
حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَاصِمِ ،
عَنْ زِرِّقَالَ : قَالَ صَفْوَانُ بْنُ عَسَّل: كُنَّا إذا كُنَّا مَعَ رَسُولِ
اللَّهِ ◌َُّ فِي سَفَرِ أمَرَنَا أنْ لاَ نَنْزِعَهُ ثَلاثًا إلاَّ مِنْ جَنَابَةٍ ،
وَلَكِنْ مِنْ غَائِطِ ، ويَوْلٍ ، ونَوْمٍ .
وهذا الحديث تقدم في الباب السابق ١١٣/ ١٥٨ سندا ومتنا، إلا
ثلاثة: ١- عمرو بن علي فهو الفلاس الصير في البصري الثقة الحجة ،
وقد تقدم في ٤/ ٤، ٢ - وإسماعيل بن مسعود فهو الجحدري البصري
يكنى أبا مسعود ثقة ممن انفرد به المصنف [١٠] وتقدم في ٤٢ / ٤٧،
٣-ويزيد بن زريع ، أبو معاوية البصري ، ثقة ثبت ، من -٨ - ت سنة
١٨٢، وتقدم في ٥/٥ وفي ١٠٨/٧٨، وقد تقدم ما يتعلق بالحديث في
الباب الماضي، فلا نطيل الكتاب بإعادته. وبالله التوفيق .

٤٧٤
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
١١٥ - الوُضُوءُ مِنَ الريح
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على وجوب الوضوء من خروج
الريح ، وهذا الباب في الكبرى رقم [٩٩].
١٦٠ - أخبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ (ح) وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ
ابْنُ مَنْصُورِ، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَالزُّهْرِىُّ، قَالَ: أَخْبَرِنِي
سَعِيدٌ يَعْنِيِ ابْنَ الْمُسَيِّبِ - وَعَبَّادُ بنُ تَمِيمٍ ، عَنْ عَمِهِ -
وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ -، قَالَ: شُكِيَ إِلَى النِّيَِِّّهُ
الرَّجُلُ يَجِدُ الشَّيْءَ فِي الصَّلاَةِ، قَالَ: ((لاَ يَنْصَرِفْ حَتَّى
يَجْدَ رَيَحًا أوْ يَسْمَعَ صَوْتًا » .
رجال الإسناد : سبعة
١ - ( قتيبة) بن سعيد البغلاني ثقة ثبت - ١٠ - تقدم في ١ / ١ .
٢- (سفيان) بن عيينة الثقة الحجة -٨ - تقدم في ١ / ١ .
٣- (الزهري) محمد بن مسلم الإمام العلم الحجة الفقيه الثبت - ٤-
تقدم في ١ / ١ .
٤- ( محمد بن منصور ) بن ثابت الخزاعي الجوّاز المكي ، ثقة ،
من- ١٠ - تقدم في ٢٠/ ٢١ .
٥- (سعيد بن المسيب ) بن حزن الإمام الحجة الثبت أحد الفقهاء
السبعة المدني -٣ - تقدم في ٩/ ٩.
٦- (عباد بن تميم) بن غَزَيَّة الأنصاري المازني المدني، ثقة، من الثالثة

٤٧٥ -
١١٥ باب الوضوء من الريح - حديث رقم ١٦٠
الثالثة ، وقد قيل إن له رؤية ، وفي ابن ماجه من طريق عبد الله بن أبي
بكر بن حزم، عن عباد بن تميم، عن أبيه، عن عمه في الاستسقاء،
والصواب: سمعت عباد بن تميم يحدث أبي عن عمه ، واسم عمه عبد
الله بن زيد بن عاصم، وهو أخو أبيه (١) لأمه. اهـ ((ت)) ص ١٦٢ - ١٦٣ .
وقال البدر العيني رحمه الله : عباد - بفتح العين المهملة وتشديد
الباء الموحدة - بن تميم بن زيد بن عاصم الأنصاري المدني ، وقال: أعي
يوم الخندق ، وأنا ابن خمس سنين ، فينبغي إذا أن يعد في الصحابة ،
وقال ابن الأثير وغيره : إنه تابعي ، لاصحابي ، وهذا هو المشهور ،
وليس في الصحابة من يسمى عباد بن تميم سواه على قول من يعده
صحابيًا ، وممن عده من الصحابة الذهبي. اهـ عمدة ج٢ ص٣٥١. وتقدم
في ٥٩/ ٧٤.
٧- (عبد الله بن زيد) بن عاصم الأنصاري المازني المدني ، له
ولأبويه صحبة ، ولأخيه حبيب بن زيد الذي قطعه مسيلمة عضوا عضوا
فقضي أن عبد الله هو الذي شارك وحشيا في قتل مسيلمة ، وهو راوي
هذا لحديث ، وحديث صلاة الاستسقاء ، وغيرهما من الأحاديث ، وقد
وهم فيه سفيان بن عيينة ، وقد تقدم البحث عنه في ٨٠ / ٩٧ .
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسياته ، وأن رجاله كلهم ثقات ، وأنهم من رجال
الستة ، إلا محمد بن منصور فهو ممن انفرد به المصنف ، وأنهم مدنيون
إلا قتيبة فبغلاني ، وسفیان ، ومحمد بن منصور فمكیان ، وفيه رواية
صحابي عن صحابي في قول من عد عبادا صحابيا ، ورواية تابعي عن
تابعيين ، الزهريّ ، عن سعيد ، وعباد في القول الآخر. وفيه كتابة (ح)
(١) قوله لأمه ، وفي الإصابة في ترجمة تميم : قال : هو أخو عبد الله بن زيد لأبيه في قول
الأكثر ، وهو مايأتي قريبا في عبارة العيني فتنبه .

- ٤٧٦
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
وهي للتحويل وقد تقدم البحث عنها مستوفى في ٥٧/ ٧١ وفيه أن سعید
أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة ، وقد تقدم البحث عنهم في ١/ ١
وفيه قوله : يعني ابن المسيب ، وذلك حيث لم ينسبه له شيخه وكذا قوله
وهو عبد الله بن زيد ، وقد تقدم تمام البحث فيه في ٤ / ٤ .
شرح الحديث
قال الزهري رحمه الله تعالى (أخبرني سعيد - يعني ) أي يقصد
الزهري بقوله سعيد وزيادة يعني من المصنف ، أو ممن فوقه ( ابن المسيب)
بفتح الياء وكسرها وهو أولى ، وإن كان الأول أشهر لأنه كان يكره الفتح
وغيره بالفتح فقط ، قال السيوطي في ألفيته :
كُلُّ مَسَيِّب فَبَالفَتْحِ سوَى أبي سَعيد فَلْوَجْهَیْن حَوَى
( وعباد بن تميم) عطف على سعيد ، فالزهري يروي هذا الحديث عن
شيخيه سعيد، وعباد، وكلاهما يرويانه عن عم عباد المذكور، هكذا أفاده
العيني. وقال الحافظ : ما نصه : ثم إن شيخ سعيد فيه يحتمل أن يكون عم
عباد، كأنه قال: كلاهما عن عمه، أي عم الثاني، وهو عباد، ويحتمل أن
يكون محذوفا، ويكون من مراسيل ابن المسيب، وعلى الأول جرى
صاحب الأطراف، ويؤيد الثاني رواية معمر لهذا الحديث عن الزهري،
عن ابن المسيب، عن أبي سعيد الخدري، أخرجه ابن ماجه، ورواته
ثقات، لكن سئل أحمد عنه، فقال: إنه منكر. اهـ فتح ج٢ ص٩.
(تنبيه) وقع في رواية كريمة لصحيح البخاري عن سعيد، عن عباد،
بدون واو العطف ، وهو غلط ، لأن سعيدا لا رواية له عن عباد أصلا.
أفادہ الحافظ رحمه الله فتح ج٢ص٩ .
(عن عمه) أي عم عباد ( وهو عبد الله بن زيد) بن عاصم الأنصاري
رضي الله عنه . أنه ( قال: شُكيَ إلى النبي #) من شكوت فلانا أشكوه

٤٧٧ -
١١٥ باب الوضوء من الريح - حديث رقم ١٦٠
شَكْوًا، وشكَاية ، وشكَاةً : إذا أخبرتَ عنه بسوء فعله، فهو مَشكُوّ
وشكيّ ، والاسم الشكوى ، والياء منقلبة عن الواو، وأصله شُكُو بدليل
يشكو الشكوى ، ويجوز أن تكون أصلية غير منقلبة في لغة من قال :
شکی یشکي . قاله العيني . عمدة ج٢ص٢٥١ .
ثم إن ((شكى)) في رواية المصنف بالبناء للمفعول، وهو الذي في
مسلم، والنائب عن الفاعل ، قوله (الرجل) ورواية البخاري : شكا
بالبناء للفاعل ، قال الحافظ كذا في روايتنا شكا بالألف ، ومقتضاه أن
الراوي هو الشاكي ، وصرح بذلك ابن خزيمة عن عبد الجبار بن العلاء ،
عن سفيان ، ولفظه عن عمه عبد الله بن زيد قال: سألت رسول الله عملائه
عن الرجل ... اهـ فتح ج٢ ص٩ (الرجل) بالرفع على أنه نائب الفاعل.
وجملة (يجد الشيء) استئناف ، أو صفة للرجل على أن تعریفه للجنس،
وجعله حالا بعيد معنى ، ويحتمل أن يقال : نائب الفاعل الجارّ
والمجرور ، والرجل مبتدأ ، والجملة خبره ، والجملة استئناف ، بيان
للشكاية، كأنه قيل : ماذا قيل في الشكاية ، فأجيب ، قيل : الرجل يجد
الخ، وأما جعل ((شكى)) مبنيا للفاعل (( والرجل)) فاعله في رواية
المصنف فبعيد ، فإن اللائق حينئذ أن يكتب شكا بالألف ، وأن يكون
قوله: (( لاينصرفْ)) بالخطاب لا الغيبة . قاله العلامة السندي رحمه الله
ج١ ص٩٩.
ومعنى قوله يجد الشيء أي الحدث خارجا منه، وصرح به الإسماعيلي
ولفظه « يُخَيِّل إليه في صلاته أنه يخرج منه شيء )) وفيه العدول عن ذكر
الشيء المستقذر بخاص اسمه إلا للضرورة . قاله في الفتح ج٢ ص٩
(يجد الشيء في الصلاة ) أي يحس حال التلبس بها بالحدث ، وكنى
عنه بالشيء تأدبا لاستهجان التصريح به . قاله في المنهل ج ٢ ص ١٧٦ .
وقال الحافظ : تمسك بعض المالكية بظاهره فخصوا الحکم من کان داخل

- ٤٧٨ -
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
الصلاة ، وأوجبوا الوضوء على من كان خارجها ، وفرقوا بالنهي عن
إيطال العبادة ، والنهي عن إبطال العبادة متوقف على صحتها، فلا معنى
للتفريق بذلك ، لأن هذا التخيل إن كان ناقضا خارج الصلاة ، فينبغي
أن يكون كذلك فيها كبقية النواقض . اهـ فتح ج١ ص٩ - ١٠.
(قال) النبي 4 جوابا عن هذا السؤال (لا ينصرف) بالجزم على
النهي، ويجوز الرفع على أن ((لا)) نافية. وفي رواية البخاري ((لاينفتل))
أو ((لا ينصرف)) بالشك ، قال الحافظ : هو شك من الراوي ، وكأنه من
علي - يعني المديني شيخ البخاري ، لأن الرواة غيره رووه عن سفيان
بلفظ ((لا ينصرف)) من غير شك. اهـ فتح ج٢ ص١٠.
قال الجامع : والنفي في الرفع بمعني النهي ، بل هو أبلغ .
( حتى يجد ريحا ) خارجا من دبره ، وعبر بالوجدان ، دون الشم ،
ليشمل ما لو لمس المحل ، ثم شم يده . قاله الحافظ .
(أو يسمع صوتا ) أي من مخرجه . وأو للتنويع لا للشك .
ثم إن الغاية تدل على أنه إذا وجد ريحا أو سمع صوتا ینصرف لأجل
الوضوء ، وهو المطلوب ، والمقصود بقوله : حتي يجد ريحا الخ ، أي
حتى يتيقن بطريق الكناية أعم من أن يكون بسماع صوت ، أو وجدان
ريح ، أو يكون بشيء آخر ، وغلبة الظن عند بعض العلماء في حكم
المتيقن ، فبقي أن الشك لاعبرة به ، بل يحكم بالأصل المتيقن ، وإن طرأ
الشك في زواله . قاله السندي . ج١ ص٩٩ .
وقال الحافظ رحمه الله : دل حديث الباب على صحة الصلاة مالم
يتيقن الحدث ، وليس المراد تخصيص هذين الأمرين باليقين ، لأن المعنى
إذا كان أوسع من اللفظ كان الحكم للمعنى ، قاله الخطابي . اه فتح
ج٢ ص ١٠ وكتب العلامة بدر الدين العیني رحمه الله عند قوله: «أو يجد

٤٧٩ -
١٥ ١ باب الوضوء من الريح - حديث رقم ١٦٠
ريحا)) ما نصه: وكلمة ((أو)) للتنويع ، قال الإسماعيلي هذا من رسول
الله ® فيمن شك في خروج ريح منه لانفي الوضوء إلا من سماع صوت
أو وجدان ريح . وفي صحيح ابن خزيمة ، وابن حبان ، ومستدرك
الحاکم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله
قال: ((إذا جاء أحدكم الشيطانُ، فقال : إنك أحدثت، فليقل
كذبت، إلا ما وجد ريحا بأنفه ، أو سمع صوتا بأذنه)) ، وفي مسند أحمد
من حديث أبي سعيد أيضا ((إن الشيطان ليأتي أحدكم ، وهو في
صلاته، فيأخذ شعرة من دبره ، فیمدها فیری أنه أحدث ، فلا ینصرف
حتى يسمع صوتا)» وفي إسناده علي بن زيد بن جُدْعان، وقال ابن خزيمة:
قوله ((فليقل : كذبت)) أراد فليقل كذبت بضميره ، لا ينطق بلسانه ، إذ
المصلي غير جائز له أن يقول: كذبت نطقا ، قال العيني: ويؤيد ماقاله
مارواه ابن حبان في صحيحه من حديث أبي سعيد أيضا مرفوعا " اذا جاء
أحدكم الشيطان فقال : إنك قد أحدثت فليقل في نفسه كذبت)) وفي
صحيح مسلم من حديث أبي هريرة يرفعه (( إذا وجد أحدكم في بطنه
شيئا، فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا ؟ فلا يخرجن من المسجد )) وفي
رواية الترمذي ((فوجد ريحا بين ألْيَتَيْه)) وفي علل ابن أبي حاتم ((فوجد
ريحا من نفسه)) وفي كتاب الطهور لأبي عبيد القاسم بن سلام (يجد
الشيء في مقعدته ، قال : لا یتوضأ إلا أن يجد ريحا يعرفها، أو صوتا
يسمعه)) وروى ابن ماجه بسند فيه ضعف (١) عن محمد بن عمرو بن
عطاء، قال : رأيت السائب بن يزيد يشم ثوبه ، فقلت : مّ ذلك ؟ قال :
سمعت رسول الله ﴾ يقول: ((لا وضوء إلا من ريح، أو سماع)) وروى
أبو داود من حديث علي بن طلق يرفعه ((إذا فسا أحدكم فليتوضأ)) قال
مُهَنّا : قال أبو عبد الله : عاصم الأحول يخطىء في هذا لحديث يقول :
(١) لكن شهد له أحاديث كثيرة ، كحديث أبي هريرة رضي الله عنه، مرفوعًا، (( لاوضوء إلا من
صوت، أو ريح)) أخرجه الترمذي وغيره ، وهو حديث صحيح .

= ٤٨٠
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
علي بن طلق ، وإنما هو طلق بن علي ، وأبَى ذلك البخاري، فقال : فيما
ذكره أبو عيسى عنه في العلل وذكر حديث علي بن طلق هذا بلفظ : جاء
أعرابي إلى النبي عَّ ، فقال : إنا نكون بالبادية ، فيكون من أحدنا
الريحة، فقال: (( إن الله لا يستحيي من الحق ، إذا فسا أحدكم فليتوضأ »
(( فقال : لا أعرف لعلي بن طلق عن النبي # غير هذا الحديث ، وهو
عندي غير طلق بن علي ، ولا يعرف هذا من حديث طلق بن علي ، ولما
ذكره الترمذي في الجامع من حديث علي بن طلق حسنه ، وذكره ابن
حبان في صحيحه بلفظ ((إذا فسا أحدكم في الصلاة فلينصرف ، ثم
لیتوضأ ، ولیعد صلاته)» ثم قال: لم يقل أحد : «ولیعد صلاته)) إلا جرير
ابن عبد الحميد ، وقال أبو عبيد في كتاب الطهور إنما هو عندنا علي بن
طلق ، لأنه حديثه المعروف وكان رجلا من بني حنيفة ، وأحسبه والد
طلق بن علي الذي سأل عن مس الذكر ، وممن ذكره في مسند علي بن
طلق أحمد بن منيع ، والنسائي ، والكجي في سننيهما ، وأبو الحسين بن
قانع في آخرين .
ثم اعلم أن حقیقة المعنى في قوله (حتی یسمع صوتا أو يجد ريحا)»
حتى يعلم وجود أحدهما ، ولا يشترط السماع ، والشم بالإجماع ، فإن
الأصم لا يسمع صوتا، والأخشم الذي راحت حاسة شمه لا يشم أصلا ،
وقال الخطابي : لم يرد بذكر هذين النوعين من الحدث تخصيصهما
وقصر الحكم عليهما حتى لا يحدث بغيرهما ، وانما هو جواب خرج على
حرف المسألة التي سأل عنها السائل ، وقد دخل في معناه كل ما يخرج
من السبيلين ، وقد يخرج منه الريح ، ولا يسمع لها صوتا ولا يجد لها
ریحا فیکون علیه استئناف الوضوء إذا تیقن ذلك ، وقد يكون بأذنه وقر ،
فلا يسمع الصوت ، أو يكون أخشم فلا يجد الريح ، والمعنى إذا كان
أوسع من الاسم كان الحكم للمعنى ، وهذا كما روي أنه 4 قال: ((إذا