النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١ -
٩٦ باب المسح على الخفين - حديث رقم ١١٨
قال البدر العيني : فلو كان إسلام جرير متقدما على نزول المائدة
لاحتمل كون حديثه في مسح الخف منسوخا بآية المائدة ، فلما كان
إسلامه متأخرا علمنا أن حديثه يعمل به ، وهو مبين أن المراد بآية المائدة
غير صاحب الخف ، فتكون السنة مخصصة للآية . وفي سنن البيهقي
عن إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه قال: ماسمعت في المسح على الخفين
أحسن من حديث جرير رضي الله عنه . وقد ورد مؤرخا بحجة الوداع
في حديث الطبراني من رواية محمد بن سيرين عنه اهـ كلام العيني
ج ٣ ص٣٦٨ وصرح الحافظ في الفتح بأن آية المائدة نزلت في غزوة
المريسيع .
وقال السندي ما نصه : والمراد أنه أسلم بعد نزول المائدة ، ورأى
النبيَّ * يمسح على الخفين حال إسلامه ، وُلِم به أن المسح حكم باق لا
أنه منسوخ بآية المائدة کما زعمه من لايقول به ، ولذلك يعجبهم حديث
جرير، وكُلّ من تأخر إسلامه بعد نزول المائدة (١)، وإلا فرؤيته قبل
نزولها لا يكفي في المطلوب ، وتأخر الإسلام لا يقتضي تأخر الرؤية .
بقي أن حديث جرير من أخبار الآحاد فلا يعارض القرآن ، وغيره من
أحاديث الباب يجوز أن يكون قبل نزول المائدة ، فلا دلالة فيها على بقاء
الحكم بعد نزولها ، إلا أن يقال: القرآن يحتمل المسح على قراءة الجر ،
فيحمل على مسح الخفين توفيقا بين الأدلة ، أو يقال : تواتر عدم نسخه
بعمل الصحابة بعده عليه ، فإن كثيرا منهم عملوا به ، ومثله يكفي في
إفاده التواتر ونسخ النص ، والله أعلم اهـ كلام السندي ج١ ص٨١.
و کتب العلامة محمود محمد خطاب السبکي في شرح سنن أبي داود
عند قوله ( قالوا إنما كان ذلك قبل نزول المائدة ) ما نصه : أي قال من أنكر
(١) هكذا عبارة السندي ، وفيها ركاكة، ولعل الصواب : يعجبهم حديث جرير ، لكون كل من
رؤيته ، وإسلامه بعد نزول المائدة .

- ١٢٢
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
على جرير مسحه على خفيه ، إنما المسح عليها كان قبل نزول المائدة التي
ذكر فيها الوضوء وأراد بهذا القول أن المسح على الخفين كان رخصة، ثم
نسخ بهذه الآية ، فقال جرير ردا عليهم : ما أسلمت إلا بعد نزول آية
المائدة ، وليس المراد جميع سورة المائدة ، لأن منها ما تأخر نزوله عن
إسلامه ، كآية ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم﴾ فإنها نزلت يوم عرفة في
حجة الوداع وإسلام جرير كان في رمضان سنة عشر من الهجرة، أما آية
الوضوء التي هي قوله تعالى ﴿ فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق
وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين﴾ فنزلت في غزوة بني
المصطلق ، وكانت سنة خمس أو أربع ، فلو كان إسلام جرير متقدما
على نزول المائدة لاحتمل كون حديثه في مسح الخف منسوخا بهذه
الآية، فلما كان إسلامه متأخرا علمنا أن حديثه غير منسوخ يعمل به ،
وهو مبين أن المراد بالآية غير صاحب الخف ، فيكون حديثه مخصصًا
للآية. اهـ المنهل ج١ ص١١٩ . والله أعلم، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى : في درجته: حديث جرير رضي الله عنه هذا من طريق
هما م متفق عليه .
المسألة الثانية : في ذكر تعدد مواضعه عند المصنف : أخرجه هنا
-١١٨/٩٦ - وفي الكبرى ١٢١/٨٥ - عن قتيبة، عن حفص بن غياث،
عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن همام ، عنه ، وفي ٢٣/ ٧٧٤،
والكبرى ١١/ ٨٥٠ عن محمد بن عبد الأعلى ، عن خالد بن الحارث ،
عن شعبة ، عن الأعمش ، به .
المسألة الثالثة : فيمن أخرجه من أصحاب الأصول وغيرهم : أخرجه
البخاري ، ومسلم ، والترمذي ، وابن ماجه .

-١٢٣ -
٩٦ باب المسح على الخفين - حديث رقم ١١٨
فأما البخاري : فأخرجه في الصلاة (١/٢٥) عن آدم ، عن شعبة،
عن الأعمش به .
وأما مسلم فأخرجه في الطهارة ٢٢/ ٢ عن يحيي بن يحيى ،
وإسحاق، وأبي كريب ، ثلاثتهم عن أبي معاوية ، وعن أبي بكر بن أبي
شيبة ، عن أبي معاوية ووكيع ، وعن ابن أبي عمر ، عن سفيان ، وعن
منجاب بن الحارث ، عن علي بن مسهر كلهم عن الأعمش به.
وأما الترمذي : فأخرجه في الطهارة ٧٠/ ١ عن هناد ، عن وكيع ، عن
الأعمش به .
وأما ابن ماجه : فأخرجه في الطهارة ١/٨٤ عن علي بن محمد ، عن
وكيع ، عن الأعمش به .
وأخرجه أيضا أبو داود عن طريق أبي زرعة بن عمرو بن جرير ، عن جرير.
والحديث أخرجه البيهقي من عدة طرق ، وابن خزيمة ، والدار قطني،
والحاكم في المستدرك ، وصححه ، والطبراني في الأوسط ، من طريق
محمد بن سیرین ، عن جرير .
وفي سنن البيهقي : عن إبراهيم بن أدهم ، قال : ما سمعت في المسح
على الخفين . أحسن من حديث جرير ، رضي الله تعالى عنه اهـ المنهل
ج١ ص١٢١.
المسألة الرابعة : فيما يستفاد من الحديث : من فوائد هذا الحديث :
الدلالة على مشروعية المسح على الخفين ، وعلى أنه يطلب ممن رأى شيئًا
يخالف الشرع بحسب ظنه أن لا يسكت عليه ، وان كان الفاعل فاضلاً
عالمًا ، بل يبادر إلى الإنكار عليه بالتي هي أحسن ، وعلى أنه يطلب ممن
أنكر عليه شيء ، وكان يعتقد صحة ما فعل أن يبين مستنده في ذلك ،

- ١٢٤
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
وعلى أن للمنكر أن يرد دليل المُدَّعي، وعلى أن المطلوب من المدعي أن
يمنع ما رد به دليله ، حتى يَسْلَم دليله من الطعن ، وعلى أنه يجوز
الاستدلال بالتاريخ عند الحاجة إليه ، فقد استدل جرير بتاريخ إسلامه
على بقاء حكم المسح على الخفين ، وأنه لم ينسخ . أفاده في المنهل
ج١ ص ١٢٠.
المسألة الخامسة : في مذاهب العلماء في المسح على الخفين : قال
الإمام أبو الوليد ابن رشد في كتابه بداية المجتهد : فأما الجواز : يعني
جواز المسح على الخفين - ففيه ثلاثة أقوال : القول المشهور أنه جائز على
الإطلاق ، وبه قال جمهور فقهاء الأمصار .
والقول الثاني : جوازه في السفر دون الحضر .
والقول الثالث : منع جوازه بإطلاق ، وهو أشدها . والأقاويل الثلاثة
مروية عن الصدر الأول ، وعن مالك . والسبب في اختلافهم ما يظن
من معارضة آية الوضوء ، وهذا الخلاف كان بين الصحابة في الصدر
الأول ، فكان منهم من يرى أن آية الوضوء ناسخة لتلك الآثار .
وهو مذهب ابن عباس ، واحتج القائلون بجوازه بما رواه مسلم انه
كان يعجبهم حديث جرير ، وذلك أنه روى أنه رأى النبي عليه الصلاة
والسلام يمسح على الخفين ، فقيل له : إنماكان ذلك قبل نزول المائدة ،
فقال : ما أسلمت إلا بعد نزول المائدة . وقال المتأخرون القائلون
بجوازه: ليس بين الآية والآثار تعارض ، لأن الأمر بالغسل إنما هو
متوجه إلى من لا خف له ، والرخصة إنما هى للابس الخف . وقيل : إن
تأويل قراءة الأرجل بالخفض ، هو المسح على الخفين . وأما من فرق بين
السفر والحضر : فلأن أكثر الآثار والصحاح الواردة في مسحه عليه
الصلاة والسلام إنما كانت في السفر ، مع أن السفر مشعر بالرخصة

١٢٥ -
٩٦ باب المسح على الخفين - حديث رقم ١١٨
والتخفيف ، والمسح على الخفين هو من باب التخفيف ، فإن نزعه مما
يشق على المسافر اهـبداية المجتهد. ج١ ص١٩/١٨ .
وقال الإمام النووي رحمه الله في شرح المهذب : مذهبنا ومذهب
العلماء كافة جواز المسح على الخفين في الحضر والسفر ، وقالت الشيعة
والخوارج : لا يجوز، وحكاه القاضي أبو الطيب عن أبي بكر بن داود ،
وحكى المحاملي وغيره من أصحابنا عن مالك ست روايات : إحداها
لا يجوز المسح ، الثانية : يجوز لكنه يكره ، الثالثة : يجوز أبدا ، وهى
الأشهر عنه ، والأرجح عند أصحابه ، الرابعة : يجوز مؤقتا ، الخامسة:
يجوز للمسافر دون الحاضر ، السادسة عكسه .
وكل هذا الخلاف باطل ، ومردود ، وقد نقل ابن المنذر في كتاب
الإجماع إجماع العلماء على جواز المسح على الخف ، وتدل عليه
الأحاديث الصحيحة المستفيضة في حديث مسح النبي ◌َّ في الحضر
والسفر ، وأمره بذلك وترخيصه فيه ، واتفاق الصحابة فمن بعدهم عليه
قال الحافظ أبو بكر البيهقي : روينا جواز المسح على الخفين عن عُمَر
وعلي ، وسعد بن أبي وقاص ، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن
عباس ، وحذيفة بن اليمان ، وأبي أيوب الأنصاري ، وأبي موسى
الأشعري ، و عمار بن ياسر ، وجابر بن عبد الله ، وعمرو بن العاص ،
وأنس بن مالك ، وسهل بن سعد ، وأبي مسعود الأنصاري ، والمغيرة
ابن شعبة ، والبراء بن عازب ، وأبي سعيد الخدري ، وجابر بن سمرة ،
وأبي أمامة الباهلي ، وعبد الله بن الحارث بن جَزْء ، وأبي زيد الأنصاري
رضي الله عنهم .
قال النووي : ورواه خلائق من الصحابة غير هؤلاء الذين ذكرهم
البيهقي ، وأحاديثهم معروفة في كتب السنن ، وغيرها . قال الترمذي :

-١٢٦
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
وفي الباب عن عُمَر ، وسلمان ، وبريدة ، وعمرو بن أمية ، ويعلى بن
مرة ، وعبادة بن الصامت ، وأسامة بن شريك ، وأسامة بن زيد ،
وصفوان بن عسال ، وأبي هريرة ، وعوف بن مالك ، وابن عمر ، وأبي
بكرة ، وبلال ، وخزيمة بن ثابت .
قال أبو بكر بن المنذر : روينا عن الحسن البصري ، قال حدثني سبعون
من أصحاب رسول الله #، أن رسول الله عليه كان يمسح على الخفين.
قال : وروينا عن ابن المبارك ، قال : ليس في المسح على الخفين
اختلاف ، هو جائز .
وقال جماعات من السلف : نحو هذا ، وثبت في الصحيحين من
رواية المغيرة : أن النبي ◌َّ مسح على الخفين في غزوة تبوك وهي من آخر
أيامه عَد .
وقد اتفق العلماء : على أن آية الوضوء المذكورة في المائدة نزلت قبل
غزوة تبوك بمُدَد ، وثبت في الصحيحين عن جرير البجلي رضي الله عنه
قال: « رأيت رسول الله ﴾ يمسح على الخفين)) زاد أبو داود في روايته :
قالوا لجرير : إنما كان هذا قبل نزول المائدة ، فقال جرير : وما أسلمت
إلا بعد نزول المائدة ، وكان إسلام جرير متأخراً جدّاً .
وروينا في سنن البيهقي عن إبراهيم بن أدهم رحمه الله قال : ما
سمعت في المسح على الخفين حدیثًا أحسن من حديث جرير .
وأما الأمر بالغسل في الآية : فمحمول على غير لابس الخف ببيان
السنة ، وليس للمخالفين شبهة فيها رُوح ، وأما ما روي عن علي ، وابن
عباس ، وعائشة من كراهة المسح فليس بثابت ، بل ثبت في صحيح

-١٢٧
٩٦ باب المسح على الخفين - حديث رقم ١١٨
مسلم وغيره عن علي رضي الله عنه ، أنه روى المسح على الخف عن
النبي ◌َّ﴾ ، ولو ثبت عن ابن عباس ، وعائشة ذلك لحمل على أن ذلك
قبل بلوغهما جواز المسح عن النبي عمله، فلما بلغهما رجعا . وقد روى
البيهقي معنى هذا عن ابن عباس .
وعلى الجملة المسألة غنية عن الإطناب في بسط أدلتها بكثرتها ، والله
أعلم .
وأما جواز المسح في الحضر : ففيه أحاديث كثيرة في الصحيح :
منها حديث حذيفة: قال: ((كنت مع رسول الله عَ﴾. فانتهى إلى
سُبَاطة قوم فبال قائما، فتوضأ، فمسح على خفيه)) رواه مسلم، وفي
رواية للبيهقي ((سباطة قوم بالمدينة)) وعن علي رضي الله عنه ((أن النبي
## جعل مسح الخفين ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ، ويوما وليلة للمقيم)»
رواه مسلم .
ومنها حديث خزيمة بن ثابت ، قال : قال رسول الله * في المسح
على الخفین (( للمسافر ثلاث وللمقیم یوم )) حديث صحيح رواه أبو
داود، والترمذي ، وغيرهما قال الترمذي : حديث حسن صحيح .
وحديث عوف بن مالك الأشجعي ((أن رسول الله عَّ أمر في غزوة
تبوك بالمسح على الخفين ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ، وللمقيم يوم
وليلة)) قال البيهقي: قال الترمذي: قال البخاري : هذا الحديث
حسن. اهـ كلام النووي في المجموع ج١ ص ٤٧٦ / ٤٧٨.
وقد ذكر الحافظ أبو عمر بن عبد البر في كتابه التمهيد تحقيق مسألة
المسح على الخفين بأدلتها، وأنا أسوق عبارته وإن كانت طويلة لما
اشتملت عليه من الفوائد ، والتحقيقات .

- ١٢٨
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
قال رحمه الله في أثناء الكلام على حديث المغيرة بن شعبة رضي الله
عنه الذي تقدم للمصنف غير مرة ، وهو الحديث ١٢٤,١٢٣ ، الآتي
قريبا ما نصه :
وفيه الحُكْم الجليل الذي به فرق بين أهل السنة ، وأهل البدع ، وهو
المسح على الخفين ، لا ينكره إلا مخذول ، أو مبتدع خارج عن جماعة
المسلمين أهل الفقه والأثر ، لا خلاف بينهم في ذلك بالحجاز ، والعراق،
والشام ، وسائر البلدان ، إلا قوما ابتدعوا فأنكروا المسح على الخفين،
وقالوا : إنه خلاف القرآن ، وعسى القرآن نسخه ، ومعاذ الله أن يخالف
رسول الله ټګ کتاب الله ، بل بین مراد الله منه كما أمره الله عز وجل في
قوله ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم﴾[النحل: ٤٤]، وقال:
﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم﴾ الآية [النساء: ٦٥].
والقائلون بالمسح : جمهور الصحابة والتابعين ، وفقهاء المسلمين ،
قديما وحديثا ، وكيف يتوهم أن هؤلاء جاز عليهم جهل القرآن ؟ أعاذنا
الله من الخذلان .
روى ابن عيينة ، والثوري ، وشعبة ، وأبو معاوية ، وغيرهم عن
الأعمش ، عن إبراهيم ، عن همام بن الحارث ، قال : رأيت جريرا
يتوضأ من مطهرة ، ومسح على خفيه ، فقيل له أتفعل هذا ؟ فقال : وما
يمنعني أن أفعله؟ ((وقد رأيت رسول الله عَّ يفعله)).
قال إبراهيم : فكانوا يعني أصحاب عبد الله وغيرهم يعجبهم هذا
الحديث ، ويستبشرون به ، لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة .
وعن حماد بن أبي سليمان ، عن ربعي بن حراش ، عن جرير بن
عبدالله، قال: (( وضأت رسول الله عني فمسح على خفيه بعد ما أنزلت
سورة المائدة )) .

١٢٩
٩٦ باب المسح على الخفين - حديث رقم ١١٨
قال أبو عمر: ورَوَى عن النبي ◌َّه المسح على الخفين نحو أربعين من
الصحابة ، واستفاض ، وتواتر ، وأتت به الفِرَق ، إلا أن بعضهم زعم
أنه كان قبل نزول المائدة ، وهذه دعوى لا وجود لها ولا مَعْنى .
وقد روي عن الحسن البصري رحمه الله قال : أدركت سبعين رجلا
من أصحاب رسول الله على، كلهم يمسح على خفيه .
وعمل بالمسح على الخفين أبو بكر ، وعمر ، وعثمان، وعلي ،
وسائر أهل بدر ، والحديبية ، وغيرهم ، من المهاجرين ، والأنصار ،
وسائر الصحابة ، والتابعين ، أجمعين ، وفقهاء المسلمين في جميع
الأمصار ، وجماعة أهل الفقه ، والأثر كلهم يجيز المسح على الخفين في
الحضر والسفر للرجال والنساء .
حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال :
حدثنا محمد بن وضاح : قال : حدثنا عبد الله بن الخيار الحمصي ، قال :
حدثنا إسماعيل بن عياش قال : حدثني سفيان بن سعيد الثوري ، قال :
مسح رسول الله ◌َ ، وأبو بكر الصديق ، وعمر بن الخطاب ، وعثمان
ابن عفان ، وعلي بن أبي طالب . وسعد بن أبي وقاص ، وأبو عبيدة بن
الجراح ، وأبو الدرداء ، وزيد بن ثابت ، وقيس بن سعد بن عبادة ،
وعبد الله بن عباس، وحذيفة بن اليمان ، وعبد الله بن مسعود،
وأبوموسى الأشعري ، وأبو مسعود الأنصاري ، وخزيمة بن ثابت
الأنصاري ، والبراء بن عازب ، وأبو أيوب الأنصاري وأنس بن مالك ،
وعبد الله بن عمرو بن العاص ، والمغيرة بن شعبة وصفوان بن عسال ،
وفضالة بن عبيد الأنصاري ، وجرير بن عبد الله البجلي .
قال أبو عمر : ممن روينا عنه أنه مسح على الخفين ، وأمر بالمسح عليها
في الحضر والسفر بالطرق الحسان من مصنف ابن أبي شيبة ، ومصنف

- ١٣٠
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
عبد الرزاق : عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب ، وعبد الرحمن بن
عوف، وسعدابن أبي وقاص، وابن مسعود (١) وابن عمر ، وابن عباس ،
وابن مسعود ، وأنس بن مالك ، والبراء بن عازب ، وحذيفة بن اليمان
والمغيرة ، وسليمان ، (٢) وبلال، وخزيمة بن ثابت ، وعمرو بن أمية ،
وعبد الله بن الحارث بن جرير (٣) الزبيدي وأبو هريرة.
ولم يرو عن غيرهم خلاف إلا شيء لا يثبت عن عائشة ، وابن
عباس، وأبي هريرة .
ثم ذكر أبو عمر بسنده عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن عبد الله بن
إدريس ، عن قطر (٤) قال : قلت لعطاء : إن عكرمة يقول : قال ابن
عباس : سبق الكتابُ الخفين ، قال عطاء : كذب عكرمة ، أنا رأيت ابن
عباس يمسح عليهما .
ورَوَى أبو زرعة ، عن عمرو بن جرير ، عن أبي هريرة أنه كان يمسح
على خفيه ويقول: قال رسول الله ﴾ ((إذا أدخل أحدكم رجليه في
خفيه ، وهما طاهرتان فليمسح عليهما)). وذكر الأثرم قال : سمعت أبا
عبد الله يعني أحمد بن حنبل - يقول: فيمن تأول أنه لا بأس أن
يصلى خلفه إذا كان لتأويله وجه في السنة ، وقال أبو عبد الله : أرأيت لو
أن رجلا لم ير المسح على الخفين ، فقد كان مالك لايرى المسح على
الخفين في الحضر لا ينبغي أن يصلى خلفه؟ قال : بلى ؟ ثم قال : لو
أنك لم تر أن تمسح وصلى بك رجل يرى المسح ، ألم تكن تصلي خلفه ؟
ثم قال : لو أن رجلا لم ير الوضوء من الدم الخارج من الجسد ثم صلى،
(١) لعله أبو مسعود لأن ابن مسعود مذكور بعده .
(٢) لعله سلمان.
(٣) الصواب بن جزء .
(٤) لعله فطر بن خليفة بالفاء لا بالقاف .

-١٣١ -
٩٦ باب المسح على الخفين - حديث رقم ١١٨
ألم تصل خلفه ؟ ثم قال : نحن نرى الوضوء من الدم ، أفلا نصلي خلف
سعيد بن المسيب ، ومالك ممن سهل الوضوء من الدم ؟ قال : بلى
نصلي.
ثم قال : قد روى عن أبي هريرة أنه لا يمسح ، وعن ابن عباس ،
وعائشة وأبي أيوب .
قيل لأبي عبد الله : فإن قاله رجل أنا أذهب إلى حديث أبي أيوب
حبب إليّ الغسل .
قال : نحن لانذهب إلى قول أبي أيوب ، ولكن لو ذهب إليه ذاهب
صلينا خلفه ، قال : إلا أن يترك رجل المسح من أهل البدع من الرافضة
الذين لا يمسحون وما أشبهه فهذا لانصلي خلفه .
ثم ذكر بسنده عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن أبي
سلمة بن عبد الرحمن أن ابن عمر رأى سعد بن أبي وقاص يمسح على
خفيه ، فأنكر ذلك عبد الله ، فقال سعد: إن عبد الله أنكر علي أن أمسح
على خفي ، فقال عمر : لا يختلجن في نفس رجل مسلم أن يتوضأ على
خفيه ، وإن جاء من الغائط .
قال: وأخبرنا معمر، عن أبي إسحاق، عن أبي سلمة بن
عبدالرحمن، أن عمر قال لعبد الله بن عمر (( عمك أعلم منك)) يعني سعد
ابن أبي وقاص ((إذا أدخلت رجليك في الخفين، وهما طاهرتان فامسح
عليهما ، وإن جئت من الغائط )) .
قال : وأخبرنا ابن جريج قال : أخبرني نافع ، عن ابن عمر ، قال :
أنكرت على سعد بن أبي وقاص ، وهو أمير بالكوفة المسح على الخفين ،
فقال : أوَ عليَّ في ذلك بأس؟ وهو مقيم بالكوفة ، قال عبد الله : فلما
قال ذلك عرفت أنه يعلم من ذلك ما لا أعلم ، فلم أرجع إليه شيئا ، فلما

- ١٣٢
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
التقينا عند عمر ، قال سعد: استفت أباك فيما أنكرتَ عليَّ في شأن
الخفين، فقلت له : أرأيت أحدنا إذا توضأ ، وفي رجليه الخفان في ذلك
بأس أن يمسح عليهما؟ فقال عمر: لا، فقلت: وإن ذهب أحدنا إلى الغائط
ليس عليه في ذلك بأس أن يمسح عليهما ؟ قال ابن جريج : وأخبرنا أبو
الزناد قال : سمعت ابن عمر یحدث بمثل حدیث نافع إياي ، وزاد عن
عمر إذا أدخلت رجليك فيهما وأنت طاهر .
وكان ابن عمر يفتي بذلك ، ويعمل به إلى أن مات ، من رواية مالك
عن نافع عنه ، ومن رواية ابن جريج ، ومعمر ، عن ابن شهاب ، عن
سالم عنه .
ولا أعلم في الصحابة مخالفا ، إلا شيء لايصح عن عائشة ، وابن
عباس ، وأبي هريرة . وقد رُويَ عنهم من وجوه خلافه في المسح على
الخفين .
وكذلك لا أعلم في التابعين أحدًا ينكر ذلك ، ولا في فقهاء المسلمين،
إلا رواية جابر عن مالك ، والروايات الصحاح بخلافه ، وهي منكرة
يدفعها موطّؤْهُ ، وأصول مذهبه .
أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال : حدثنا أبي ، قال : حدثنا
وكيع ، قال : حدثنا بكير بن عامر بن أبي نعيم ، عن المغيرة بن شعبة ،
قال : ((كنت مع النبي ◌َّهُ في سفر ، فَقَضَى حاجته وتوضأ، ومسح على
خفيه ، فقلت : يا رسول الله نسيت؟ قال : بل أنت نسيت ، بهذا أمرني
ربي )) . وحدثنا عبد الله . قال : حدثنا أحمد بن جعفر ، قال : حدثنا
عبد الله بن أحمد ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثنا محمد بن عبيد ،
قال : حدثنا بكير بن عبد الرحمن بن أبي نعيم ، قال : حدثنا المغيرة بن
شعبة أنه سافر مع رسول الله عَليه، فذكر الحديث ، وفيه توضأ، ومسح

-١٣٣ -
٩٦ باب المسح على الخفين - حديث رقم ١١٨
على خفيه ، فقلت : يانبي الله نسيت ، لم تخلع نعليك. قال: ((كلا بل
أنت نسيت ، بهذا أمرني ربي)).
قال أبو عمر : وقد احتج بعض من لم ير المسح في الحضر بحديث
شريح بن هانىء أنه سأل عائشة عن المسح على الخفين ، فقالت سل
عليا، فإنه كان يغزو مع رسول الله عَ﴾. ولم يمعن النظر من احتج بهذا،
أو سامح بنفسه في احتجاجه ببعض الحديث ، وترك بعضه ، وفي هذا
الحديث المسح بالحضر والسفر . والتوقيت في ذلك أيضا . فكيف يسوغ
لعاقل أن يحتج بحديث موضع الحجة منه عليه ، لا له .
ثم أخرج بسنده عن شريح بن هانىء : قال : سألت عائشة رضي الله
عنها عن المسح على الخفين؟ . فقالت : اسألوا علي بن أبي طالب ، فإنه
كان يغزو مع رسول الله عليه، فسألته؟ فقال: قال رسول الله عَليه ((ثلاثة
أيام بلياليهن للمسافر ، ويوما وليلة للمقيم)).
وكذلك رواه أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن الحكم بهذا الإسناد ،
مرفوعا ، وكذلك رواه المقدام بن شريح ، عن أبيه ، مرفوعا ، ومن رفعه
أحفظ وأثبت ، وأرفع ممن وقفه ، على أن توقيفه عندي فُتْيَا به ،
واستعمالٌله ، فکیف یکون قدحا فيه ؟ .
ثم أخرج بسنده عن أبي سلمة بن عبد الرحمن: أن ابن عمر قال : ((لا
يحيكن في صدر امرىء المسح على الخفين ، وإن جاء من الغائط ، فإني
كنت من أشد الناس في المسح )) .
قال : وحدثنا عبد الوارث بن سفيان ، حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال :
حدثنا محمد بن وضاح ، قال : حدثنا أبو الطاهر ، أحمد بن عمرو
قال: وحدثني عبد الله بن نافع ، عن داود بن قیس ، عن زيد بن أسلم ،
عن عطاء بن يسار، عن أسامة بن زيد ((أن النبي ◌ّ دخل دار رجل ،

- - ١٣٤ -
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
فتوضأ، ومسح على خفيه )) قال ابن وضاح : قلت لأبي علي عبد العزيز
ابن عمران بن مقلاص : أمسح رسول الله تَّ على خفيه في الحضر ؟
قال: نعم .
ثم حدثني بهذا الحديث عن الشافعي عبد الله بن نافع بإسناد مثله .
قال ابن وضاح : وقال لي أبو مصعب : دار رجل بالمدينة . وقال زید
ابن بشر ، عن ابن وهب : قد مسح رسول الله ◌َ﴾ بالسفر ، والحضر .
قال أبو عمر : حديث نافع هذا معروف عند أهل المدينة ، ومصر .
رواه ثقات الفقهاء .
حدثنا محمد بن محمد بن نصر، ومحمد بن إبراهيم بن سعد،
وخلف بن أحمد: قالوا: حدثنا أحمد بن مطرف ، قال: حدثنا سعيد بن
عثمان ، وسعيد بن جبير قالا : حدثنا محمد بن عبد الله بن الحكم .
قال: أنبأنا عبد الله بن نافع ، قال : أنبأنا داود بن قیس ، عن زید بن
أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أسامة بن زيد ، قال : (( دخل رسول الله
◌َّ الأسواف ، فذهب لحاجته ، ثم خرج ، قال أسامة ، فسألت بلالاً ما
صنع ؟ قال : ذهب النبي ﴾﴾ لحاجته ، ثم توضأ ، فغسل وجهه، ويديه،
ومسح برأسه ، ومسح على الخفين)) .
قال محمد بن عبد الله، عن عبد الحكم: هذا صحيح في المسح
بالحضر ، والأسواف بالفاء : موضع بالمدينة .
ثم أخرج بسنده عن عيسى بن يونس ، عن الأعمش ، عن أبي وائل ،
عن حذيفة بن اليمان. قال: ((كنت أمشي مع النبي على بالمدينة ، فانتهى
إلي سباطة قوم ، فبال قائما ، فتنحيت ، فدعاني ، فجئت ، فأتي بماء
فتوضأ، ومسح على الخفين )) .

١٣٥ _
٩٦ باب المسح على الخفين - حديث رقم ١١٨
قال ابن وضاح : هكذا قال عيسى بن يونس بالمدينة ، وخالفه
أصحاب الأعمش ، أبو معاوية : ووكيع ، وسفيان ، وجرير ، لا
يقولون : بالمدينة .
قال ابن وضاح: والسباطة : المزبلة ، والمزابل لا تكون إلا في الحضر
. قال أبو عمر : عيسى بن يونس : ثقة حافظ ليس يرويه غيره ، وقد زاد
ما حذفه غيره . وزيادة مثله واجب قبولها ، وليس في الأصول ما يدفع
ما جاء به ، بل الناس عليه . اهـ كلام الحافظ ابن عبد البر في التمهيد
ج١١ ص١٣٤، ١٤٦، وهو كلام منقح ، والله أعلم.
وقال العلامة الشوكاني رحمه الله عند الكلام على حديث جرير :
مانصه : والحديث يدل علي مشروعية المسح على الخفين ، وقد نقل ابن
المنذر ، عن ابن المبارك ، قال : ليس في المسح على الخفين عن الصحابة
اختلاف ، لأن کل من روي عنه منهم إنكاره فقد روي عنه إثباته ، وقال
ابن عبد البر : لا أعلم من روى عن أحد من فقهاء السلف إنكاره إلا عن
مالك مع أن الروايات الصحيحة مصرحة بإثباته ، وقد أشار الشافعي في
الأم إلى إنكار ذلك على المالكية ، والمعروف المستقر عندهم الآن قولان :
الجواز مطلقا ، ثانيهما للمسافر دون المقيم ، وعن ابن نافع في المبسوطة
أن مالكا إنما كان يتوقف فيه في خاصة نفسه مع إفتائه بالجواز .
قال ابن المنذر : اختلف العلماء أيهما أفضل : المسح على الخفين ، أو
نزعهما ، وغسل القدمين ؟ والذي أختاره أن المسح أفضل ، لأجل من
طعن فيه من أهل البدع ، من الخوارج ، والروافض . قال : وإحياء ما
طعن فيه المخالفون من السنن أفضل من تركه انتهى .
قال النووي في شرح مسلم: قد روى المسح على الخفين خلائق لا
يحصون من الصحابة، قال الحسن : حدثني سبعون من أصحاب رسول

شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
- ١٣٦
الله ((أن رسول الله عليه كان يمسح على الخفين)) أخرجه عنه ابن أبي
شيبة .
قال الحافظ في الفتح : وقد صرح جمع من الحفاظ بأن المسح على
الخفين متواتر .
وجمع بعضهم رواته فجاوزوا الثمانين ، منهم العشرة ، وقال الإمام
أحمد : فيه أربعون حديثا عن الصحابة مرفوعة . وقال ابن أبي حاتم :
فیه عن أحد وأربعین .
وقال ابن عبد البر في الاستذكار : رَوَى عن النبي ◌َِّ المسح على
الخفين نحوُ أربعين من الصحابة ، وذكر أبو القاسم بن منده أسماء من
رواه في تذكرته ، فكانوا ثمانين صحابيا . وذكر الترمذي ، والبيهقي في
سننهما منهم جماعة . وقد نسب القول بمسح الخفين إلى جميع الصحابة
كما تقدم عن ابن المبارك. وما روى عن عائشة ، وابن عباس ، وأبي
هريرة في إنكار المسح ، فقال ابن عبد البر : لايثبت ، قال أحمد :
لايصح حديث أبي هريرة في إنكار المسح ، وهو باطل . وقدروى
الدار قطني عن عائشة القول بالمسح .
وما أخرجه ابن أبي شيبة عن علي أنه قال : سبق الكتاب الخفين فهو
منقطع، وقد روى عنه مسلم ، والنسائي القول به بعد موت النبي عليه.
وما روي عن عائشة أنها قالت : لأن أقطع رجلي أحب إلي من أن
أمسح عليهما ، ففيه محمد بن مهاجر ، قال ابن حبان : كان يضع
الحديث .
وأما القصة التي ساقها الأمير الحسين في الشفاء ، وفيها المراجعة
الطويلة بين علي وعمر ، واستشهاد علي لاثنين وعشرين من الصحابة
فشهدوا بأن المسح قبل المائدة ، فقال ابن بهران : لم أر هذه القصة في

١٣٧
٩٦ باب المسح على الخفين - حديث رقم ١١٨
شيء من كتب الحديث . ويدل لعدم صحتها عند أئمتنا أن الإمام المهدي :
نسب القول بمسح الخفين في البحر إلى علي عليه السلام، وذهبت العترة
جميعا، والإمامية، والخوارج، وأبو بكر بن داود الظاهري إلى أنهٍ لا يجزي
المسح عن غسل الرجلين ، واستدلوا بآية المائدة ، وبقوله تعَّ لمن علمه
((واغسل رجلك)) ولم يذكر المسح، وقوله بعد غسلها: (( لا يقبل الله
الصلاة من دونه)) وقوله: ((ويل للأعقاب من النار)) قالوا: والأخبار بمسح
الخفين منسوخة بالمائدة .
وأجيب عن ذلك : أما الآية فقد ثبت عنه عَّ المسح بعدها كما في
حديث جرير المذكور في الباب ، وأما حديث (( واغسل رجلك )) فغاية ما
فیه الأمر بالغسل، وليس فيه ما یشعر بالقصر، ولو سلم وجود مايدل على
ذلك لكان مُخَصَّصا بأحاديث المسح المتواترة .
وأما حديث « لا يقبل الله الصلاة بدونه )) فلا ینتهض للاحتجاج به ،
فكيف يصلح لمعارضة الأحاديث المتواترة مع أنا لم نجده بهذا اللفظ من
وجه يعتد به .
وأما حديث (( ويل للأعقاب من النار)) فهو وعيد لمن مسح رجله ،
ولم يغسلها ، ولم يرد المسح على الخفين .
فإن قلت : هو عام ، فلا يقصر على السبب . قلت : لانسلم شموله
لمن مسح على الخفين ، فإنه يدع رجله كلها ، ولا يدع العقب فقط .
سلمنا، فأحاديث المسح على الخفين مخصصة للماسح من ذلك الوعيد،
وأما دعوى النسخ فالجواب أن الآية عامة مطلقا باعتبار حالتي لبس
الخف، وعدمه ، فتكون أحاديث الخفين مخصصة، أو مقيدة فلا نسخ،
وقد تقرر في الأصول رجحان القول ببناء العام على الخاص مطلقًا .
وأما من يذهب إلى أن العام المتأخر ناسخ ، فلا يتم له ذلك إلا بعد

- ١٣٨
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
تصحيح تأخر الآية ، وعدم وقوع المسح بعدها . وحديث جرير نص في
موضع النزاع ، والقدح في جرير بأنه فارق عليا ممنوع ، فإنه لم يفارقه ،
إنما احتبس عنه بعد إرساله إلى معاوية لأعذار ، على أنه قد نقل الإمام
الحافظ محمد بن إبراهيم الوزير الإجماع على قبول رواية فاسق التأويل
في عواصمه وقواصمه من عشرة طرق ، ونقل الإجماع أيضًا من طرق
أكابر أئمة الآل وأتباعهم على قبول رواية الصحابة قبل الفتنة وبعدها .
فالاسترواح إلى الخلوص عن أحاديث المسح بالقدح في ذلك
الصحابي الجليل بذلك الأمر مما لم يقل به أحد من العشرة، وأتباعهم،
وسائر علماء الإسلام ، وصرح الحافظ في الفتح بأن آية المائدة نزلت في
غزوة المريسيع ، وحديث المغيرة كان في غزوة تبوك ، وتبوك متأخرة
بالاتفاق . وقد صرح أبو داود في سننه بأن حديث المغيرة في غزوة تبوك
وقد ذكر البزار أن حديث المغيرة هذا رواه عنه ستون .
((واعلم)) أن في المقام مانعًا من دعوى النسخ لم يتنبه له أحد فيما
علمت .
وهو أن الوضوء ثابت قبل نزول المائدة بالاتفاق ، فإن كان المسح على
الخفين ثابتا قبل نزولها فورودها بتقدير أحد الأمرين : أعني الغسل مع
عدم التعرض للآخر ، وهو المسح ، لا يوجب نسخ المسح على الخفين ،
لا سيما إذا صح ماقاله البعض من أن قراءة الجر في قوله في الآية:
﴿وأرجلكم ﴾ مراد بها مسح الخفين ، وأما إذا كان المسح غیر ثابت قبل
نزولها، فلا نسخ بالقطع. نعم يمكن أن يقال على التقدير الأول: إن الأمر
بالغسل نهي عن ضده، والمسح على الخفين من أضداد الغسل المأمور به،
لکن کون الأمر بالشيء نھیا عن ضده محل نزاع واختلاف ، وكذلك
كون المسح على الخفين ضدا للغسل ، وما كان بهذه المثابة حقيق بأن

١٣٩ -
٩٦ باب المسح على الخفين - حديث رقم ١١٩
لا يعول عليه لا سيما في إبطال مثل هذه السنة التي سطعت أنوار
شموسها في سماء الشريعة المطهرة . اهـ الغرض من كلام الشوكاني في
نيله ج١ ص ٢٦٧، ٢٧٠.
قال الجامع عفا الله عنه: وهو كلام نفيس، وتحقيق بليغ ، والله أعلم .
١١٩ - أخْبَرَنَا العَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ العَظِيمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرّحْمَّنِ
قَالَ : حَدَّثَنَا حَرْبُ بْنُ شَدَّادِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أبِي كَثِيرٍ،
عَنْ أَبِي سَمَةَ، عَنْ جَعْقَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَّةَ الضَّمْرِيِّ،
عَنْ أبيه: أنَّهُ رَأَى رَسُولَ الله ◌َوَضَا ومَسَحَ عَلَى الْحُفَّيْنِ.
رجال الإسناد : سبعة
١- (العباس بن عبد العظيم) بن إسماعيل بن توبة العنبري ، أبو
الفضل المروزي ، البصري ، الحافظ .
عن القطان ، ويزيد بن هارون ، وابن مهدي ، ومعاذ بن هشام ،
وخلق ، وعنه البخاري تعليقا ، والباقون . قال النسائي : ثقة مأمون ،
وقال محمد بن المثنى : من سادات المسلمين . قال البخاري : مات سنة
٢٤٦ وفي (ت) ثقة حافظ من كبار ١١ .
٢- (عبد الرحمن) بن مهدي بن حسان الأزدي ، مولاهم ، أبو
سعيد البصري اللؤلؤي الحافظ الإمام العلم . عن عمر بن ذر ، وعكرمة
ابن عمار ، وشعبة ، والثوري ، ومالك ، وخلق .
وعنه ابن المبارك، وابن وهب أكبر منه، وأحمد، وابن معین، وعمرو بن

- ١٤٠
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
علي . قال ابن المديني : أعلم الناس بالحديث ابن مهدي ، وكان يختم
في كل ليلتين . قال أبو حاتم : إمام ثقة أثبت من القطان ، وأتقن من
وكيع . وقال أحمد : إذا حدث ابن مهدي عن رجل فهو حجة ، وقال
القَوَاريري: أمْلَى علينا ابن مهدي عشرين ألفا من حفظه ، قال ابن سعد :
مات سنة ١٩٨ بالبصرة عن ٦٣ سنة . وكان يحج كل سنة ، أخرج له
الجماعة ، وفي (ت) ثقة ثبت حافظ ، عارف بالرجال والحديث ، من
التاسعة .
٣- (حرب بن شداد) اليشكري ، أبو الخطاب البصري . عن يحيى
ابن أبي كثير، والحسن، وعنه ابن مهدي، وعبد الصمد بن عبد الوارث.
وثقهُ أحمد .
قال ابن المثنى : توفى سنة ١٦١ أخرج له البخاري ، ومسلم ، وأبو
داود، والترمذي ، والنسائي ، وفي (ت) ثقة من السابعة .
٤- ( يحيى بن أبي كثير) الطائي مولاهم أبو نصر اليمامي أحد
الأعلام عن أنس ، وجابر ، وأبي أمامة مرسلا . وعن عبد الله بن أبي
أوفى (١) وعكرمة ، وعنه أيوب ، وحسين المعلم ، والأوزاعي، وخلق.
قال شعبة : يحيى بن أبي كثير أحسن حديثا من الزهري ، قال أبو
حاتم : إمام لا يحدث إلا عن ثقة ، وقال البخاري: لم يسمع من عروة.
قال الفلاس : توفى سنة ١٢٩، أخرج له الجماعة وفي (ت) ثقة ثبت
لكنه يدلس ، ويرسل من الخامسة .
٥- ( عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني ، قيل
اسمه عبد الله ، وقيل إسماعيل . ثقة فقيه ٣ مات سنة ٩٤ ، وكان مولده
سنة بضع وعشرين . وتقدم في ١/ ١ .
(١) وفي التهذيب عبد الله بن أبي قتادة، وليس لإبن أبي أوفى ذكراهـ. من هامش في
الخلاصة.