النص المفهرس

صفحات 81-100

٩٢ باب الأمر بتخليل الأصابع - حديث رقم ١١٤
٨١_
قال الجامع عفا الله عنه :
وفيما قاله نظر لا يخفى ، بل الراجح ما قاله الشوكاني ، فإن الحديث
صح قولا وفعلا كما مر قريبا ولا صارف للأمر عن الوجوب فالحق وجوبه .
وأما قوله : وقد سيقت لبيان صفة الوضوء ، فهذا غير صحيح : فإن
كثيرا من الأحاديث التي سيقت لبيان صفة الوضوء ، ما استوفت جميع
صفة الوضوء بمفرداتها ، بل كلما زادت رواية أخذنا بها ، فصارت
مشروعة ، فالبيان حصل بمجموعها ، وههنا أيضا حصلت زيادة على
الروايات الأخرى التي أطلقت فيلزم الأخذ بها سواءً فتبصر والله أعلم.
المسألة الخامسة : في كيفية التخليل : ذهب بعضهم إلى أن تخليل
أصابع الرجلين يكون بخنصر اليسرى ، ويكون من أسفل القدم ،
مبتدئا بخنصر رجله اليمنى ، ويختم بخنصر اليسرى .
وذهب بعضهم إلى أنه يستحب أن يخلل بخنصر يده اليمنى من تحت
الرجل .
وذهب بعضهم إلى التخيير في ذلك ، قال إمام الحرمين : لست أرى
لتعيين اليد اليمنى أو اليسرى في ذلك أصلا ، إلا النهي عن الاستنجاء
باليمين ، وليس تخليل الأصابع مشابها له ، فلا حَجّر على المتوضىء في
استعمال اليمين أو اليسار ، فإن الأمر كذلك ، في غسل الرجلين وخَلَلُ
الأصابع جزء منها ، ولم يثبت عندي في تعيين إحدى اليدين شيء.
وقيل: يخلل ما بين كل أصبعين من أصابع رجليه بأصبع من أصابع يده
ليكون بماء جديد ويترك الإبهامين فلا يخلل بهما لما فيه من العسر ، وهذه
الأقوال محكية في مذهب الإمام الشافعي ذكرها النووي في مجموعه .
قال بعد ذكر الأقوال : فحصل من مجموع هذا أن التخليل من أسفل
الرجل ، ويبدأ من خنصر اليمين ، وفي الأصبع التي يخلل بها أوجه :

- ٨٢
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
الأشهر أنها خنصر اليسرى ، والثاني : خنصر اليمنى . والثالث : أنه
يخلل ما بين كل أصبعين من أصابع رجليه بأصبع من أصابع يده ،
والرابع: أنه لا يتعين في استحباب ذلك يد ، وهو الراجح المختار . اهـ
المجموع بتصرف واختصار [جـ١ ص ٤٢٥].
قال الجامع عفا الله :
ما رجحه الإمام النووي هو الذي لا يترجح غيره عندي ، لعدم نص
قاطع بتعيين اليمين ، أو اليسار ، بل هو أمر موسع فيه كما قال إمام
الحرمين، والله أعلم .
هذا في تخليل أصابع الرجل ، وأما أصابع اليدين ، فقال النووي
رحمه الله : لم يتعرض له الجمهور ، وجاء فيه حديث ابن عباس ، ونقل
الترمذي : استحبابه عن إسحاق بن راهويه ، ويدل عليه حديث لقيط بن
صبرة ، فإن الأصابع تشملها ، وعلى هذا ، فيكون تخليلها بالتشبيك
بينها ا هـ المجموع بتغيير ، واختصار .
قال الجامع عفا الله عنه:
قد أسلفنا تحقيق العلامة الشوكاني في هذا الموضوع فالراجح وجوب
التخليل في أصابع اليدين والرجلين ، والله أعلم .
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله، عليه
توكلت ، وإليه أنيب )) .

٩٣ باب عدد غسل الرجلين - حديث رقم ١١٥
٨٣ -
٩٣ - عَدَدُ فَسْلُ الرَّجْلَيْن
أي هذا باب يذكر فيه الحديث الدال على عدد غسل الرجلين .
١١٥ - أخبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ، عَنِ ابْنِ أبِي زَائِدَةً ، قَالَ : حَدَّثَنِي
أبِي وَغَيْرُهُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي حَيَّةَ الوَادعيِّ،
قَالَ : رَأيْتُ عَلَيَا تَوَضَّأْ فَغَسَلَ كَفَّيه ثَلاَثًا ، وَتَمَضْمَضَ
واسْتَنْشَقَ ثَلاَثًا، وغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاَثًا، وَذِرَاعَيْهِ ثَلاَثًا ثَلاثًا،
ومَسَحَ بِرَأْسِهِ، وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلاَثًا ثَلاَثًا، ثُمَّ قَالَ : هَذَا
وُضُوءُ رَسُول اللَّه عٍَّ .
رجال الإسناد : ستة
١- (محمد بن آدم) بن سليمان ، الجهني المصيصي . رَوَى عن ابن
المبارك، وحفص بن غياث، وأبي خالد الأحمر، ويحيى بن زكريا بن أبي
زائدة . وعبدة بن سليمان ، ومروان بن معاوية ، وأبي معاوية الضرير،
وعلي بن هاشم بن البريد، ويحيى بن أبي عِنَّبَةَ، وعبد الرحيم بن سليمان
وعمرو بن عبيد الطنافسي ، ومحمد بن فضيل بن غَزْوان، وغيرهم .
روى عنه أبو داود ، والنسائي ، وأبو حاتم ، وأبو عبد الملك البسري ،
والفضل بن العباس الحلبي، وأبو علي الحسين بن إبراهيم بن فيل

- ٨٤
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
الأنطاكي، وعبد الله بن محمد بن بشر بن صالح ، وعمرو بن بحر
الأسدي ، وأبو يوسف الصَّفَّار ، ومحمد بن عبد الرحيم الديباجي ،
وأبو بكر بن أبي داود ، وآخرون ، وقال ابن أبي داود : كان يقال : إنه
من الأبدال . وقال أبو حاتم : صدوق . وقال النسائي : ثقة ، وفي
موضع آخر : صدوق ، لا بأس به . وقال ابن عساكر : مات سنة ٢٥٠
وقال الحافظ : قلت : وقال مسلمة في الصلة : ثقة ، ووهم صاحب
الزهرة ، فقال : محمد بن إبراهيم بن آدم بن سليمان ، وذكر وفاته في
سنة ٥٠ كما تقدم تت [ج٩ ص ٣٤، ٣٥] أخرج له المصنف ، وأبو
داود. وفي (ت) صدوق من العاشرة .
٢- ( ابن أبي زئدة) هو یحیی بن زكرياء بن أبي زائدة ، واسمه خالد
ابن ميمون بن فيروز ، الهمداني ، الوادعي ، أبو سعيد ، الكوفي .
روى عن أبيه ، والأعمش ، وابن عون ، وعاصم الأحول ، وهشام
ابن عروة ، ويحيى بن سعيد الأنصاري ، وداود بن أبي هند ، وحارثة
ابن أبي الرجال ، وإسماعيل بن أبي خالد ، وعبد الرحمن بن الغسيل ،
وحسين بن الحارث الجدلي ، وعكرمة بن عمار ، وعبد الله بن عمر
العمري ، وأبي مالك الأشجعي ، وحجاج بن أرطاة ، وإسرائيل ،
وعبدالملك بن حميد بن أبي غَنِيَّة ، ومسعر ، وهاشم بن هاشم بن عتبة
ابن أبي وقاص ، وموسى الجهني ، وجماعة .
وعنه یحیی بن آدم ، وأبو داود الحفري ، وأحمد بن حنبل ، ويحيى
ابن معين ، وابنا أبي شيبة ، وعلي بن المديني ، وداود بن رشيد ، ويحيي
ابن يحيى النيسابوري ، وإبراهيم بن موسى ، وأبو كريب ، وشجاع بن
مخلد ، وسریج بن يونس ، وأحمد بن منيع ، وسوید بن سعيد ، وعلى
ابن مسلم الطّوسي ، وسهل بن عثمان العسكري ، ويعقوب بن إبراهيم
الدورقي ، وهارون بن معروف ، وهناد بن السري ، والحسن بن عرفة،
وآخرون .

٨٥ -
٩٣ باب عدد غسل الرجلين - حديث رقم ١١٥
قال إبراهيم بن موسى ، عن أبي خالد الأحمر : كان جيد الأخذ .
وقال أيضا عن الحسن بن ثابت : نزلت بأفقه أهل الكوفة ، يعنيه ، وقال
عمرو الناقد ، عن ابن عيينة : ماقدم علينا مثل ابن المبارك ، ويحيى بن
أبي زائدة . وقال الحارث بن سريج ، عن يحيى القطان : ماخالفني أحد
بالكوفة أشد علي من ابن أبي زائدة . وقال أحمد ، وابن معين : ثقة .
وقال عثمان الدارمي : قلت لابن معين : إسماعيل بن زكريا أحب
إليك، أو يحيى بن أبي زائدة ؟ قال : يحيى أحب إلي . قلت : هما
أخوان عندك ؟ قال : لا ، وقال ابن المديني : هو من الثقات ، وقال
أيضا : لم یکن بالكوفة بعد الثوري أثبت منه.
وقال أيضا : انتهى العلم إليه في زمانه . وقال ابن نمير : كان في
الإتقان أكثر من ابن إدريس، وقال أبو حاتم : مستقيم الحديث . ثقة
صدوق . وقال النسائي : ثقة ثبت . وقال العجلي : ثقة . وهو ممن
جمع له الفقه ، والحديث، وكان على قضاء المدائن ، ويعد من حفاظ
الكوفيين للحديث ، متقنا ، ثبتا ، صاحب سنة ، ووكيع إنما صنف كتبه
على كتب يحيى بن أبي زائدة . وذكر ابن أبي حاتم : أنه أول من صنف
الكتب بالكوفة . وقال إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة : يحيى بن أبي
زائدة في الحديث مثل العروس المعطرة . وقال الدّوري عن ابن معين :
كان يحيى بن زكريا کیسا . ولا أعلمه أخطأ إلاَّ في حديث واحد ، عن
سفيان ، عن أبي إسحاق . عن قبيصة بن بُرْمَة : قال : قال عبد الله :
((ما أحب أن يكون عبيدكم مؤدبيكم)) وإنما هو عن واصل ، عن قبيصة
وقال الغلابي عن ابن معين : نحو ذلك . وقال حنبل ، عن محمد بن
داود : سمعت عيسى بن يونس ، وسئل عن يحيى بن أبي زائدة ؟ فقال :
ثقة ورأيت زكريا بن أبي زائدة يجيىء به إلى مجالد . وقال زياد بن
أيوب: كان يحدث حفظا وقال علي بن المديني: مات سنة ١٨٢ ، وقال

- ٨٦
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
ابن سعد ، وغيره : مات بالمدائن وهو قاض بها سنة ٨٣ وفيها أرخه غير
واحد . زاد يعقوب بن شيبة : وبلغ من السن يوم مات ٦٣ سنة .
وقال ثقة حسن الحديث ، ويقولون : إنه أول من صنف الكتب
بالكوفة ، وكان يعد في فقهاء محدثي أهل الكوفة ، وكانت وفاته في
جمادى الأولى . وقال خليفة ، وابن حبان مات سنة ثلاث ، أو أربع ،
وقال ابن قانع : مات سنة أربع .
قال الحافظ : قلت : وقال ابن أبي حاتم في العلل سألت أبي ، وأبا
زرعة عن حديث رواه ابن أبي زائدة ، عن يحيى بن سعيد ، عن مسلم بن
يسار ، عن ابن عمير في العبث بالحصى ، فقالا : وهم ابن أبي زائدة ،
وانما هو مسلم بن أبي مريم ، عن علي بن عبد الرحمن ، عن ابن عمير .
قال أبو زرعة : يحيى قلما يخطيء، فإذا أخطأ أتى بالعظائم انتهى ،
وهذا يرد على الذي ذكره ابن معين : قال عمر بن شَبَّةَ : ثنا أبو نعيم ، ثنا
يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، وماهو بأهل أن يحدث عنه ، عن ابن أبي
خالد ، قوله : قال : ولو كان فقيها ماحدث به عنه . وقال ابن سعد :
كان ثقة إن شاء الله تعالى ، وقال ابن شاهين في الثقات : قيل ليحيى بن
معين : إن زكريا بن عدي لم يحدث عنه ، قال : هو خير من زكرياء بن
عدي ، ومن أهل قريته . تت [جـ ١١ ص ٢١٠,٢٠٨] أخرج له الجماعة
وفي (ت) ثقة من كبار التاسعة .
٣- (زكرياء بن (١) أبي زائدة) خالد بن ميمون بن فيروز ، وقال
بحشل: اسم أبي زائدة هبيرة ، الهمداني ، الوادعي (٢) مولاهم ، أبو
يحيى ، الكوفي .
(١) في المغني : زكرياء بمد وقصر . اهـ .
(٢) في لب اللباب : الوادعي: بكسر الدال المهملة ثم عين مهملة نسبة إلى وادعة بطن من
همدان اهـ .

٩٣ باب عدد غسل الرجلين - حديث رقم ١١٥
٨٧ -
روى عن أبي إسحاق السبيعي ، وعامر الشعبي ، وفراس ، وسماك
ابن حرب ، وسعد بن إبراهيم ، وخالد بن سلمة ، ومصعب بن شيبة .
وعبد الملك بن عمير ، وغيرهم .
وعنه ابنه يحيى ، والثوري ، وشعبة ، وابن المبارك ، وعيسى بن
يونس ، والقطان ، ووكيع ، وأبو أسامة ، وأبو نعيم ، وغيرهم . قال
القطان : ليس به بأس ، وليس عندي مثل إسماعيل بن أبي خالد . وقال
صالح بن أحمد ، عن أبيه : إذا اختلف زكرياء ، وإسرائيل ، فإن زكرياء
أحب إلي في أبي إسحاق ، ثم قال: ما أقربهما ، وحديثهما عن أبي
إسحاق لين ، سمعا منه بآخره ، وقال عبد الله عن أبيه : ثقة ، حلو
الحديث ، ما أقربه من إسماعيل بن أبي خالد . وقال عباس : عن ابن
معين : صالح . وقال عثمان عنه : زكريا أحب إلي في كل شيء ، وابن
أبي ليلى ، ضعيف ، وقال العجلي : كان ثقة ، إلا أن سماعه من أبي
إسحاق بآخره ، ويقال : إن شريكًا أقدم سماعا منه ، وقال أبو زرعة :
صويلح يدلس كثيراً عن الشعبي ، وقال أبو حاتم : لين الحديث ، كان
يدلس ، وإسرائيل أحب إلي منه ، ويقال : إن المسائل التي كان يرويها
عن الشعبي ، لم يسمعها منه إنما أخذها عن أبي حريز ، وقال الآجري
عن أبي داود : وزكريا أرفع منه يعني من أجلح مائة درجة ، قال أبو
داود: وزكريا ثقة ، إلا أنه يدلس . قال يحيى بن زكرياء : لو شئت
سميت لك من بين أبي وبين الشعبي ، وقال النسائي : ثقة .
قال ابن نمير : مات سنة ١٤٧ وقال أبو نعيم: مات سنة ٤٨ . وقال
محمد بن سعد ، وعمرو بن على : سنة ٤٩ . قال الحافظ : وقال ابن
حبان في الثقات : اسم أبي زائدة : فيروز ، وقيل : خالد . مات سنة
٤٨ أو ٤٩ . وقال أبو بكر البرديجي: ليس به بأس. وقال يعقوب بن
سفيان ، وأبو بكر البزار : ثقة .

- ٨٨ =
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
وقال ابن سعد : كان ثقة كثير الحديث . وقال ابن قانع : كان قاضيا
بالكوفة . اهـ تت [جـ٣ ص٣٢٩] أخرج له الجماعة. وفي (ت) ثقة ،
وكان يدلس ، وسماعه من أبي إسحاق بآخره [٦].
٤- (أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله الهمداني ، السّبيعي بفتح المهملة
وكسر الموحدة مكثر ثقة عابد ، من الثالثة اختلط بآخره ، مات سنة ١٢٩
وقيل قبل ذلك وتقدم ٤٢/٣٧ .
٥- ( أبو حية الوادعي) بن قيس الكوفي ، قيل : اسمه عمرو بن
نصر، وقيل : عبد الله ، وقيل : عامر بن الحارث ، وقال أبو أحمد
الحاكم، وغيره : لا يعرف اسمه مقبول من الثالثة تقدم في ٩٦/٧٩.
٦- (علي) بن أبي طالب الهاشمي أبو الحسن ، رابع الخلفاء
الراشدين، رضي الله عنه تقدم ٧٤/ ٩١ .
لطائف الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف ، ومنها أن رواته كلهم ثقات ، إلا
أبا حية فمقبول ، وأنهم كلهم كوفيون ، إلا شيخ المصنف فمصيصي .
وفيه رواية تابعي ، عن تابعي ، أبو إسحاق ، عن أبي حية ، وفيه
الإخبار ، والعنعنة ، والتحديث . وأن رجاله ممن أخرج لهم الجماعة إلا
شيخه فأخرج عنه هو وأبو داود فقط ، وإلا أباحية : فالأربعة .
شرح الحديث
(عن ابن أبي زائدة ) يحيى بن زكريا ء بن خالد بن ميمون ، أبي سعيد
الكوفي ، أنه قال (حدثني أبي) زكرياء بن خالد ( وغيره) أي غير أبيه
(عن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي (عن أبي حية) بن قيس
(الوادعي) بكسر الدال نسبة إلى وادعة بن عمرو ، بطن من همدان أفاده

٨٩ -
٩٣ باب عدد غسل الرجلين - حديث رقم ١١٥
في اللباب [جـ ٣ ص ٣٤٤] أنه (قال: رأيت عليا) رضي الله عنه (توضأ)
جملة حالية ، لأن ((رأى)) بصرية وجملة قوله ( فغسل كفيه ثلاثا)
تفصيل، وتوضيح لمعنى توضأ (وتمضمض ، واستنشق ثلاثا) راجع
لكل من التمضمض ، والاستنشاق ، لما تقدم للمصنف (( ثم تمضمض
ثلاثا ، واستنشق ثلاثا)) ( وغسل وجهه ثلاثا ، وذراعيه) قال في
المصباح: الذراع : اليد من كل حيوان ، لكنها من الإنسان من المرفق إلى
أطراف الأصابع اهـ [جـ ١ ص ٢٠٧] (ثلاثا ثلاثا) أي كل واحد منهما ،
وفي الرواية السابقة ٧٥/ ٩٢ (( وغسل يده اليمنى ثلاثا ويده الشمال
ثلاثا)).
(ومسح برأسه) أي مرة واحدة لما تقدم في [٧٥/ ٩٢] (( ومسح برأسه
مرة واحدة)) ( وغسل رجليه ثلاثا ثلاثا) وتقدم قوله : (( ثم غسل رجله
اليمنى ثلاثا ، ورجله الشمال ثلاثا)) (ثم قال) علي رضي الله عنه (هذا
وضوء رسول الله ٤) يعني أنه مثله، أو أطلقه مبالغة .
وموضع الترجمة قوله: (( وغسل رجليه ثلاثا ، ثلاثا)) . والله أعلم.
مسائل : تتعلق بحديث الباب
المسألة الأولى : في درجة الحديث :
حديث الباب صحيح بشواهده، وقد قدمنا في [٧٩ / ٩٦] أن ابن
السكن وغيره صححوا حديث أبي حية، وقد تابعه في روايته عن علي
رضي الله عنه : عبد خير ، والحسين بن علي رضي الله عنهما .
المسألة الثانية : فيمن أخرجه من الستة :
حديث علي رضي الله عنه أخرجه المصنف وأبو داود ، والترمذي ،
وقد تقدم تفاصيل ذلك كله في [٧٩ /٩٦] .

- ٩٠
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
المسألة الثالثة : في فوائد الحديث :
يستفاد من الحديث : مشروعية غسل الكفين ثلاثا ، والمضمضة ثلاثا ،
وغسل الوجه ثلاثا ، وغسل الذراعين ثلاثا ، ومسح الرأس ، مرة واحدة
وغسل الرجلين ثلاثا ، ثلاثا ، وحرص الشخص على متابعة سنة رسول
اللـه عَ﴾، وتعليمها للجاهل ، لأن عليا رضي الله عنه توضأ تعليما
للناس .
وقد تقدمت بقية فوائده . في [٧٩ / ٩٦] فارجع إليها .
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله، عليه
توكلت ، وإليه أنيب )) .

٩١ -
٩٤ باب حد الغسل - حديث رقم ١١٦
٩٤- بابُ حَدَّ الفُسْل
أي هذا باب في ذكر الحديث الدال على حد غسل الرجلين .
وقال السندي : مانصه : ذکر فیه حدیث عثمان الدال على أن الید إلى
المرفق والرجل إلى الكعب أو الدال على أن الغسل يثلث دون المسح اهـ.
قال الجامع عفا الله عنه :
الأولى ما ذكرته من أن المراد بحد الغسل حد غسل الرجلين ، لأنه
تقدم له نظير هذا في غسل اليدين حيث قال ((باب صفة الوضوء)) ((باب
غسل اليدين)) ((باب حد الغسل)) ثم ذكر الأبواب المتعلقة بالمسح، ثم قال
(باب إيجاب غسل الرجلين)) إلى أن قال ((عدد غسل الرجلين) (( باب
حد الغسل)) فأراد بحد الغسل في الأول غسل اليدين ، وفي الثاني غسل
الرجلين . والله أعلم .
١١٦ - أخْبَرَنَا أحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بِنِ السَّرْحِ، وَالْخَارِثُ بْنُ مِسْكِينِ
قِرَاءَةٌ عَلَيْهِ وَأَنَا أسْمَعُ والََّغْظُ لَهُ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ
عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَزِيدَ اللَّيْثِيَّ أَخْبَرَهُ أنَّ حُمْرَانَ
مَوَلَى عُثْمَانَ أَخْبَرَهُ: أنَّ عُثْمَانَ دَعَا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَا، فَغَسَلَ
كَفَّهِ ثَلاثَ مَرَّتٍ ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ
ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى إِلَى المِرْفَقِ ثَلاثَ مَرَّاتِ
ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ اليُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسَهِ ، ثُمَّ

- ٩٢
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
غَسَلَ رِجْلهَ اليُمْنَى إِلَى الكَعْبَينِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ
رِجْلُهَ اليُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: رَأيْتُ رَسُولَ الله عَُّ
تَوَضَّأَ نَحْوُ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ قَالَ: « مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئي
هَذَ ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْن لا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ فِيهِمَا بِشَيءٍ غَفَرَ
الَّلهُ لهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبه».
رجال الإسناد: ثمانية
١-( أحمد بن عمرو بن السرح) هو أحمد بن عمرو بن عبد الله بن
عمرو بن السرح بمهملات ، أبو الطاهر المصري ، ثقة من العاشرة ، مات
سنة ٢٥٠ تقدم في ٣٩/٣٥.
٢- ( الحارث بن مسكين) بن محمد بن يوسف مولى بني أمية ، أبو
عمرو المصري ، قاضيها ، ثقة ، فقيه من العاشرة مات سنة ٢٥٠ ، وله
٩٦، سنة، وتقدم في ٩/ ٩ وفي ٨٠/ ٩٧.
٣- ( ابن وهب) هو عبد الله بن وهب بن مسلم ، القرشي ،
مولاهم، أبو محمد ، المصري ، الفقيه ، ثقة ، حافظ ، عابد ، من
التاسعة مات سنة ١٩٧ . وله ٧٢ سنة وتقدم في ٩/ ٩.
٤- (يونس) بن يزيد بن أبي النِّجَاد ، الأيلي، بفتح الهمزة،
وسكون التحتانية ، بعدها لام ، أبو يزيد ، مولى آل أبي سفيان ، ثقة إلا
أن في روايته عن الزهري وَهَما قليلا ، وفي غير الزهري خطأ ، من كبار
السابعة ، مات سنة ١٥٩، على الصحيح ، وقيل بعدها سنة ١٦٠،
وتقدم في ٩/٩ .

-٩٣ -
٩٤ باب حد الغسل - حديث رقم ١١٦
٥- ( ابن شهاب ) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب
ابن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب ، القرشي ، الزهري ،
وكنيته: أبو بكر ، الفقيه الحافظ ، متفق على جلالته ، وإتقانه وثبته ،
وهو من رؤوس الطبقة الرابعة ، مات سنة ١٢٥ ، وقيل : قبل ذلك بسنة
أو بسنتين ، وتقدم في ١/ ١ .
٦- (عطاء بن يزيد الليثي) المدني ، نزيل الشام ، ثقة من الثالثة ،
مات سنة ٥/ أو ١٠٧، وقد جاوز ٨٠ وتقدم في ٦٨ / ٨٤.
٧- ( حمران) بضم أوله ابن أبان مولى عثمان بن عفان ، اشتراه في
زمن أبي بكر الصديق ، ثقة من الثانية مات سنة ٧٥ وقيل غير ذلك ،
وتقدم في ٦٨/ ٨٤ .
٨- ( عثمان) بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس ، الأموي
أمير المؤمنين ، ذو النورين ، أحد السابقين الأولين ، والخلفاء الأربعة ،
والعشرة المبشرة ، استشهد في ذي الحجة بعد عيد الأضحى سنة ٣٥ ،
وكانت خلافته ١٢ سنة، عمره ٨٠ ، وقيل أكثر، وقيل : أقل ، وتقدم
في ٦٨/ ٨٤.
لطائف الإسناد
منها : أنه من سباعيات المصنف ، وأن رواته كلهم ثقات ، وأنهم مابين
مصريين ، وهم الثلاثة الأولون ، وأيلي ، وهو يزيد . ومدنيين : وهم
الباقون . وأن فيه التحديث ، والإخبار ، والعنعنة . وأن فيه ثلاثة من
التابعين يروي بعضهم عن بعض وهم ابن شهاب ، وعطاء ، وحمران.
شرح الحديث
(أن حمران مولى عثمان أخبره) أي أخبر عطاء ( أن عثمان) بن عفان

- ٩٤
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
رضي الله عنه (دعا بوضوء) بفتح الواو ، لا غير ، لأن المراد الماء الذي
يتوضأ به ( فتوضأ) من ذلك الماء (فغسل كفيه) الفاء تفسيرية لأن قوله :
توضأ مجمل، فصله قوله : غسل. إلخ . وفي الرواية المتقدمة في
[٨٤/٦٨]. ((فأفرغ على يديه)) وقلنا هناك، المراد كفيه ( ثلاث مرات)
صفة لمصدر محذوف : أي غسلا ثلاثا أفاده العيني .
ثم إن الظاهر أنه غسل الكفين معا . قال الإمام ابن دقيق العيد :
غسلُهما قدر مشترك بين كونه غسلهما مجموعتين ، أو مفترقتين ،
والفقهاء اختلفوا أيهما أفضل ؟ اهـج١ ص١٦٨ وكتب العلامة
الصنعاني: ما نصه : قوله أفضل ، أقول : إن غسلهما مجموعتين أعون
على إذ هاب ماعساه فيهما ، لقوة الدلك . ، وغسل كل واحدة على
حدة فيه زيادة عمل بإفراد كل واحدة بطهارة ، والأظهر أن الوجهين
متكافئان ، والمكلف مخيراهـ عدة [جـ١ ص١٦٨].
قال الجامع عفا الله عنه :
بل الأظهر غسلهما معا ، كما أسلفنا قريبا .
وفيه استحباب غسل الكفين قبل إدخالهما الإناء ، ولو لم يكن عقب
النوم ، وهو إجماع بين العلماء لمن لم يستيقظ ، وقد مر الخلاف في
وجوب غسلهما عقب النوم في ١/١ .
( ثم مضمض ) أي حرك الماء في فمه ، وأصل المضمضة ، كما قال
الفارابي صوت الحية ، ونحوها ، ويقال : هو تحريكها لسانها . قاله في
المصباح .
وقال الحافظ : أصل المضمضة في اللغة التحريك ، ثم اشتهر استعماله
في وضع الماء في الفم وتحريكه وأما معناه في الوضوء الشرعي ، فأكمله
أن يضع الماء في الفم ، ثم يديره ، ثم يمجه اهـ وقال ابن دقيق : قال

٩٥ _
٩٤ باب حد الغسل - حديث رقم ١١٦
بعض الفقهاء : المضمضة أن يجعل الماء في فمه ، ثم يمجه ، فأدخل المج
في حقيقة المضمضة ، فعلى هذا لو ابتلع الماء لم يكن مؤديا للسنة ، وهذا
الذي يكثر في أفعال المتوضئيين ، أعني الجعل ، والمج ، ويمكن أن يكون
ذكر ذلك بناء على أنه الأغلب والعادة ، لا أنه يتوقف تأدية السنة على
مجه اهـ .
قال الجامع عفا الله عنه :
إدخال المج في مفهوم المضمضة ليس بشيء ، لأن المضمضة كما
أسلفنا هو التحريك ، ولم يرد في السنة زيادة على معناه اللغوي ، فلا
ينبغي زيادته في مفهومها ، والله أعلم.
( واستنشق ) أي جعل الماء في أنفه ، وجذبه بنفسه ، لیزول مافيه من
الأوساخ، وأصل الاستنشاق: شم الريح مع قوة، كما تقيده عبارة اللسان
ثم إنه لم يرد في طرق هذا الحديث تقييد المضمضة ، والاستنشاق بعدد
غير طريق يونس عن الزهري ، فيما ذكره ابن المنذر ، وكذا فيما ذكره أبو
داود ، من وجهين آخرين عن عثمان رضي الله عنه - فإن في أحدهما
((فتمضمض ثلاثا ، واستنثر ثلاثا))، وفي الآخر (( ثم تمضمض، واستنثر
ثلاثا )) أفاده العيني [جـ٢ ص ٣٠٠].
(ثم غسل وجهه) عطفه بثم إشارة إلى أن غسل الوجه يتأخر عن
المضمضة ، والاستشاق. قال العلامة ابن دقيق العيد : فيه دليل على
الترتيب بين غسل الوجه ، والمضمضة والاستنشاق ، وتأخيره عنهما ،
فيؤخذ منه الترتيب بين المفروض ، والمسنون . اهـ إحكام ج١ ص١٧١ .
قلت : هذا : إذا قلنا : بسنيتهما ، وقد عرفت أن الراجح وجوبهما ،
فتنبه . وكتب العلامة الصنعاني على قوله : فيؤخذ منه الترتيب : الخ :
ما نصه : إلا أنه قد ورد ما یعارضه ، فأخرج أحمد ، وأبو داود من

- ٩٦
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
حديث المقدام بن معدي كرب، قال: (( أتي رسول الله عليه بوضوء
فتوضأ ، فغسل كفيه ثلاثا ، ثم غسل ذراعيه ثلاثا ، ثم
مضمض، واستنشق ثلاثا)) وعليه ترجم ابن تيمية ، يعني المجد
عبدالسلام صاحب المنتقى ((باب جواز تأخيرهما من غسل الوجه
واليدين)) وأخرج عن الرَّبيّع بنت معوذ مثله، إلا أنها قالت: (( فغسل
وجهه ثلاثا ، ثم تمضمض )).
وقال النووي : إنهم يتأولون هذه الرواية على أن لفظة (ثم)) لیست هنا
للترتيب ، بل لعطف جملة على جملة ، لأن المراد ذكر الجمل ، لاصفة
الترتيب ، ولهذا لم يذكر غسل الرجلين في هذه الرواية انتهى .
قال الصنعاني : قلت : قد روى أبو داود في رواية المقدام: ((غسل
رجليه ثلاثا)) وذهب ابن تيمية إلى ترجيح رواية تقدم المضمضة ، فإنها
عن علي، وعثمان، وهما أقعد بمعرفة أحواله عليه ، ولأن روايتهما
أخرجها الشيخان .
:
وما أخرجاه مقدم على غيره كما عرف في أصول الحديث اهـ كلام
الصنعاني في العدة [جـ ١ ص ١٧٢,١٧١] .
وسيأتي تمام البحث في وجوب الترتيب ، وعدمه في المسائل آخر
الباب إن شاء الله تعالى .
( ثلاث مرات) وهذا التثليث مستحب بالإجماع ( ثم يده اليمنى)
مؤنث اليمين ، ضد اليسار . وأنثه لأن اليد مؤنثة ( إلى المرفق) بفتح الميم
وكسر الفاء ، وعكسه ، لغتان ، وهو موصل الذراع بالعضد ( ثلاث
مرات ) أي غسلا ثلاث مرات ( ثم غسل يده الیسری) تأنيث اليسار (مثل
ذلك) أي ثلاث مرات . ولا خلاف في وجوب غسل اليدين للنص ،
والجمهور على وجوب غسل المرفق ، وخالف في ذلك زفر من الحنفية ،

٩٧ -
٩٤ باب حد الغسل - حديث رقم ١١٦
وداود الظاهري . وقد تقدم ترجيح وجوب دخولهما في الغسل في
شرح حديث عبد الله بن زيد في الباب ٨٠ / ٩٧ .
( ثم مسح برأسه) بزيادة الباء ، وفي رواية للبخاري : ((رأسه)) بلاباء
وهى رواية أبي داود . وقد تقدم الكلام في هذه الباء، وفي معنى
المسح، وأن مسح جميع الرأس واجب في شرح حديث عثمان في الباب
٨٤/٦٨ ( ثم غسل رجله اليمنى) وفي الرواية السابقة قدمه اليمنى .
ورجل الإنسان التي يمشي بها من أصل الفخد إلى القدم وهي : أنثى ،
وجمعها : أرْجُل، ولا جمع لها غير ذلك. قاله في المصباح .
[جـ١ ص٢٢٠].
(إلى الكعبين ) تثنية كعب . قال في المصباح : الكعب من الإنسان :
اختلف فيه أئمة اللغة ، فقال أبو عمرو بن العلاء ، والأصمعي ،
وجماعة : هو العظم الناشز في جانب القدم عند ملتقى الساق ،
والقدم، فيكون لكل قدم كعبان عن يمنتها ، ويسرتها ، وقد صرح بهذا
الأزهري ، وغيره . وقال ابن الأعرابي ، وجماعة : الكعب : هو
المفصل بين الساق ، والقدم ، والجمع كعوب، وأكعب، وركعاب .
قال الأزهري : الكعبان : الناتئان في منتهى الساق مع القدم عن يمنة
القدم ويسرتها . وذهب الشيعة إلى أن الكعب في ظهر القدم ، وأنكره
أئمة اللغة كالأصمعي ، وغيره اهـ [٢/ ٥٣٥].
قلت : وتقدم عن محمد بن الحسن مثل مذهب الشيعة إلا أن ذلك في
تفسير حديث المحرم ((وإذا لم يجد النعلين ، فليلبس الخفين ، وليقطعهما
أسفل الكعبين )) لا أنه فسر به آية الوضوء، كما حققه العلامة بدر الدين
العيني في العمدة .
وقد ذكر الحافظ في الفتح : أنه مروي عن مالك أيضا ، والكلام في

- ٩٨
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
دخول الكعبين في وجوب الغسل كالكلام في المرفقين قد مر تحقيقه في
الباب ٨٠ في الحديث ٩٧ .
(ثلاث مرات) فيه دليل على استحباب التكرار في غسل الرجلين
ثلاثا ، وبعض الفقهاء لا يرى ذلك ، وقد استدلوا بما في بعض الروايات
((فغسل رجليه حتى أنقاهما )) ولم يذكر عددا .
وأكدوا ذلك أيضا من جهة المعنى : بأن الرجل لقربها من الأرض في
المشي عليها تكثر فيها الأوساخ . والأدران ، فيُحَالُ الأمر فيها على
مجرد الإنقاء من غير اعتبار العدد . قال العلامة ابن دقيق العيد رحمه
الله : والرواية التي ذكر فيها العدد زائدة على الرواية التي لم یذکر فيها،
فالأخذ بها متعين . والمعنى المذكور ، لا ينافي اعتبار العدد ، فليعمل بما
دل عليه لفظ الحديث اهـ إحكام [جـ١ ص ١٨٤] .
قال الجامع : هذا الكلام في غاية التحقیق ( ثم غسل رجله اليسرى
مثل ذلك) أي إلى الكعبين ، ثلاث مرات (ثم) بعد وضوئه على هذه
الکیفیة (قال ) عثمان رضي الله عنه (رأيت رسول الله #توضأ) جملة
حالية من المفعول ، لأن(رأئ هنا بصرية فلا تنصب مفعولين كما تقدم .
( نحو وضوئي هذا) أي مثله ( ثم قال ) عثمان رضي الله عنه (قال
رسول الله﴾: من توضأ نحو وضوئي هذا) أي مثله في الكيفية
والكمية .
قال العلامة ابن دقيق العيد: لفظة ((نحو)) لا تطابق لفظة (( مثل)) فإن
لفظه ((مثل)) يقتضي ظاهرها المساواة من كل وجه ، إلا في الوجه الذي
يقتضي التغاير بين الحقيقتين ، بحيث يخرجها عن الوحدة ولفظة (( نحو))
لاتعطي ذلك ، ولعلها استعلمت بمعنى المثل مجازا ، أو لعله لم يترك مما
يقتضي المثلية إلا ما لا يقدح في المقصود ، فقد يظهر في الفعل

٩٩ -
٩٤ باب حد الغسل - حديث رقم ١١٦
المخصوص أن فيه أشياء ملغاة عن الاعتبار في المقصود من الفعل .
فإذا تركت هذه الأشياء لم يكن الفعل مماثلا حقيقة لذلك الفعل ، ولم
يقدح تركها في المقصود منه ، وهو رفع الحدث ، وترتب الثواب .
وإنما احتجنا إلى هذا ، وقلنا به لأن هذا الحديث ذكر لبيان فعل يقتدى
به ، ويحصل الثواب الموعود عليه ، فلابد أن يكون الوضوء المحكي
المفعول محصلا لهذا الغرض ، فلهذا قلنا : إما أن يكون استعمل ((نحو))
في غير حقيقتها أي بمعنى ((مثل)) أو يكون ترك ما علم قطعا أنه لايخل
بالمقصود ، فاستعمل ((نحو)) في حقيقتها مع عدم فوات المقصود . والله
أعلم .
ويمكن أن يقال : إن الثواب يترتب على مقارنة ذلك الفعل ، تسهيلا
وتوسيعا على المخاطبين من غير تضييق ، وتقييد بما ذكرناه أوّلا ، إلا أن
الأول أقرب إلى مقصود البيان .
ثم قال : هذا الثواب الموعود به يترتب على مجموع أمرين :
أحدهما: الوضوء على النحو المذكور والثاني : صلاة ركعتين بعده
بالوصف المذكور بعده في الحديث ، والمرتب على مجموع أمرين لا يلزم
ترتبه على أحدهما إلا بدليل خارج .
وقد أدخل قوم هذا الحديث في فضل الوضوء ، وعليهم في ذلك هذا
السؤال الذي ذكرناه ، ويجاب عنه : بأن كون الشيء جزءا مما يترتب
عليه الثواب العظيم كاف في كونه ذا فضل ، فيحصل المقصود من كون
الحديث دالا على فضيلة الوضوء ، ويظهر بذلك الفرق بين حصول
الثواب المخصوص ، وحصول مطلق الثواب ، فالثواب المخصوص
يترتب على مجموع الوضوء على النحو المذكور ، والصلاة الموصوفة
بالوصف المذكور . ومطلق الثواب قد يحصل بما دون ذلك . اهـ إحكام
الأحكام [جـ١ ص ١٨٤، ١٨٩].

- ١٠٠
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
(ثم قام فرکع ركعتين) وهاتان الركعتان مستحبتان ، كما تقدم في
الباب ٨٤/٦٨ وقوله : (لا يحدث فيهما نفسه) جملة في محل نصب
صفة لركعتين ، وتقدم في ٦٨/ ٨٤ زيادة (( بشيء )) والمراد أنه لا يحدث
نفسه بشيء من أمور الدنيا .
لما في رواية الترمذي الحكيم في هذا الحديث (( لا يحدث نفسه بشيء
من الدنيا)).
وهي في الزهد لابن المبارك أيضا ، والمصنَّف لابن أبي شيبة قاله في
الفتح [جـ ١ص ٣١٢]، وقال العلامة ابن دقيق العيد: قوله: ((لا
يحدث فيهما نفسه)) إشارة إلى الخواطر، والوساوس الواردة على
النفس ، وهي على قسمين : أحدهما : ما يهجم هجما يتعذر دفعه عن
النفس . والثاني : ما تسترسل معه النفس ، ويمكن قطعه ودفعه .
فيمكن أن يحمل هذا الحديث على هذا النوع الثاني .
فيخرج عنه النوع الأول لعسر اعتباره . ويشهد لذلك لفظة (( يحدث
نفسه)) فإنه يقتضي تكسبا منه، وتفعلا، لهذا الحديث(١)، ويمكن أن يحمل
على النوعين معا ، إلا أن العسر إنما يجب دفعه عما يتعلق بالتكاليف .
والحديث إنما يقتضي ترتب ثواب مخصوص على عمل مخصوص .
فمن حصل له ذلك العمل : حصل له ذلك الثواب ، ومن لا فلا .
وليس ذلك من باب التكاليف حتى يلزم دفع العسر عنه . نعم لابد وأن
تكون تلك الحالة ممكنة الحصول .
أعني الوصف المرتب عليه الثواب المخصوص ، والأمر كذلك فإن
المتجردين عن شواغل الدنيا الذين غلب ذكر الله عز وجل على قلوبهم
وغمرها تحصل لهم تلك الحالة ، وقد حكى بعضهم ذلك . اهـ إحكام
[جـ ١ ص١٩٠، ١٩٢].
(١) أي حديث النفس.