النص المفهرس
صفحات 441-460
٤٤١ - ١٢ ١ باب الوضوء من المذي - حديث رقم ١٥٣ الوضوء بمجرده . قال الرافعي : وفي قوله : ((وضوءه للصلاة)) قطع احتمال حمل الوضوء على الوضاءة الحاصلة بغسل الفرج فإن غسل العضو الواحد قد يسمى وضوءا كما ورد (( إن الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر))(١) والمراد غسل اليد. اهـ زرقاني ج١ ص٨٥. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث أما درجته وبيان مواضعه فقد مر في الحديث الماضي ، فنذكر بقية المسائل . فالمسألة الأولى: فيمن أخرجه: قال العلامة بدر الدين العيني رحمه الله تعالى: أخرجه البخاري في العلم عن مسدد، عن عبد الله بن داود، عن الأعمش، عن منذر الثوري، عن محمد بن الحنفية، عن علي رضي الله عنه. وأخرجه أيضا في الطهارة عن قتيبة، عن جرير، قال: ورواه شعبة. وأخرجه مسلم في الطهارة عن أبي بكر، عن وكيع وأبي معاوية، وهشیم، وعن يحيى بن حبيب بن عربي، عن خالد بن الحارث، عن شعبة ، خمستهم عن منذر به . وأخرجه النسائي في الطهارة ، وفي العلم (في الكبرى) عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد ابن الحارث، وهذا الحديث روي بوجوه مختلفة ، فأخرجه مسلم من حديث عبد الله ابن وهب ، عن مخرمة بن بكير ، عن أبيه ، عن سليمان ابن يسار ، عن ابن عباس ، قال : قال علي رضي الله عنه: أرسلت المقداد بن الأسود إلى رسول الله عَّ ، فسأله عن المذي يخرج من الإنسان كيف يفعل به ؟ فقال رسول الله : ((توضأ وانضح فرجك)). وأخرج النسائي عن هناد بن السري ، عن أبي بكر بن عياش ، عن أبي حصين ، عن أبي عبدالرحمن ، قال : قال علي رضي الله عنه : كنت رجلا مذاء ، وكانت (١) أخرجه الطبراني من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال الصغاني: موضوع، وكذا قال الشيخ الألباني ، انظر ضعيف الجامع ص٨٨٩. = ٤٤٢ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة ابنة النبي ◌َ تحتي، فاستحييت أن أسأله ، فقلت لرجل جالس إلى جنبي سله، فسأله؟ فقال: ((فيه الوضوء)). وأخرج الترمذي عن محمد بن عمرو ، حدثنا هشیم ، عن یزید بن أبي زياد ، وعن محمود بن غيلان ، حدثنا حسين بن علي ، عن زائدة ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى ، عن علي ، قال: سألت النبي ◌َّ عن المذي ؟ فقال: ((من المذي الوضوء، ومن المني الغسل)) . قال : حديث حسن صحیح . وأخرج أحمد في مسنده عن أسود بن عامر ، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق ، عن هانىء بن هانىء ، عن علي رضي الله عنه ، قال: كنت رجلا مذاء فإذا مذيت اغتسلت ، وأمرت المقداد ، فسأل النبي عم ليه ؟ فضحك، فقال: ((فيه الوضوء)) . وأخرج أبو داود : حدثنا قتيبة ، عن سعيد، حدثنا عَبيدة بن حُمَيد الحذاء ، عن أبي بكر بن الربيع ، عن حصين بن قبيصة ، عن علي رضي الله عنه . قال : كنت رجلا مذاء ، فجعلت أغتسل ، حتى تشقق ظهري ، قال : فذكرت ذلك للنبي عليه أو ذكر له؟ فقال: رسول الله #: (( لا تفعل ، إذا رأيت المذي فاغسل ذكرك، وتوضأ وضوءك للصلاة، فإذا نَضَحْت الماء فاغتسل)). وأخرجه أحمد ، والطبراني أيضا . وأخرج النسائي عن قتيبة ، عن سفيان ، عن عمرو بن دينار ، عن عطاء ، عن عايش بن أنس ، قال : سمعت عليا رضي الله عنه على المنبر يقول : كنت رجلا مذاء ، فأردت أن أسأل النبي عليه، فاستحييت عنه، لأن ابنته كانت تحتي ، فأمرت عمارا، فسأله؟ فقال: ((يكفي منه الوضوء)). وأخرج الطحاوي عن إبراهيم بن أبي داود ، حدثنا أمية بن بسطام ، قال : حدثنا يزيد بن زريع قال : حدثنا روح بن القاسم ، عن ابن أبي نجيح ، عن عطاء ، عن إیاس ابن خليفة ، عن رافع بن خديج : أن عليا رضي الله عنه أمر عمارا أن يسأل رسول الله # عن المذي؟ قال: ((يغسل مذاكيره، ويتوضأ)»، ٤٤٣ - ١٢ ١ باب الوضوء من المذي - حديث رقم ١٥٣ وأخرج النسائي عن عثمان بن عبد الله ، عن أمية بن بسطام ، إلى آخره نحوه . اهـ . عمدة بزيادة يسيرة في أوله ج٢ ص ٢١٤-٢١٥ . المسألة الثانية : في بيان الأحكام المستنبطة من هذا الحديث : قال العلامة بدر الدين العيني رحمه الله تعالى : الأول : فيه دليل على أن المذي لايوجب الغسل ، بل يوجب الوضوء، فإنه نجس ، ولهذا يجب منه غسل الذكر ، والمراد منه عند الشافعي غسل ما أصابه منه ، واختلف عن مالك في غسل الذکر کله ، قال عياض : والخلاف مبني على أنه هل يتعلق الحكم بأول الاسم ، أو بآخره، لقوله#: ((يغسل ذكره)) واسم الذكر يطلق على البعض، وعلى الكل ، واختلف عن مالك أيضا هل يحتاج إلى النية أم لا ؟ ، وعن الزهري : لايغسل الأنثيين من المذي إلا أن يكون أصابهما شيء ، وفي المغني لابن قدامة : المذي ينقض الوضوء ، وهو ما يخرج لزجا متسبسبا (١) عند الشهوة فيكون على رأس الذكر ، واختلف الرواية في حكمه : فروي أنه يوجب الوضوء، وغسل الذكر ، والأنثيين ، والرواية الثانية : لا يجب أكثر من الاستنجاء ، والوضوء . وقال أبو عمر : المذي عند جميعهم يوجب الوضوء مالم يكن خارجا عن علة باردة وزَمَانَة ، فإن کان کذلك فهو أيضا كالبول عند جمعیهم ، فإن كان سلسا لاينقطع فحكمه حكم سلس البول عند جميعهم أيضا إلا أن طائفة توجب الوضوء على من كانت هذه حاله لكل صلاة قياسا على المستحاضة عندهم، وطائفة تستحبه ولا توجبه ، وأما المذي المعهود والمتعارف وهو الخارج عند ملاعبة الرجل أهله لما يجرى من اللذة، أو لطول عُزْبة فعلى هذا المعنى خروج سؤال علي رضي الله عنه ، وعليه يقع الجواب ، وهو (١) أي مسترسلا . شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة ٤٤٤ - موضع إجماع لا خلاف بين المسلمين في إيجاب الوضوء منه، وإيجاب غسله لنجاسته . الثاني: فيه جواز الاستنابة في الاستفتاء ، وأنه يجوز الاعتماد على الخبر المظنون مع القدرة على المقطوع لأن عليا رضي الله عنه بعث من يسأل له مع القدرة على المشافهة ، قال بعضهم : لعل عليا رضي الله عنه كان حاضرا وقت السؤال ، فلا دليل عليه ، لكن يضعف هذا قوله في بعض طرقه ((فأرسلنا المقداد))، وفي هذا إشارة إلى أنه لم يحضر مجلس السؤال ، قال العيني : فیه نظر لأنه يجوز أن یکون قد حضره بعد إرساله المقداد . وقال المازري : لم يتبين في هذا الحديث كيف أمره أن يسأل؟ ولا كيفية سؤال المقداد ، هل سأله سؤالا يخص المقداد ، أو يعمه وغيره ، فإن کان علي رضي الله عنه لم يسأل على أي وجه وقع السؤال ففيه دلیل علی أن عليا رضي الله عنه کان یری أن القضايا تتعدى ، وقد اختلف أهل الأصول، لأنه لو کان لا یتعدی لأمره أن یسمیه، إذ قد یجوز أن يبيح له ما لا يبيح لغيره، لكنه قد جاء مبينا في الصحيح ((فسأله المقداد عن المذي يخرج من الإنسان كيف يفعل به؟ فقال: ((توضأ، وانضح فرجك)) قال العيني : قد جاء مبينا كلاهما : أمر علي ، وسؤال المقداد ، أما الأول ففي الموطأ ((أن عليا رضي الله عنه أمر المقداد أن يسأل له رسول الله عَّ عن الرجل إذا دنى من أهله ، فخرج منه المذي ماذا عليه؟ قال المقداد: فسألته عن ذلك)) . وجاء أيضا في النسائي ما يثبت الاحتمال المتقدم: ((فقلت لرجل جالس إلى جنبي سله؟ فقال: ((فيه الوضوء)) . الثالث : فيه حسن العشرة مع الأصهار ، وأن الزوج ينبغي أن لا يذكر ما يتعلق بالجماع والاستمتاع بحضرة أبوي المرأة وغيرهما من أقاربها ، لأن المعنى أن المذي يكون غالبا عند ملاعبة الزوجة . ٤٤٥ - ١٢ ١ باب الوضوء من المذي - حديث رقم ١٥٣ الرابع : احتج به أبو حنيفة، والشافعي رحمهما الله على وجوب الوضوء من المذي مطلقا ، سواء كان عن ملاعبة أو استنكاح ، أو غيره وقال أصحاب مالك : المراد به ما كان عن ملاعبة ، واستدل عياض وغيره لذلك بما وقع في الموطأ في الحديث أنه قال في السؤال عن الرجل إذا دنى من أهله، وأمذى ماذا عليه؟ قال: فجواب النبي ◌َّ في مثله في المعتاد بخلاف المستنكح ، والذي به علة فإنه لا وضوء عليه ، قالوا : وإنما يتوضأ مما جرت العادة به أن يخرج من لذة ، وقال القاضي عبد الوهاب مؤيدا لمذهبهم : السؤال صدر عن المذي الخارج على وجه اللذة، لقوله ((إذا دنى من أهله )» وأيضا مما يدل عليه استحياء علي رضي الله عنه، لأنه لو كان علي مَرَضَ أو سَلسَ لم يستح من ذلك . قال العيني: فيما قالوا نظر، لأن سؤال المقداد النبي ◌ّ أولا مطلق غير مقيد، فإنه جاء في الصحيح فسأله عن المذي يخرج من الإنسان كيف يفعل به؟ قال: ((اغسل ذكرك، وتوضأ)) فالحكم متعلق بسؤال المقداد الذي وقع الجواب عنه ، فصار أمر علي رضي الله عنه أجنبيا عن الحكم، وقول القاضي عبد الوهاب حكاية قول علي للمقداد ، وهو حاضر ، وأما سؤال المقداد فكان عاما ، وهو من فقه المقداد ، فوقع السؤال من المقداد عاما، والجواب من النبي ◌َّ مترتب عليه ، والتمسك بقول المقداد فسألته عن ذلك لا يعارض النص بصريح سؤاله ، والأول محتمل للتأويل في تعيين مايرجع الإشارة إليه ، وأما ثانيا فإنه قد جاء في سنن أبي داود مايدل على خلافه وهو من علي رضي الله عنه قال: ((كنت رجلا مذاء ، فجعلت أغتسل ، حتى تشقق ظهري " فهذا يدل على كثرة وقوعه منه ومعاودته ، وجاء أيضا أن عليا أمر عمارا أن يسأل رسول الله عَليه ؟ فقال: ((يغسل ذكره ويتوضأ)). وفي بعضها: ((كنت رجلا مذاء فأمرت عمار بن ياسر يسأل رسول الله عليه من أجل ابنته عندي)). وفي بعض - ٤٤٦ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة طرقه في أبي داود: ((فليغسل ذكره وأنثييه)) وعن عائشة رضي الله عنها وغيرها أنه يجب غسل أنثییه ، وهذا خلاف قول الجمهور ، وأول الجمهور ، هذه الرواية على الاستظهار ، وفي بعض أحوال انتشاره ، ويقال: إن الماء البارد إذا أصاب الأنثيين رد المذي وكسره على أن الحديث الذي فيه هذه الزيادة قد علل بالإرسال وغيره. اهـ كلام العيني عمدة جـ٢ ص ٢١٥-٢١٧ ببعض إصلاح لأخطاء وقع في نقل كلام صاحب المغني . والله المستعان ، وعليه التكلان . ١٥٤ - أخبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعيد، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو ، عَنْ عَطَاءِ ، عَنْ عَائِشِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّ عَلِيًا قَالَ : كُنْتُ رَجُلاً مَذَّاءٌ، فَأَمَرْتُ عَمَّارَ بْنَ يَاسَرِ يَسْلُ رَسُولَ اللَّهِ عَّهُ مِنْ أجْل ابْتَتَه عِنْدِي، فَقَالَ: ((يَكْفِي مِنْ ذَلِكَ الْوُضُوءُ » . رجال الإسناد : ستة ١ - ( قتيبة بن سعيد) أبو رجاء البغلاني ثقة ثبت [١٠] تقدم في ١/ ١، وفي ١١٠/٨٩. ٢- (سفيان) بن عيينة الإمام العلم الحجة ثقة ثبت [٨] تقدم في ١/١، وفي ٢١/٢٠. ٣- (عمرو) بن دينار المكي أبو محمد الأثرم الجمحي مولاهم ، ثقة ثبت ، من الرابعة ، مات سنة - ١٢٦ . وفي ((صة)) أحد الأعلام، عن العبادلة، وكريب، ومجاهد ، وخلق . وعنه قتادة ، وأيوب، وشعبة ، والسفيانان، والحمادان ، وخلق . قال ٤٤٧ - ١٢ ١ باب الوضوء من المخي - حديث رقم ١٥٤ ابن المديني : له خمسمائة حديث . قال مسعر : كان ثقة ثقة ثقة . قال الواقدي : مات سنة [١١٥](١) وقال ابن عيينة: في أول سنة-١٦ - اهـ ج٢ص٢٨٤. ٤ - ( عطاء) بن أبي رباح - بفتح الراء ، والموحدة - واسم أبي رباح: أسلم القرشي مولاهم المكي ، ثقة فقيه فاضل ، لكنه كثير الإرسال ، من الثالثة ، مات سنة - ١١٤ - على المشهور ، وقيل : إنه تغير بآخره ، ولم يكن ذلك منه. اهـ (ت)) ص ٢٣٩. وفي ((صة)) أبو محمد الجَنَدي اليماني نزيل مكة ، وأحد الفقهاء والأئمة ، عن عثمان ، وعتاب بن أسيد مرسلا ، وعن أسامة بن زيد ، وعائشة ، وأبي هريرة ، وأم سلمة ، وعروة بن الزبير ، وطائفة . وعنه أيوب ، وحبيب بن أبي ثابت ، وجعفر بن محمد ، وجرير بن حازم ، وابن جريج ، وخلق . قال ابن سعد: كان ثقة عالما كثير الحديث، انتهت إليه الفتوي بمكة ، وقال أبو حنيفة: ما لقيت أفضل من عطاء. وقال ابن عباس- وقد سئل عن شيء -: يا أهل مكة تجتمعون علي ، وعندكم عطاء . وقيل : إنه حج أكثر من سبعين حجة. قال حماد بن سلمة : حججت سنة مات عطاء سنة - ١١٤ -١ هـ ج٢ ص ٢٣٠، أخرج له الجماعة . ٥- (عائش بن أنس) البكري الكوفي مقبول، من الثالثة، وفي (تت): روى عن علي ، وعمار، والمقداد ، رضي الله عنهم . وعنه عطاء بن أبي رباح. ذكره ابن حبان في الثقات. اهـج٥ص٨٩. انفرد به المصنف. ٦ - (علي) بن أبي طالب رضي الله عنه. تقدم في ٧٤/ ٩١. لطائف هذا الإسناد منها : أنه من سداسياته ، وأن رواته ثقات ، غير عائش فمقبول ، (١) هكذا في " صة" وفي "تت " سنة - ٥ - أو-١٢٦ - وفي " ت" - سنة ١٢٦. - ٤٤٨ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة وأنهم ممن اتفقوا على التخريج لهم غير عائش أيضا فقد انفرد به المصنف، وأنهم ما بين بغلاني ، وهو قتيبة ، ومكيين : وهم سفيان وعمرو ، وعطاء ، وكوفيين ، وهما عائش ، وعلي رضي الله عنه . وفيه رواية ثلاثة من التابعين ، بعضهم ، من بعض : عمرو ، وعطاء ، وعائش . شرح الحديث (عن عائش بن أنس) البکري ( أن علیا ) رضي الله عنه( قال : كنت رجلا مذاء) أي كثير المذي ( فأمرت عمار بن ياسر) بن عامر بن الحصين ابن قيس بن عوف بن یَام بن عَنْس ، العنسي -بنون - أبو الیقظان، مولی بني مخزوم ، صحابي جليل ، شهد بدرا ، والمشاهد ، وكان أحد السابقين الأولين . له اثنان وستون حديثا ، اتفقا على حدیثین، وانفرد (خ) بثلاثة ، ومسلم بحديث . وعنه ابنه محمد ، وابن عباس ، وأبو وائل. قال علي رضي الله عنه: استأذن عمار، فقال النبي عليه: ((مرحبا بالطيب المطيب)). قتل بصفين مع علي رضي الله عنهما سنة ٣٧. أخرج له الجماعة . (يسأل رسول الله #) بتقدير ((أن)) المصدرية مجرور بباء مقدرة ، لأن أمر يتعدى بالباء ، أي أمرته بسؤاله علي عن حكم المذي . وقد تقدم أنه أمر المقداد ، ووقع في رواية لابن حبان ، والإسماعيلي أنه قال: ((سألت)) قال الحافظ رحمه الله تعالی : وجمع ابن حبان بین هذا الاختلاف بأن عليا أمر عمارا أن يسأل ، ثم أمر المقداد بذلك ، ثم سأل بنفسه . وهو جمع جيد إلا بالنسبة إلى آخره لكونه مغايرا لقوله : إنه استحيا عن السؤال بنفسه لأجل فاطمة، فيتعين حمله على المجاز بأن بعض الرواة أطلق أنه سأل ، لكونه الآمر بذلك ، وبهذا جزم الإسماعيلي ، ثم النووي ، ويؤيده أنه أمر كلامن المقداد وعمار بالسؤال عن ذلك ما رواه ٤٤٩ - ١٢ ١ باب الوضوء من المخي - حديث رقم ١٥٥ عبد الرزاق من طريق عائش بن أنس قال: (( تذاكر علي ، والمقداد ، وعمار المذي ، فقال: على إنني رجل مذاء فاسألا عن ذلك النبي عَّه ، فسأله أحد الرجلين)) ، وصحح ابن بشكوال أن الذي تولَّ السؤال عن ذلك هو المقداد ، وعلى هذا فنسبة عمار إلى السؤال عن ذلك محمولة على المجاز أيضا لكونه قصده ، لكن تولى المقداد الخطاب دونه . والله أعلم . اهـ فتح ج١ ص٤٥٢. قال الجامع عفا الله عنه : عندي أن جمع ابن حبان بأنه أمرهما ، فسأل كل منهما عن ذلك ، ثم تولی بنفسه لیتثبت ، غیر بعيد أيضًا ولا ينافيه قوله : أستحي لأنه استحيا أولا، ثم فكر بأن هذا أمر ديني لا ينبغي الحياء فيه، فتولى السؤال بنفسه، كما قالت أم سليم رضي الله عنها: إن الله لا يستحي من الحق ، فهل على المرأة من غسل ... الحديث . والله أعلم. ( من أجل ابنته عندي ) الجار والمجرور متعلق بأمرت ، أي إنما أمرته بذلك لأجل كون ابنته فاطمة رضي الله عنها زوجتي ، إذ العادة أن ذلك مما يورث الحياء (فسأله عمار عن ذلك فقال) عَ﴾ ( يكفي من ذلك ) أي من المذي ( الوضوء) المعهود ، وهو الشرعي ، لما تقدم من قوله ويتوضأ وضوءه للصلاة ، وقوله : يكفي أي بالنسبة للغسل ، فلا ينافي ما يأتي من قوله ((يغسل مذاكيره)) فالواجب على من أمذى غسل الذكر ، والوضوء. والمسائل المتعلقة بهذا الحديث مضى معظمها ، ويأتي ما بقي إن شاء الله تعالى . والله المستعان ، وعليه التكلان. - ٤٥٠ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة ١٥٥ - أخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَبْد اللَّه، قَالَ: أخْبَرَنَا(١) أمِّيَّةُ، قَالَ: حَدَّثْنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، حَدَّثَنَا(٢) رَوْحُ بنُ القَاسِمِ ، عَنِ ابْنِ أِ نَجِيْحٍ ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ خَلِيفَةَ، عَنْ رَافِعٍ ابْنِ خَدِيجٍ، أنَّ عَلِيًا أمَرَ عَمَّارًا أنْ يَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهَِّه عَنِ الْمَذْىٍ ، فَقَالَ : ((يَغْسِلُ مَذَاكِيرَهُ، وَيَتَوَضَّأ)». رجال الإسناد : تسعة ١- (عثمان بن عبد الله) بن محمد بن خُرَّزاذ- بضم المعجمة، وتشدید الراء (٣) بعدها زاي - ، ثقة، من صغار الحادية عشرة ، مات سنة -٢٨١ - وقيل : في أول التي بعدها . وفي ((صة)): أبو عمرو الحافظ ، البصري ، نزيل أنطاكية . عن سليمان بن حرب ، ومسدد ، وأبي الوليد ، وعفان ، وخلق . وعنه النسائي. قال الحاكم : ثقة مأمون . قال عمرو بن دحيم : مات سنة - ٢٨٢. اهـج٢ ص٢١٧ . ٢ - ( أمية) بن بسطام العيشي - بالياء والشين المعجمة - بصري يكنى أبا بكر ، صدوق ، من العاشرة ، مات سنة - ٢٣١، وفي (تت) : أمية ابن بسطام بن المنتشر العيشي، أبو بكر البصري، ابن عم يزيد بن زريع . روى عنه ، وعن ابن عيينة ، ومعتمر بن سليمان، وبشر بن المفضل ، (١) وفي نسخة ((أنبأنا)). (٢) وفي نسخة ((أن روح بن القاسم حدثه)). (٣) وفي (صة) بضم المعجمة وفتح المهملة الشديدة ثم معجمتين بينهما ألف. اهـ. ج٢ص٢١٧. ٤٥١ - ١٢ ١ باب الوضوء من المذي - حديث رقم ١٥٥ وغيرهم، وعنه الشيخان ، وروى عنه النسائي بواسطة عثمان بن خرزاذ ، وروى عنه أبو زرعة ، وأبو حاتم ، والبوشنجي، وابن أبي عاصم ، والدُّوريّ، وتمتام ، والحسن بن سفيان وأبو يعلى ، وغيرهم . قال أبو حاتم: محله الصدق ، ومحمد بن منهال أحب إليّ منه اهج١ ص ٣٧٠. أخرج له البخاري ، ومسلم ، والمصنف . ٣- ( يزيد بن زريع) بتقديم الزاي مصغرا ، البصري ، أبو معاوية ، ثقة ثبت من الثامنة ، مات سنة ١٨٢ وتقدم في ٥/٥، وفي ١٠٨/٨٧، أخرج له الجماعة . ٤- ( روح بن القاسم) التميمي العنبري ، أبو غياث - بالمعجمة والمثلثة - البصري ، ثقة حافظ ، من السادسة ، مات سنة - ١٤١ - أرخه ابن حبان . رَوَى عن عمرو بن دينار ، ومنصور بن المعتمر ، وقتادة . وعنه يزيد بن زريع ، وابن علية ، وعون بن عمارة . قال ابن المديني : له نحو مائة وخمسين حديثا . ووثقه أحمد . مات بعد الخمسين ومائة . أخرج له الجماعة إلا الترمذي. ٥-( ابن أبي نجیح ) بفتح النون مکبرا - هو عبد الله ، واسم أبیہ یسار المكي ، أبو يسار الثقفي ، مولاهم ، ثقة رمي بالقدر ، وربما دلس ، من السادسة ، مات سنة - ١٣١ - أو بعدها . روی عن طاوس ، ومجاهد . وعنه عمرو بن شعيب ، أكبر منه وأبو إسحاق الفزاري ، وشعبة . وثقه أحمد . روى عنه ابن عيينة . قال : مات سنة -١٣١ - أخرج له الجماعة . ٦ - (عطاء) بن أبي رباح تقدم قريبا . في ١٥٤ . ٧- (إياس بن خليفة ) البكري ، مكي ، صدوق ، من الثالثة . وفي (تت) : حجازي . روى عن رافع بن خديج . وعنه عطاء بن أبي رياح . روى له النسائي حديثا واحدا في الطهارة . قال الحافظ رحمه الله: وذكره ابن حبان في الثقات ، وقال العقيلي: في حديثه وهم ، - ٤٥٢ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة وذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من التابعين من أهل مكة ، وقال : كان قليل الحديث . انفرد به المصنف . ٨- (رافع بن خديج ) مکبراً - بن رافع بن عدي بن تزید بن جشم ابن حارثة ، الأوسي ، صحابي شهد أحدا ومابعدها ، له ثمانية وسبعون حديثا ، اتفقا على خمسة ، وانفرد (م) بثلاثة ، وعنه ابنه رفاعة ، وبشر ابن يسار ، وسليمان يسار، وطاوس . قال خليفة : مات سنة - ٧٤ - أخرج له الجماعة وأما علي ، وعمار ، فقد تقدما قريبًا . لطائف الإسناد منها : أنه من تُساعياته ، وأن رواته كلهم ثقات غير إیاس فصدورق ، وأنهم مابين بصريين ، وهم عثمان وأمية ، ويزيد ، ورَوْح ، ومكيين : وهم ابن أبي نجيح ، وعطاء ، وإياس ، وفيه رواية تابعي ، عن تابعي . شرح الحديث (عن رافع بن خديج) بفتح الخاء المعجمة مكبرا (أن عليا أمر عمارا) رضي الله عنهم ( أن يسأل رسول الله # عن) حكم ( المذي ) تقدم ضبطه ، ومعناه أول الباب ، أي أمره بالسؤال هل فيه غسل أم لا ؟ (فقال) ﴾﴾ ( یغسل مذاکیره ) تقدم أنه جمع ذكر على غير قياس ، وهو برفع ((يغسل)) على صيغة الإخبار لكن معناه الأمر ، واستعمال الإخبار بمعنى الأمر كثير كما في قوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن﴾ [البقرة: ٢٢٨] أفاده في العدة ج١ ص ١٠ ثم إن ظاهره يدل على وجوب غسل جميع الذكر، وإليه ذهبت المالكية، قالوا: لأن اسم الذكر حقيقة في العضو كله، وبنوا على ذلك هل يحتاج إلى نية في غسله ؟ فذكروا في ذلك قولين، أشهرهما وجوب النية لأنها طهارة تعبدية ، والطهارة التعبدية تحتاج إلى ٤٥٣ - ١٢ ١ باب الوضوء من المخي - حديث رقم ١٥٦ نية . وعن أحمد روايتان : أحدهما غسل الذكر وحده ، والأخرى غسله مع الأنثيين، يدل له حديث الأمر بغسل الذكر والأنثيين . أفاده في المنهل ج١ ص٢٥٨. ( ويتوضأ) أي وضوء الصلاة ، هكذا هنا بلفظ الغيبة ، ووقع عند البخاري في حديث المقداد بلفظ ((توضأ)) بصيغة أمر الواحد، فقال الحافظ رحمه الله : يشعر بأن المقداد سأل لنفسه، ويحتمل أن يكون سأل لمبهم، أو لعلي فوجه النبي ◌َّ الخطاب إليه ، والظاهر أن عليا كان حاضر السؤال ، فقد أطبق أصحاب المسانيد والأطراف على إيراد هذا الحديث في مسند علي، ولو حملوه على أنه لم يحضر لأوردوه في مسند المقداد، ويؤيده مافي رواية النسائي من طريق أبي بكر بن عايش ، عن أبي حصين في الحديث عن علي، قال: ((فقلت لرجل جالس إلى جنبي: سله، فسأله)) ووقع في رواية مسلم: فقال: ((يغسل ذكره ويتوضأ )) بلفظ الغائب ، فيحتمل أن يكون سؤال المقداد وقع على الإبهام وهو الأظهر ، ففي مسلم أيضا ((فسأله عن المذي يخرج من الإنسان)) وفي الموطأ نحوه ، ووقع في رواية لأبي داود ، والنسائي ، وابن خزيمة ذكر سبب ذلك من طريق حصين بن قبيصة عن علي قال : كنت رجلا مذاء، فجعلت أغتسل منه في الشتاء حتى تشقق ظهري، فقال علي: ((لاتفعل)) ولأبي داود وابن خزيمة من حديث سهل بن حنیف أنه وقع له نحو ذلك ، وأنه سأل عن ذلك بنفسه .اهـ فتح ج١ ص٤٥٢. قال الجامع : مسائل هذا الحديث مضى بعضها، ويأتي الباقي إن شاء الله تعالى . والله المستعان ، وعليه التكلان . ١٥٦ - أخْبَرَنَا عُتْبَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَرْوَزِيُّ ، قَالَ: عَنْ مَالِك - وَهُوَ أبْنُ أَنَسَ - ، عَنْ أَبِي النَضْرِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنِ -- ٤٥٤ - شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة المِقْدَادِ بْنِ الأسْوَدِ: أنَّ عَلِيًا أمَرَهُ أنْ يَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهَِّهُ عَنِ الرَجُلَ إِذَا دَنَا مِنَ أهْلِهِ، فَخَرَجَ مِنْهُ الَّذْيُ مَاذَا عَلَيْه؟ فإنَّ عِنْدِي ابْتَتَهُ، وَأَنَا أسْتَحِي أنْ أسْألَهُ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّه ◌َُّ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ : ((إِذَا وَجَدَ أحَدُكُمْ ذَلَكَ فَلْيَنْضَحْ فَرْجَهُ، وَيَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلْصَّلاَة)». رجال الإسناد : خمسة ١- (عتبة بن عبد الله المروزي) ابن عتبة اليحمدي ، أبو عبد الله ، صدوق من العاشرة، مات سنة - ٢٤٤ . وتقدم في - ٩٨/٨١- (س) ٢- (مالك) بن أنس الإمام العلم الحجة الثبت الفقيه -٧- تقدم في ٧/٧ وفي -٢٠/١٩. ٣- (أبو النضر) سالم بن أبي أمية المدني التيمي مولى عمر بن عُبيدالله التيمي . رَوَى عن أنس بن مالك ، وعبد الله بن أبي أوفى، وعوف بن مالك ، والسائب بن يزيد ، وسعيد بن المسيب ، وغيرهم . وعنه مالك ، والسفيانان ، وابن جريج، والليث ، وآخرون- وثقه أحمد ، وابن معين ، والعجلي ، والنسائي ، وأبو حاتم، وقال : حسن الحديث . وقال ابن عبد البر : أجمعوا على أنه ثقة ثبت، توفي سنة ١٢٩ روى له الجماعة . وتقدم في ٩٦/ ١٢١ . ٤ - ( سليمان بن يسار) أبو أيوب ، ويقال : أبو عبد الرحمن، أو أبو عبد الله، مولى ميمونة زوج النبي # ، المدني أحد الفقهاء السبعة . روى عن زيد بن ثابت ، وعائشةٍ، وميمونة ، وابن عباس ، وأبي ٤٥٥ - ١٢ ١ باب الوضوء من المذي - حديث رقم ١٥٦ هريرة، وجابر بن عبد الله ، وغيرهم من الصحابة . وعنه عمرو بن دينار، ومكحول ، وعمرو بن ميمون ، والزهري ، ويحيى الأنصاري ، ونافع مولى ابن عمر ، وآخرون . قال أبو زرعة : ثقة مأمون فاضل ، وقال النسائي : هو أحد الأئمة ، وقال العجلي : مدني تابعي ثقة فاضل عابد وقال ابن سعد : كان ثقة عالما رفيعا فقيها كثير الحديث . قيل مات سنة، ١٠٩، عن ٧٤ سنة . روى له الجماعة. ٥- (المقداد بن الأسود) هو المقداد بن عمرو المتقدم قريبا ، وإنما نسب إلى الأسود ، لأنه تبناهه وذلك أن عمرو بن ثعلبة أصاب دما في قومه، فلحق بحضرموت فحالف بني كندة ، فکان يقال له : الكندي ، وتزوج هناك امرأة فولدت له المقداد ، فلما کبر المقداد وقع بينه وبين أبي شمر بن حجر الكندي نزاع فضرب المقداد ، رجله بالسيف ، وهرب إلى مكة، فحالف الأسود بن عبد يغوث الزهري ، وكتب إلى أبيه ، فقدم عليه ، فتبنى الأسود المقداد ، فصار يقال له : المقداد بن الأسود ، واشتهر بذلك، فلما نزلت ﴿ادعوهم لآبائهم﴾ [الأحزاب: ٥] قيل له المقداد بن عمرو . اهـ المنهل ج٢ ص ٢٦٠ . لطائف الإسناد منها: أنه من خماسياته ، وأن رواته كلهم ثقات غير عتبة فصدوق ، وكلهم مدنيون غير عتبة أيضا فمروزي، كما نسبه المصنف ، وأنهم ممن اتفقوا على التخريج لهم غير عتبة ، فمن أفراد المصنف ، وفيه قوله : ((وهو ابن أنس)) وتقدمت القاعدة في مثله غير مرة ، وفيه سليمان بن يسارأحد الفقهاء السبعة المجموعين في قوله : فَقِسْمَتُهُ ضیزَى عَنِ الحَقِّ خَارِجَهْ ألاَّ إنَّ مَنْ لا يَقْتَدي بائمَّقِ سَعِيدٌ أَبُو بَكْرِ سُلَيْمَانُ خَارِجَه فَقُلْ هُمْ عُبَيْدُاللَّه عُرْوَة قَاسمٌ وفيه رواية تابعي ، عن تابعي : أبو النضر ، عن سليمان . = ٤٥٦ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة شرح الحديث (عن المقداد بن الأسود) هو ابن عمرو بن ثعلبة رضي الله عنه (أن عليا) رضي الله عنه (أمره) أي طلب منه ( أن يسأل رسول الله ##) إنما أمره بذلك لما يذكره من الاستحياء ( عن الرجل إذا دنا من أهله) أي قرب من زوجته لمداعبة، لا لجماع ( فخرج منه المذي) لأنه يكون غالبا عند ملاعبة الزوجة وتقبيلها ونحو ذلك من أنواع الاستمتاع ، قاله في المنهل ( ماذا عليه ) أيْ أيّ شيء عليه أغسل ، أم وضوء؟ ثم بين سبب الأمر بالسؤال من دون أن يتولى بنفسه فقال (فإن عندي ابْنَتَه) فاطمة الزهراء رضي الله عنها (وأنا أستحي) في النسخة المصرية بياء واحدة ، وتقدم أنها لغة تميم ، وبها قرأ ابن كثير في رواية قنبل عنه ﴿إن الله لا يستحي﴾ [البقرة: ٢٦] قاله الصنعاني في العدة ج١ ص٣٠٨. وفي الهندية بياءين ، وهي لغة الحجاز . والحياء بالمد في اللغة : تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به . وقد يطلق على مجرد ترك الشيء بسبب ، والترك إنما هو من لوازمه . وقال الراغب : إنه انقباض النفس عن القبيح ، وهو من خصائص الإنسان . وقال غيره : هو انقباض النفس خشية ارتكاب ما يكره ، أعم من أن يكون شرعيا ، أو عرفيا، أوعقليا. وفيه تعاريف أخر . وفي الشرع : خلق يبعث على اجتناب القبيح ، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق . اهـ العدة بتصرف ج١ ص٣٠٧. وفيه استعمال الأدب ومحاسن العادات في ترك المواجهة بما يُستحى منه عرفا . قاله ابن دقيق العيد (أن أسأله) أي أسأل رسول الله عَمّه عنه ، فقال المقداد رضي الله عنه ( فسألت رسول الله عن ذلك) أي عن ٤٥٧_ ١٢ ١ باب الوضوء من المذي - حديث رقم ١٥٦ حكمه ( فقال ) # (إذا وجد أحدكم ذلك) أي المذي ( فلينضح) بفتح الضاد وكسرها ، يقال : نضحت الثوب من باب ضرب ونفع ، وهو البل بالماء . قاله في المصباح . ج ٢ ص ٦٠٩ . قال العلامة ابن دقيق العيد رحمه الله : يراد به هنا الغسل لأنه المأمور به مبينا في الرواية الأخرى ، ولأن غسل النجاسة المغلظة لابد منه ، ولا يكفي فيه الرش الذي هو الغسل ، والرواية ((وانضح)) بالحاء المهملة ، لا نعرف غيره ، ولو روى ((انضخ)) بالخاء المعجمة لكان أقرب إلى معنى الغسل ، فإن النضخ بالمعجمة أكثر من النضح بالمهملة . اهـ إحكام ج١ ص٣١١ . ( فرجه) أي ذكره ، لما في الرواية الأخرى ((اغسل ذكرك)) قال ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى : الفرج هنا هو الذكر والصيغة لها وضعان : لغوي وعرفي ، فأما اللغوي: فهو مأخوذ من الانفراج ، فعلى هذا يدخل فيه الدبر ، ويلزم منه انتقاض الطهارة بمسه ، لدخوله تحت قوله ((من مس فرجه فليتوضأ)). وأما العرفي : فالغالب استعماله في القبل من الرجل والمرأة . والشافعية استدلوا في انتقاض الوضوء بمس الدبر بالحديث ، وهو قوله ((من مس فرجه)) فيحتمل أن يكون ذلك لأنه لم يثبت في ذلك عند المستدل به عرف يخالف الوضع ، ویحتمل أن يكون ذلك لأنه ممن يقدم الوضع اللغوي على الاستعمال العرفي. اهـ إحكام ج١ ص٣١٦ - ٣١٧ (ويتوضأ وضوءه للصلاة . ) لأنه من نواقض الوضوء . مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى : في درجته : هو حديث صحيح المسألة الثانية: فيمن أخرجه مع المصنف : أخرجه مالك في الموطأ ، وابن ماجه ، والترمذي ، والطحاوي ، والبيهقي ، وقال : هكذا رواه - ٤٥٨ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة أبو النضر عن سليمان، ورواه بكير بن عبد الله بن الأشج، عن سليمان، عن ابن عباس موصولا ، وذكره بسنده إلى ابن عباس قال : قال علي رضي الله عنه: أرسلت المقداد بن الأسود إلى رسول الله ټ﴾ ، فسأله عن المذي يخرج من الإنسان كيف يفعل به؟ فقال علي: ((توضأ، وانضح فرجك)) رواه مسلم في الصحيح . اهـ قال المنذري قال الإمام الشافعي رضي الله عنه : حديث سليمان بن يسار عن المقداد مرسل، لانعلم سمع منه شيئا . اهـ وقال العيني : قد ذكر صاحب الكمال أن سليمان بن يسار سمع المقداد بن الأسود. اهـ المنهل ج٢ ص ٢٦١- ٢٦٢. قال الجامع عفا الله عنه : قد ذكر الحافظ رحمه الله في (تت) عن ابن حبان أنه قال : كان مولد سليمان سنة - ٢٤ - وأخرج في صحيحه حديثه عن المقداد ، وقال : قد سمع سلیمان من المقداد ، وهو ابن دون عشر سنین اهـ . ج٤ ص٢٢٩ المسألة الثالثة: في الأحكام المستنبطة من هذا الحديث : يستفاد منه أنه يطلب من الجاهل بالحكم سؤال العلماء ، وأن العالم بالحكم عليه أن يجيب ، ومعاملة الأصهار بالحياء فيما يتعلق بأمر مباشرة النساء ، وكون المذي نجسا ، قال الشوكاني رحمه الله : اتفق العلماء على نجاسته، ولم يخالف إلا بعض الإمامية محتجين بأن النضح لا يزيله، ولو كان نجسا لو جبت الإزالة ، ويلزمهم القول بطهارة العذرة لأن النبي ◌ّ أمر بمسح النعل منها بالأرض ، والصلاة فيها ، والمسح لايزيلها ، وهو باطل بالاتفاق . اهـ. المسألة الرابعة: اختلف العلماء في إزالته من الثوب: فقال الأكثرون : لا يجزئه إلا الغسل ، وحملوا النضح في هذه الرواية ٤٥٩ _ ١٢ ١ باب الوضوء من المذي - حديث رقم ١٥٧ على معنى الغسل ، قال النووي رحمه الله: معنى ((انضح فرجك)) اغسله ، فإن النضح يكون غسلاً ، ويكون رشًا ، وقد جاء في الرواية الأخرى ((يغسل ذكره))، فتعين حمل النضح عليه . اهـ. وقال بعضهم يجزئه الرش، وهذا هو الذي رجحه الشوكاني وقال : قد ثبت من رواية الأثرم بلفظ ((فترش عليه)) وليس المصير إلى الأشد بمتعين، بل ملاحظة التخفيف من مقاصد الشريعة المألوفة ، فيكون الرش مجزئا كالغسل اهـ. وقال في المنهل : والحق ما ذهب إليه الجمهور من أن المراد بالنضح الغسل ، ولا يكفي فيه الرش الخفيف ، وأن معنى الرش في رواية الأثرم صب الماء قليلا قليلا ، فهو لا ينافي الغسل ، قال في المجمع في الحديث (رش على رجله)) أي صب الماء قليلا قليلا تنبيها على الحذر من الإسراف ثم قال: ومنه ((كانت الكلاب تقبل، وتدبر في المسجد، فلم يكونوا يرشون شيئًا )) أي لا ينضحونه بالماء بمعنى أنهم لا يصبون عليه الماء لا قليلا، ولا كثيرا ، فلفظ الرش لا يقتضي كونه مجزئا . اهـ. ج ٢ ص٢٦٦. قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر ما قاله في المنهل، لأن رواية (( يغسل مذاكيره)) مبينة لمعنى النضح والرش ، والله أعلم . وعليه التكلان . ١٥٧ - أخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالدٌ ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ(١) ، قَالَ : أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ ، قَالَ : سَمِعْتُ مُنْذِرًا، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: اسْتَحْبَيْتُ أنْ أسْألَ النَِّيَّ ◌َّهِ عَنِ الَّذْيِ مِنْ أَجْلِ فَاطِمَةَ، فَأَمَرْتُ المقْدَادَ (٢) فَسَألَهُ، فَقَالَ: ((فيه الوُضُوءُ)). (١) وفي نسخة ((عن شعبة. (٢) وفي نسخة ((فأمرت المقداد بن الأسود)). - ٤٦٠ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة رجال الإسناد : سبعة ١- (محمد بن عبد الأعلى) الصنعاني البصري ثقة من العاشرة . مات سنة ٢٤٥ . وتقدم في ٥/ ٥ وفي ٥٣/ ٦٧ . ٢- (خالد) بن الحارث بن عبيد، الهجيمي أبو عثمان البصري ثقة ثبت من الثامنة مات سنة - ١٨٦ - وتقدم في - ٦٧/٥٣. وفي ٤٢ / ٤٧ . ٣- (شعبة) بن الحجاج الواسطي البصري الحجة ثقة ثبت -٧ - تقدم في ١٠٦/٨٦ وفي ٢٦/٢٤. ٤- (سليمان) بن مهران الأعمش، ثقة حافظ -٥ - تقدم في ١٨/١٧ . ٥- (منذر) بن يعلى الثوري - بالمثلثة - أبو يعلى الكوفي ، ذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة من أهل الكوفة ، وقال : كان ثقة قليل الحديث . ووثقه ابن معين، والعجلي، وابن خراش، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال : روى عن أم سلمة ، إن كان سمع منها . أخرج له الجماعة . وفي (ت)) : ثقة ، من السادسة . ٦- ( محمد بن علي) بن أبي طالب الهاشمي أبو القاسم ابن الحنفية ، المدني ، ثقة عالم ، من الثانية ، مات بعد الثمانين . وفي الخلاصة: أبو محمد الإمام المعروف بابن الحنفية ، وهي أمه، خولة بنت جعفر الحنفية ، وكانت من سبي اليمامة الذين ساهم أبو بكر. وقيل : كانت أمة لبني حنيفة ، ولم تكن من أنفسهم . رَوَى عن أبيه ، وعثمان ، وغيرهما . وعنه بنوه إبراهيم ، وعبد الله ، والحسن ، وعمرو ابن دينار ، وخلق . قال إبراهيم بن الجنيد : لانعلم أحدا أسند عن علي عن النبي ﴾ أكثر، ولا أصح مما أسند محمد بن الحنفية. ولد لسنتين بقیتا من خلافة عمر رضي الله عنه، ومات سنة ٨٠أو ٨١أو ١١٤ ودفن بالبقيع. روى له الجماعة اهـ بزيادة من الهامش وعمدة القاري. ٧- ( علي) بن أبي طالب رضي الله عنه. تقدم في ٧٤/ ٩١ .