النص المفهرس
صفحات 501-520
-٥٠١ - ٨٠ - باب حد الغسل - حديث رقم ٩٧ یوسف، عن مالك ((فدعا بماء)) وله وجه آخر (( فدعا بتور من ماء )) بفوقية مفتوحة قدح أو إناء يشرب منه ، أو الطست ، أو شبه الطست ، أو مثل القدر يكون من صفر أو حجارة . وله طريق آخر عن عبد الله بن زيد («أتانا رسول الله عَ﴾، فأخرجنا له ماء في تور من صفر )) بضم المهملة ، وقد تكسر : صنف من جيد النحاس ، ويسمى أيضا الشَّبَه بفتح المعجمة والموحدة ، سمي بذلك لأنه يشبه الذهب ، والتورُ المذکورُ هو الذي توضأ منه عبد الله بن زید إذ سئل عن صفة الوضوء فيكون أبلغ في حكاية صورة الحال على وجهها . (فأفرغ) أي صب ، يقال : أفرغ ، وفَرَّغ ، يعنى بالتشديد لغتان ، حكاهما في المُحْكَم (على يديه) بالتثنية، وفي الباب الآتي ((فأفرغ على يده اليمنى )) ( فغسل يديه) بالتثنية ، يعني كفيه ، وفي بعض روايات الموطأ ((يده)) بالإفراد ، وهو مفرد مضاف ، فيعم اليدين جميعا . ( مرتين مرتين ) كذا في رواية مالك والبخاري بذكر المرتين ، وفي رواية وهیب ، وسلیمان بن بلال عند البخاري ، ورواية الدراوردي عند أبي نعيم ، ورواية خالد بن عبد الله عند مسلم ذكر الثلاث ، وعند أبي داود من دون ذکر عدد. والجمع بين هذه الروايات أن تحمل الرواية المطلقة على المقيدة ، فيكون غسل مرتين أو ثلاثا ، والظاهر ترجيح الثلاث لقوتها بكثرة طرقها المعوَّل عليها . ولا يقال يحمل فعل المرتين والثلاث على واقعتين ، لأن المخرج واحد، والأصل عدم تعدد الواقعة ، وقدذكر مسلم من طريق بهز ، عن وهیب ، أنه سمع حديث الثلاث مرتین من عمرو بن يحيى إملاء ، فتأكد ترجيح روايته ، أفاده الحافظ . - ٥٠٢ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة ( ثم تمضمض، واستنشق ثلاثا) ((ثم)) هنا للترتيب في الحكم، خلافا لمن قال : إنها للترتيب في الإخبار ، ولمن قال : إنها بمعنى الواو ، وفي رواية البخاري ((ثم تمضمض واستنثر)) والاستنثار يستلزم الاستنشاق بلا عكس، وقد ذكر في رواية وهيب الثلاثة ، وزاد بعد قوله ((ثلاثا)) ((بثلاث غرفات))، واستدل به على استحباب الجمع بين المضمضة والاستنشاق من كل غرفة ، وفي رواية خالد بن عبد الله (( مضمض، واستنشق من كف واحد فعل ذلك ثلاثا )) وهو صريح في الجمع كل مرة بخلاف رواية وهيب ، فإنه تطرقها احتمال التوزيع بلا تسوية ، كما نبه عليه ابن دقيق العيد ، قاله الحافظ جـ١/ ص٣٤٩ . (ثم غسل وجهه ثلاثا) لم تختلف الروايات في هذا ، ويلزم من استدل بالحدیث على وجوب تعمیم الرأس بالمسح أن يستدل به على وجوب الترتيب للإتيان بثم في الجميع لأن كلا من الحكمين مجمل في الآية بينته السنة بالفعل ، قاله الحافظ ( ثم غسل يديه مرتين مرتين) بالتكرار لئلا يتوهم أن المرتين لكلتا اليدين ، قال الولي العراقي : المنقول في علم العربية أن أسماء الأعداد ، والمصادر والأجناس إذا کررت كان المراد حصولها مكررة ، لا التأكيد اللفظي ، فإنه قليل الفائدة ، لا يحسن حيث يكون للكلام محمل غيره . مثال ذلك : جاء القوم ، اثنين ، اثنين ، أو رجلا ، رجلا ، وضربته ضربًا ، ضربًا ، أي اثنين بعد اثنين ، ورجلا بعد رجل ، وضربًا بعد ضرب ، وقال : هذا منه أي غسلهما مرتين بعد مرتين ، أي أفرد كل واحدة منهما بالغسل مرتين . قال الحافظ : لم تختلف الروايات عن عمرو بن يحيى في غسل الیدین مرتين . ٥٠٣ - ٨٠ - باب حد الغسل - حديث رقم ٩٧ ولمسلم من طريق حَبَّان بن واسع ، عن عبد الله بن زيد ، أنه رأى النبي ◌َّ توضأ، وفيه ((وغسل يده اليمنى ثلاثا، ثم الأخرى ثلاثا))، نقله الزرقاني جـ١ / ص٤٤ . وقال النووي رحمه الله في شرح مسلم : في هذا الحديث دلالة على جواز مخالفة الأعضاء ، وغسل بعضها ثلاثا ، وبعضها مرتين ، وهذا جائز ، والوضوء على هذه الصفة صحيح بلا شك ، ولكن المستحب التثليث ، وإنما كانت مخالفته من النبي ◌ّ في بعض الأوقات بيانًا للجواز، كما توضأ ◌َ مرة مرة في بعض الأوقات ، بيانا للجواز ، وكان في ذلك الوقت أفضل في حقه عَّه، لأن البيان واجب عليه . فإن قيل : البيان يحصل بالقول ، قلنا : بالفعل أوقع في النفوس ، وأبعد من التأويل اهـ . ( إلى المرفقين) تثنية مرفق بكسر الميم وفتح الفاء ، وبفتح الميم وكسر الفاء لغتان مشهورتان ، قاله الزرقاني ، وقال الحافظ : هو العظم الناتئ في آخر الذراع ، وسمي بذلك لأنه يرتفق به في الاتكاء ونحوه . وقد اختلف العلماء : هل يدخل المرفقان في غسل اليدين أم لا ؟ فقال المعظم : نعم ، وخالف في ذلك زفر ، وحكاه بعضهم عن مالك ، واحتج بعضهم للجمهور بأن ((إلى)) في الآية بمعنى ((مع))، كقوله تعالى ﴿ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم﴾ [النساء: ٢] وتعقب بأنه خلاف الظاهر ، وأجيب بأن القرينة دلت علیه وهي کون ما بعد «إلی)) من جنس ما قبلها ، وقال ابن القصار : اليد يتناولها الاسم إلى الإبط لحديث عمار أنه تيمم إلى الإبط، وهو من أهل اللغة ، فلما جاء قوله تعالى ﴿ إلى المرافق﴾ [المائدة: ٦] بقي المرفق مغسولا مع الذراعين ، بحق الاسم ، انتهى. فعلى هذا فـ((إلى)) هنا حد للمتروك من غسل اليدين لا - ٥٠٤ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة للمغسول ، وفي كون ذلك ظاهرا من السياق نظر ، والله أعلم . وقال الزمخشري : لفظ ((إلى)» يفيد معنى الغاية مطلقا ، فأما دخولها في الحكم ، وخروجها فأمر يدور مع الدليل ، فقوله تعالى ﴿ ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ [ البقرة: ١٨٧] دليل على عدم دخول النهي عن الوصال ، وقول القائل : حفظت القرآن من أوله إلى آخره دليل على الدخول كون الكلام مسوقا لحفظ جميع القرآن ، وقوله تعالى ﴿إلى المرافق﴾ لا دليل فيه على أحد الأمرين، قال: فأخذ العلماء بالاحتياط، ووقف زفر مع المتيقن ، انتهى . قال الحافظ : ويمكن أن يستدل لدخولهما بفعله *، ففي الدار قطني بإسناد حسن من حديث عثمان في صفة الوضوء (( فغسل يديه إلى المرفقین حتی مس أطراف العضدین )) وفیه عن جابر قال : « کان رسول الله عَّ إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه)» لكن إسناده ضعيف ، وفي البزار والطبراني من حديث وائل بن حجر في صفة الوضوء (( وغسل ذراعيه حتى جاوز المرفق )) وفي الطحاوي ، والطبراني من حديث ثعلبة بن عباد، عن أبيه ، مرفوعا (( ثم غسل ذراعيه حتى يسيل الماء على مرفقيه)) فهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضًا . قال إسحاق بن راهويه: ((إلى)) في الآية يحتمل أن تكون بمعنى الغاية، وأن تكون بمعنى (( مع)) فبينت السنة أنها بمعنى ( مع)) انتهى ، وقد قال الشافعي في الأم: لا أعلم مخالفا في إيجاب دخول المرفقين في الوضوء، فعلی هذا فزفر محجوج بالإجماع قبله ، و کذا من قال بذلك من أهل الظاهر بعده ، ولم يثبت ذلك عن مالك صريحا وإنما حكى عنه أشهب کلاما محتملا اه فتح جـ١ / ص٣٥٠. قال الجامع عفا الله عنه: الراجح عندي ما قاله الجمهور (١) للأحاديث (١) وقد تقدم الكلام عليه في شرح حديث عثمان رضي الله عنه، حديث ٨٤ في المسألة السابعة. ٥٠٥ - ٨٠ - باب حد الغسل - حديث رقم ٩٧ المذكورة ، وكذا حديث مسلم عن أبي هريرة في صفة وضوء النبي ◌َ ﴾ قال فيه : (( ثم غسل يديه حتى أشرع في العضد)) إلى أن قال: ((ثم غسل رجليه حتى أشرع في الساق)) . وقد تقدم أنه إن دلت قرينة على دخول الغاية عمل بها ، وههنا القرينة فعل الرسول عليه، لأنه بيان للآية ، ولايقال : إنه توضأ ثلاثا ، فيدل على وجوب التثليث أيضا ، لأنا نقول : إن ذلك خرج بالنصوص التي دلت على أنه توضأ مرة مرة وغيرها ، والله أعلم . (ثم مسح رأسه) زاد ابن الطباع (( كله)) ، وفي رواية سفيان الآتية ((برأسه)) بزيادة الباء ، وكذا في رواية خالد بن عبد الله كماقال الحافظ. قال القرطبي : الباء للتعدية يجوز حذفها ، وإثباتها ، كقولك مسحت رأس اليتيم ، ومسحت برأسه ، وقيل : دخلت الباء لتفيد معنى آخر ، وهو أن الغسل لغة يقتضي مغسولا به ، والمسح لا يقتضي ممسوحا به ، فلو قال : وامسحوا رؤوسكم لأجزأ المسح باليد بغير ماء ، فكأنه قال: وامسحوا برؤسكم الماءَ فهو على القلب ، والتقدير : امسحوا رؤسكم بالماء . وقال الشافعي : احتمل قوله تعالى : ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ جميع الرأس ، أو بعضه ، فدلت السنة على أن بعضه يجزئ ، والفرق بينه وبين قوله تعالى ﴿فامسحوا بوجوهكم﴾ في التيمم : أن المسح فيه بدل عن الغسل ، ومسح الرأس أصل ، فافترقا ، ولا يرد كون مسح الخف بدلا عن غسل الرجل ، لأن الرخصة فيه ثبتت بالإجماع . فإن قيل : فلعله اقتصر على مسح الناصية لعذر ، لأنه كان في سفر ، وهو مظنة العذر ، ولهذا مسح على العمامة بعد مسح الناصية ، كما هو ظاهر من سياق مسلم في حديث المغيرة بن شعبة : قلنا : قد روي عنه أ -٥٠٦ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة مسح مقدم الرأس من غير مسح على العمامة ، ولا تعرض لسفر ، وهو ما رواه الشافعي من حديث عطاء ، أن رسول الله عليه توضأ فحسر العمامة عن رأسه ، ومسح مقدم رأسه . وهو مرسل لكنه اعتضد بمجیئه من وجه آخر موصولا ، أخرجه أبو داود من حديث أنس ، وفي إسناده أبو معقل، لا يعرف حاله ، فقد اعتضد كل من المرسل والموصول بالآخر وحصلت القوة من الصورة المجموعة ، وهذا مثال لماذكره الشافعي من أن المرسل يعتضد بمرسل آخر ، أومسند ، وظهر بهذا جواب من أورد أن الحجة حينئذ بالسند ، فیقع المرسل لغوا ، وقد قررت(١) جواب ذلك فيما كتبته على علوم الحديث لابن الصلاح ، وفي الباب أيضا عن عثمان في صفة الوضوء قال: (( ومسح مقدم رأسه )) أخرجه سعيد بن منصور ، وفيه خالد بن یزید بن أبي مالك مختلف فيه . وصح عن ابن عمر الاكتفاء بمسح بعض الرأس ، قاله ابن المنذر وغيره ، ولم يصح عن أحد من الصحابة إنكار ذلك ، قاله ابن حزم ، وهذا كله مما يقوي به المرسل المتقدم ذكره ، والله أعلم اهـ فتح ١/ ٣٥١. وقال الزرقاني : وأخرج ابن خزيمة عن إسحاق بن عيسى بن الطباع قال : سألت مالكًا عن الرجل يمسح مقدم رأسه في وضوئه أيجزيه ذلك؟ فقال : حدثني عمرو بن يحيى ، عن أبيه ، عن عبد الله بن زيد قال : «مسح رسول الله ﴾ في وضوئه من ناصيته إلى قفاه ثم رد يديه إلي ناصيته فمسح رأسه كله)) فإن كان لفظ الآية محتملاً مسح الكل فالباء زائدة ، أو البعض فتبعيضية ، فقد تبين بفعله ،مع أن المراد الأول ، ولم ينقل عنه أنه مسح بعض رأسه إلا في حديث المغيرة أنه مسح على ناصيته، وعمامته ، رواه مسلم ، قال علماؤنا : -يعني المالكية- ولعل ذلك كان لعذر بدليل أنه لم يكتف بمسح الناصية ، حتى مسح على (١) القائل : وقد قررت الخ هو الحافظ رحمه الله. : ٨٠ - باب حد الغسل - حديث رقم ٩٧ ٥٠٧ - العمامة إذ لو لم يكن مسح كل الرأس واجبًا ما مسح على العمامة ، واحتجاج المخالف بما صح عن ابن عمر من الاكتفاء بمسح مقدم الرأس ولم يصح عن أحد من الصحابة إنكار ذلك ، لا ينهض إذ المختلف فيه لا يجب إنكاره ، وقول ابن عمر لم يرفعه ، فهو رأي له فلا يعارض المرفوع اهـ کلام الزرقاني ج١/ص٤٥ . قال الجامع : وقد مر في حديث عثمان رضي الله عنه أن الراجح وجوب التعميم ، فتنبه . والله أعلم . ( بيديه) بالتثنية ( فأقبل بهما وأدبر) قال عياض : قيل : معناه أقبل إلى جهة قفاه ، ورجع كما فسر بعده ، وقيل : المراد: أدبر ، وأقبل ، والواو لا تعطي ترتيبا ، قال : وهذا أولى ، ويعضده رواية وهيب في البخاري ، فأدبر بهما ، وأقبل ، وفي مسلم (( مسح رأسه كله ، وما أقبل، وما أدبر وصدغيه)) اهـزرقاني ، وفي المنهل: قد اختلف في كيفية الإقبال والإدبار ، على ثلاثة أقوال : الأول : أن يبدأ بمقدم رأسه الذي يلي الوجه فيذهب إلى القفا ، ثم يردهما إلى المكان الذي بدأ منه ، وهو مبتدأ الشعر من حد الوجه ، هذا هو ظاهر قوله ((بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه)) الخ، وهو مذهب مالك ، والشافعي ، وفيه أن هذه الصفة تخالف ظاهر قوله (( فأقبل بهما، وأدبر)) لأن ذهابه إلى جهة القفا إدبار، ورجوعه إلى جهة الوجه إقبال ، وأجيب بأجوبة: منها : أن الواو لا تقتضي الترتيب ، فالتقدير: أدبر ، وأقبل ، يدل عليه قوله (( بدأ بمقدم رأسه)) الخ وما رواه البخاري عن عبد الله بن زيد ، وفيه (( ثم أخذ بيده ماء ، فمسح به رأسه ، فأدبر به وأقبل)). ومنها: أن الإقبال والإدبار من الأمور الإضافية التي تُنسب إلى ما ! - ٥٠٨ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة يُقْبَل إليه ويُدبَر عنه، والمؤخر محل يمكن أن ينسب إليه الإقبال ، والإدبار. ومنها : حمل قوله ((أقبل)) على البداءة بالقبل، ((وأدبر)) على البداءة بالدبر، فيكون من باب تسمية الفعل بابتدائه ، وهو أحد قولين للأصوليين في تسمية الفعل هل يكون بابتدائه أو انتهائه . القول الثاني : أنه يبدأ بمؤخر رأسه ، ويمر إلى جهة الوجه ، ثم يرجع إلى المؤخر محافظة على ظاهر لفظ ((أقبل ، وأدبر)) فالإقبال إلى مقدم الوجه ، والإدبار إلى ناحية المؤخر . وقد وردت هذه الصفة في الحديث الصحيح أنه عمه ((بدأ بموخر رأسه)) لكن يَرُدُّ هذه الصفة قوله ((بدأ بمقدم رأسه)» الذي ذُكر بيانا للإقبال والإدبار ، ويحمل حديث البداءة بالمؤخر على تعدد الحالات لبيان الجواز، على أن حديث البداءة بالمقدم أكثر وأصح إسنادًا من حديث البداءة بالمؤخر كما ذكره الترمذي . القول الثالث : أنه بدأ بالناصية ، ويذهب إلى ناحية الوجه ، ثم يذهب إلى جهة مؤخر الرأس ، ثم يعود إلى ما بدأ منه ، وهو الناصية ، ولعل قائل هذا قصد المحافظة على قوله ((بدأ بمقدم رأسه)) مع المحافظة أيضا على ظاهر لفظ ((أقبل، وأدبر)) لأنه إذا بدأ بالناصية صدق أنه بدأ مقدم رأسه ، وصدق أنه أقبل أيضا ، لأنه ذهب إلى ناحية الوجه ، وهو القبل ، ويرده أيضا قوله (( بدأ بمقدم رأسه)) الخ فإنه جعله بادئا بالمقدم، إلى غاية الذهاب إلى قفاه ، ومقتضى الصفة الثالثة أنه بدأ بمقدم الرأس غير ذاهب إلى قفاه ، بل إلى ناحية وجهه ، أفاده ابن دقيق العيد ، والظاهر أن هذا من العمل المخير فيه ، وأن المقصود من ذلك تعميم الرأس بالمسح . ٥٠٩ - ٨٠ - باب حد الغسل - حديث رقم ٩٧ وقال النووي : قوله (( ثم يمسح رأسه بيديه)) الخ ، هذا هو المستحب باتفاق العلماء ، فإنه طريق إلى استيعاب الرأس ووصول الماء إلى جميع شعره ، قال أصحابنا : وهذا الرد إنما يستحب لمن كان له شعر غير مضفور ، أما من لا شعر على رأسه ، أو كان شعره مضفورا ، فلا يستحب له الرد إذ لا فائدة فيه ، وليس في هذا الحديث دلالة لوجوب استيعاب الرأس بالمسح ، لأن الحديث ورد في كمال الوضوء لا فيما لابد منه اهـ باختصار . والتفرقة بين من له شعر ، وبين من لا شعر له لم نقف على ما يؤيده من الأحاديث ، فالظاهر عدم التفرقة ، وتقدم الخلاف في ذلك وأن المذهب القوي ، وجوب استيعاب المسح، اهـ ما في المنهل جـ٢/ ص ٤٥ . ( بدأ ) أي ابتدأ ( بمقدم رأسه ) بفتح الدال مشددة ، ويجوز کسرها والتخفيف ، وكذا مؤخر قاله الزرقاني ، والذي في المصباح : ومُؤخر العين ساكن الهمزة : ما يلي الصَّدْغ ، ومُقْدمها بالسكون : طرفها الذي يلي الأنف ، قال الأزهري : مؤخر العين ، ومقدمها بالتخفيف لا غير ، وقال أبو عبيدة : مؤخر العين الأجود فيه التخفيف ، فأفهم جواز التثقيل على قلة ، ومُؤَخَّر كل شيء بالتثقيل والفتح خلاف مُقَدَّمه . اهـ . وفي اللسان : ومُؤَخَّر كل شيء بالتشديد خلاف مُقَدَّمه ، يقال : ضربت مُقَدَّم رأسه ومُؤَخَّرَه ، وآخرةُ العين ومُؤخرُها ومُؤْخرَتَها : ما ولي اللِّحَاظ ، ولا يقال : كذلك إلا في مُؤْخر العين ، ومُؤْخر العين مثل مُؤْمن : الذي يلي الصُّدْغ، ومُقْدمها : الذي يلي الأنف ، يقال : نظر إليه بُؤْخر عينه ، وبُمُقْدم عينه ، ومُؤْخر العين ومُقْدمها جاء في العين بالتخفيف خاصة . اهـ . قال الجامع عفا الله عنه: الحاصل أنه يستفاد من عبارة المصباح ، - ٥١٠ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة واللسان أن مُقَدَّم الرأس ، ومُؤَخَّره بالتثقيل فقط ، لا كما يقول الزرقاني من جواز التخفيف ، لأن ذلك خاص بُمُؤْخر العين ومُقْدمها ، فتفطن . وقوله : (( بدأ بمقدم رأسه)) الخ ، بيان لقوله : فأقبل بهما وأدبر ، ولذلك لم تدخل الواو عليه . قاله العيني جـ ٢/ ص٣٧٥ . (ثم ذهب بهما) أي باليدين ( إلى قفاه) بالقصر : مؤخر العنق ، وألفها واو ، والعرب تؤنئها ، والتذكير أعم ، قاله الأزهري ، وقال ابن سيدَهْ : القفا وراء العنق أنثى ، وقال اللحياني : القفا يذكر ويؤنث ، وحكي عن عُكْل : هذه قفاه بالتأنيث ، وحكى ابن جني المد في القفا وليست بالفاشية ولهذا جمع على أقفيه ، أفاده في اللسان . وفي المصباح : وجمعه على التذكير أقفية ، وعلى التأنيث أقْفَاء ، مثل أرجاء ، قاله ابن السراج، وقد يجمع على قُفيّ ، والأصل مثل فلوس ، وعن الأصمعي أنه سمع ثلاث أقف ، قال الزجاج : التذكير أغلب ، وقال ابن السكيت : القفا مذكر ، وقد يؤنث ، وألفه واو ، ولهذا يثنى قَفَوَين . اهـ . (ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه ) ليستوعب جهتي الشعر بالمسح ، والمشهور عند من أوجب التعميم أن الأولى واجبة والثانية سنة . وقال الحافظ: الظاهر أن قوله ((بدأ بمقدم رأسه)) الخ، من الحديث ، وليس مدرجا من كلام مالك ، ففيه حجة على من قال : السنة أن يبدأ بمؤخر الرأس إلى أن ينتهي إلى مقدمه لظاهر قوله: ((أقبل))، و((أدبر))، ويرد عليه أن الواو لا تقتضي الترتيب ، وفي رواية للبخاري ((فأدبر بيديه، وأقبل)) فلم يكن في ظاهره حجة لأن الإقبال ، والإدبار من الأمور الإضافية ، ولم يعين ما أقبل إليه ، ولا ما أدبر عنه ، ومخرج - ٥١١ - ٨٠ - باب حد الغسل - حديث رقم ٩٧ الطريقين متحد ، فهما بمعنى واحد ، وعينت رواية مالك البداءة بالمقدم، فيحمل قوله ((أقبل)) على أنه من تسمية الفعل بابتدائه ، أي بدأ بقبل الرأس اهـ فتح جـ١ / ص٣٥١ . وقال ابن عبد البر: روى ابن عيينة هذا الحديث ، فذكر فيه مسح الرأس مرتين ، وهو خطأ ، لم يذكره أحد غيره وقال : وأظنه تأوله على أن الإقبال مرة ، والإدبار أخرى ، اهـ زرقاني جـ١ / ص ٤٥-٤٦. قلت : وهذه الرواية تأتي في الباب ٨٢ إن شاء الله تعالى. ( ثم غسل رجليه) زاد في رواية وهيب عند البخاري (( إلى الكعبين)) والبحث فيه كالبحث في قوله ((إلى المرفقين)). والمشهور أن الكعب : هو العظم الناشز عند مُلتَقَى الساق والقدم ، وحكَى محمد بن الحسن عن أبي حنيفة أنه العظم الذي في ظهر القدم عند معقد الشراك . وروي عن ابن القاسم عن مالك مثله ، والأول هو الصحيح الذي يعرفه أهل اللغة ، وقد أكثر المتقدمون من الرد على من زعم ذلك ، ومن أوضح الأدلة فيه حديثُ النعمان بن بشير الصحيح في صفة الصف في الصلاة : فرأيت الرجل منا يُلزق كعبه بكعب صاحبه ، وقيل إن محمدًا إنما رأى ذلك في حديث قطع المحرم الخفين إلى الكعبين إذا لم يجد النعلين اهـ فتح جـ١/ص٣٥١ . وقد رد البدر العيني ما قال الحافظ : بأن هذه الحكاية لم تنقل عن أبي حنيفة أصلا ، بل نقلت عن محمد نفسه ، وهو أيضا نقل غلط و لأنه فسر به حديث المحرم ((إذا لم يجد النعلين ، فيلبس الخفين، وليقطعهما بأسفل الكعبين)) لا أنه فسر به آية الوضوء . والله تعالى أعلم ، وهو المستعان ، وعليه التكلان . - ٥١٢ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة مسائل تتعلق بحديث الباب الأولى : في درجته : حديث الباب متفق عليه . الثانية : فيمن أخرجه : حديث عبد الله بن زيد أخرجه الجماعة. فأما المصنف : فأخرجه هنا ٨٠ ، عن محمد بن سلمة ، والحارث بن مسکین ، كلاهما عن ابن القاسم ، عن مالك ، عن عمرو بن یحیی ، عن أبيه ، عن عبد الله بن زيد رضي الله عنه . وفي ٨١ وفي الكبرى ٧٤/ ١٠٣ عن عتبة بن عبد الله اليحمدي، عن مالك به . وفي ٨٢ ، عن محمد بن منصور ، عن سفيان عن عمرو به . وأما البخاري : فأخرجه في الطهارة عن عبد الله بن يوسف ، عن مالك ، وعن موسى بن إسماعيل ، وسليمان بن حرب كلاهما عن وهیب ، وعن خالد بن مخلد ، عن سليمان بن بلال ، وعن مسدد ، عن خالد بن عبد الله ، وعن أحمد بن يونس ، عن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون : خمستهم عن عمرو بن یحیی به . وأما مسلم: فأخرجه في الطهارة عن محمد بن الصباح ، عن خالد ابن عبد الله به . وعن القاسم بن زكريا ، عن خالد بن مخلد به ، وعن إسحاق بن موسى ، عن معن ، عن مالك به ، وعن عبد الرحمن بن بشر بن الحكم، عن بهز بن أسد ، عن وهیب به . وأما أبوداود: فأخرجه فيه : عن مسدد به ، وعن القعنبي ، عن مالك به ، وعن الحسن بن علي ، عن أبي الوليد ، وسهل بن حماد ، كلاهما عن عبد العزيز بن الماجشون به . ٠ ٥١٣ - ٨٠ - باب حد الغسل - حديث رقم ٩٧ وأما الترمذي : فأخرجه في الطهارة عن إسحاق بن موسى الأنصاري، به مختصرا (( مسح رأسه بيديه ، فأقبل بهما ، وأدبر)) بهذه القصة (( ثم غسل رجليه)) ، وعن ابن أبي عمر عن سفيان ، عن عمرو بن یحیی به مختصرا ، وعن یحیی بن موسی ، عن إبراهيم بن موسى ، عن خالد بن عبد الله الطحان به مختصرا . وأما ابن ماجه : فأخرجه في الطهارة أيضا عن الربيع بن سليمان ، وحرملة بن يحيى كلاهما عن محمد بن إدريس الشافعي ، عن مالك به بتمامه ، وعن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن أحمد بن عبد الله بن يونس ، عن الماجشون به، مختصرا ، وعن علي بن محمد ، عن زيد بن الحباب، عن خالد بن عبد الله به مختصرا ، أفاده الحافظ المزي في تحفته جـ ٤/ ص٣٤٣. المسألة الثالثة : من فوائد الحديث : غسل اليدين قبل شروعه في الوضوء مرتين أو ثلاثا ، والمضمضة ، والاستنشاق ثلاثا بثلاث غرفات ، وغسل الوجه ثلاث مرات ، وليس فيه خلاف ، وغسل اليدين إلى المرفقين مرتين ، وهو الذي بوب علیه المصنف ، ومسح الرأس مستوعبا ، وبداءة المسح بمقدم الرأس ، وغسل الرجلين إلى الكعبن . وفيه جريان التلطف بين الشيخ وتلميذه ، في قوله : هل تستطيع أن تريني الخ. وجواز الاستعانة في إحضار الماء من غير كراهة ، وفيه التعليم بالفعل لأنه أبلغ ، وأن الاغتراف من الماء القليل لا يصير الماء مستعملا ، لأن في رواية وهيب وغيره («ثم أدخل يده »، وفيه الاقتصار على مرة واحدة في مسح الرأس . والله تعالى أعلم . إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه توكلت ، وإليه أنيب . - ٥١٤ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة ٨١ - بَابُ صِفَة مَسْجَ الرَّأس أي هذا باب ذكر الحديث الدال على كيفية مسح الرأس . قال في اللسان : والمسح : إمرارك يدك على الشيء السائل ، أو المتلطخ ، تريد إذهابه بذلك ، كمسحك رأسك من الماء ، وجبينك من الرشح . اهـ . وفي المصباح : مسحت الشيء بالماء مسحًا : أمررت اليد عليه ، قال أبو زيد : المسح في كلام العرب يكون مسحًا ، وهو إصابة الماء ، ويكون غسلا ، يقال : مسحت يدي بالماء إذا غسلتها ، وتمسحت بالماء إذا اغتسلت اهـ . والرأس : عضو معروف ، وهو مذکر ، وجمعه أرؤس ، ورؤوس، مهموز في أكثر لغاتهم إلا بني تميم فإنهم يتركون الهمز لزومًا اهـ المصباح. وفي اللسان : ورأس كل شيء أعلاه ، والجمع في القلة : أرؤس، وآراس، على القلب ، ورؤوس في الكثير ، ولم يقلبوا هذه ، ورؤس ، الأخیرة على الحذف اهـ . ٩٨ - أخبَرَنَا عُثْبَةُ بنُ عبد اللَّهِ، عَنْ مَالِكِ، هُوَ ابْنُ أَنَسٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْتَى ، عَنْ أَبِهِ، : أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ ، وَهُوَ جَدُّ عَمْرِو بْنِ يَحْبَى: هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُرِيَنِي كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّه ◌َ يَوَضَّأُ؟ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ : نَعَمْ ، فَدعَا بِوَضُوءٍ ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدِهِ الْيُمْنَى، فَغَسَلَ يَدَيْهِ ٥١٥ - ٨١ - باب صفة مسح الرأس - حديث رقم ٩٨ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ مَضْمَضَ ، وَاسْتَنْشَقَ ثَلاَثًا، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَتَيْنِ مَرَتَيْنِ إِلَى المرْفَقَينِ ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ ، بَدَأ ◌ُقَدَّمَ رَأْسِهِ، ثُمَّذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا حَتَّى رَجَعَ إِلَى المكَانِ الَّذِي بَدَّأَ مِنْهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ . رجال الإسناد : خمسة كلهم تقدموا في الباب الماضي إلا عتبة بن عبد الله . وهو عتبة بن عبد الله بن عتبة اليُحْمدي ، بضم التحتانية ، الأزدي أبو عبد الله المروزي، روى عن مالك، وابن المبارك ، وابن عيينة ، والفضل بن موسى ، وأبي غانم يونس بن نافع ، وسعيد بن سالم القداح، وغيرهم ، وعنه النسائي ، وابن خزيمة ، ومحمد بن علي الحكيم الترمذي ، وإسحاق بن إبراهيم البستي ، وأبو رجاء حاتم بن محمد بن حاتم ، وأبو رجاء محمد بن حمدويه المروزي ، والحسن بن سفيان ، وجماعة . قال النسائي : ثقة ، وقال في موضع آخر : لا بأس به ، وذكره ابن حبان في الثقات. قال ابن حمدويه : مات سنة ٢٤٤ ، قلت : وقال مسلمة : مروزي ثقة . وفي ((ت)) صدوق من العاشرة ، انفرد به المصنف . شرع الحديث مضى في الباب السابق . إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله علي تو کلت، وإليه أنيب . - ٥١٦ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة ٨٢ - عَدَدُ مَسْجَ الرَّأس الظاهر من صنيع المصنف أنه لا يرى تعدد مسح الرأس ، حيث إنه ذکر حدیث سفيان الذي حكموا بخطائه ، فكأنه يقول : لا يثبت في تعدد مسح الرأس حديث ، بل الأحاديث الصحيحة ليس فيها ذكر العدد ، فلا ينبغي تكراره . ٩٩ - أخبَرَنَا مُحَمَّدُ بنُ منْصُور، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عن عَمْرو أبْنِ يَحْتَى ، عَنْ أِبِهِ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدِ الذِي أُرِيَ النِّدَاءَ قَالَ : رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ ه تَوَضَا، فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاثًا ، ويَدَيْهِ مَرََّّيْنِ ، وَسَلَ رِجْلَيْهِ مَرَتَيْنِ ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مرتين. رجال الإسناد : خمسة كلهم تقدموا في السند السابق إلا اثنين : ١ - (محمد بن منصور) بن ثابت بن خالد الخزاعي ، أبوعبد الله الجَوَّاز المكي ، روى عن سفيان بن عيينة ، ومروان بن عيينة ، والوليد بن مسلم ، وأبي سعيد مولى بني هاشم ، وزيد بن الحباب ، ومعاذبن هشام، ويعقوب بن محمد الزهري ، وبشر بن السري ، وعبد الملك بن إبراهيم الجُدِّيّ ، وغيرهم. ٥١٧- ٨٢ - عدد مسح الرأس - حديث رقم ٩٩ روی عنه النسائي ، وروى أيضا عن زكريا السجزي عنه ، وأبو حاتم الرازي ويعقوب بن شيبة ، وعلي بن عبد العزيز ، وعبد الله بن صالح البخاري ، وأحمد بن علي الأبّار ، وإبراهيم بن موسى ، وزكريا ابن يحيى الساجي ، وأبو بشر الدولابي ، والمفضل بن محمد الجندي ، ویحیی بن محمد بن صاعد ، وآخرون . قال الدار قطني : ثقة ، وذكره ابن حبان في الثقات ، قال أبو بشر الدولابي : مات سنة ٢٥٢ ، قال الحافظ : وقال النسائي في مشيخته : ثقة، انفرد به المصنف ، وفي ((ت)) ثقة [١٠] وتقدم في ٢٠/ ٢١ . ٢ - (سفيان) بن عيينة ، أبو محمد الهلالي ، مولاهم الكوفي ، نزيل مكة ، ثقة ثبت حجة ، فقيه إمام من كبار [٧] تقدم في ١/ ١. قوله ( عبد الله بن زید الذي أري النداء) هكذا في رواية سفيان أن عبد الله هذا هو الذي أريَ النداء ، وأجمعوا على تخطئة سفيان فيه ، وممن خطأه المصنف قال: في كتاب الاستسقاء في (خروج الإمام إلى المصلَّى للاستسقاء) ما نصه : قال أبو عبد الرحمن : هذا غلط من ابن عيينة ، وعبد الله بن زید الذي أري النداء هو عبد الله بن زید بن عبد ربه ، وهذا عبد الله بن زيد بن عاصم اهـ جـ ٣/ ص١٥٥ . ومنهم البخاري : قال : في ( باب تحويل الرداء في الاستسقاء) ما نصه قال أبو عبد الله : كان ابن عيينة يقول : هو صاحب الأذان ، ولكنه وهم ، لأن هذا عبد الله بن زيد بن عاصم المازني ، مازن الأنصار ، اهـ . قال الحافظ : وقد اتفقا في الاسم، واسم الأب والنسبة إلى الأنصار، ثم الخزرج ، والصحبة والرواية ، وافترقا في الجد والبطن الذي من الخزرج ، لأن حفید عاصم من مازن ، وحفید عبدربه من بلحارث بن الخزرج اهـ جـ٢/ ص٥٨١ . - ٥١٨ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة وقد تقدم ترجمة عبد الله بن زيد بن عاصم، في باب ((حد الغسل)). وأما عبد الله بن زيد الذي أُري الأذان ، فهو عبد الله بن زيد بن عبد ربه بن ثعلبة بن زيد بن الحارث بن الخزرج الأنصاري الخزرجي ، أبو محمد المدني ، وقيل في نسبه غير ذلك ، شهد العَقَبة ، وبدرا ، والمشاهد، وهو الذي أري النداء للصلاة في النوم ، وكانت رؤياه في السنة الأولى بعد بناء المسجد، روى عن النبي ﴾. وعنه ابنه محمد ، وابن ابنه عبد الله بن محمد على خلاف فيه ، وسعيد بن المسيب ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى ، وقيل : لم يسمع منه ، وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، قال الترمذي ، عن البخاري : لا يعرف له إلا حديث الأذان ، وقال يحيى بن بكير ، وخليفة ، وغير واحد: مات سنة ٣٢ ، زاد يحيى وسنّهُ ٦٤ . قال الحافظ : وقال ابن عدي : لا نعرف له شیئا يصح عن النبي ◌ّ إلا حديث الأذان ، انتهى ، وهذا يؤيد كلام البخاري ، وهو المعتمد ، وقد وجدت له أحاديث غير الأذان جمعتها في جزء، واغتر الأصفهاني بالأول فجزم به ، وتبعه جماعة ، فوهموا . وقال الحاكم : الصحيح أنه قتل بأحد ، والروايات عنه كلها منقطعة، كذا قال ، وفي ترجمة عمر بن عبد العزيز من الحلية بسند صحيح ، عن عبيد الله بن عمر العمري ، قال : دخلت ابنة عبد الله بن زيد بن عبد ربه على عمر بن عبد العزيز ، فقالت : أنا ابنة عبد الله بن زيد، شهد أبي بدرًا، وقتل بأحد ، فقال : سليني ما شئت، فأعطاها . اهـ تهذيب التهذیب جه/ ص٢٢٤ . قال الجامع عفا الله عنه: شرح الحديث واضح مما سبق وقوله: (ومسح برأسه مرتين) قال البيهقي : هكذا في مسح الرأس مرتين ، وقد خالفه - ٨٢ - عدد مسح الرأس - حديث رقم ٩٩ ٥١٩- يعني سفيان - مالك ، ووهيب ، وسليمان بن بلال ، وخالد الواسطي ، وغيرهم، فرووه عن عمرو بن يحيى في مسح الرأس، إلا أنه قال : أقبل وأدبر اهـ السنن الكبرى جـ١ / ص٦٤ . وقال ابن عبد البر : روى ابن عيينة هذا الحديث ، فذكر فيه مسح الرأس مرتين ، وهو خطأ لم يذكره أحد غيره ، وقال : وأظنه تأوله على أن الإقبال مرة ، والإدبار أخرى ، اهـ نقله الزرقاني في شرحه على الموطأ جـ١ / ص٤٦ . والله أعلم سبحانه وتعالى أعلم، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بحديث الباب الأولى : في درجته : هذا الحديث ضعيف للمخالفة المذكورة ، وحاصلها ، أن سفيان وقع له مخالفة للأكثرين في هذا الحديث سنداً ومتنا، أما سنداً ففي قوله : الذي أري النداء ، وأما متنًا ففي قوله : وغسل رجليه مرتين ، ومسح برأسه مرتين ، فأما الأول ، والثالث ، فصرحوا بتغليطه ، وأما الثاني فلم أر من صرح به ، والظاهر أنه كذلك ، لأن غيره رواه إما مطلقًا ، وإما مقيدًا بالثلاث ، والله أعلم. الثانية : في مذاهب العلماء في حكم تكرار مسح الرأس : قال الإمام النووي رحمه الله : مذهب الشافعي ، وأصحابه رضي الله عنهم استحباب الثلاث ، وهو مذهب داود ، ورواية عن أحمد ، وحكاه ابن المنذر عن أنس بن مالك ، وسعيد بن جبير ، وعطاء ، وزاذان، وميسرة رضي الله عنهم ، وحكى ابن المنذر وأصحابنا عن ابن سيرين أنه قال : يمسح رأسه مرتين . وقال أکثر العلماء : إنما یسن مسحة واحدة ، هكذا حكاه عن أکثر العلماء الترمذي وآخرون ، قال ابن المنذر : وممن قال به : عبد الله بن عمر ، وطلحة بن مصرف ، والحكَم ، وحماد ، والنخعي ، ومجاهد ، - ٥٢٠ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة وسالم بن عبد الله ، والحسن البصري ، وأصحاب الرأي ، وأحمد ، وأبو ثور رضي الله عنهم ، وحكاه غير ابن المنذر عن غيرهم أيضًا ، وهو مذهب مالك ، وأبي حنيفة ، وأصحابهما ، وسفيان الثوري، وإسحاق ابن راهويه ، واختاره ابن المنذر . فأما ابن سيرين فاحتج له بحديث الربيع بنت معوذ (( أن النبي ﴾مسح رأسه مرتین )) ، وعن عبد الله بن زيد مثله . وأما القائلون بمسحة واحدة : فاحتجوا بالأحاديث الصحيحة المشهورة في الصحيحين وغيرهما ، من روايات جماعات من الصحابة في صفة وضوء رسول الله عَ﴾(« أنه مسح رأسه مرة واحدة، مع غسله بقية الأعضاء ثلاثًا ثلاثًا )) . منها : رواية عثمان ، وابن عباس ، وعبد الله بن زيد رضي الله عنهم، وروي ذلك أيضا من رواية عبد الله بن أبي أوفى ، وسلمة بن الأكوع ، والربيع بنت معوذ، وغيرهم، وقد قال أبو داود في سننه وغيره من الأئمة : الصحيح في أحاديث عثمان ، وغيره مسح الرأس مرة، وقد سَلَّم لهم البيهقي هذا واعترف به ، ولم يُجب عنه ، مع أنه المعروف بالانتصار لمذهب الشافعي رضي الله عنه . قالوا : ولأنه مسح واجب ، فلم یسن تكراره کمسح التيمم والخف ، ولأن تكراره يؤدي إلى أن يصير المسح غسلاً ، ولأن الناس أجمعوا قبل الشافعي على عدم التكرار ، فقوله خارق للإجماع . واحتج الشافعي وأصحابه بأحاديث وأقيسة : أحدها : وهو الذي اعتمده الشافعي ، حديث عثمان رضي الله عنه (((أن النبي﴾توضأ ثلاثا ثلاثا)) رواه مسلم، ووجه الدلالة منه أن قوله: ((توضأ)) يشمل المسح والغسل ، وقد منع البيهقي وغيره الدلالة من هذا،