النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١ -
٨٩ باب إيجاب غسل الرجلين - حديث رقم ١١١،١١٠
النصب على أنها عطف على الموضع كما قال الشاعر ( من الوافر):
فَلَسْنَا بالجَبَالِ وَلاَ الحَديدَا
وقد رجح الجمهور قراءتهم هذه بالثابت عنه عليه الصلاة والسلام إذ
قال في قوم لم يستوفوا غسل أقدامهم في الوضوء (( ويل للأعقاب من
النار)) قالوا : فهذا يدل على أن الغسل هو الفرض لأن الواجب هو الذي
يتعلق بتركه العقاب ، وهذا ليس فيه حجة ، لأنه إنما وقع الوعيد على
أنهم تركوا أعقابهم دون غسل ، ولا شك أن من شرع في الغسل ففرضه
الغسل في جميع القدم كما أن من شرع في المسح ففرضه المسح عند من
يخير بين الأمرين . وقد دل على هذا ماجاء في أثر أخرجه مسلم(١) أيضا
أنه قال: ((فجعلنا نمسح على أرجلنا فنادى ويل للأعقاب من النار))
وهذا الأثر ، وإن كانت العادة قد جرت بالاحتجاج به في منع المسح ،
فهو أدل على جوازه منه على منعه . لأن الوعيد انما تعلق فيه بترك التعميم
لا بنوع الطهارة ، بل سكت عن نوعها ، وذلك دليل على جوازها ،
وجواز المسح هو أيضا مروي عن بعض الصحابة ، والتابعين ولكن من
طريق المَعْنَى فالغسل أشد مناسبة للقدمين من المسح كما أن المسح أشد
مناسبة للرأس من الغسل إذ كانت القدمان لا يُنقَّى دنسهما غالبا إلا
بالغسل . وينقى دنس الرأس بالمسح ، وذلك أيضا غالب ، والمصالح
المعقولة لا يمتنع أن تكون أسبابا للعبادات المفروضة حتى يكون الشرع
لاحظ فيها معنيين : معنى مصلحيا ، ومعنى عباديا وأعني بالمصلحي ما
رجع إلى الأمور المحسوسة ، وبالعبادي ما رجع إلى زكاة النفس،
وكذلك اختلفوا في الکعبین هل يدخلان في المسح أو في الغسل عند من
أجاز المسح ؟ .
(١) الصواب أن هذا متفق عليه .

- ٤٢
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
وأصل اختلافهم الاشتراك الذي في حرف ((إلى)) أعني في قوله تعالى
﴿وأرجلكم إلى الكعبين﴾ [المائدة: آية ٦] وقد تقدم القول في اشتراك هذا
الحرف في قوله تعالى ﴿ إلى المرافق﴾ [المائة: آية ٦] لكن الاشتراك وقع
هنالك من جهتين من اشتراك اسم ((اليد))، ومن اشتراك حرف ((إلى)) ،
وهنا من قبيل اشتراك حرف ((إلى)) فقط .
وقد اختلفوا في الكعب ماهو ؟ وذلك لاشتراك اسم الكعب ،
واختلاف أهل اللغة في دلالته ، فقيل : هما العظمان اللذان عند معقد
الشراك ، وقيل : هما العظمان الناتئان في طرف الساق ، ولا خلاف
فيما أحسب في دخولهما في الغسل عند من يرى أنهما عند معقد الشراك
إذ كان جزءا من القدم لذلك قال قوم : إنه إذا كان الحد من جنس المحدود
دخلت الغاية فيه ، أعني الشيء الذي يدل عليه حرف ((إلى))، وإذا لم
يكن من جنس المحدود لم يدخل فيه مثل قوله تعالى ﴿ ثم أتموا الصيام إلى
الليل﴾ [البقرة: آية ١٨٧]١ هـ كلام ابن رشد في بدايته [جـ ١ ص١٥، ١٦].
وقال القرطبي في ((جامع الأحكام))، عند قوله تعالى ﴿وأرجلكم إلى
الكعبين﴾ ما نصه: قرأ نافع، وابن عامر، والكسائي ﴿وأرجلكم﴾
بالنصب ، وروی الولید بن مسلم عن نافع أنه قرأ ﴿وارجلگم﴾ بالرفع ،
وهى قراءة الحسن والأعمش سليمانَ ، وقرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ،
وحمزة ﴿وأرجلكم﴾ بالخفض، وبحسب هذه القراءات اختلف الصحابة
والتابعون ، فمن قرأ بالنصب جعل العامل اغسلوا ، وبنى على أن
الفرض في الرجلين الغسل دون المسح ، وهذا مذهب الجمهور والكافة
صَ الله
من العلماء ، وهو الثابت من فعل النبي
واللازم من قوله في غير ماحديث وقد رأى قومًا يتوضؤون، وأعقابهم
تلوح فنادى بأعلى صوته ((ويل للأعقاب من النار أسبغوا الوضوء)).

٤٣ _
٨٩ باب إيجاب غسل الرجلين - حديث رقم ١١١،١١٠
ثم إن الله حددهما فقال ﴿ إلى الكعبين ﴾ كما قال في اليدين ﴿ إلى
المرافق﴾ فدل على وجوب غسلهما، والله أعلم.
ومن قرأ بالخفض جعل العامل الباء ، قال ابن العربي : اتفقت العلماء
على وجوب غسلهما ، وما علمت من ردّ ذلك سوى الطبري من فقهاء
المسلمين ، والرافضة من غيرهم ، وتعلق الطبري بقراءة الخفض .
قلت قد رُويَ عن ابن عباس أنه قال : الوضوء غسلتان ومسحتان ،
وروي أن الحجاج خطب بالأهواز فذكر الوضوء فقال : اغسلوا
وجوهكم وامسحوا برؤسكم وأرجلكم فإنه ليس شيء من ابن آدم أقرب
من خبثه من قدميه فاغسلوا بطونهما وظهورهما وعراقيبهما ، فسمع
ذلك أنس بن مالك فقال : صدق الله ، وكذب الحجاج ، قال الله
تعالى، ﴿وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم﴾ [المائدة: آية ٦] قال: وكان إذا
مسح رجليه بلّهما ، وروي عن أنس أيضا أنه قال : نزل القرآن بالمسح
والسنة بالغسل وكان عكرمة يمسح رجليه ، وقال : ليس في الرجلين
غسل إنما نزل فيهما المسح وقال عامر الشعبي : نزل جبريل بالمسح ، ألا
ترى أن التيمم يمسح فيه ما كان غسلا، ويُلغَى ما كان مسحا ، وقال قتادة:
افترض الله غسلتين ومسحتين .
وذهب ابن جرير الطبري إلى أن فرضهما التخيير بين الغسل والمسح ،
وجعل القراءتين كالروايتين ، قال النحاس : ومن أحسن ما قيل فيه : إن
المسح والغسل واجبان جميعا ، فالمسح واجب على قراءة من قرأ بالخفض
والغسل واجب على قراءة من قرأ بالنصب ، والقراءتان بمنزلة آيتين .
وقال ابن عطية : وذهب قوم ممن يقرأ بالكسر إلى أن المسح في
الرجلين هو الغسل .

- ٤٤
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
قلت (١) : هو الصحيح ، فإن لفظ المسح مشترك يطلق بمعنى المسح ،
ويطلق بمعنى الغسل ، قال الهروي : أخبرنا الأزهري ، أخبرنا أبو بكر
محمد بن عثمان بن سعيد الدَّاريّ ، عن أبي حاتم ، عن أبي زيد
الأنصاري ، قال : المسح في كلام العرب یکون غسلا ، ويكون مسحا،
ومنه يقال للرجل إذا توضأ فغسل أعضاءه : قد تمسح ، ويقال: مسح الله
ما بك : اذا غسلك ، وطهرك من الذنوب .
فإذا ثبت بالنقل عن العرب أن المسح يكون بمعنى الغسل ، فترجح قول
من قال : إن المراد بقراءة الخفض الغسل ، وبقراءة (٢) النصب التي لا
احتمال فيها ، وبكثرة الأحاديث الثابتة بالغسل ، والتوعد على ترك
غسلها في أخبار صحاح لا تحصى كثرة أخرجها الأئمة .
ثم إن المسح في الرأس إنما دخل بين ما يغسل لبيان الترتيب على أنه
مفعول قبل الرجلين ، التقدير فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق
وأرجلكم إلى الكعبين ، وامسحوا برؤسكم ، فلما كان الرأس مفعولا
قبل الرجلين قدم عليهما في التلاوة، والله أعلم ، لا أنهما مشتركان مع
الرأس ، لتقدمه عليهما في صفة التطهير .
وقد روى عاصم بن كليب عن أبي عبد الرحمن السلمي ، قال : قرأ
الحسن، والحسين رحمة الله عليهما عَليَّ((وأرجلكم)) أي بالجر فسمع
علي ذلك ، وكان يقضي بين الناس فقال (( وأرجلكم)) أي بالنصب هذا
من المقدم والمؤخر من الكلام .
وروى أبو إسحاق عن الحارث عن علي رضي الله عنه قال : اغسلوا
الأقدام إلى الكعبين ، وكذا روى عن ابن مسعود ، وابن عباس أنهما قرءاً
(١) القائل هو القرطبي.
(٢) أي بدليل قراءة النصب .

٨٩ باب إيجاب غسل الرجلين - حديث رقم ١١١،١١٠
٤٥ -
{ وأرجلكم ﴾ بالنصب وقد قيل : إن الخفض في الرجلين إنما جاء مقيدا
لمسحهما لكن إذا كان عليهما خفان ، وتلقينا هذا القيد من رسول الله عمله
إذ لم يصح عنه أنه مسح رجليه إلا وعليهما خفان ، فبين عَّ بفعله الحال
التي تغسل فيه الرجل ، والحال التي تمسح فيه ، وهذا حسن .
وقد قيل: إن قوله تعالى: (( وأرجلكم )) معطوف على اللفظ دون
المعنى ، وهذا أيضا يدل على الغسل فإن المراعى المعنى ، لا اللفظ ، وإنما
خفض للجوار كما تفعل العرب ، وقد جاء هذافي القرآن وغيره قال الله
تعالى ﴿يرسل عليكما شواط من نار ونحاس﴾ [الرحمن: آية ٣٥] بالجر
لأن النحاس الدخان، وقال : ﴿بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ ﴾
[البروج: آية ٢١، ٢٢] بالجر (١)، قال إمرؤ القيس (من الطويل):
كَبِيرُ أنَاسٍ فِي بِجَادٍ مُزْمَّل (٢)
فخفض مزمل بالجوار وأن المزمل الرجل وإعرابه الرفع .
قال زهير : ( من الكامل )
لَعِبَ الزَّمَانُ بِها وَغَيَّرَهَا بَعْدِي سَوَافِي (٣) الموُرِ والقَطْر
قال أبو حاتم : كان الوجه القطر بالرفع ، ولكنه جره على جوار المور ،
كما قالت العرب هذا جحر ضب خَرِبٍ فجروه ، وإنما هو رفع . وهذا
مذهب الأخفش ، وأبي عبيدة ، ورده النحاس وقال : هذا القول غلط
عظيم ، لأن الجوار لايكون في الكلام أن ينقاس عليه ، وإنما هو غلط
ونظيره الإقواء .
(١) وهي قراءة ابن كثير .
(٢) صدر البيت: كأن أبَانًا في أفانين دَقَّه .. والبجاد : الكساء المخطط ، والمزمل المدثر في الثياب
. والمعنى أن مالبسه الخيل من المطر، وأحاط به إلىّ رأسه كشيخ في كساء مخطط .
(٣) السوافي جمع سافية وهى الريح الشديدة التي تسفي التراب أي تطيره . والمور بالضم التراب.

شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
-
- ٤٦
قلت(١): والقاطع في الباب من أن فرض الرجلين الغسل ما قدمناه ،
وما ثبت من قوله عة (( ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار )) فخوفنا
بذكر النار على مخالفة مراد الله عز وجل ، ومعلوم أن النار لا يعذب بها
إلا من ترك الواجب ، ومعلوم أن المسح ليس شأنه الاستيعاب ولا خلاف
بين القائلين بالمسح أن ذلك على ظهورهما لا على بطونهما عندهم ، وإنما
ذلك يدرك بالغسل لا بالمسح .
ودليل آخر من جهة الإجماع ، وذلك أنهم اتفقوا على أن من غسل
قدمیه فقد أدی الواجب عليه ، واختلفوا فیمن مسح قدمیه ، فالیقین ما
أجمعوا علیه دون ما اختلفوا فيه .
ونقل الجمهور كافة عن كافة عن نبيهم على أنه كان يغسل رجليه في
وضوئه مرة واثنين وثلاثا حتي ينقيها ، وحسبك بهذا حجة في الغسل مع
مابيناه فقد وضح وظهر أن قراءة الخفض المعنى فيها الغسل لا المسح كما
ذكرناه، وأن العامل في قوله ﴿وأرجلكم ﴾ قوله ﴿ فاغسلوا﴾.
والعرب قد تعطف الشيء على الشيء بفعل ينفرد به أحدهما
تقول: أكلت الخبز واللبن أي وشربت اللبن ، ومنه قول الشاعر :
عَلَفْتُهَارِتِبْنَا وَمَاءَ بَارِدًا (٢)
وقال الآخر ( من الكامل ) :
وَرَأيْتُ زَوْجَكِ فِي الوَغَى مُتَقَّدًا سَيْفًا وَرُمْحًا
(١) القائل هو القرطبي .
حتَّى غَدَتْ مَمَّالَةٌ عَيْنَاهَا
(٢) رجز مشهور لم يعرف قائله وعجز البيت :
وبعضهم أورد له صدرا وجعل المذكور هكذا :
لما حَطَطَتُ الرَّحْلَ عَنْهَا وَارِدَاً
اهـ من هامش القرطبي بتغيير يسير .
عَلَفْتُهَاِبْنًا وَمَاءَ بَاردَا

٨٩ باب إيجاب غسل الرجلين - حديث رقم ١١٠، ١١١
٤٧ -
وقال آخر ( من الكامل أيضًا ) :
وَأَطْفَلَتْ بِالْجَلْهَتَيْنِظِبَاؤُهَا وَنَعَامُهَا (١)
وقال آخر :
شَرَّابُ الْبَانِ وَتَمْرٍ وَأَقِطْ
التقدير : علفتها تبنا وسقيتها ماء ، ومتقلدا سيفا وحاملا رمحا ،
وأطفلت بالجلهتين ظباؤها ، وفرخت نعامها ، والنعام لا يُطفل إنما
يَفرخ، وأطفلت كان لها أطفال والجلهتان : جنبتا الوادي . وشرّاب ألبان
وآكل تمر ، فيكون قوله : وامسحوا برءوسكم وأرجلكم عطف بالغسل
على المسح حملا على المعنى .
والمراد الغسل اهـ جامع الأحكام [ج٦ ص٩١ ، ٩٤].
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله العلامة القرطبي تقرير حسن جدّاً
والله أعلم.
وقال العلامة ابن دقيق العيد في إحكام الأحكام : ما نصه : قوله ( ثم
غسل كلتا رجليه) صريح في الرد على الروافض في أن واجب الرجلين
المسح ، وقد تبين هذا من حديث عثمان ، وجماعة وصفوا وضوء رسول
اللـه عَّ﴾، ومن أحسن ماجاء فيه حديث عمرو بن عَبَسَة ، بفتح العين
والباء، ((أن رسول اللـه عَّه قال ((مامنكم من أحد يقرّب وَضُوءه)) إلى أن
قال : ((ثم يغسل رجليه كما أمره الله عز وجل )) فمن هذا الحديث انضم
القول إلى الفعل ، وتبين أن المأمور به الغسل في الرجلين. اهـ
[جـ ١ / ص١٨٢].
(١) البيت للبيد ، ورواه في اللسان هكذا :
فعلا فروع الآيهقان وأطفلت بالجلهتين ظباؤها ونعامها

- ٤٨
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
قال الجامع عفا الله عنه : حديث عمرو هذا أخر جه مسلم وهو نص
في تفسير الآية من أن المراد بها الغسل سواء قرئت بالنصب أو بالجر ،
والله أعلم .
وكتب العلامة الصنعاني في حاشيته في هذا المحل مانصه :
أقول : اختلف الناس في الواجب في الرجلين على أربعة أقوال ،
وهي الاحتمال المتعقلة التي تعقل في المسألة : الغسل ، والمسح ،
والجمع، والتخيير : فالأكثر على الغسل، وذهبت الرافضة (١) إلى أنه
المسح ، وروي عن جماعة من الصحابة والتابعين . وذهب بعض
الظاهرية إلى وجوب الجمع بين المسح والغسل ، وذهب ابن جرير
الطبري وآخرون إلى التخيير بين الأمرين ، كخصال الكفارة .
ودلیل الجمهور الأحاديث الثابتة في فعله وتعليمه ٹے، وبحدیث ((ویلی
للأعقاب من النار)) واستدل من قال بإيجاب المسح بقراءة ﴿وأرجلكم﴾
بالجر عطفا على ﴿برؤسكم﴾ وأجاب الجمهور بأنها قرئت بالنصب
عطفا على أيديكم وبأنه معطوف على محل برؤسكم ، وبأنها تحمل قراءة
الجر في الآية على مسح الخفين ، وقراءة النصب على غسل الرجلين ،
وقرر هذا ابن العربي بما فيه بعض الطول ، وأيد مذهب الجمهور من جهة
المعنى بأن الغسل أشد مناسبة للقدمين من المسح ، كما أن المسح أشد
مناسبة للرأس من الغسل ، إذ كانت القدمان لاينقى درنهما غالبا إلا
بالغسل ، وينقى درن الرأس بالمسح ، وذلك أيضا غالب. والمصالح
المعقولة لا تمنع أن تكون أسبابا للعبادات المفروضة حتى يكون الشرع
لحفظ معنيين معنى مصلحي ، ومعنى عبادي وأعني بالمصلحي ما يرجع
(١) هم فرقة من الشيعة بايعوا زيد بن علي ثم قالوا له تبرأ من الشيخين فأبى وقال : كانا وزيري
جدي فتركوه ورفضوه وارفضوا عنه أفاده في ((ق)).

٤٩ -
٨٩ باب إيجاب غسل الرجلين - حديث رقم ١١١،١١٠
إلى الأمور المحسوسة ، وبالعبادي ما يرجع إلى زكاة النفس. انتهى .
واستدل موجب الجمع بأنه الأحوط ، واستدل المخیر بأنه ليس إحدى
القراءتين بأولی بالعمل من الأخرى ، ولا شك أن ما ذهب إليه الجمهور
أقوى دليلا لتعارض قراءة النصب ، والقول ، والفعل النبوي ، وليس
مع قراءة الجر سنة فعلية ، ولا قولية . وأما الجمع ، فلم تأت السنة به ،
ولا معنَى للمسح مع الغسل فإنه إتيان بما لا حاجة إليه ، وبما دخل معناه
تحت الغسل .
وقد بسط العاملي في شرح الأربعين القول في ترجيح مذهب
الإمامية، وذكر مناظرة بين الفريقين ، فأما الآية فلا تنهض لأحد الفريقين
للاحتمال، ولكن البيان في السنة فإنه لم يأت فيها المسح ، ولكن العاملي
على قواعد أهل مذهبه يدفع الأحاديث الصحيحة، أو يعارضها بروايات
غير ثابتة عند خصمه ، فلا تقوم الحجة بها عليه ، وإنما أشرنا إلى كلامه
لأنه قد أبدى قوة ساعده في المسألة ، فلا يغتر به الناظر اهـ ما كتبه
الصنعاني رحمه الله [جـ١ / ص ١٨٣,١٨٢].
وقال الحافظ رحمه الله: وقد تواترت الأخبار عن النبي ◌ّ في صفة
وضوئه أنه غسل رجليه ، وهو المبين لأمر الله ، وقد قال في حديث
عمرو بن عَبَسَةَ الذي رواه ابن خزيمة وغيره مطولا في فضل الوضوء ((ثم
غَسَل قدمیه كما أمره الله)) .
ولم يثبت عن أحد من الصحابة خلاف ذلك إلا عن علي ، وابن
عباس ، وأنس ، وقد ثبت عنهم الرجوع عن ذلك .
قال عبد الرحمن بن أبي ليلى : أجمع أصحاب رسول الله عَُّ على
غسل القدمين ، رواه سعيد بن منصور . وادعى الطحاوي ، وابن حزم
أن المسح منسوخ والله أعلم اهـ فتح [جـ ١ص ٣٢٠].

- ٥٠
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
قال الجامع عفا الله عنه: فتحصل من هذا كله أن الراجح هو مذهب
الجمهور ، فالواجب في الرجلين الغسل ، ولا يجوز المسح إلا لمن لبس
الخفين ، والله أعلم.
المسألة الرابعة : ذكر العلامة العيني في هذا الحديث من الفوائد على
طريق السؤال والجواب: قال رحمه الله: ((الأسئلة والأجوبة)):
منها ما قيل : والرَّجُل له رجلان ، وليس له أرجل ، فالقياس أن يقال
على رجلينا : أجيب بأن الجمع إذا قوبل بالجمع يفيد التوزيع ، فتوزع
الأرجل على الرجال.
ومنها ما قيل : فعلی هذا يكون لكل رجل رجل ؟ أجیب بأن جنس
الرجل يتناول الواحد ، والاثنين ، والعقل يعين المقصود ، سيما فيما هو
محسوس .
ومنها ما قيل : إن المسح على ظهر القدم ، لا على الرجل كلها ،
أجيب بأنه أطلق الرجل وأريد به البعض ، أي ظهر القدم ، ولقرينة
العرف الشرعي ، إذ المعهود مسح ذلك ، وهذا فيه نظر ، لأنهم ما كانوا
يمسحون مثل مسح الرأس ، وإنما كانوا يغسلون ، ولكن غسلا خفيفا ،
فلذلك أطلقوا عليه المسح ، وقد حققناه قريبا .
ومنها ما قيل : لم خص الأعقاب بالعذاب ؟ أجيب بأنها العضو التي
لم تغسل ، وفي ((الغريبين)): وفي الحديث ((ويل للعقب من النار)) أي
لصاحب العقب المقصّر عن غسلها، كما قال ((واسأل القرية)) أي أهل
القرية ، وقيل : إن العقب يخص بالمؤلم من العقاب ، إذا قصر في
غسلها، وفى المنتهى في اللغة ((ويل للأعقاب من النار)) أراد التغليظ في
إسباغ الوضوء ، وهو التكميل ، والإتمام .
ومنها ما قيل : ما الألف واللام في الأعقاب ؟ أجيب بأنها للعهد : أي

٥١ -
٨٩ باب إيجاب غسل الرجلين - حديث رقم ١١١،١١٠
الأعقاب التي رآها كذلك لم يمسها الماء ، أو يكون المراد الأعقاب التي
صفتها هذه ، لا كل الأعقاب .
ومنها ما قيل : إن اللام للاختصاص النافع ، إذا المشهور أن اللام
تستعمل في الخير (( وعلى)) في الشر ، نحو ﴿لها ما كسبت وعليها ما
اكتسبت ﴾ [البقرة: آية ٢٨٦].
وأجيب بأنها للإختصاص ههنا نحو ﴿وإن أسأتم فلها﴾ [الإسراء: ٧]
ونحو ﴿ولهم عذاب أليم﴾ [البقرة: ١٠] قلت: وقد تسعمل اللام في
موضع ((على))، وقالوا: إن اللام في ((وإن أسأتم فلها)) بمعنى عليها .
ومنها ما قيل : كيف أخر الصحابة رضي الله عنهم الصلاة عن الوقت
الفاضل ، أجيب بأنهم إنما أخروها عنه طمعا أن يصلوها مع النبي عَـ
لفضل الصلاة معه، فلما خافوا الفوات استعجلوا فأنكر عليهم النبي ﴾﴾ ..
•
ومنها ما قيل: رَوَى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عَّهِ،
رأى رجلا لم يغسل عقبه فقال: (( ويل للأعقاب من النار)) وكذلك
حديث مسلم عن عبد الله بن عمرو الذي مضى ذكره عن قريب ، وفيه
((فانتهينا إليهم، وأعقابهم تلوح ، لم يمسها الماء )) فقال عليه الصلاة
والسلام: (( ويل للأعقاب من النار)) وهذان الحديثان تصريح بأن الوعيد
وقع على عدم استيعاب الرجل بالماء ، وحديث البخاري يدل على أن
المسح لا يجزىء عن الغسل في الرجل وأجيب بأنه تُرَّدُ الأحاديث إلى
معنى واحد، ويكون معنى قوله : ((لم يسمها الماء )) أي بالغسل ، وإن
مسها بالمسح ، فيكون الوعيد وقع على الاقتصار على المسح دون
الغسل. اهـ عمدة القارىء [جـ١ ص٣٨٤]. والله تعالى أعلم .

= ٥٢
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
٩٠ - باب بأىَ الرَّجْلَيْنِ يَبْدَأ بِالفَسْلِ؟
أي هذا باب ذكر الحديث الذي يجاب به من سأل بأي الرجلين يبدأ
المتوضىء في حال غسله ؟
فالجار والمجرور الأول يتعلق بالفعل بعده ، وكذا الثاني إلا أن الباء فيه
بمعنى ((في )) أي في الغسل .
١١٢ - أخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ ، قَالَ :
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي الأشْعَثُ، قَالَ : سَمِعْتُ
أبِي يُحَدِّثُ عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الَّلهُ عَنْهَا
وَذَكَرَتْ: ((أنَّ رَسُولَ الَّلهِ ◌َيْ كَانَ يُحِبُّ التَّيَامُنَ مَا
اسْتَطَاعَ في طُهُورِهِ وَنَعْلِهِ وَتَرَجُّله ».
قَالَ شُعْبَةُ: ثُمَّ سَمِعْتُ الأَشْعَثَ بوَاسِطِ يَقُولُ: يُحِبُّ
التَّيَامُنَ. فَذَكَرَ شَأَنَهَ كُلَّهُ، ثُمَّ سَمِعْتُهُ بالكُوفَةِ يَقُولُ:
يُحِبُّالتَّامُنِ مَا اسْتَطَاعَ .
رجال الإسناد : سبعة
١- (محمد بن عبد الأعلى) الصنعاني البصري ، ثقة من العاشرة
مات سنة ٢٤٥ وتقدم في ٥٣ / ٦٧ .
٢- (خالد) بن الحارث بن عُبيد بن سُليم الهُجَيمي ، أبو عثمان
البصري ، ثقة ثبت من الثامنة ، مات سنة ١٨٦ ومولده سنة ١٢٠ ، تقدم

٥٣ -
٩٠ باب بابي الرجلين يبدأ بالغسل؟ - حديث رقم ١١٢
٤٢/ ٤٧ .
٣- (شعبة) بن الحجاج ، أبو بسطام الإمام الحجة البصري ، تقدم
١٠٦/٨٨.
٤- (الأشعث) بن أبي الشعثاء المحاربي الكوفي ، ثقة من السادسة،
وثقه ابن معين ، وأبو حاتم ، والنسائي ، وقدمه أحمد على سماك بن
حرب ، وقال العجلي : من ثقات شيوخ الکوفیین ، وليس بكثير
الحديث إلا أنه شيخ غال . ووثقه أبو داود ، والبزار ، وابن حبان ، وابن
شاهين . وقال ابن سعد : توفي في إمارة يوسف بن عمر بالكوفة . مات
سنة-١٢٥ - أخرج له الجماعة .
٥- ( أبو الشعثاء) سليم بن الأسود بن حنظلة الكوفي ، المحاربي، ثقة
باتفاق من كبار الثالثة وثقة أحمد ، وابن معين ، والعجلي ، وابن سعد ،
وابن حبان ، وقال ابن عبد البر : أجمعوا على أنه ثقة . مات في زمن
الحجاج ، وأرخه ابن قانع سنة ٨٥ أخرج له الجماعة .
٦- ( مسروق) بن الأجدع بن مالك بن أمية بن عبد الله بن مرة بن
سلامان بن معمر بن الحارث بن سعد الهمداني الوادعي ، أبو عائشة
الكوفي، ثقة فقيه عابد مخضرم من الثانية مات سنة ٢ ويقال سنة ٦٣،
أخرج له الجماعة ، وفي ((تت) مسروق بن الأجدع بن مالك بن أمية
ابن عبد الله بن مر بن سلامان بن معمر بن الحارث بن سعد بن عبد الله
ابن وداعة الهمداني الوادعي الكوفي العابد أبو عائشة الفقيه . قال له عمر:
ما اسمك؟ فقال : مسروق بن الأجدع ، قال : الأجدع شيطان، أنت
مسروق بن عبد الرحمن. قال أبو السفر: ما ولدت همدانية مثل
مسروق. وقال الشعبي : ما رأيت أطلب للعلم منه. وذكره إبراهيم في
أصحاب عبد الله بن مسعود الذين كانوا يعلمون الناس السنة ، وعن
الشعبي : كان مسروق أعلم بالفتوى من شريح . وكان شريح أعلم
بالقضاء . وعن أبي إسحاق حج مسروق ، فلم ينم إلا ساجدًا . وقالت

- ٥٤
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
امرأة مسروق : كان يصلي حتى تُرم قدماه . وعن ابن المديني : ما أقدّم
على مسروق من أصحاب عبد الله أحداً، صلى خلف أبي بكر ، ولقي
عمر ، وعليا ، ولم يرو عن عثمان شيئًا . ووثقه ابن معين ، والعجلي ،
وابن سعد ، وابن حبان ، وغيرهم .
٧- ( عائشة) أم المؤمنين رضي الله عنه ، تقدمت في ٥/٥ .
لطائف الإسناد
منها : أنه من سباعيات المصنف ، ومنها أن رواته كلهم ثقات ، وأنهم
ما بين بصريين ، وهم الثلاثة الأولون ، وكوفيين ، وهم الثلاثة الباقون ،
ومدنية ، وهي الصحابية . ومنها أن فيه رواية الراوي عن أبيه ، ومنها أن
فيه رواية تابعي ، عن تابعي ، وهما : سُليم ، ومسروق وهما من كبار
التابعين ، كما أن شعبة والأشعث قرينان وهما من كبار أتباع التابعين ،
كما قال الحافظ في الفتح.
ومنها: أن صحابيته ممن أكثر الرواية عنه عَ﴾ روت ٢٢١٠ حديثًا .
ومنها : أن فيه الإخبار ، والتحديث ، والعنعنة .
شرح الحديث
قال الأشعث : ( سمعت أبي) سليم بن الأسود ، قال العلامة العيني
رحمه الله : اختلف النحاة في سمعت : هل يتعدى إلى مفعولين ، على
قولين : أحدهما : نعم ، وهو مذهب الفارسي ، قال : لكن لابد أن
يكون الثاني مما يسمع ، كقولك سمعت زيدا ، يقول : كذا ، ولو قال :
سمعت زيدا أخاك لم يجز.
والصحيح أنه لا يتعدى إلا إلى مفعول واحد ، والفعل الواقع بعد
المفعول في موضع الحال : أي سمعته حال قوله كذا اهـ عمدة [٢٥/١].
( یحدث ) أي حال کونه محدثا ( عن مسروق ) بن الأجدع ، ( عن
عائشة رضي الله عنها) جملة دعائية لا محل لها من الإعراب (وذكرت)
عائشة رضي الله عنها ، والجملة حال من عائشة بتقدير ((قد)) على رأي

٥٥-
٩٠ باب بابي الرجلين يبدأ بالغسل؟ - حديث رقم ١١٢
البصريين ، ومفعول يحدث محذوف ، أي يحدث الناس بحديثها ،
ويحتمل كون الواو زائدة فيكون الفعل بتقدير حرف مصدري مفعول
يحدث ، أي أنها ذكرت (أن رسول الله # كان يحب التيامن) أي
استعمال اليمين في الأشياء ( ما استطاع) قال النووي : فيه إشارة إلى
شدة محافظته علی التیامن .اهـ.
وما مصدرية ظرفية ، أي مدة استطاعته على ذلك ، تعني بذلك
ملازمته في غالب أفعاله الاختيارية التي هي من باب التكريم والتشريف ،
لحديثها الآخر عند أبي داود وغيره، قالت ((كانت يد رسول الله عَظئية.
اليمنى لطهوره وطعامه ، وكانت يده اليسرى لخلائه، وما كان من أذى))
فدل أن ماليس من باب التشريف يكون باليسرى ( في طهوره ) أي يبدأ
في وضوئه بغسل اليد اليمنى ، والرجل اليمنى ، وفي غسله بالشق الأيمن
والطهور بضم الطاء المهملة ، وفتحها روايتان بمعنى ، وهو مصدر
مضاف إلى الفاعل ، وقيل بضم الفعل ، وبالفتح اسم لما يتطهر به،
وعليه فيقدر مضاف ، أي لاستعمال طهوره ، وقال سيبويه : الطهور
بالفتح يقع على الماء ، والمصدر معا اهـ المنهل [جـ١ ص ١٢٦] .
(ونعله) أي يبدأ في لبس النعل بالرجل اليمنى ، والنعل : بفتح
فسكون ، هي التي تلبس في الرجل عند المشي ، وهى مؤنثة جمعها
أَنْعُل، ونِعَال ، مثل سهم، وأسهم ، وسِهام ، وهو على حذف
مضاف: أي لبس نعله .
وفي (ق) النعل : ما وقيت به القدم من الأرض كالنعلة ، مؤنثة
جمعها : نعال ونَعِلَ ، كفرح ، وتنعل ، وانتعل : لبسها ، اهـ.
وفي روايات البخاري كلها (( في تنعله)) بفتح التاء المثناة من فوق ،
وفتح النون ، وتشديد العين ، وهكذا ذكره الحميدي ، والحافظ عبد الحق
في كتابيهما : الجمع بين الصحيحين، وفي رواية مسلم (( في نعله ))
كالمصنف على إفراد النعل، وفي بعض الروايات ((نعليه))، بالتثنية،

- ٥٦
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
قال النووي : وهما صحيحان ، ولم يُرَ في شيء من نسخ بلادنا غيرُ
هذين الوجهين ، قال العلامة العيني : الروايات كلها صحيحة اهـ .
قال الجامع عفا الله عنه :
وجه صحة الإفراد أنه مفرد مضاف ، فيعم ، لأن المفرد المضاف إلى
معرفة يفيد العموم ، كما في قوله تعالى ﴿ فليحذر الذين يخالفون عن
أمره﴾ [النور: ٦٣] أي كل أمر لله تعالى، كما تقرر في الأصول.
( وترجله) قال في اللسان : الترجل ، والترجيل : تسريح الشعر ،
وتنظيفه، وتحسينه ، اهـ [جـ١ ١ ص٢٧٠] وفي المصباح: ورجّلت الشعر
ترجيلا : سرّحته ، سواء كان شعرك أو شعر غيرك اهـ [جـ١ ص ٢٢١]
وقال العيني : أي في تمشيطه الشعر ، وهو تسريحه ، وهو أعم من أن
يكون في الرأس ، أو في اللحية اهـ [جـ٢ص٣٢٨] أي يبدأ في تسريح شعره
بالشق الأيمن من الرأس.
( قال شعبة) بن الحجاج (سمعت الأشعث) بن سليم (بواسط) قال في
اللسان: و((واسط)): موضع بين الجزيرة ونجد ، يُصرَف ولا يصرف،
و((واسط)): موضع بين البصرة ، والكوفة ، وصف به لتوسطه ما بينهما ،
وغلبت الصفة وصار اسمًا .
قال سيبويه : سموه واسطا لأنه مكان بين البصرة ، والكوفة ، فلو
أرادوا التأنيث ، قالوا: واسطة ، ومعني الصفة فيه ، وإن لم يكن في
لفظه لام (١).
وقال الجوهري : وواسط : بلد ، سمي بالقصر الذي بناه الحجاج بين
الكوفة والبصرة ، وهو مذكر مصروف ، لأن أسماء البلدان الغالب عليها
التأنيث وترك الصرف ، إلا منى والشام ، والعراق ، وواسطا ،
ودابقا، وفَلحًا، وهَجَرا، فإنها تذكر ، وتصرف ، قال : ويجوز أن ترید بها
(١) يعني الك التي للمح الوصفية كما في الحارث، والفضل، والعباس، يعني أن معنى الوصفية
موجودة في واسط ، وإن لم يلمح إليها بأل .

٥٧ -
٩٠ باب باي الرجلين يبدأ بالغسل؟ - حديث رقم ١١٢
البقعة ، أو البلدة ، فلا تصرفه اهـ لسان [جـ ٧ص ٤٣٢] وقال ابن الأثير:
واسط : خمسة مواضع : واسط العراق ، وهي مدينة مشهورة ، وواسط
الرَّقَّة ، وواسط نوقان (١) وهى قرية على باب نُوقان طوس ، يقال لها :
واسط اليهود ، وواسط مرزاباذ ، وهي قرية بالقرب من مطير اباذ ،
وواسط بلخ ، وهي قرية من قرى بلخ ٠ ١ هـ لباب باختصار.
(يقول) جملة حالية من الأشعث ( يحب التيامن فذكر ((شأنه كله))) أي
إن الأشعث : اقتصر في المرة الثانية على ذكر شأنه كله ( ثم سمعته) بعد
ذلك (بالكوفة) بالضم : مدينة مشهورة بالعراق : قيل سميت كوفة
لاستدارة بنائها ، لأنه يقال : تكوف القوم : إذا اجتمعوا ، واستداروا .
قاله في المصباح .
وقال ياقوت في معجمه : الكوفة بالضم : المصر المشهور بأرض بابل
من سواد العراق ، ويسميها قوم خَدَّ العَذْراء : قال أبو بكر محمد بن
القاسم : سميت الكوفة لاستدارتها أخذا من قول العرب : رأيت كوفانًا
وكَوْفانا بضم الكاف وفتحها ، للرَّمَيْلة المستديرة ، وقيل : سميت الكوفة
لاجتماع الناس بها ، من قولهم : قد تكوف الرمل ، وقيل : غير ذلك ،
وأما تمصيرها ، وأوليته ، فكانت في أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه
في السنة التي مُصِّرَت فيها البصرة ، وهي سنة ١٧ : بعد البصرة بعامين
سنة ١٩ وقيل ١٨ ١هـ معجم البلدان باختصار [جـ٤ ص ٤٩٠].
(يقول) الأشعث جملة حالية من مفعول سمعته .
(يحب التيامن ما استطاع) أي إنه اقتصر على هذه الجملة في المرة الثالثة .
وحاصل ما أشار إليه شعبة رحمه الله أنه سمع هذا الحديث من
الأشعث بن سليم ثلاث مرات ، ففي المرة الأولى سمعه يقول: ((كان
يحب التيامن ما استطاع في طهوره ونعله وترجله))وفي المرة الثانية سمعه
يقول (( يحب التيامن في شأنه كله))، وفي المرة الثالثة سمعه يقول (( يحب
التيامن ما استطاع))، والشأن الحال والخطب، وهو بالهمزة الساكنة ،
(١) ونوقان إحدى مدينتي طوس. اهـ ((ق)).

- ٥٨
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
وتخفف : بقلبها ألفا لكثرة الاستعمال .
وأكده بقوله ( كله) ليدل على التعميم لأن التأكيد يرفع المجاز ، فيمكن
أن يقال : حقيقة الشأن : ما كان فعلا مقصودا ، وما يستحب فيه
التياسر، ليس من الأفعال المقصودة ، بل هي إما تروك ، وإما غير
مقصودة أفاده في الفتح [جـ١ ص٣٢٤].
وقال الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد : هو عام مخصوص ، لأن
دخول الخلاء والخروج من المسجد ، ونحوهما يبدأ فيها باليساراهـ.
وقال البدر العيني : هذا عام مخصوص بالأدلة الخارجية اهـ ..
مسائل تتعلق بحديث الباب
المسألة الأولى في درجته : حديث عائشة رضي الله عنها متفق عليه .
المسألة الثانية : في بيان مواضع ذكر المصنف له ، وفيمن أخرجه معه :
أخرجه هنا - ٩٠ / ١١٢ - وفي الكبرى -١١٦/١٨ - عن محمد بن عبد
الأعلى ، عن خالد بن الحارث ، عن شعبة ، عن الأشعث ، عن أبيه ،
عن مسروق ، عنها . وفي الكبرى في الزينة عن سويد بن نصر ، عن ابن
المبارك ، عن شعبة به .
أخرجه الجماعة ، فأما البخاري فأخرجه في الطهارة عن حفص بن
عمر ، وفي الصلاة عن سليمان بن حرب ، وفي اللباس عن أبي الوليد ،
وعن حجاج بن منهال ، وفي الأطعمة عن عبدان، عن عبد الله بن
المبارك ، خمستهم عن شعبة، عن أشعث بن أبي الشعثاء ، عن أبيه به.
وأما مسلم : فأخرجه في الطهارة عن عبيد الله بن معاذ ، عن أبيه ،
عن شعبة به . وعن يحيى بن يحيى، عن أبي الأحوص، عن أشعث به .
وأما أبو داود فأخرجه في اللباس عن حفص بن عمر ، ومسلم بن
إبراهيم ، كلاهما عن شعبة به .
وأما الترمذي فأخرجه في آخر الصلاة عن هناد بن السري ، عن أبي
الأحوص به وقال : حسن صحيح ، وفي الشمائل عن أبي موسى ، عن
غندر ، عن شعبة به .

٥٩_
٩٠ باب باي الرجلين يبدأ بالغسل؟ - حديث رقم ١١٢
وأما ابن ماجه فأخرجه في الطهارة - ١:٤٢ - عن هناد به و- ١:٤٢ -
عن سفيان بن وكيع عن عمر بن عبيد ، عن أشعث به .
أفاده المزي [جـ١٢ ص ٣٢٤] وأخرجه أحمد ، وابن حبان .
المسألة الثالثة : أنه وقع اختلاف في ألفاظ هذا الحديث فعند البخاري
في الطهارة (( كان النبي ﴾ يعجبه التيمن في تنعله ، وترجله ، وطهوره،
في شأنه كله)) .
قال الحافظ : كذا للأكثر من الرواة بغير واو ، وفي رواية أبي الوقت
بإثبات الواو ، وهي التي اعتمدها صاحب العمدة .
وعند مسلم ((يحب التيمن في شأنه كله ، في نعليه ، وترجله ،
وطهوره)) .
وعند البخاري في الأطعمة من طريق عبد الله بن المبارك ، عن شعبة
أن أشعث شيخه کان یحدث به تارة مقتصرا على قوله « في شأنه کله»
وتارة على قوله (( في تنعله الخ )) وزاد الإسماعيلي من طريق غندر ، عن
شعبة ، أن عائشة أيضا كانت تجمله تارة ، وتبينه أخرى ، قاله في الفتح
[جـ١ ص٣٢٥].
وعند ابن حبان (( كان يحب التيامن في كل شيء حتى في الترجل ،
والانتعال)) .
وفي رواية ابن منده (( كان يحب التيامن في الوضوء، والانتعال )) أفاده
في العمدة [جـ ٢ ص ٣٣١].
المسألة الرابعة : قال ابن المنذر : أجمعوا على أن لا إعادة على من بدأ
بيساره في وضوئه قبل يمينه .
وروينا عن علي ، وابن مسعود رضي الله عنها ، أنهما قالا (( لاتبال

- ٦٠
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
بأي شيء بدأت)) زاد الدار قطني أبا هريرة ، ونقل المرتضى الشيعي عن
الشافعي في القديم وجوب تقديم اليمين على اليسرى ونُسب المرتضى في
ذلك إلى الغلط ، فكأنه ظن أن ذلك لازم من وجوب الترتيب عند
الشافعي ، وقال النووي : أجمع العلماء على أن تقديم اليمنى في
الوضوء سنة من خالفها فاته الفضل ، وتم وضوءه .
والمراد من قوله ((العلماء)): أهل السنة ، لأن مذهب الشيعة الوجوب.
وقد صحف العمراني في البيان ، والبندنيجي في التجريد : الشيعة
بالشين المعجمة بالسبعة من العدد ، في نسبتهما القول بالوجوب إلى
الفقهاء السبعة ، وفي كلام الرافعي أيضا مايوهم أن أحمد بن حنبل قال
بوجوبه ، وليس كذلك ، لأن صاحب المغني قال : لا نعلم في عدم
الوجوب خلافًا .
فإن قلت : روى أبو داود ، والترمذي بإسناد جيد عن أبي هريرة
رضي الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال: ((إذا توضأتم فابدؤا
بميامنكم)) وفي أكثر طرقه ((بأيامنكم)) جمع أيمن ((إذا لبستم وإذا توضأتم))
قلت: الأمر فيه للاستحباب .
قال الجامع عفا الله عنه : حديث أبي هريرة المذكور أخرجه الأربعة،
وصححه ابن خزيمة ، كما قاله الحافظ في بلوغه . فالذي يظهر لي أن
الأمر للوجوب ، لأنه لا صارف له إلى الاستحباب ، إلا أن يصح
الإجماع المذكور والله أعلم .
وقال النووي : واعلم أن الابتداء باليسار ، وان كان مجزئا فهو مكروه
نص عليه الشافعي رضي الله عنه في الأم ، وقال أيضا : ثم اعلم أن من
الأعضاء في الوضوء ما لا يستحب فيه التيامن ، وهو الأذنان، والكفان
والخدان ، بل يطهران دفعة واحدة ، فإن تعذر ذلك كما في الأقطع
ونحوه قدم الیمین .