النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ - باب المسح على الجوربين والنعلين فيما نقلنا عنه آنفا من قوله : وإنما عمدته هؤلاء الصحابة وصريح القياس : فإنه لا يظهر بين الجوربين والخفين فرق مؤثر يصح أن يحال الحكم عليه . فجعل ابن القيم أن الجوربين مقيسان على الخفين قياسًا جليا من غير فرق مؤثر يصح أن يحال الحكم عليه . ولكن المعنى في حديث أنس أدق . فليس الأمر قياسا للجوربين على الخفين ، بل هو أن الجوربين داخلان في مدلول كلمة (الخفين) بدلالة الوضع اللغوي للألفاظ علي المعاني . والخفان ليس علهيما موضع خلاف ، فالجوربان من مدلول كلمة ( الخفين ) فيدخلان فيهما بالدلالة الوضعية اللغوية ، وقد ثبت من غير وجه عن أنس : أنه مسح على الجوربين . فهو يؤيد رواية الدولابي التي ذكرها ، وانظر المحلى لابن حزم بتحقيقنا . ج٢ ص ٨٥٫٨٤. والحمد لله رب العالمين اهـ تقديم العلامة أحمد شاكر لرسالة القاسمي ص ٤، ١٥ . نص رسالة العلامة جمال الدين القاسمي رحمه الله قال رحمه الله بعد خطبة بيّن فيها سبب تأليفه لهذه الرسالة ما نصه : بيان أن مرد الأحكام الشرعية إلى الكتاب الكريم لأنه أصل الأصول . اعلم أن أصل كل حكم شرعي هو الكتاب الكريم لأنه أصل الأصول، ومأخذ المآخذ ، وكلي الكليات ، فلا يمكن لحكم مامن الأحكام الشرعية إلا وأن يرجع إليه ، ويصدر منه ، حتى إن السنة النبوية أصلها كتاب الله تعالى ، لأنها تفصيل لمجمله ، وإيضاح لمبهمه ، وطريق من طرق الإستنباط منه ، لكل سنة بحث عن أصلها باحث خبير فإنه يجدهافي كتاب الله تعالى ، مدلولا عليها إما من نص آية أو ظاهرها ، أو مفهومها أو إشارتها ، أو عمومها ، إلى غير ذلك من وجوه الاستنباط التي يعلمها - ١٨٢ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة المجتهد ، يذكر بعضها في فن الأصول . إذا علمت ذلك فمسألتنا هذه مسألة المسح على الجوربين أصلها في الكتاب الكريم إما من عموم المسح في آية الوضوء ، وإما من عمومات أُخَر . فأما العموم الأول : فسنده قراءة الجر في قوله تعالى ﴿وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم ﴾ [المائدة: ٦] فإن ظاهرها أن الفرض في الرجلين هو المسح ، كما روى ذلك عن ابن عباس ، وأنس ، وعكرمة ، والشعبي وقتادة ، وجعفر الصادق ، وعلماء سلالته رضي الله عنهم أجمعين ، فعلى مذهب هؤلاء الأئمة يكون مفاد الآية وجوب المسح على الرجلين مباشرة أو بما عليها من خف ، أو جورب ، أو تساخين ، فيظهر كون الآية مَأخَذًا للسنة على هذه القراءة . وأما على قول الجمهور : إن فرض الرجلين هو الغسل . وصرف قراءة الجر إلى قراءة النصب بالأوجه المعروفة في مواضعها فيكون مأخذ مسح الجوربين من الكتاب العزيز عمومات أخر في آياته مثل ﴿ وما آتاكم الرسول فخذوه ﴾[الحشر: ٧] وآية ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾[الأحزاب: ٢١] وآية ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني﴾[آل عمران: ٣١] وآية ﴿وأطيعوا والله وأطيعوا الرسول﴾ ونظائرها مما لا يحصى ، وقد تعدد وجوه الاستنباط، ويترجح بعضها بقوة التفرع والارتباط ولا يخفى وجوه الترجيح على الراسخين، والله الموفق والمعين بيان الأحاديث المرفوعة إلى النبي & في المسح على الجوربين والتساخين : اعلم أن أحاديث هذا الباب منها مايستفاد جواز المسح على الجوربين من عمومه ، ومنها مايستفاد من خصوصه . ١٨٣ - باب المسح على الجوربين والنعلين فمن النوع الأول ، وهو ما يستفاد من عمومه وإطلاقه جواز المسح على الجوربين حديث ثوبان رضي الله عنه . قال الإمام أحمد رحمه الله في مسنده : في مسند ثوبان رضي الله عنه : حدثنا یحیی بن سعید ، عن ثور ، عن راشد بن سعد ، عن ثوبان قال: ((بعث رسول الله عَ ليه سرية فأصابهم البرد ، فلما قدموا على النبي 24 شكوا إليه ما أصابهم من البرد ، فأمرهم أن يمسحوا علي العصائب والتساخین )) رواه أبو داود في سننه . قال العلامة ابن الأثير في النهاية ( العصائب ) هى العمائم لأن الرأس یعصب بها ، والتساخین کل ما يسخن به القدم من خف وجورب ونحوهما ، ولا واحد لهما من لفظهما . أقول (١) رجال الحديث ثقات مرضيون، كما يعلم من مراجعة أسمائهم من كتب الرجال . ومن النوع الثاني : وهو ماورد نصا في الجوربين : حديثا المغيرة ، وأبي موسى . فأما حديث المغيرة : فرواه الإمام أحمد في مسنده في مسند الكوفيين في حديث المغيرة بن شعبة قال : حدثنا وكيع ، حدثنا سفيان ، عن أبي قيس ، عن هزيل (٢) بن شرحبيل، عن المغيرة بن شعبة (( أن رسول الله # توضأ ومسح علي الجوربين والنعلين)) ورواه أبو داود في سننه في باب المسح على الجوربين ، وأخرجه الترمذي وابن ماجه كلاهما في باب المسح على الجوربين ، والنعلين . وأما حديث أبي موسى : فرواه ابن ماجه في سننه قال : حدثنا محمد ابن يحيي ، حدثنا معلى بن منصور ، وبشر بن آدم ، حدثنا عيسى بن (١) القائل هو القاسمي . (٢) بالزاي كزبير : تابعي أدرك الجاهلية . ا. ق . = ١٨٤ - شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة يونس ، عن عيسى بن سنان ، عن الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب(١) عن أبي موسى الأشعري ((أن رسول الله عَّه توضأ ومسح على الجوربين والنعلين)). ذكر ما ورد على هذه الأحاديث الثلاثة من الشبه ، والجواب عنها الشبهة الأولى : قالوا : في إسناد حديث ثوبان الأول راشد بن سعد عن ثوبان ، وقد قال الخلال في علله : إن أحمد بن حنبل قال : لا ينبغي أن يكون راشد ابن سعد سمع من ثوبان ، لأنه مات قديما اهـ. أي فيكون معللا بالانقطاع، لسقوط راو بين راشد وثوبان . والجواب : أن هذا إنما يتأتي على مذهب من يشترط في الاتصال ثبوت السماع ، وقد أنكر الإمام مسلم ذلك في مقدمة صحيحة إنكارا شديدا ، ورأى أنه قول مخترع وأن المتفق عليه أن يكفي للإتصال إمكان(٢) اللقاء والسماع ، وعليه فالانقطاع في الحديث غير مقطوع به ، ویرجع الأمر إلى رجال سنده ، فإذا كان رجاله ثقات کان صحيحا ، أو (١) براء ثم زاي كجعفر ، تابعي . اهـ ق. (٢) قال العلامة الألباني: وهذا الإمكان متحقق، فقد ذكر البخاري أن راشد بن سعد شهد صفين مع معاوية ، ومن المعلوم أن وقعة صفين كانت سنة ٣٦ ووفاة ثوبان سنة ٥٤ فقد عاصره ١٨ سنة وإذا تذكرنا أن العلماء وثقوه دون خلاف يذكر ، وأنه لم يرم بالتدليس ، ينتج من ذلك أن الإسناد متصل ، وأن إعلاله بالإنقطاع مردود لأنه قائم على مذهب من يشترط في الإتصال ثبوت السماع . وهو مرجوح كما أشار إليه المؤلف رحمه الله تعالى ومما يقوي ماذكر أن البخاري أثبت سماع راشد من ثوبان کما تقدم في كلام أحمد شاكر رحمه الله تعالى ، وذلك دليل قاطع على لقيه إياه ، لأن البخاري رحمه الله تعالى، من القائلين بإشتراط ثبوت(*) السماع في الإتصال وأنه لاتكفي فيه المعاصرة ، فتأمل . اهـ كلام الألباني . (*) الصواب ثبوت اللقاء . ١٨٥ - باب المسح على الجوربين والنعلين حسنًا جيدًا صالحًا للاحتجاج به ، ولذا أخرجه الإمام أحمد في مسنده معولا على الاحتجاج به وتبليغه سنة يعمل بها . وخرجه أيضًا أبو داود وسكت عليه ، وما سكت عليه فهو صالح للاستدلال به ، إذ لاجرح في رواته ولا علة ظاهرة فيه فاستوفَى شروط الحسن . والحسن كالصحيح في الاحتجاج به ، والعمل بما فيه . وبالجملة فقصارى أمر هذا الحديث أن يكون حسنا وصالحا ويكفي ذلك . على أن مجرد الإنقطاع ليس قادحا، فقد وقع في مسلم بضعة عشر حديثا منقطعة ، وإن تبين وصلها من وجه آخر ، لأن مقطوع الثقة ليس كغيره ، ولذلك قبل من المراسيل مراسيل الثقات ، كما تقرر في موضعه . وتسميتنا لذلك بالحسن جري على قول بعضهم كما في التدريب إن الحسن هو الذي فيه ضعف قريب محتمل . وعلى قول البغوي : إن ما في السنن من الحسان فإن هذين القولين متجهان فيما نراه ، وان اشتهر تفسير الحسن بغيرهما . قال الإمام النووي في التقريب : وقد جاء عن أبي داود أنه يذكر في سننه الصحيح وما يشبهه ويقاربه ، وما كان فيه وهن شديد بينه ، ومالم يذكر فيه شيئا فهو صالح . قال النووي : فعلى هذا ماوجدنا في كتابه مطلقا ولم يصححه غيره ولا ضعفه فهو حسن عند أبي داود لأن الصالح للاحتجاج لا يخرج عنهما ، بل قال ابن رشيد : إن ما سكت عليه أبو داود قد يكون عنده صحيحا ، وإن لم يكن كذلك عند غيره . انظر التدريب . وبعد فإن رجال حديث ثوبان كلهم ثقات مرضيون كما يعلم من مراجعة أسمائهم من طبقات الرجال . وقد عرفت الجواب عن شبهة الانقطاع فيه ، فقوي ، وحسن ، وصلح للاحتجاج به . والحمد لله . - ١٨٦ - شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة الشبهة الثانية : بحث بعضهم بأن الدليل من هذا الحديث أخص من الدعوى ، لأن الحديث يدل على جواز المسح على التساخين في حالة البرد خاصة ، لأنه جواب السائل في تلك الحالة . والجواب: أنه تقرر في الأصول أن اللفظ العام على سبب خاص يحمل على عمومه ، ولا يخص بالسبب الذي ورد فيه ، قال الإمام أبو إسحاق الشيرازي : والدليل عليه هو أن الحجة في قول رسول الله عليه دون السبب ، فوجب أن يعتبر عمومه . وحاصل القاعدة في هذا أن اللفظ الذي يستقل بنفسه يعتبر حكمه ، فإن كان خاصا حمل على خصوصه ، وإن كان عاما حمل على عمومه ، ولا يخص بالسبب الذي ورد فيه . وما يقال في العام يقال في المطلق ، لاشتراكهما في الأحكام ، كما تقرر في الأصول ، وتقرر أيضا أن ترك الاستفصال في حكاية الحال ، ينزل منزلة العموم في المقال . ولا يقال: إن الفعل المثبت لاعموم له كما أطلقه الأصوليون ، لأنه يقال : إن إطلاقهم مقيد بغير نحو أمر أو نهى ، لأن هذا ليس حكاية لفعله حتى يقال : إنه لم يقع إلا على صفة واحدة ، بل حكاية لصدور أمر بشيء ، أو نهي عنه عاما في أقسامه البتة كما اختاره ابن الحاجب ، وبسطه في المطولات . ثم إن ما ورد من مسحه عَّ على الجوربين ، وهما من التساخين غير مقيد بحالة لا أمرا منه ولا فعلا ، وكذا ماصح من مسحه صلوات الله عليه في الوضوء على عمامته ، وهى من العصائب غير مقيد بحالة دون أخرى ، وسيأتي مزيد لهذا البحث إن شاء الله . -١٨٧ - باب المسح على الجوربين والنعلين الشبهة الثالثة : في حديث المغيرة الثاني قالوا : إن فيه شذوذا ، بيانه أن المروزي قال إن الإمام أحمد ذكر أبا قيس أحد رواته فقال : ليس به بأس أنكروا عليه حديثين : حديث المغيرة في المسح ، فأما ابن مهدي فأبى أن يحدث به . وأما وكيع فحدث به . وقال أبو داود في سننه : كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث بهذا الحديث، لأن المعروف عن المغيرة ((أن النبي عَّه. مسح على الخفين)) اهـ. قال السندي: فكان يراه ضعيفا شاذا ، والشاذ ما رواه المقبول مخالفا لمن هو أولى منه . والجواب : من وجوه : الأول : أن تضعيفه بما ذكر يعارضه تصحيح الترمذي له ، فقد قال بعد تخريجه له في سننه هذا حديث حسن صحيح ، وهو قول غیر واحد من أهل العلم . وتصحيح الترمذي مقدم على تضعيف غيره ، لأن الترمذي من الطبقة التي تأخرت عن تلك ، ووقفت على كل ما قيل فيه ، ورأت أن الحق في تصحيحه ، و کذا صححه ابن حبان ، وهو ممن استقرأ وسبر أيضا (١). الثانى : قال العلامة المحقق علاء الدين المارديني في رد قول البيهقي أبو قيس الأودي ، وهزيل بن شرحبيل لا يحتملان مع مخالفتها الأجلة الذين رووا هذا الخبر عن المغيرة فقالوا: ((مسح على الخفين)) ما مثاله : (١) قال المحدث العلامة ناصر الدين الألباني حفظه الله: قلت هذا الوجه لا يستقيم إلا لو كان الترمذي وابن حبان من الأئمة المتثبتين في التصحيح مثل الإمام أحمد ومسلم وغيرهما ممن ضعفوا الحديث ، ففي هذه الحالة تصح المعارضة ، ويسلم الجواب من الإعتراض لتأخر الترمذي عنهم . لكنهما متساهلان فلا يعتمد عليهما ، فالجواب ضعيف ، لكن الحديث صحيح الإسناد وما أعلوه به مردود كما تقدم في بيان الشيخ أحمد شاكر ، فقد أجاد كل الإجادة . اهـ كلام الألباني بإختصار. ص ٣٠. - ١٨٨ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة هذا الخبر أخرجه أبو داود وسكت عنه ، وصححه ابن حبان ، وقال الترمذي حسن صحيح ، وأبو قيس عبد الرحمن بن ثروان وثقه ابن معين وقال العجلي : ثقة ثبت ، وهزيل وثقة العجلي ، وأخرج لهما معا البخاري في صحيحه ، ثم إنهما لم يخالفا الناس مخالفة معارضة بل رويا أمرا زائدا على ما رووه بطريق مستقل غير معارض، فيحمل على أنهما حديثان ، ولهذا صُحُحَ الحدیثُ كما مر اهـ. وهكذا قال شيخ الإسلام الشيخ منصور الحنبلي في شرح الإقناع: وتكلم بعضهم في الحديث أي حديث المغيرة ، لأن المعروف عن المغيرة ((الخفين)) قال في المبدع: وهذا لا يصلح مانعا لجواز رواية اللفظين فيصح المسح على ما تقدم أي الجوربين . وكذا قال العلامة ملاّ على القاري في شرح المشكاة : قيل : المعروف من رواية المغيرة المسح على الخفين . وأجيب بأنه لامانع من أن يروي المغيرة اللفظين وقد عضده فعل الصحابة اهـ وسيأتي تسميتهم وبلوغ ستة عشر صحابيا . الثالث : وهو جوابنا عن دعوى شذوذه علما أن الشذوذ مختلف في معناه ، وأنه ليس بعلة على الإطلاق ولا بمتفق عليها . توضيحه : أن السيوطي قال في التدريب في شرح قول النووي في حد الصحيح وهو مااتصل إسناده بالعدول الضابطين من غير شذوذ ولا علة ما مثاله : قيل لم يفصح بمراده من الشذوذ هنا ، وقد ذكر في نوعه ثلاثة أقوال : أحدها : مخالفة الثقة لأرجح منه . والثاني : تفرد الثقة مطلقا . والثالث : تفرد الراوي مطلقا قال ورد الأخيرين فالظاهر أنه أراد هنا الأول . قال شيخ (١) الإسلام : وهو مشكل لأن الإسناد إذا كان متصلا (١) يريد الحافظ ابن حجر العسقلاني. ١٨٩ باب المسح على الجوربين والنعلين ورواته كلهم عدولا ضابطين فقد انتفت عنه العلل الظاهرة ثم إذا انتفى كونه معلولا فما المانع من الحكم بصحته ؟ فمجرد مخالفة أحد رواته لمن هو أوثق منه ، أو أكثر عددا ، لا يستلزم الضعف ، بل يكون من باب صحيح وأصح . قال : ولم أر مع ذلك من أحد من أئمة الحديث اشتراط نفي الشذوذ المعبر عنه بالمخالفة وإنما الموجود من تصرفاتهم تقديم بعض ذلك على بعض في الصحة . وقال الإمام النووي في بحث الشاذ فإن لم يخالف الراوي بتفرده غيره وإنما روى أمرًا لم يروه غيره ، فإن كان عدلا حافظا موثوقا بضبطه كان تفرده صحیحا وإن لم يوثق بحفظه ، ولم يبعد عن درجة الضابط کان ما انفرد به حسنا ، وإن بَعْدُ كان شاذًا منكراً مردودًا. اهـ. وبه يعلم أن الشذوذ ليس علة قادحة في صحة المروي ، بل هي على هذا التفصيل ، وإن كان عدلا ، حافظا موثوقا بضبطه ، كان تفرده صحيحًا . وممن اعترض جعل الشذوذ قادحا في صحة الحديث الإمام ابن دقيق العيد ، فقد قال العراقي : أما السلامة من الشذوذ والعلة فقال ابن دقيق العيد في الاقتراح : إن أصحاب الحديث زادوا ذلك في حد الصحيح ، قال وفيه نظر على مقتضى نظر الفقهاء ، فإن كثيرا من العلل التي يعلل بها المحدثون لا تجري على أصول الفقهاء ، وقال ابن الصلاح : وقد يختلفون في صحة بعض الأحاديث لاختلافهم في وجود هذه الأوصاف فيه ، أو لاختلافهم في اشتراط بعضها . اهـ . فأفاد أن اشتراط السلامة من الشذوذ ليس بمتفق عليه ، بل هو مختلف فيه ، ولذا حدّ الإمام الخطابي الصحيح بأنه : ما اتصل سنده وعدلت نقلته. قال العراقي: فلم يشترط ضبط الراوي ، ولا السلامة من الشذوذ والعلة . - ١٩٠ - شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة وحكى أن مثل هذه الشروط مردها إلى اجتهاد المجتهدين في تحري المأثور ، ولذلك تفاوتت مستنداتهم ومخرجاتهم بتفاوت شروطهم . كما بسطناه في مقدمة كتاب حياة البخاري ، وكل ما يبحث عن تصحيحه باعتبار السند وقواعد المصطلح فذاك من حيث رعاية صحته سندا ، وأما من حيث تصحيحه باعتبار أمر أجنبي عنه ، وهو المسمى بالصحيح لغيره ، فذاك نوع آخر على ماسيأتي بيانه . الشبهة الرابعة : قول الإمام النووي في شرح المهذب : واحتج أصحابنا بأنه لا يمكن متابعة المشي عليه فلم يجز كالخرقة قال : والجواب عن حديث المغيرة من أوجه : أحدها أنه ضعيف ضعفه الحفاظ ، وقد ضعفه البيهقي ، ونقل تضعيفه عن سفيان الثوري ، وعبد الرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل وعلي بن المديني ، ويحيى بن معين ، ومسلم بن الحجاج ، وهؤلاءهم أعلام أئمة الحديث ، وإن كان الترمذي قال: حديث حسن صحيح فهؤلاء مقدمون عليه ، بل كل واحد من هؤلاء لو انفرد قدم على الترمذي باتفاق أهل المعرفة . الثاني : أنه لوصح يحمل على الذي يمكن متابعة المشي عليه جمعا بين الأدلة ، وليس في اللفظ عموم يتعلق به . الثالث : حكاه البيهقي رحمه الله عن الأستاذ أبي الوليد النيسابوري أنه حمله على أنه مسح على جوربین منعلین ، لا أنه جورب منفرد ونعل منفردة فكأنه قال : مسح على جوربيه المنعلين . اهـ . والجواب عن ذلك : أما قول الإمام النووي : واحتج أصحابنا بأنه لا ١٩١ - باب المسح على الجوربين والنعلين يمكن متابعة المشي عليه : فهذا قد يراه المقلد حجة ، أما المحدث والأصولي فعنده الحجة الكتاب والسنة وما رجع إليهما من بقية الأدلة ، وقانون المناظرة يقضي بأن يدفع القوي بالأقوي ، والحديث بمثله أو بآية، لا برأي ، أو قیاس ، وإلا فیکون ذهابًا إلى ما رمي به أهل الرأي ، ولیس ثمة في الباب آية ترد هذا الحديث ، ولا حديث يرده، لا بل ثمة ما يؤيده من الكتاب والسنة كما مر ، وهذا هو الحجة المعروفة في الأصول . وأما قوله : إنه ضعيف ضعفه الحفاظ ، ثم نقل تضعيفه عمن ذكره ، فجوابه ما قدمناه قبل في الوجه الثالث من درء الشبهة الثالثة من معارضة ذلك بتصحیح من صححه علی أن سند تضعيفه هو دعوى شذوذه ، وقد أوضحنا أن الشذوذ ليس علة مضعفة على إطلاقها ، بل من كان عدلا ضابطا كان تفرده صحيحا ، لا سيما وقد عضده مارُوي بمعناه من حديث التساخين المتقدم ، وماقواه من عمل الصحابة كما سيأتي . ولذا صححه الإمام الترمذي ، ولا يخفى أن المضعفين له مهما كثروا فإن حجة تضعيفهم شذوذه ، وقد عرفت ما فيها . فليس المقام مقام ترجيح بالكثرة والقلة ، بل المقام مقام استدلال ، واحتجاج ، وانطباق على القواعد المرعية ، وإلا فإن الكثرة ليست من الحجج والبراهين المعروفة ، ولذا قال الأصوليون في بحث خبر الآحاد : إن عمل الأكثر بخلافه، أي بخلاف خبر الآحاد لا يمنع وجوب العمل به ، لأن عمل الأكثر ليس بحجة ، وعللوه بأن الحجة هي الإجماع ، وعمل الأكثر ليس بإجماع، لأن الإجماع اتفاق مجتهدي الأمة بخلاف خبر الواحد فإنه حجة بنفسه . على أنا لو أردنا أن نكاثر من ضعفه لكاثرنا بأضعاف ما عنده ، فإن - ١٩٢ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة المسح على الجوربين أثر عن الصحابة منهم عمر بن الخطاب ، وعلي ، وأبو مسعود ، والبراء ، وأنس ، وأبو أمامة ، وسهل ، وعمرو بن حریث، وابن عباس ، وابن عمر ، وابن أبي وقاص ، وعمار ، وبلال، وابن أبي أوفي ، والمغيرة ، وأبو موسى رضي الله عنهم . ومن التابعين عن قتادة ، وابن المسيب ، وابن جريج ، وعطاء ، والنخعي ، والحسن، وخِلاَس ، وابن جبير ، ونافع رحمهم الله تعالى . وسيأتي إسناد ذلك إليهم ، فذهاب هؤلاء الأخيار رضي الله عنهم إلى العمل به مما يعضد صحة حديث المغيرة ، ويقويه ، ويصححه بلا ريب ، لأنه إن لم يكن هو سندهم فغيره مما هو في معناه ، وهذا يتوقف فيه من له أدنى مسكة ، على أن حديث الجوربين قد تلقاه بالقبول أبو حنيفة ، والشافعي ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق ، وداود الظاهري، وابن حزم ، وهؤلاء كلهم أئمة الفقه والإجتهاد ، وجميعهم احتج به في الفقه المدون عنه ، وقد عرف في فن مصطلح الحديث أن الحديث يحكم له بالصحة إذا تلقاه الناس بالقبول ، وإن لم يكن له إسناد صحيح . قال أبو الحسن بن الحصار في تقريب المدارك علي موطأ مالك : قد يعلم صحة الحديث إذا لم يكن في سنده كذاب بموافقة آية من كتاب الله، أو بعض أصول الشريعة ، فيحمله ذلك على قبوله والعمل به اهـ ويسمى هذا الصحيح لغيره ، والصحيح لغيره نظير الصحيح لذاته في الاحتجاج به والعمل بمقتضاه ، والأخذ بعمومه ، وخصوصه ، وإطلاقه، وتقييده . ولمعرفة صحة الحديث من جهة غير السند طرق ومدارك يدريها المجتهد كما قرره ابن الحصار . وبهذا نجيب عما نقول بصحته مما لم يخرجه الإمام البخاري ، وذلك أن البخاري إنما خرج ما صح من طريق السند ، ولم يخرج ما صح -١٩٣ - باب المسح على الجوربين والنعلين مطلقا ، ولذا قال البخاري ما أدخلت في كتابي إلا ما صح ، وتركت من الصحاح لحالة الطول ، وكذا قال مسلم : ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ههنا ، إنما وضعت ما أجمعوا عليه ، ولذا قال النووي في التقريب : ولم يستوعبا الصحيح ، ولا التزماه . على أن ظاهر كلامهما أنهما تركا ما صح من جهة السند أيضا الذي هو وجهة المحدث خيفة الطول ، فأحرى أن يكونا تركا ماصح لغير السند ، وهو الصحيح لغيره وذلك لأن الصحيح لغيره ليس له قاعدة مطردة ، وإنما هو أمر يعرفه سديد الرسوخ في الأصول والفروع، النِّهِم بدرس الهدي النبوي، ومعرفة سر التشريع ، ودرك حقيقة الفقه في الدين . وقد كان بعض المحققين يسمي هذه الطريقة بطريقة (قبول الأخبار) بالاستدلال ليعادل مابحثه الأصوليون في مسألة (رد الخبر بالاستدلال) كما تراه مبسوطا في المسودة وغيرها من مطولات الأصول ، وعبارة المسودة : مما يرجح فيه الخبر ، ويقدم أن يعتضد بعموم كتاب ، أو سنة ، أو قياس ، أو معنى عقلي . وقد ذهب كثير من أئمة الأصول إلى أن الحديث المتلقى بالقبول يفيد العلم ، والحديث الذي عضده عمل الصحابة وكذا ما اختلفوا فيه بين أخذ به ومؤول ، وما يوافق مشروعا موافقة تصحح المشابهة بينهما ، كما تراه في جمع الجوامع وغيره ، ومطولات مصطلح الحديث . إذا تقرر هذا فحديث الجوربين مما تُلُقِيَ بالقبول ، وعضده عمل الصحب عليهم رضوان الله ، ووافق آية ﴿ وامسحوا برؤسكم وأرجلكم﴾ [المائدة: ٦] على قراءة الجر والنصب إذا رجعت إليه، ويندرج تحت قاعدة رفع الحرج ، ويوافق مسح الخف ، وجميع هذه مما يصحح المروي أيما تصحيح . - ١٩٤ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة وبالجملة فقد اجتمع في حديث الجوربين الصحتان معا : صحته من حیث السند ، کما صرح به الترمذي ، وابن حبان ، وكما حققناه من درء الشذوذ المزعوم فيه ، وصحته من غير السند ، وهي الأمور التي سردت الآن ، ومتى صح الحديث فليس إلا السمع والطاعة . وأما قول الإمام النووي : إنه لو صح يحمل على الذي يمكن متابعة المشي عليه جمعا بين الأدلة ، فمطلوب البيان من جهة الجورب ، فأين الدليل على اشتراط أن يمكن تتابع المشي عليه فيه ؟ ومعلوم أن الجورب غير الخف ، ولكل حكمه ، وإذا أطلق الدليل في الأصول فلا ينصرف إلا إلى الكتاب والسنة وما رجع إليهما ، ولا تعارض إلاَّ بین دلیلین متكافئين ، وهناك يتلمس الجمع وإلا فإن المدار على الأقوى فالأقوى اتفاقا ، وليس في الباب إلا إطلاق الجوربين وعموم التساخين في حديثهما . وأما قوله : وليس في اللفظ عموم يتعلق به ، فيقال فيه : هذا إشارة إلى ما ذكر في الأصول من أن الفعل المثبت لاعموم له ، فحكايته لا تقتضي العموم لا للأقسام ، ولا لجهات الوضع ، ولا للأزمان . إلا أن هذا على مذهب من لم يقل بعموم المشترك ، ولا بعموم جهات الوضع فأما من ذهب إلى العموم فيهما فقد ذهب إلى العموم فيه . كذلك قيد المحققون دعوى العموم فيه بما إذا لم يوجد في ظاهر اللفظ دليل العموم كلام الاستغراق ((كالجوربين)) و((التساخين)) فإنه يفيد العموم، ودليلهم أن المحكي عنه على واقع على صفة معينة فيكون في معنى المشترك ، فإن رجح بعض الوجوه فذاك ، وإن ثبت التساوي فالبعض بفعله ، والباقي بالقياس عليه . وقد اعترض بأن فعله عَّ إنما وقع بحال معين . وأجيب بعدم التسليم لجواز أن تتعدد جهات وقوع الفعل كما أوضحه العلامة الفناري في ١٩٥ - باب المسح على الجوربين والنعلين فصول البدائع . وأما قوله : إن البيهقي حكى عن النيسابوري أنه حمله على أنه مسح على جوربين منعلين لا أنه جورب منفرد ، ونعل منفردة ، وکأنه قال مسح على جوربيه المنعلين ، فيعني بذلك ما قاله البيهقي في سننه ، وقد حکی ذلك ، ثم قال بعده وقد وجدت لأنس أثرا يدل على ذلك فأسند عنه أنه مسح على جوربين أسفلهما جلود وأعلاهما خزاهـ . وتعقبه العلامة علاء الدين المارديني في الجوهر النقي بقوله : الحديث أي حديث المغيرة ، ورد بعطف النعلين على الجوربين وهو يقتضي المغايرة، فلفظه مخالف لهذا التأويل ، وكون أنس مسح على الجوربين منعلين لا يلزم منه أن يكون النبي +فعل كذلك ، فلا يدل فعل أنس على تأويل الحديث بما لا يحتمله لفظه اهـ . وقال ابن الهمام في فتح القدير في رد هذا التأويل : إن تخصيص الجواز بوجود النعل حينئذ قصر للدليل أعني الحديث والدلالة عن مقتضاه بغير سبب اهـ أي بغير مايدعو له من لفظه ولا من مقتضاه ، فإن صريحه أنه عَّ مسح على الجوربين ، وعلى النعلين كلا على انفراده ، وأيده في النعلين أحاديث كثيرة في دواوين السنة : ١ - فروى الإمام أبو داود في سننه عن أوس بن أبي أوس الثقفي ( أن رسول الله ﴾ توضأ ومسح على نعليه وقدميه) . ٢- وأخرج الإمام أحمد في مسنده عن أوس بن أوس قال : رأيت أبي يوما توضأ فمسح على النعلين ، فقلت له : أتمسح عليها؟ فقال هكذا رأيت رسول الله عَليه يفعل. ٣- وأخرج الإمام أحمد أيضا عن أوس قال: (رأيت رسول الله عَ ليه توضأ ومسح على نعليه ، ثم قام إلى الصلاة ) . - ١٩٦ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة ٤- وأخرج الإمام ابن جرير الطبري في تفسيره عن أوس أيضا قال : «رأيت رسول الله عليه أتى سباطة قوم، فتوضأ، ومسح على قدميه » أي نعليه ، ليوافق روايته السابقة . ٥- وأخرج الطبراني عن عباد بن تميم، عن أبيه، قال: (( رأيت رسول الله # يتوضأ، ويمسح على رجليه)). ٦- وروى الإمام ابن جرير الطبري في تفسيره عن حذيفة ، قال : ((أتى رسول الله عليه سباطة قوم، فبال عليها، ثم دعا بماء فتوضأ، ومسح على نعليه )) . ٧- وروى البزار بإسناد صحيح عن ابن عمر أنه كان يتوضأ ونعلاه في رجليه ، ويمسح عليهما ، ويقول : كذلك كان رسول الله عَ﴾ يفعل أورده الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الهداية ، وقال السيوطي في التدريب : صحح أبو الحسن على بن محمد بن عبد الملك بن القطان صاحب كتاب ((الوهم والإيهام)) حديث ابن عمر هذا المخرج في مسند البزار . ٨- روى البيهقي بإسناد جيد عن ابن عمر، قال: (( رأيت رسول الله ◌َّ يلبسها يعني النعال السبتية، ويتوضأ فيها، ويمسح عليها))، نقله الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الهداية . ٩- وروى الشيخان البخاري ، ومسلم ، عن عبيد بن جريج ، عن عبد الله بن عمر، أنه قال: ((رأيت رسول الله عَليه يلبس السبتية التي ليس فيها شعر ، ويتوضأ فيها ، فأحب أن ألبسها )). ومعنى قوله : يتوضأ فيها أنه يمسح عليها كما أوضحته رواية البزار ، والبيهقي قبل ، والروايات يفسر بعضها بعضا . ١٩٧ - باب المسح على الجوربين والنعلين وأما قول البخاري : معناه غسل الرجلين في النعلين ، فرده الحافظ ، والإسماعيلي ، كما نقله العيني ، وذلك مخالفته لما روى عن ابن عمر نفسه . ١٠- وروى الدارمي في مسنده عن عبد خير قال: ((رأيت عليا توضأ ، ومسح على نعلين ، فوسع ، ثم قال : لولا أني رأيت رسول الله ◌ّ فعل كما رأيتموني فعلت لرأيت أن باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما)). ١١ - وروى ابن خزيمة من طريق عبد خير عن علي رضي الله عنه أنه دعا بكوز من ماء ، ثم توضأ وضوءا خفيفا ، ومسح علی نعلیه ، ثم قال (« هكذا وضوء النبي ◌َّ للطاهر ما لم يحدث ، وتبعه ابن حبان على ذلك ، وقال في حديث أوس المتقدم : هذا كان في النفل . فهذه الآثار كلها تدل على أن المسح على النعلين إنما كان عليها دون شيء آخر معها كجورب . وجميعها يفسر حديث المغيرة بما ذكرناه قبل، ولهذا اتفقوا على عدم اشتراط النعل في الجوربين ، وجوزوا كونهما ثخينين ، وإن لم يكونا منعلين كما سيأتي ، فسقط ما قاله النيسابوري ، وكذا غيره . الشبهة الخامسة : ما ورد على حديث أبي موسى الأشعري فقد قال أبوداود في سننه : روي عن أبي موسى الأشعري عن النبي ◌َّ﴾ ((أنه مسح على الجوربين)) وليس بالمتصل ، ولا بالقوي ، قال السندي في حواشيه على أبي داود قوله : وليس بالمتصل ، أي لأنه من رواية الضحاك بن عبد الرحمن ، عن أبي موسى ، ولم يثبت سماعه منه وقوله: ولا بالقوي ، أي لأنه من رواية عيسى بن سنان ، عن الضحاك، وقد ضعفه أحمد ، وابن معين ، - ١٩٨ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة وأبو زرعة ، والنسائي ، وغيرهم . اهـ، وقال الحافظ ابن حجر : حديث أبي موسى الذي أشار إليه أبو داود أخرجه ابن ماجه ، وفي إسناده ضعف ، وانقطاع ، کما قال أبو داوداهـ . والجواب : ما قاله العلامة المحقق علاء الدين المارديني في الجوهر النقي في الرد على البيهقي : من أن التضعيف بعدم ثبوت سماع الضحاك من أبي موسى هو على مذهب من يشترط للإتصال ثبوت السماع قال : ثم هو معارض بما ذكره عبد الغني فإنه قال في الكمال : سمع الضحاك من أبي موسى . قال : وابن سنان وثقه ابن معين ، وضعفه غيره . وقد أخرج الترمذي في الجنائز حديثا في سنده عيسى بن سنان هذا وحسنه . اهـ. وقال الذهبي في الميزان : هو - أي ابن سنان - ممن يكتب حديثه . قال : وقواه بعضهم، وقال العجلي : لا بأس به اهـ وبالجملة وإن وجد من ضعفه فقد وجد من وثقه . ومن الأئمة من لا يترك حديث المضعف حتى يجمعوا على تركه . ولا يقال : إن الجمهور على أن الجرح مقدم على التعديل لأنه مقيد بأن يكون الجرح مفسرا لا مجملا ، وبأن يُبنَى على أمر مجزوم به لا بطريق اجتهادي كما قاله الإمام ابن دقيق العيد ، ونقله عنه السيوطي في التدريب (١) فالمسألة تحتاج إلى دقة ، فإنها ليست على إطلاقها كما توهم . ومع ذلك فقد يتأيد الحديث ويعضد بأن یروی من وجه آخر بلفظه ، أو معناه ، وقد وجد مروي أبي موسى هذا بلفظه في حديث المغيرة ، وبمعناه في حديث ثوبان في التساخين ، فأصبح من الحسن لغيره ، وهو كالحسن لذاته ، وكلاهما يعمل به ويحتج بمقتضاه . انظر مطولات المصطلح . (١) ص ١١٣ . ١٩٩ - باب المسح على الجوربين والنعلين وبالجملة فمهما أعلت هذه الأحاديث بما أعلت به من انقطاع ، أو شذوذ فقدتبين : بما برهنا عليه أن منها الصحيح لذاته على قول الترمذي، كما تقدم ، ومنها الصحيح لغيره . وقد نبه في الأصول على أن الحديث المعلل إذا عضده ضعيف ، أو قول صحابي ، أو فعله ، أو قول الأكثر من العلماء ، أو قیاس ، أو انتشار له من غير نكير ، أو عمل أهل العصر على وفقه كان المجموع حجة ، لأنه يحصل من اجتماع الضعيفين قوة مفيدة للظن . انظر جمع الجوامع وشرحه في بحث المرسل، والله يقول الحق ، وهو يهدي السبيل . بيان أن الجورب معروف في اللغة والشرع لا سبيل إلى صرفه إلى غير المعروف في المصباح : والجورب فوعل وهو معرب ، والجمع جواربة بالهاء ، وربما حذفت ، اهـ فلم یحده لأنه بدیھي معروف لكل أحد ، ولا حد للبديهيات . وفي القاموس وشرحه مثله ، وقال أبو بكر بن العربي : الجورب غشاآن للقدم من صوف يتخذ للوقاء اهـ وفي التوضيح : للحطاب المالكي : الجوارب : ما كان على شكل الخف من كتان ، أو قطن ، أو غير ذلك ، وفي الروض المربع للبهوتي الحنبلي الجورب ما يلبس في الرجل على هيئة الخف من غير الجلد . اهـ . وقال العيني : الجورب هو الذي يلبسه أهل البلاد الشامية الشديدة البرد ، وهو يتخذ من غزل الصوف المفتول يلبس في القدم إلى ما فوق الكعب. انتهى، وقال الحلبي في شرح المنية : الجورب ما يلبس في الرجل لدفع البرد ونحوه مما لا يسمى خفا ولا جرموقااهـ . والجورموق : قال الفقهاء هو الموق ، وهو كما في القاموس : خف غليظ يلبس فوق الخف وقال ابن سيده والموق ضرب من الخفاف . وقال الجوهري: الموق : - ٢٠٠ - شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة خف قصير يلبس فوق الخف ، فارسي معرب . ومثل الجورب لا يحتاج إلى أن يعضد معناه اللغوي والشرعي المعروف لكل أحد بنقل العلماء في معناه ، لأنه من باب توضيح الواضحات ، ولكن دعانا لهذا ما رأيناه في بعض الكتب من زعم أن الجورب خف يلبس على الخف إلى الكعب للبرد ، ولصيانة الخف الأسفل من الدرن والغسالة . وتقييد آخر له بكونه من جلد ، وهذا غلط على اللغة ، والعرف ، والفقه ، أيضا ، لأن هذا المزعوم هو الجرموق لا الجورب . ومن الغريب قول الجزولي من فقهاء المالكية : اختلف في الجورب والجرموق هل هما اسمان لمسمى واحد؟ وكأن الاختلاف مانقل في التوضيح أن الإمام مالکا رضي الله عنه فسر الجر موق بأنه جورب مجلد من تحته ومن فوقه، فتوهم منه أن الجورب لايكون إلا كذلك مع أن الجورب إذا جلد على هذه الصفة وسمى جرموقا لا يلزم منه أن يكون كل جورب جرموقا ، لأن الجورب يشمل الجلد وغيره لولا شموله لما احتيج إلى تقييده إذا أريد به نوع خاص . وبالجملة فاللغة والعرف على أن الجورب هو مطلق ما يلبس في الرجل من غير الجلد منعلا كان أولا . ومن المقرر أن كل اسم ورد منصوصا عليه في الكتاب أو السنة وعلق عليه حكم من الأحكام فإنه يجب أن لا يوقع ذلك الحكم إلا على ما اقتضاه ذلك الاسم وأن لا يتعدى به الوضع الشرعي فيه ، وبالله التوفيق .