النص المفهرس

صفحات 341-360

١٠٦ باب الأمر بإسباغ الوضوء - حديث رقم ١٤١
٣٤١ _
وذكره ابن حبان في الثقات ، وقال ابن عبد البر : لم يختلفوا في أنه ثقة.
٤- (عبد الله بن عبيد الله بن عباس) بن عبد المطلب بن هاشم
الهاشمي المدني. روى عن أبيه ، وعمه . وعنه أبو جهضم موسى بن
سالم، ويحيى بن سعيد الأنصاري . قال أبو زرعة والنسائي : ثقة .
وقال ابن سعد : كان ثقة ، وله أحاديث . وذكره ابن حبان في الثقات .
روى له الأربعة حديث الباب فقط، وفي ((ت)): ثقة من الرابعة.
٥- (عبد الله بن عباس) البحر الحبر أحد العبادلة وأحد المكثرين ،
رضي الله عنه. تقدم في ٢٧/ ٣١.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف.
ومنها: أن رواته ثقات ، إلا أبا جهضم فهو صدوق .
ومنها: أنهم بصريون ، إلا عبد الله بن عبيد الله فمدني.
ومنها: أن صحابيه هو أحد العبادلة الأربعة ، وأحد المكثرين السبعة ،
روى -١٦٩٦ - حديثا ، وقد تقدم غير مرة .
ومنها: أن شيخه ممن أخرج له (م٤) وأبا جهضم وعبد الله من رجال
الأربعة ، وحمادا وابن عباس من رجال الجماعة .
شرح الحديث
(عن عبد الله بن عبيد الله بن عباس) الهاشمي المدني (قال: كنا
جلوسا) جمع جالس (إلى عبد الله بن عباس) أي عنده ، وللمصنف في
كتاب الخيل ، قال : كنت عند ابن عباس .
ولأبي داود : ((دخلت على ابن عباس في شباب من بني هاشم))
(فقال) ابن عباس بعد أن سألوه عن قراءة رسول الله عَّ في الظهر
والعصر ، ففي هذه الرواية اختصار يبينه ما عند المصنف في الخيل ،
وأبي داود في الصلاة ، ولفظ المصنف قال (( كنت عند ابن عباس ، فسأله
رجل ، ولفظ أبي داود ((دخلت على ابن عباس في شباب من بني هاشم ،

- ٣٤٢ -
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
فقلنا لشاب منا : سل ابن عباس ، أكان رسول الله عَّه يقرأ ، في الظهر
والعصر ؟ فقال : لا ، فقيل له لعله كان يقرأ في نفسه ، قال : خمشا (١)
هذه أشد من الأولى ، إن رسول الله عَ﴾ عبد أمره الله تعالي بأمره فبلغه
( والله ما) نافية (خصنا رسول الله ﴾ بشيء دون الناس إلا بثلاثة
أشياء) لعل ابن عباس رضي الله عنه فهم من حال السائل أنه # كان
يخص آل البيت ببعض المسائل الدينية ، فقال : ذلك . قاله في المنهل
ج٥ص٢٣١ (فإنه) ### (أمرنا أن نسبغ الوضوء) أي نتمه ، ولا نترك
شيئا من فروضه ، وسننه (ولا نأكل) بالنصب عطفا على نسبغ (الصدقة)
أي وخصنا بمنع أكل الصدقة ، وفي صحيح مسلم عن عبد المطلب بن
ربيعة مرفوعا ((إن هذه الصدقة إنماهى أوساخ الناس ، وإنها لا تحل لمحمد
ولا لآل محمد))، وروى الطبراني مرفوعا ((إنه لا يحل لكم أهل البيت
من الصدقات شيء، وإنما هي أوساخ الأيدي ، وإن لكم من خمس
الخمس ما یغنیکم » . قاله في المنھل ج٥ص٢٣١ .
وهل الصدقة هي الزكاة أم تشمل التطوع ؟ فيه خلاف للعلماء وسيأتي
تحقیقه ، إن شاء الله تعالى.
(ولا ننزي الحمر على الخيل) أي لا نحمله عليها للنسل ، قال
الفيومي: نزا الفحلُ نَزْوًا من باب قتل، ونَزَوانا-أي بالتحريك-وثب
والاسم: النِّزَاء مثل كتاب، وغُراب، يقال ذلك في الحافر ، والظلف،
والسباع، ويتعدى بالهمزة والتضعيف، فيقال: أنزاه صاحبه، وَنَزَّاه تنزية .
اهـ المصباح .
(١) (وقوله خمشا) بفتح فسکون مصدر خمش وجهه خمشا أي قشر ، دعا علیه بأن یخمش
وجهه أو جلده، ونصب بفعل مقدر كجدعا. قاله السندي . وقوله هذه شر أي مسألتك
الثانية شر من الأولی لتضمنها اتهامه ټے بالكتمان فأفعل التفضیل لیس على بابه لأنه ليس في
الأولى شر، ولعل ابن عباس قاله قبل أن يبلغه قراءته عي في الظهر والعصروإلا فقد ثبت عنه
قوله كان رسول الله ﴾ يقرأ في الظهر والعصر، رواه ابن أبي شيبة، وغير ذلك. والله أعلم
. أفاده في المنهل . ج٥ص٢٣٣.

٣٤٣
١٠٦ باب الأمر بإسباغ الوضوء - حديث رقم ١٤١
ثم إنه استشكل اختصاص آل البيت بالأمر بإسباغ الوضوء ، وبالنهي
عن إنزاء الحمر على الخيل ، والناس كلهم في ذلك سواء . وأجيب بأن
الإسباغ في حقهم للوجوب وفي حق غيرهم للندب ، وبأن النهي عن
إنزاء الحمر على الخيل في حقهم للتحريم، وفي حق غيرهم للكراهة، وإنما
شدد عليهم لمزيد شرفهم ، ولأنه يُقْتَدَى بهم .
والحكمة في النهي عن ذلك كما قال الخطابي : أن الحمر إذا حملت
على الخيل قل عددها ، وانقطع نماؤها ، وتعطلت منافعها ، والخيل
يحتاج إليها للركوب والركض، والجهاد ، وإحراز الغنائم، وغير ذلك من
المنافع ، وليس للبغال شيء من هذه ، فأحب أن يكثر نسلها ليكثر
الانتفاع بها. اهـ. كلام الخطابي. ونقله في المنهل ج٥ص٢٣١.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته : حديث ابن عباس حديث صحيح .
المسألة الثانية: في ذكر مواضعه عند النسائي: أخرجه النسائي في
موضعين : هنا بالسند المذكور ، وفي الخيل - ١٠/ ٢ - عن حميد بن
مسعدة ، عن حماد ، عن أبي جهضم، الخ .
المسألة الثالثة : فيمن أخرجه معه من أصحاب الأصول وغيرهم :
أخرجه (د ت ق) فأما (د) فأخرجه في الصلاة - ٤/١٣٢-عن مسدد،
عن عبد الوارث ، عن أبي جهضم موسى بن سالم ، عن عبد الله بن
عبيد الله بن عباس رضي الله عنه. وأما (ت) فأخرجه في الجهاد -٤٩-
عن أبي كريب ، عن إسماعيل بن إبراهيم ، عن أبي جهضم به . وقال:
حسن صحيح ، وقد روى الثوري عن أبي جهضم هذا ، فقال : عن
عبيد الله بن عبد الله. وسمعت محمدا يقول : حديث الثوري
غیر محفوظ - وهم فيه الثوري .

- ٣٤٤
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
وأما (ق) فأخرجه في الطهارة - ١/٤٩ - عن أحمد بن عبدة الضبي ،
عن حماد بن زيد ، عن أبي جهضم به . قال أبو الحجاج المزي : رواه
حماد بن سلمة ، عن أبي جهضم مثل رواية الثوري ، وكذلك رواه
محمد بن عيسى بن الطباع وغيره ، عن حماد بن زيد . اهـ تحفة
الأشراف ج٥ص٤٢. وأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار بدون
قوله: وما اختصنا . قاله في المنهل ج٥ص٢٣٢ .
المسألة الرابعة : في فوائده :
منها : الأمر بإسباغ الوضوء ، والمراد به الإنقاء کما فسره به ابن عمر
عند البخاري ، واستكمال الأعضاء والحرص على أن يتوضأ وُضُوءًا
يصح عند الجميع ، وغسل كل عضو ثلاث مرات ، هكذا قيل .
قال الشوكاني : فإذا كان التثليث مأخوذا في مفهوم الإسباغ فليس
بواجب لحديث أنه # توضأ مرة ومرتين، وإن كان مجرد الإنقاء
والاستكمال فلا نزاع في وجوبه . اهـ كلام الشوكاني ج١ ص ٢٢٠ .
وتقدم البحث عنه في باب -٧٢-
قال الجامع عفا الله عنه :
لكن اختصاص أهل البيت بالأمر به يدل على استحبابه لغيرهم ،
وعلى أن المقصود بالإسباغ هو الأمر الزائد على القدر المفروض ، من
التثليث ، وإطالة الغرة والتحجيل ، وإلا فإكمال محل الفرض لا يخص
أهل البيت فقط .
وقال السندي : عند قوله « أمرنا» : أي أمر إيجاب ، أو ندب مؤكد،
وإلا فمطلق الندب عام، والوجه الحمل على الندب المؤكد إذ لم يقل أحد
بوجوب الإسباغ في حق الموجودين من أهل البيت إلا أن يقال: كان الأمر
مخصوصًا في حق الموجودين في وقتهمګ١ هـ كلام السندي ج٦ ص٢٢٥.

٣٤٥ -
١٠٦ باب الأمر بإسباغ الوضوء - حديث رقم ١٤١
قال الجامع عفا الله عنه :
وفي كلامه نظر لايخفى ، بل الظاهر أنه للوجوب عليهم مطلقًا .
ومنها : تحريم أكل الصدقة عليهم، والظاهر أنه على الإطلاق، وسيأتي
اختلاف العلماء فيه قريبا إن شاء الله تعالى .
ومنها : تحريم إنزاء الحمر على الخيل عليهم ، وسيأتي أقوال العلماء في
حق غيرهم إن شاء الله تعالى .
المسألة الخامسة: في مذاهب العلماء في أهل البيت الذين تحرم عليهم
الصدقة ، من هم؟ وما هي الصدقة التي تحرم عليهم ؟
اختلف العلماء في المراد بآل البيت هنا ، فقال الشافعي وجماعة إنهم
بنو هاشم وبنو المطلب . واستدلوا بأن النبي ◌ّ أشرك بني المطلب مع بني
هاشم في سهم ذوي القربى ، ولم يعط أحدا من قبائل قريش غيرهم،
وتلك العطية عوض عوضوه بدلا عما حرموه من الصدقة كما أخرج
البخاري من حديث جبير بن مطعم قال : مشيت أنا وعثمان بن عفان إلى
النبي ◌َّ فقلنا: يا رسول الله أعطيت بني المطلب من خمس خيبر، وتركتنا
ونحن وهم بمنزلة واحدة، فقال رسول الله عَل#: ((إنما بنو المطلب وبنو
هاشم شيء واحد)) . وأجيب عن ذلك بأنه إنما أعطاهم ذلك لموالاتهم لا
عوضا عن الصدقة . وقال أبو حنيفة ومالك والهادوية: هم بنوهاشم
فقط ، وعن أحمد في بني المطلب روايتان ، وعن المالكية فيما بين هاشم
وغالب بن فهر قولان : فعن أصبغ منهم: هم بنو قصي ، وعن غيره بنو
غالب بن فهر كذا في الفتح. والمراد ببني هاشم آل علي، وآل عقيل، وآل
جعفر، وآل العباس، وآل الحارث، ولم يدخل في ذلك آل أبي لهب، لما
قيل من أنه لم يسلم أحد منهم في حياته ◌َّه ، ويرده ما في جامع الأصول
أنه أسلم عتبة، ومعتب ابنا أبي لهب عام الفتح، وسرّ رسول الله عَليه
:

- ٣٤٦
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
بإسلامهما ، ودعا لهما ، وشهدا معه حنينا والطائف ، ولهما عقب عند
أهل النسب .
قال ابن قدامة : لا نعلم خلافا في أن بني هاشم لا تحل لهم الصدقة
المفروضة ، وكذا قال أبو طالب من أهل البيت ، وحكى ذلك عنه في
البحر ، وكذا حكى الإجماع ابن رسلان ، وقد نقل الطبري الجواز عن
أبي حنيفة ، وقيل عنه تجوز لهم إذا حرموا سهم ذوي القربي حكاه
الطحاوي، ونقله بعض المالكية عن الأبهري منهم ، قال في الفتح : وهو
وجه لبعض الشافعية ، وحكي فيه أيضا عن أبي يوسف أنها تحل من
بعضهم لبعض لامن غيرهم ، وحكاه في البحر عن زيد بن علي ،
والمرتضى، وأبي العباس، والإمامية، وحكاه في الشفاء عن ابن الهادي
والقاسم العياني. قال الحافظ وعند المالكية في ذلك أربعة أقوال مشهورة:
الجواز، والمنع، وجواز التطوع دون الفرض، عكسه. والأحاديث الدالة
على التحريم على العموم ترد على الجميع . وقد قيل: إنها متواترة تواترا
معنويا ، ويؤيد ذلك قوله تعالى : ﴿قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في
القربى﴾ [الشورى: ٢٣]، وقوله: ﴿قل ما أسألكم عليه من أجر﴾
[ص: ٨٦] ولو أحلها لآله أوشك أن يطعنوا فيه ، ولقوله تعالى: ﴿خذ
من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾ [التوبة: ١٠٣]، وثبت عنه عائ}
أن الصدقة أوساخ الناس كما رواه مسلم . قاله الشوكاني في النيل
ج٥ص٢٢٦، ٢٢٨.
وأما نوع الصدقة التي تحرم عليهم فظاهر النصوص العموم .
قال الشوكاني: واعلم أن ظاهر قوله: (( لا تحل لنا الصدقة)) عدم حل
صدقة الفرض والتطوع ، وقد نقل جماعة منهم الخطابي الإجماع على
تحريمهما عليه ◌َ ، وتعقب بأنه قد حكى غير واحد عن الشافعي في

٣٤٧ -
١٠٦ باب الأمر بإسباغ الوضوء - حديث رقم ١٤١
التطوع قولا ، وكذا في رواية عن أحمد ، وقال ابن قدامة : ليس ما نقل
عنه من ذلك بواضح الدلالة .
وأما آل النبي ◌َّه فقال أكثر الحنفية وهو المصحح عند الشافعية والحنابلة
وكثير من الزيدية: إنها تجوز لهم صدقة التطوع دون الفرض، قالوا : لأن
المحرم عليهم إنما هي أوساخ الناس ، وذلك هو الزكاة لاصدقة التطوع ،
وقال في البحر : إنه خصصَ صدقةَ التطوع القياسُ على الهبة والهدية
والوقف ، وقال أبو يوسف وأبو العباس : إنها تحرم عليهم كصدقة
الفرض ، لأن الدليل لم يفصل اهـ. نيل الأوطار ج٥ ص٢٢٩.
قال الجامع عفا الله عنه :
وقول من عمم هو الراجح عندي لظهور دليله ، والله أعلم . وسيأتي
مزيد بسط للمسألة في محلها من كتاب الزكاة ، إن شاء الله تعالى .
المسألة السادسة: في حكم إنزاء الحمر على الخيل واختلاف أهل العلم
في ذلك: قال الحافظ أبو جعفر الطحاوي رحمه الله في شرح معاني الآثار
بعد ذكر حديث ابن عباس المذكور في الباب ، وحديث علي رضي الله
عنه قال: ((أهديت لرسول الله عَ ليه بغلة فركبها، فقال علي: لو حملنا
الحمير على الخيل، فكانت لنا مثل هذه، قال رسول الله عنه: ((إنما يفعل
ذلك الذين لا يعلمون )) ورواه أبو داود أيضا، قال الطحاوي ما لفظه:
ذهب قوم إلى هذا فكرهوا إنزاء الحمر على الخيل، وحرموا ذلك ومنعوا
منه ، واحتجوا بهذه الآثار ، وخالفهم في ذلك آخرون ، فلم يروا بذلك
بأسا ، وکان من الحجة لهم في ذلك أن ذلك لو کان مکروها لکان رکوب
البغال مكروهاً ، لأنه لولا رغبة الناس في البغال وركوبهم إياها لَمَا
أنزئت الحمر على الخيل ، ألا ترى أنه لما نهى عن خصاء بني آدم كره
بذلك الخصيان ، لأن في اتخاذهم ما يحمل من تحضيضهم على إخصائهم

- ٣٤٨.
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
لأن الناس إذا تحاموا اتخاذهم لم يرغب أهل الفسق في إخصائهم ، ثم
ذكر بسنده عن العلاء بن عيسى الذهبي أنه قال : أتي عمر بن عبد العزيز
بخصي فكره أن يبتاعه ، وقال : ما كنت لأعين على الخصاء ، فكل شيء
في ترك كسبه ترك لبعض أهل المعاصي لمعصيتهم فلا ينبغي كسبه ، فلما
أجمع على إباحة اتخاذ البغال وركوبها دل ذلك على أن النهي الذي في
الأثر الأول لم يرد به التحريم ولكنه أريد به معنى آخر ، ثم ذكر أحاديث
ركوبه عَُّ على البغال، ثم قال: فإن قال قائل: فما معنى قول النبي ◌ّ :
((إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون))، قيل له : قد قال أهل العلم في
ذلك: معناه أن الخيل قد جاء في ارتباطها واكتسابها وعلفها الأجر ، لیس
ذلك في البغال ، فقال النبي ﴾﴾: (( إنما ينزو فَرَسٌ على فرس حتى يكون
عنهما ما فيه الأجر ، ويَحِمِلُ حمارا على فرس فيكون عنهما بغل لا أجر
فیه الذين لا يعلمون ، أي لأنھم یتر کون بذلك إنتاج مافي ارتباطه الأجر
وينتجون مالا أجر في ارتباطه ، ثم ذكر أحاديث فضل ارتباط الخيل ، ثم
قال: فإن قال قائل : فما معنى اختصاص النبي ◌َ﴾﴾ بني هاشم بالنهي عن
إنزاء الحمير على الخيل؟ قيل له: لما حدثنا ابن أبي داود قال: حدثنا أبو عمر
الحوضي، قال: حدثنا المُرَجًّا هو ابن رجاء، قال: حدثنا أبو جهضم، قال:
حدثني عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس ، قال : ما اختصنا رسول
الله عَّ إلا بثلاث: ((أن لا نأكل الصدقة وأن نسبغ الوضوء وأن لا ننزي
حمارا على فرس))، قال عبد الله بن الحسن وهو يطوف بالبيت فحدثته ،
فقال: صدق ، كانت الخيل قليلة في بني هاشم ، فأحب أن تكثر فيهم ،
فبين عبد الله بن الحسن بتفسيره هذا المعنى الذي له اختص رسول الله عَليه
بني هاشم أن لاتنزوا الحمار على فرس ، وأنه لم يكن للتحريم ، وإنما
كانت العلة قلة الخيل فيهم، فإذا ارتفعت تلك العلة وكثرت الخيل في
أيديهم صاروا في ذلك كغيرهم . وفي اختصاص النبي ◌َّ إياهم بالنهي

٣٤٩ -
١٠٦ باب الأمر بإسباغ الوضوء - حديث رقم ١٤٢
عند ذلك دليل على إباحته إياه لغيرهم . ولما كان ي قد جعل في ارتباط
الخيل ما ذكرنا من الثواب والأجر ، وسئل عن ارتباط الحمير فلم يجعل
في ارتباطها شيئا والبغال التي هي خلاف الخيل مثلها كان من ترك أن
ینتج ما في ارتباطه و کسبه ثواب وأنتج مالا ثواب في ارتباطه و کسبه من
الذين لا يعلمون . فلقد ثبت بما ذكرنا إباحة انتاج البغال لبني هاشم
وغيرهم ، وإن كان إنتاج الخيل أفضل من ذلك ، وهو قول أبي حنيفة
وأبي يوسف ومحمد رحمة الله عليهم أجمعين . اهـ كلام الطحاوي .
قال العلامة المباركفوري : وفي كلام الطحاوي هذا أنظار كما
لا يخفى على المتأمل .
قال الطيبي : لعل الإنزاء غير جائز والركوب والتزين به جائزان
كالصور ، فإن عملها حرام ، واستعمالها في الفرش والبسط مباح.
قلت : وكذا تخليل الخمر حرام وأكل خل الخمر جائز على رأي بعض
الأئمة . اهـ کلام المباركفوري . تحفة ج٥ص٢٥٦ .
قال الجامع عفا الله عنه : الذي يظهر لي أن كلام الطحاوي هو
الصواب الموفق بين الدليلين دليل الإباحة، وهو ركوبه على ، وتقريره
الركوب لأصحابه ، ودليل التحريم الذي هو حديث ابن عباس وعلي
رضي الله عنهم . وخلاصة القول أن نقول : إن الإنزاء مكروه تنزيها ،
وهو أشد على أهل البيت ، ولا يبعد أن يقال بتحريمه إذا أدى إلى انقطاع
نسل الخيل ، وأما ما قاله الطيبي وتابعه عليه المباركفوري ، فمحل نظر ،
والله أعلم.
١٤٢ - أخْبَرَنَا قَُةُ، قَالَ: حَدَّثْنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ
هِلالِ بْنِ يَسَافٍ، عَنْ أِبِ يَحْبَى، عَنْ عَبْدِ اللهِبْنِ عَمْرو ،
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ لَّهُ: ((أسْبِغُوا الوُضُوءَ)).

- ٣٥٠
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
رجال الإسناد : ستة
١- ( قتيبة) بن سعيد أبو رجاء الثقفي البغلاني. (ع) تقدم في ١/ ١.
٢ - ( جرير) بن عبد الحميد بن قرط - بضم القاف وسكون الراء بعدها
طاء مهملة الضبي الكوفي ، نزيل الري وقاضيها ، ثقة صحيح الكتاب ،
قيل: كان في آخر عمره يهم من حفظه ، مات سنة - ١٨٨ - وله - ٧١ -
سنة . (ع). تقدم في ٢/ ٢ .
٣- (منصور) بن المعتمر بن عبد الله السلمي أبو عَتَّاب الكوفي،
ثقة، ثبت ، وكان لا يدلس من طبقة الأعمش، مات سنة - ١٣٢ -
(ع). تقدم في ٢/ ٢ .
٤- ( هلال بن يساف) بكسر التحتانية ثم مهملة ثم فاء ، ويقال ابن
إساف ، الأشجعي مولاهم ، الكوفي، ثقة ، من الثالثة ، (خت م ٤) .
وضبط في الخلاصة يساف بفتح الياء . تقدم في ٣٩/ ٤٣.
٥- ( أبي یحیی) الأعرج المعرقب ، اسمه مصْدع بکسر أوله وسکون
ثانيه وفتح ثالثه ، مقبول ، من الثالثة . (م ٤). تقدم في ٨٩/ ١١١ .
والمعرقب بصيغة اسم المفعول لقب به لأن الحجاج ، أو بشر بن مروان
عرض عليه سب علي فأبى فقطع عرقوبه ، قاله في تهذيب التهذيب
جـ١ ص١٥٧ -١٥٨ .
٦- (عبد الله بن عمرو) بن العاص رضي الله عنهما. تقدم في
١١١/٨٩.
لطائف الإسناد
منها: أنه من سداسياته .
ومنها: أن رجاله ثقات غير أبي يحيى فمقبول . كما في التقريب ،

٣٥١ -
١٠٦ باب الأمر بإسباغ الوضوء - حديث رقم ١٤٢
وفي الخلاصة : هو موثق ، وقال ابن حبان في الضعفاء : كان يخالف
الأثبات في الروايات ، وينفرد بالمناكير .
ومنها : أنهم ممن اتفق الجماعة في التخريج لهم إلا هلالا وأبا يحيى
فأخرج لهما (م٤).
ومنها: أنهم كوفيون إلا قتيبة فبغلاني ، ولا أعرف نسبة أبي يحيى ،
وإلا عمرا فمصري طائفي .
ومنها : أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض ، منصور ،
وهلال، وأبو یحیی .
شرح الحديث
(عن عبد الله بن عمرو) بن العاص رضي الله عنه أنه (قال: قال :
رسول الله﴾: أسبغوا الوضوء) بضم الواو أي أتموه بفعل فرائضه وسننه
وهذا الحديث مختصر ، وقد تقدم تاما في ٨٩/ ١١١ عن عبد الله بن
عمرو ، قال: ((رأى رسول الله عنه قوما يتوضئون، فرأى أعقابهم تلوح
فقال : ويل للأعقاب من النار، أسبغوا الوضوء)) . وتقدم هناك شرحه
مُستوفى. وبالله التوفيق ، وعليه التكلان .
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى : في درجته : حديث عبد الله بن عمرو في سنده أبو
يحيى الأعرج إلا أن له شواهد فهو صحيح بها كما قدمناه في ٨٩/ ١١١ .
المسألة الثانية: فيمن أخرجه معه من أصحاب الأصول وغيرهم :
أخرجه « م د ق » فأخرجه (م ) في الطهارة -٩/ ٥ - عن زهير بن حرب
وإسحاق بن إبراهيم ، كلاهما عن جرير - و- ٦/٩ - عن أبي بكر بن
أبي شيبة ، عن وكيع ، عن سفيان - و٩/ ٦ - عن ابن المثنى وابن بشار ،

- ٣٥٢
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
كلاهما عن غندر ، عن شعبة - ثلاثتهم عن منصور ، عن هلال بن
یساف ، عن أبي یحیی ، عن عبد الله بن عمرو .
وأخرجه ((د)) في الطهارة - ٤٦ - عن مسدد ، عن يحيى القطان ، عن
سفیان بالسند المذكور .
وأخرجه ((ق)) في الطهارة - ١/٥٥ - عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وعلي
ابن محمد ، كلاهما عن وكيع ، بالسند المذكور .
المسألة الثالثة: في مواضعه عند المصنف: أخرجه المصنف في موضعين
هنا وفي باب -٢/٨٩- عن محمود بن غيلان ، عن وکیع بالسند
المذكور. وفي - ٨٩/ ٢-عن عمرو بن علي، عن عبد الرحمن، عن سفيان
بالسند المذكور . وأخرجه البيهقي والطحاوي. وبقية المسائل المتعلقة بهذا
الحديث تقدمت في الباب المذكور .
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله، عليه
توكلت ، وإليه أنيب )» .

١٠٧ باب الفضل في ذلكـ - حديث رقم ١٤٣
٣٥٣ -
١٠٧ - بَابُ الفَضْلِ فِي ذَلِكَ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على الفضل الحاصل في إسباغ
الوضوء. والفضل : بفتح الفاء وسكون الضاد : الزيادة ، والمراد به هنا
زيادة الدرجات .
قال في المصباح : والفضيلة والفضل : الخير ، وهو خلاف النقيصة
والنقص . اهـ. وقال ابن منظور: وفَضَل الشيء يفضل : مثال دخل
يدخل ، وفَضَِل يفضَل كحذِرَ يحذَر ، وفيه لغة ثالثة مركبة منهما فُضِل
بالکسر یفضل بالضم ، وهو شاذ لا نظيرله ، وقال ابن سیده : هو نادر
جعلها سيوبه كمِتَّ تَمُوت ، قال الجوهري : قال سيبويه : هذا عند
أصحابنا إنما يجيء على لغتين، قال: وكذلك نَعِمَ ينعُم ومِتَّ تموت
وركدت تكود ، وقال اللحياني : فضل یفضل کحسب یحسب نادر کل
ذلك بمَعْنىَ . اهـلسان .
١٤٣ - أخْبَرَنَا قَةُ، عَنْ مَالِكِ ، عَنِ الْعَلاَءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ،
عَنْ أبيهِ ، عَنْ أبي هُرَيْرَةً، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَّهُ قَالَ: ((ألاَ
أخْبِرُكُمْ بِمَا يَمْحُو اللهُ بِهِ الْخَطَايَا، ويَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ:
إِسْبَاعُ الوُضُوءِ عَلَى المَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إلَى الْمَسَاجِد،
وانْتِظَارُ الصَّلاَةِ بَعِدَ الصَّلاَة، فَذَلَكُمُ الرَّبَاطُ، فَذَلِكُمُ
الرَّبَاطُ، فَذَلَكُمُ الرَّبَاطِ ».

- ٣٥٤
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
رجال الإسناد : خمسة
١- ( قتيبة) بن سعيد أبو رجاء الثقفي البغلاني ثقة ثبت ١٠، تقدم في
١/١.
٢- (مالك) بن أنس أبو عبد الله إمام دار الهجرة . ثقة فقيه حجة
تقدم في ٧/ ٧ .
٣- (العلاء بن عبد الرحمن) بن يعقوب الحُرَقي - بضم المهملة وفتح
الراء بعدها قاف ، أبو شبل ، بكسر المعجمة وسكون الموحدة ، المدني ،
صدوق ربما وهم ، من الخامسة مات سنة بضع وثلاثين (م ٤) .
٤ - (عبد الرحمن) بن يعقوب الجهني ، المدني ، مولى الحرقة ثقة ،
من الثالثة . (م ٤ ) .
٥- ( أبو هريرة) عبد الله بن عمرو على الأصح، نقيب أهل الصفة،
وأكثر الصحابة حديثا روى - ٥٣٧٤ - حديثا . تقدم في ١ / ١ .
لطائف الإسناد
منها: أنه من خماسياته .
ومنها : أن رواته مدنيون ، إلا قتيبة، فبغلاني .
ومنها : أن فيه رواية الابن عن أبيه ، ورواية تابعي ، عن تابعي
العلاء، عن أبيه .
ومنها : أن صحابيه رئيس المكثرين في الرواية كما تقدم غير مرة.
شرح الحديث
(عن أبي هريرة) رضي الله عنه (أن رسول الله ﴾ قال: ألا) بفتح
الهمزة والتخفيف ، للتحضيض ، ومعناه طلب الشيء بحَثّ ، وقد تقدم

٣٥٥ -
١٠٧ باب الفضل في ذلكـ - حديث رقم ١٤٣
البحث عنها في ٦٤ / ٨٠ في شرح حديث ابن عباس رضي الله عنه ((ألا
أخبركم بوضوء رسول الله عَلّ)) .
وقال المباركفوري : قوله (ألا أدلكم) الهمزة للاستفهام ، ولانافية،
وليس ألا للتنبيه بدليل قولهم : بلى . اهـ تحفة ج١ ص١٧١ .
قال الجامع عفا الله عنه :
أما قوله الهمزة للاستفهام ولا نافية ففيه نظر لأن ألا التي تكون
للاستفهام عن النفي لا يليها إلا الجملة الاسمية كما أوضحه ابن هشام
في مغنيه ج١ ص ٦٦ بنسخة حاشية الأمير . ولأن المعنى عليه غير واضح
فالأولى ما قلناه ، والله أعلم ( بما يمحو الله به) أي يزيل بذلك الفعل
(الخطايا) جمع خطيئة ، وهو جمع نادر ، والخطيئة : الذنب على عمد ،
وقد تقدم الكلام في هذه الكلمة وتصاريفها ومعانيها مستوفّى في
٨٥/ ١٠٣ فارجع إليه .
قال القاضي عياض رحمه الله : محو الخطايا : كناية عن غفرانها ،
ويحتمل محوها من كتاب الحفظة ، ويكون دليلا على غفرانها اهـ ذكره
النووي في شرح مسلم ج١٣٩/٣.
(ويرفع به الدرجات) أي يعلي به المنازل في الجنة ، وعند مسلم
والترمذي ((قالوا بلى يارسول الله)) قال: ( إسباغ الوضوء) أي إتمامه
وإكماله باستيعاب المحل بالغسل ، وتطويل الغرة ، وتكرار الغسل
ثلاثا. قاله المباركفوري (على المكاره) قال ابن الأثير : جمع مكره -
يعني بفتح الميم وسكون الكاف وفتح الراء - وهو ما يكرهه الإنسان
ويشق عليه ، والكره : بالضم والفتح : المشقة ، والمعنى أن يتوضأ مع
البرد الشديد ، والعلل التي يتأذى معها بمس الماء ، ومع إعوازه والحاجة
إلى طلبه والسعي في تحصيله أو ابتياعه بالثمن الغالي ، وما أشبه ذلك

- ٣٥٦
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
من الأسباب الشاقة . اهـ لسان . ج١٣ ص ٥٣٥. فقوله : إسباغ خبر
لمبتدأ محذوف ، أي هو إسباغ الوضوء ، ومثله المعطوفان بعده .
(وكثرة الخُطَى إلى المساجد) أي كثرة التردد إليها ، والخطى بالضم
والقصر : جمع خطوة بالضم أيضا ، وهي ما بين القدمين ، ويجمع أيضا
على خُطوات بضم فسكون ، وعلى خطوات بضمتين . قاله في اللسان.
ج١٤ ص٢٣١، وقال النووي: وكثرة الخطا تكون ببعد الدار ، وكثرة
التكرار . اهـ شرح مسلم ج١ ص١٤١.
(وانتظار الصلاة) أي وقتها، أو جماعتها (بعد ) أداء (الصلاة) يعني
أنه إذا صلى بالجماعة أو منفردا ينتظر صلاة أخرى ويعلق فكره بها . بأن
يجلس في المسجد ، أو في بيته ينتظرها ، أو يكون في شغله وقلبه معلق
بها . أفاده المباركفوري . وقال السيوطي : يحتمل وجهين : أحدهما
الجلوس في المسجد ، والثاني تعلق القلب بالصلاة والاهتمام بها
والتأهب لها . اهـ زهرج١ ص ٩٠ .
قال الجامع : الوجه الأول هو الظاهر .
وقال النووي : قال القاضي أبو الوليد الباجي : هذا في المشتركتين من
الصلوات في الوقت ، وأما غيرهما فلم يكن من عمل الناس . اهـ شرح
مسلم ج٣ص١٤١ .
قال الجامع عفا الله عنه :
في تفريق الباجي نظر كما قال النووي ، بل الظاهر العموم (فذالكم)
الإشارة إلى ما ذكر من الأعمال (الرباط ، فذالكم الرباط ، فذالكم
الرباط ) قال ابن منظور : الرباط أي بكسر الراء في الأصل : الإقامة على
جهاد العدو بالحرب ، وارتباط الخيل وإعدادها ، فشبه ما ذكر من
الأعمال الصالحة به . قال القتيبي : أصل المرابطة أن يربط الفريقان
خيولهما في ثغر، كلّ منهما مُعدٌّ لصاحبه، فسمي المقام في الثغور رباطا ،

٣٥٧ -
١٠٧ باب الفضل في ذلكـ - حديث رقم ١٤٣
ومنه قوله: ((فذالكم الرباط)) أي أن المواظبة على الطهارة والصلاة
کالجهاد في سبيل الله ، فيكون الرباط مصدر رابطت ، أي لازمت ،
وقيل : هو ههنا اسم لما يربط به الشيء أي يشد ، يعني أن هذه الخلال
تربط صاحبها عن المعاصي وتكفه عن المحارم ، اهـ لسان ج٧ص ٣٠٢ .
وقال السيوطي: ((فذلكم الرباط الخ )) : أي المذكور في قوله تعالى :
﴿ يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠]
وحقيقته ربط النفس والجسم مع الطاعات ، وحكمة تكراره قيل :
الاهتمام به وتعظيم شأنه ، وقيل : كرره 4# على عادته في تكرار الكلام
ليفهم عنه . قال النووي: والأول أظهر . اهـ زهرج ١ ص٩٢.
وقال السندي: قيل أراد به المذكور في قوله تعالى : ﴿ورابطوا﴾،
وحقيقته ربط النفس والجسم مع الطاعات ، وقيل : المراد هو الأفضل ،
والرباط ملازمة ثغر العدو لمنعه ، وهذه الأعمال تسد طرق الشيطان
عنه، وتمنع النفس عن الشهوات وعداوة النفس والشيطان لا تخفى ،
فهذا هو الجهاد الأكبر الذي فيه قهر أعدى عدوه ، فلذلك قال الرباط
بالتعريف والتكرار تعظيما لشأنه . اهـ كلام السندي ج١ ص ٩٠.
وقال النووي في شرح مسلم نقلا عن القاضي عياض: وقوله ((فذالكم
الرباط )) أي الرباط المرغب فيه ، وأصل الرباط : الحبس على الشيء كأنه
حبس نفسه على هذه الطاعات ، قيل : ويحتمل أنه أفضل الرباط كما
قيل : الجهاد جهاد النفس ، ويحتمل أنه الرباط المتيسر الممكن أي أنه من
أنواع الرباط . اهـ شرح مسلم ج ٣ص ١٤١ وسيأتي مزيد تحقيق لهذا في
المسائل الآتية إن شاء الله تعالى. وبالله التوفيق ، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته : حديث أبي هريرة رضي الله عنه أخرجه
مسلم .

- ٣٥٨
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
المسألة الثانية : في بيان مواضعه عند المصنف: أخرجه هنا ١٠٧ / ١٤٣
وفي الكبرى ١٣٩/٩٣ بهذا السند .
المسألة الثالثة : فيمن أخرجه معه من أصحاب الأصول وغيرهم :
أخرجه (م) في الطهارة - ١٤ / ٢ - عن إسحاق بن موسى ، عن معن بن
عيسى ، عن مالك ، عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي
هريرة رضي الله عنه .
وأخرجه مالك في الموطأ [٥٥] وأحمد في مسنده ٢/ ٢٧٧، و٢٠٢.
المسألة الرابعة: في فوائده : من فوائد الحديث فضل إسباغ الوضوء
على المكاره ، وهو الذي بوب عليه المصنف، لكن تبويبه عام فلعله أراد
الفضل الحاصل في الجملة، أو أراد تقييد الترجمة بما في الحديث . والله
أعلم .
ومنها: فضل إكثار التردد إلى المساجد .
ومنها : فضل انتظار الصلاة بعد الصلاة .
ومنها: أن هذه الخصال: ملازمة لطاعة الله، وحبس للنفس عليها ،
وهي من أفضل القربات إلى الله تعالى.
المسألة الخامسة: حيث إن بعض العلماء قالوا : إن المراد بهذا الحديث
هو ما في قوله تعالى: ﴿ورابطوا﴾ أحببت أن أذكر ماقاله المفسرون في
هذه الآية إيضاحًا للمقام ، وتكميلاً للمرام ، فأقول :
قال العلامة أبو الفضل محمود الألوسي البغدادي في تفسيره روح
المعاني : وأخرج عبد بن حميد عن زيد بن أسلم أن المراد - يعني في
قوله تعالى : ﴿ يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله
لعلكم تفلحون﴾ [آل عمران: ٢٠٠] . اصبروا على الجهاد ، وصابروا

٣٥٩
٧ ١٠ باب الفضل في ذلكـ - حديث رقم ١٤٣
عدوكم، ورابطوا: على دينكم ، وعن الحسن أنه قال: ﴿اصبروا﴾
على المصيبة ﴿وصابروا﴾: على الصلوات ﴿ورابطوا﴾: في الجهاد في
سبيل الله تعالى. وعن قتادة أنه قال: ﴿ اصبروا﴾ على طاعة الله
تعالى ﴿وصابروا﴾ : أهل الضلال ﴿ورابطوا﴾: في سبيل الله، وهو
قريب من الأول ، والأول أولى. اهـروح المعاني ج٤ ص١٧٦ .
وقال العلامة القرطبي في تفسيره ماحاصله : اختلفوا في معنى قوله:
﴿ورابطوا﴾ فقال جمهور الأمة: ((رابطوا)) أعداءكم بالخيل ، أي
ارتبطوها كما يرتبطها أعداؤكم، ومنه قوله تعالى ﴿ومن رباط الخيل﴾
وفي الموطأ عن مالك ، عن زيد بن أسلم قال : كتب أبو عبيدة ابن الجراح
إلى عمر بن الخطاب يذكر له جموعا من الروم وما يتخوف منهم ، فكتب
إليه عمر : أما بعد ، فإنه مهما ينزل بعبد مؤمن من منزل شدة يجعل الله
له بعدها فرجا ، وإنه لن يغلب عسر يسرين ، وإن الله تعالى يقول في
كتابه: ﴿ يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم
تفلحون﴾ .
وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن : هذه الآية في انتظار الصلاة بعد
الصلاة، ولم يكن في زمان رسول الله عليه غزو يرابط فيه. رواه الحاكم
أبو عبد الله. واحتج أبو سلمة بقوله عليه السلام: ((ألا أدلكم على ما يمحو
الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة
الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذالكم الرباط، ثلاثا)).
رواه مالك .
قال ابن عطية : والصحيح هو أن الرباط هو الملازمة في سبيل الله ،
أصلها من ربط الخيل ثم سمي كل ملازم الثغر من ثغور الإسلام مرابطا ،
فارسا كان أو راجلا . واللفظ مأخوذ من الربط ، وقول النبي علي:

- ٣٦٠
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
((فذالكم الرباط )) إنما هو تشبيه بالرباط في سبيل الله ، والرباط اللغوي
هو الأول، وهذا كقوله: ((ليس الشديد بالصّرَعَة )) وقوله : ((ليس
المسكين بهذا الطواف)) .
قال القرطبي : قوله والرباط اللغوي هو الأول ليس بمسلم ، فإن
الخليل بن أحمد أحد أئمة اللغة وثقاتها قد قال : الرباط ملازمة الثغور،
ومواظبة الصلاة أيضا ، فقد حصل أن انتظار الصلاة رباط لغوي حقيقة ،
كما قالَ﴾. وأكثر من هذا ماقاله الشيباني أنه يقال : ماء مترابط أي
دائم لاينزح ، حكاه ابن فارس ، وهو يقتضي تعدية الرباط لغة إلى غير
ماذكرناه ، فإن المرابطة عند العرب العقد على الشيء حتي لاينحل ،
فيعود إلى ماكان صبر عنه ، فيحبس القلب على النية الحسنة والجسم على
فعل الطاعة ، ومن أعظمها وأهمها ارتباط الخيل في سبيل الله، كما نص
عليه في التنزيل في قوله : ﴿ومن رباط الخيل﴾ على مايأتي ، وارتباط
النفس على الصلوات كما قاله النبي لة، ورواه أبو هريرة ، وجابر ،
وعلي ، ولا عطر بعد عروس . اهـ كلام القرطبي ج ٤ ص ٣٢٣-٣٢٤.
وقال العلامة الألوسي بعد ذكر التفسير المشهور الذي هو تفسير
الجمهور ما نصه : وقد روي في بعض الآثار غير ذلك ، فقد أخرج ابن
مردويه عن سلمة(١) بن عبد الرحمن قال: أقبل عليّ أبو هريرة يوما فقال:
أتدري ياابن أخي فيم أنزلت هذه الآية ﴿ ياأيها الذين آمنوا اصبروا﴾
الخ؟ قلت: لا، قال: أما إنه لم يكن في زمان النبي عليه غزو يرابطون فيه
ولكنه نزلت في قوم يعمرون المساجد يصلون الصلاة في مواقيتها ، ثم
يذكرون الله تعالى فيها، ففيهم أنزلت أي ﴿اصبروا﴾ على الصلوات
الخمس ﴿وصابروا﴾ أنفسكم وهواكم (ورابطوا﴾ في مساجدكم ﴿واتقوا
(١) هكذا سلمة ولعل الصواب أبي سلمة كما تقدم في تفسير القرطبي ، وفيه أيضا مخالفة لما
مضی حیث إنه جعله لأبي هريرة فليحرر .