النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١ -
٦٨ - المضمضة والاستنشاق - حديث رقم ٨٤
غيره ، وصححه الترمذي ، والبغوي ، وابن القطان ، وقال النووي :
هو حديث صحيح ، رواه أبو داود ، والترمذي ، وغيرهما بالأسانيد
الصحيحة .
ومنها : حديث حماد بن سلمة عن عمار بن أبي عمار ، عن أبي
هريرة قال: ((أمر رسول الله # بالمضمضة والاستنشاق)) رواه
الدار قطني، وقال : لم يسنده عن حماد غير هدية وداود بن المحبر ،
وغيرهما يرويه عن عمار عن النبي ◌َّه، لا يذكر أبا هريرة ،. قال المجد
ابن تيمية في المنتقى : قلت : وهذا لا يضر لأن هدبة ثقة مُخَرَّجٌ عنه في
الصحيحين ، فيقبل رفعه ، وما ينفرد به ، انتهى ، وقال الشوكاني في
النيل : وقد ذكر هذا الحديث ابن سيد الناس في شرح الترمذي منسوبا
إلى أبي هريرة ، ولم يتكلم عليه ، وعادته التكلم على ما فيه وهن اهـ .
ومنها: ما قدمناه عن المجموع أنهما من تمام غسل الوجه ، فالأمر
بغسله أمر بهما ، قالوا : وهذا وإن كان مستبعدا في بادئ الرأي باعتبارأن
الوجه في لغة العرب معلوم المقدار ، لكن يعضد دعوى دخولهما في
الوجه أنه لا موجب للتخصيص بظاهره دون باطنه ، فإن الجميع في لغة
العرب یسمی وجها .
فإن قلت : قد أطلق على خرق الفم ،، والأنف اسم خاص ، فليسا
في لغة العرب وجها ، قلت : كذلك أطلق على الخدين ، والجبهة ،
وظاهر الأنف والحاجبين ، وسائر أجزاء الوجه أسماء خاصة ، فلا تسمى
وجها ، وهذا في غاية السقوط ، لاستلزامه عدم غسل الوجه .
فإن قلت : يلزم على هذا وجوب غسل باطن العين ، قلت : يلزم
ذلك لولا اقتصار الشارع في البيان على غسل ما عداه ، وقد بَيَّنَ لنا
رسول الله ﴾ ما نزل إلينا نداوم على المضمضة والاستنشاق ، ولم يحفظ

- ٣٨٢
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
أنه أخلَّ بهما مرة واحدة كما ذكره ابن القيم في الهدي ، ولم ينقل عنه
غسل باطن العين مرة واحدة ، على أنه قد ذهب إلى وجوب غسل باطن
العين ابن عمر ، والمؤيد بالله ، وروي في البحر عن الناصر والشافعي أنه
يستحب ، واستدل لهم بظاهر الآية اهـ نيل بتصرف .
واحتج من قال بوجوبهما في الغسل دون الوضوء : بقوله تعالى :
﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا﴾ [المائدة: آية ٦] فإنه أمر بتطهير جميع البدن إلا
ما تعذر إيصال الماء إليه، وداخل الفم والأنف لا يتعذر إيصاله إليه
بخلاف الوضوء ، فإن الواجب فيه غسل الوجه ، وهو ما تقع به المواجهة
وهي فيهما منعدمة .
واستدلوا بما رواه الدارقطني عن عائشة بنت عجرد في جُنُب نسي
المضمضة والاستنشاق ، قالت : قال ابن عباس : يمضمض ويستنشق
ويعيد الصلاة .
ورواه عنها من عدة طرق ، وقال : عائشة بنت عجرد لا يحتج بها اهـ
ولا وجه للتفرقة بين الوضوء والغسل فيهما ، فإن ما احتجوا به من الآية
مجمل بُيِّنَ بنحو حديث أبي ذر الآتي ، وفيه (( إذا وجد الماء فليمسه
بشرته)) والبشرة ظاهر الجلد ، فلا تشمل داخل الفم والأنف .
واحتجوا أيضا على عدم الوجوب في الوضوء بحديث (( عشر من
سنن المرسلين)) وقد رده الحافظ في التلخيص ، وقال : إنه لم يرد بلفظ
((عشر من السنن)) بل بلفظ من الفطرة ، ولو ورد لم ينتهض دليلا على
الوجوب لأن المراد به السنة : أي الطريقة ، لا السنة بمعناها الاصطلاحي
الأصولي ، واستدلوا أيضا بحديث ابن عباس مرفوعا بلفظ ((المضمضة
والاستنشاق سنة )) رواه الدارقطني، وهو حديث ضعيف .
وبحديث (( توضأ كما أمرك الله)) وليس في القرآن ذكر المضمضة

٣٨٣ -
٦٨ - المضمضة والاستنشاق - حديث رقم ٨٤
والاستنشاق .
ورد بأن الأمر بغسل الوجه أمر بهما ، وبأن وجوبهما ثبت بأمر
رسول الله عَّ، والأمر منه أمر من الله بدليل: ﴿وما آتاكم الرسول
فخذوه﴾ [الحشر: آية ٧] ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني﴾ [آل
عمران: آية ٣١] .
قال الشوكاني : ويمكن مناقشة هذا بأنه إنما يتم لو أحاله فقط كما وقع
لابن دقيق العيد، وغيره ، وأما بالنظر إلى تمام الحديث وهو « فاغسل
وجهك ، ويديك ، وامسح رأسك، واغسل رجليك)) فيصير نصا على
أن المراد كما أمرك الله في خصوص آية الوضوء، لا في عموم القرآن ،
فلا يكون أمره عَّه بالمضمضة داخلا تحت قوله للأعرابي (( كما أمرك الله))
فيقتصر في الجواب على أنه قد صح أمر رسول الله # بهما، والواجب
الأخذ بما صح عنه ، ولا يكون الاقتصار على البعض في مبادئ التعليم
ونحوها موجبا لصرف ما ورد بعده وإخراجه عن الوجوب ، وإلا لزم
قصر واجبات الشريعة بأسرها على الخمس المذكورة في حديث ضمام بن
ثعلبة مثلا ، لاقتصاره على ذلك المقدار في تعليمه ، وهذا خرق
للإجماع، واطَّرَاح لأكثر الأحكام الشرعية ، اهـ ما قاله الشوكاني .
واحتج من قال بوجوب الاستنشاق دون المضمضة بما رواه الشيخان
وغيرهما عن أبي هريرة مرفوعا (( إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء
ثم ليستنثر)) وبمارواه الدار قطني عن ابن سيرين قال: ((أمر رسول الله عَّه.
بالاستنشاق في الجنابة ثلاثا)) وقالوا : إن المضمضة ثابتة بفعله عمي لا
بأمره، بخلاف الاستنشاق فإنه ثابت بهما ، وفعله لا يفيد الوجوب ،
وفي قولهم هذا نظر ، فقد روى الدارقطني عن عائشة ، وسليمان بن
موسى ، قالا: قال رسول الله عَ﴾﴾(( من توضأ فليتمضمض وليستنشق))
فلا وجه للتفرقة ، قاله في المنهل جـ ٢ / ص٦ .

- ٣٨٤
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
واحتج من قال بسنيتهما في الغسل والوضوء بقوله تعالى: ﴿وإن
كنتم جنبا فاطهروا﴾ وقوله ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾ [المائدة: آية ٦]
والوجه عند العرب ما حصلت به المواجهة ، وبقولهعن﴾﴾ لأبي ذر ، وقد
سأله عن الجنابة تصيبه، ولا يجد الماء ((الصعيد الطيب وضوء المسلم ،
وإن لم يجد الماء عشر حجج ، فإن وجد الماء فلیمسه بشرته )) حديث
صحيح ، قال أهل اللغة : البشرة ظاهر الجلد ، وأما باطنه فأدَمَة بفتح
الهمزة والدال .
واحتجوا بقوله # للأعرابي: (( توضأ كما أمرك الله )) وهو صحيح
وقد سبق الجواب عنه .
قال الجامع عفا الله عنه :
إذا علمت هذا كله ، فالذي يترجح عندي ، قول من قال بوجوبهما،
فيهما ، وهو الذي رجحه الشوكاني في النيل ، قال : وقد اعترف جماعة
من الشافعية وغيرهم بضعف دليل من قال بعدم وجوب المضمضة
والاستنشاق ، والاستئثار، قال الحافظ في الفتح : وذكر ابن المنذر أن
الشافعي لم يحتج على عدم وجوب الاستنشاق مع صحة الأمر به إلا
بكونه لا يعلم خلافا في أن تاركه لايعيد ، وهذا دليل فقهي ، فإنه لا
يحفظ ذلك عن أحد من الصحابة والتابعين ، إلا عن عطاء .
قال الجامع : وقد مر عن ابن حزم أنه نقل عن مجاهد أنه قال :
الاستنشاق شطر الوضوء ، وعن حماد بن أبي سليمان ، وابن أبي ليلى
والزهري ، من نسي المضمضة والاستنشاق في الوضوء أعاد الصلاة ،
فظهر بهذا أن عطاء ليس منفردا به والله أعلم .
قال الشوكاني : وذكر ابن سيد الناس في شرح الترمذي بعد أن ساق
حديث لقيط بن صبرة ، ما لفظه : وقال أبو بشر الدولابي فيما جمعه من

٣٨٥ -
٦٨ - المضمضة والاستنشاق - حديث رقم ٨٤
حديث الثوري : حدثنا محمد بن بشار، أخبرنا ابن مهدي ، عن سفيان،
عن أبي هاشم، عن عاصم بن لقيط، عن أبيه، عن النبي ◌َّه ((إذا
توضأت فأبلغ في المضمضة والاستنشاق ، إلا أن تكون صائما» ، قال أبو
الحسين (١) بن القطان: وهذا صحيح ، فهذا أمر صحيح صريح ، وانضم
إليه مواظبة النبي لة فثبت ذلك عن النبي على قولا وفعلا مع المواظبة في
الفعل انتهى .
ومن جملة ما أورده في شرح الترمذي من الأدلة القاضية بوجوبها
حديث عائشة عند البيهقي بلفظ: أن رسول اللهقال: ((المضمضة
والاستنشاق من الوضوء الذي لابد منه )) وقد ضعف بمحمد بن الأزهر
الجوزجاني .
وقد رواه البيهقي لا من طريقه : فرواه عن أبي سعد أحمد بن محمد
الصوفي ، عن ابن عدي الحافظ ، عن عبد الله بن سليمان بن الأشعث ،
عن الحسين بن علي بن مهران ، عن عصام بن يوسف ، عن ابن المبارك ،
عن ابن جريج ، عن سليمان بن موسى ، عن الزهري ، عن عروة عنها
اهـ نيل جـ١/ ص٢١٤ .
قال الجامع :
لكن نقل البيهقي عن أبي بكر الفقيه عن علي هو ابن عمر الدار قطني
الحافظ أنه قال : تفرد به عصام، ووهم فيه ، والصواب عن ابن جريج
عن سلمان بن موسى، مرسلا عن النبي ◌َ﴾.
والحاصل أن أدلة القائلين بالوجوب واضحة ، فوجب القول به ،
والله أعلم .
المسألة السادسة: قوله ( ثم غسل وجهه ثلاثا » فيه دليل على مشروعية
غسل الوجه .
(١) لعله أبو الحسن .

- ٣٨٦
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
قال العلامة ابن رشد في كتابه بداية المجتهد : اتفق العلماء على أن
غسل الوجه بالجملة من فرائض الوضوء لقوله تعالى ﴿فاغسلوا
وجوهكم﴾ [المائدة: آية ٦] واختلفوا في ثلاثة مواضع: في غسل
البياض الذي بين العذار والأذن ، وفي غسل ما انسدل من اللحية ، وفي
تخليل اللحية ، فالمشهور من مذهب مالك أنه ليس البياض الذي بین
العذار والأذن من الوجه ، وقد قيل في المذهب بالفرق بين الأمرد
والملتحي ، فيكون في المذهب ثلاثة أقوال .
وقال أبو حنيفة والشافعي : هو من الوجه .
وأما ما انسدل من اللحية فذهب مالك إلى وجوب إمرار الماء عليه ،
ولم يوجبه أبو حنيفة ، ولا الشافعي في أحد قوليه ، وسبب اختلافهم في
هاتين المسألتين هوخفاء تناول اسم الوجه لهذين الموضعين ، أعني هل
يتناولهما أو لا يتناولهما ؟ وأما تخليل اللحية : فمذهب مالك أنه ليس
واجبا ، وبه قال أبو حنيفة ، والشافعي في الوضوء ، وأوجبه ابن
عبد الحكم من أصحاب مالك .
وسبب اختلافهم في ذلك اختلافهم في صحة الآثار التي ورد فيها
الأمر بتخليل اللحية ، والأكثر على أنها غير صحيحة ، مع أن الآثار
الصحاح التي ورد فيها صفة وضوئه عليه الصلاة والسلام ليس في شيء
منها التخليل اهـ بداية جـ١/ ص١١ .
قال الجامع : سيأتي الكلام على أحاديث التخليل إن شاء الله تعالى.
وقال النووي رحمه الله : غسل الوجه واجب في الوضوء بالكتاب
والسنن المتظاهرة والإجماع اهـ المجموع جـ١/ ص٣٧١ .
وقال في المسألة الأولى ، وهي مسألة البياض الذي بين العذار
والأذن: كونه من الوجه هو مذهب الشافعي ، وحكاه أصحاب الشافعي

٣٨٧ -
٦٨ - المضمضة والاستنشاق - حديث رقم ٨٤
عن أبي حنيفة ، ومحمد ، وأحمد ، وداود ، وعن مالك أنه ليس من
الوجه ، وعن أبي یوسف یجب على الأمرد غسله دون الملتحي ، وحکی
الماوردي هذا التفصيل عن مالك .
قال : ودليلنا أنه تحصل به المواجهة کالخد ، واحتج الماوردي وغيره
فيه بحديث علي رضي الله عنه في صفة وضوء رسول الله عَ﴾، فقال في
غسل الوجه (« ضرب بالماء على وجهه ، ثم ألقم إبهاميه ما أقبل من أذنيه ))
ورواه أبو داود ، والبيهقي ، وليس بقوي ، لأنه من رواية محمد بن
إسحاق صاحب المغازي ، وهو مدلس ، ولم يذكر سماعه ، فلا يحتج به
كما عرف ، فلهذا لم أعتمده ، وإنما اعتمدت المعنى وذكرته تقويةً ،
ولأَبَيْنَ حاله ، والله أعلم اهـ المجموع جـ١ / ص٣٧٣ .
قال الجامع عفا الله عنه : قال في التلخيص : رواه البزار ، وقال : لا
نعلم أحدا روى هذا هكذا إلا من حديث عبيد الله الخولاني ، ولا نعلم
أحدا رواه عنه إلا محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة ، وقد صرح ابن
إسحاق بالسماع فيه .
وأخرجه ابن حبان من طريقه مختصرا اهـ، وقد صرح ابن إسحاق
بالسماع فيه أيضا في رواية أحمد بالتحديث جـ١ / ص٨٢ .
وقال ابن التركماني في الجوهر النقي : في كتاب الإمام أن ابن
إسحاق صرح بأنه حدثه في رواية يعقوب الدورقي عن ابن علية عنه ،
فسلم الحدیثُ من التدليس .
وقال شيخنا يعني المنذري ، في مختصر السنن ، قال الترمذي:
سألت محمد بن إسماعيل عنه ، يعني هذا الحديث فضعفه ، وقال : ما
أدري ما هذا ؟ اهـ جـ ١ / ص٥٣ .
والحاصل أنه زال ما ضعفه به النووي ، وغيره بسببه ، فصح
الاستدلال به والله أعلم .

- ٣٨٨-
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
وقال في المسألة الثانية ، وهي مسألة ما انسدل من اللحية : ما
حاصله: أن فيه قولين في مذهب الشافعي ، والصحيح منهما الوجوب ،
وهو محكي عن مالك ، وأحمد، وعدم الوجوب محكي عن أبي
حنيفة، وداود ، واختاره المزني .
واحتج الأولون بأنه شعر ظاهر نابت على بشرة الوجه ، فأشبه شعر
الخد .
واحتج الآخرون بأنه شعر لا يلاقي محل الفرض ، فلم يكن محلا
للفرض كالذؤابة اهـ . المجموع بتصرف .
وأما المسألة الثالثة : وهي تخليل اللحية ، فقال الشوكاني في النيل :
وقد اختلف الناس في ذلك -يعني تخليل اللحية . فذهب إلى وجوبه في
الوضوء والغسل العترة ، والحسن بن صالح ، وأبو ثور ، والظاهرية كذا
في البحر .
واستدلوا بما وقع في الحديث بلفظ ((هكذا أمرني ربي)).
وذهب مالك، والشافعي ، والثوري ، والأوزاعي ، إلى أن تخليل
اللحية ليس بواجب في الوضوء ، قال مالك : وطائفة من أهل المدينة :
ولا في غسل الجنابة .
وقال الشافعي ، وأبو حنيفة ، وأصحابهما ، والثوري والأوزاعي ،
والليث ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وداود ، والطبري،
وأكثر أهل العلم : إن تخليل اللحية واجب في غسل الجنابة ، ولا يجب
في الوضوء هكذا في شرح الترمذي لابن سيد الناس ، قال : وأظنهم
فرقوا بين ذلك والله أعلم، لقوله،َ﴾((تحت كل شعرة جنابة، فبُلُّوا الشعرَ
وأنقُوا البَشَرَ .
واستدلوا لعدم الوجوب في الوضوء بحديث ابن عباس الذي ساقه

٣٨٩ -
٦٨ - المضمضة والاستنشاق - حديث رقم ٨٤
البخاري ، فإنه ليس فيه تخليل اللحية : قال : وقد روي عن ابن عباس،
وابن عمرو ، وأنس ، وعلي ، وسعيد بن جبير ، وأبي قلابة ، ومجاهد،
وابن سيرين ، والضحاك ، وإبراهيم النخعي : إنهم كانوا يخللون
جاهم.
وممن روي عنه أنه كان لا يخلل : إبراهيم النخعي ، والحسن ، وابن
الحنفية ، وأبو العالية ، وأبو جعفر الهاشمي ، والشعبي ، ومجاهد ،
والقاسم ، وابن أبي ليلى ، ذكر ذلك ابن أبي شيبة بأسانيده إليهم .
وقد وردت أحاديث في تخليل اللحية :
فمنها : حديث عثمان رضي الله عنه : (( أن النبي +++کان یخلل لحيته)»
رواه ابن ماجه ، والترمذي ، وصححه ، وابن خزيمة، والحاكم ،
والدارقطني ، وابن حبان ، وفيه عامر بن شقيق ضعفه یحیی بن معين ،
وقال البخاري : حديثه حسن ، وقال الحاكم : لا نعلم فيه طعنا بوجه من
الوجوه ، وأورد له شواهد .
ومنها : حديث أنس (( أن النبي #& كان إذا توضأ أخذ كفا من ماء ،
فأدخله تحت حنكه ، فخلل به لحيته ، وقال : هكذا أمرني ربي عز وجل))
رواه أبو داود ، وفيه الوليد بن زوران مجهول الحال، قال الحافظ : وله
طرق أخرى ضعيفة ، عن أنس منها ما رويناه في فوائد أبي جعفر
البختري ، ومستدرك الحاكم ، ورجاله ثقات ، لكنه معلول ، فإنما رواه
موسى بن أبي عائشة ، عن زيد بن أبي أنيسة ، عن يزيد الرقاشي ، عن
أنس ، أخرجه ابن عدي ، وصححه ابن القطان من طريق أخرى ذكرها
الذهلي في الزهريات ، وهو معلول ، وصححه الحاكم قبل ابن القطان ،
قال الحافظ : ولم تقدح هذه العلة عندهما فيه .
وفي الباب عن علي ، وعائشة ، وأم سلمة ، وأبي أيوب ، وأبي

- ٣٩٠
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
أمامة ، وعمار ، وابن عمر ، وجابر ، وجرير ، وابن أبي أوفى ، وابن
عباس ، وعبد الله بن عكبرة (١)، وأبي الدرداء .
وأما حديث علي فرواه الطبراني فيما انتقاه عليه ابن مردويه ،
وإسناده ضعيف ومنقطع ، وأما حديث عائشة ، فرواه أحمد من رواية
طلحة بن عبد الله بن كريز عنها ، وإسناده حسن ، وأما حديث أم سلمة
فرواه الطبراني، والعقيلي والبيهقي بلفظ ((كان إذا توضأ خلل لحيته))
وفي إسناده خالد بن الياس ، وهو منكر الحديث .
وأما حديث أبي أيوب : فرواه ابن ماجه ، والعقيلي ، وأحمد،
والترمذي في العلل ، وفيه أبو سورة لا يعرف ، وأما حديث أبي أمامة
فرواه أبي بكر بن أبي شيبة في مصنفه ، والطبراني في الكبير ، وإسناده
ضعيف ، وأما حديث عمار فرواه الترمذي ، وابن ماجه ، وهو معلول ،
وأما حديث ابن عمر : فرواه الطبراني في الأوسط من طريق مؤمل بن
إسماعيل ، عن العمري ، عن نافع ، عنه ، وإسناده ضعيف ، وله حديث
آخر أخرجه ابن ماجه ، والدار قطني ، والبيهقي ، وصححه ابن السكن
من حديث الأوزاعي، عن عبد الواحد بن قيس، عن نافع، عن ابن عمر،
قال : ((كان رسول الله ﴾ إذا توضأ عَرَكَ عارضيه بعض العَرْك ، ثم
شبك لحيته بأصابعه من تحتها)) ، وعبد الواحد مختلف فيه ، واختلف فيه
عن الأوزاعي، فقال عبد الحميد بن أبي العشرين هكذا ، وخالفه أبو
المغيرة ، فرواه عن الأوزاعي بهذا السند موقوفا ، قال الدار قطني : وهو
الصواب ، وخالفهما الوليد ، فقال عن الأوزاعي ، عن عبد الواحد ،
عن يزيد الرقاشي ، وقتادة مرسلا ، حكاه ابن أبي حاتم في العلل .
وأما حديث جابر فرواه ابن عدي في الكامل من طريق أصرم بن
(١) هكذا في التلخيص عكبرة بهاء التأنيث ، والذي في مشتبه الذهبي والقاموس: عكبر بلا هاء
كجعفر ، وقيل فيه غيره ، انظر التاج .

٦٨ - المضمضة والاستنشاق - حديث رقم ٨٤
٣٩١ -
غیاٹ ، ثنا مقاتل بن حیان ، عن جابر قال: « وضأت رسول الله ټغیر
مرة ، ولا مرتين ، ولا ثلاث ، فرأيته يخلل لحيته بأصابعه ، كأنها أنياب
مشط)) وأصرم متروك الحديث ، قاله النسائي ، وفي الإسناد انقطاع أيضا.
وأما حديث جرير ، فرواه ابن عدي ، وفیه یاسین الزيات ، وهو
متروك ، وأما حديث ابن أبي أوفى ، فرواه أبوعبيد في كتاب الطهور ،
وفي إسناده أبو الورقاء وهو ضعيف ، وهو في الطبراني أيضا ، وأما
حديث ابن عباس ، فرواه العقيلي ، في ترجمة نافع أبي هرمز ، وهو
ضعيف ، وهو في الطبراني أيضا ، وأما حديث عبد الله بن عكبرة فرواه
الطبراني في الصغير ، ولفظه ، عن عبد الله بن عكبرة ، وكانت له
صحبه قال: (( التخليل سنة)) وفيه عبد الكريم أبو أمية ، وهوضعيف ،
وأما حديث أبي الدرداء: فرواه الطبراني ، وابن عدي بلفظ (( توضأفخلل
لحيته مرتين ، وقال هكذا أمرني ربي )) وفي إسناده تمام بن نجيح ، وهو
لين الحديث اهـ تلخيص الحبير بتقديم وتأخير جـ١ / ص ٨٥-٨٧ .
قال الحافظ :
فائدة : قال عبد الله بن أحمد عن أبيه : ليس في تخليل اللحية
شيء صحيح، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: لا يثبت عن النبي ◌َّه في
تخليل اللحية شيء اهـ تلخيص .
قال الشوكاني : ولكنه يعارض هذا تصحيح الترمذي ، والحاكم ،
وابن القطان لبعض أحاديث الباب ، وكذلك غيرهم اهـ . نيل
جـ١ / ص٢٢٥ .
قال الجامع عفا الله عنه : الحق أن أحاديث الباب بمجموعها ترتقي
إلى درجة الصحيح أو الحسن ، وقد صححها العلامة الألباني في الإرواء
جـ١/ ص١٣٠.

- ٣٩٢
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
والحاصل أنها تصلح للاحتجاج بها ، لكنها كما قال الشوكاني : بعد
تسلیم انتهاضها للاحتجاج ، وصلاحيتها للاستدلال لا تدل على
الوجوب ، لأنها أفعال، وما ورد في بعض الروايات من قوله عليه ((هكذا
أمرني ربي )) لا يفيد الوجوب على الأمة لظهوره في الاختصاص به ،
وهو يتخرج على الخلاف المشهور في الأصول ، هل يعم الأمة ما كان
ظاهرا الاختصاص به أم لا ؟
والفرائض لا تثبت إلا بيقين ، والحكم على ما لم يفرضه الله
بالفرضیة کالحکم على ما فرضه بعدمها ، لا شك في ذلك ، لأن کل
واحد منهما من التقول على الله بما لم يقل . ولا شك أن الغَرْفَة الواحدة
لا تكفي کث اللحية لغسل وجهه ، وتخلیل لحیته ، ودفعه كما قال
بعضهم بالوجدان مكابرة منه ، نعم الاحتياط والأخذ بالأوثق لا شك في
أولويته، لكن بدون مجاراة على الحكم بالوجوب اهـ نیل جـ١/ص٢٢٦ .
قال الجامع عفا الله عنه :
الحاصل أن تخليل اللحية مستحب لثبوت الأحاديث الدالة عليه ،
وأما إثبات الوجوب فمحل نظر ، والله أعلم .
المسألة السابعة : قوله ((ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق)) الخ.
فيه دلالة على مشروعية غسل اليدين ، قال العلامة ابن رشد في
بدايته : اتفق العلماء على أن غسل اليدين والذراعين من فروض الوضوء
لقوله تعالى ﴿ وأيديكم إلى المرافق﴾ [المائدة: آية٦].
واختلفوا في إدخال المرافق فيها ، فذهب الجمهور ، ومالك
والشافعي ، وأبو حنيفة إلى وجوب إدخالها ، وذهب بعض أهل
الظاهر، وبعض متأخري أصحاب مالك ، والطبري إلى أنه لا يجب
إدخالها في الغسل .

٣٩٣ -
٦٨ - المضمضة والاستنشاق - حديث رقم ٨٤
قال الجامع :
وممن قال بهذا القول زفر من الحنفية ، قال ابن رشد : والسبب في
اختلافهم في ذلك الاشتراك الذي في حرف ((إلى))، وفي اسم اليد في
كلام العرب ، وذلك أن حرف ((إلى)) مرة يدل في كلام العرب على
الغاية، ومرة يكون بمعنى ((مع))، واليد أيضا في كلام العرب تطلق على
ثلاثة معان على الكف فقط ، وعلى الكف والذراع ، وعلى الكف
والذراع والعضد ، فمن جعل ((إلى)) بمعنى ((مع)) أو فهم من اليد مجموع
الثلاثة الأعضاء أوجب دخولها في الغسل ، ومن فهم من ((إلى)) الغاية ،
ومن اليد ما دون المرفق ولم يكن الحد عنده داخلا في المحدود لم يدخلها
في الغسل .
وخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أنه غسل يده اليمنى حتى
أشرع في العضد ، ثم اليسرى كذلك ، ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع
في الساق ، ثم غسل اليسرى كذلك ، ثم قال : هكذا رأيت رسول الله
◌َّ* يتوضأ)» وهو حجة لقول من أوجب إدخالها في الغسل ، لأنه إذا تردد
اللفظ بين المعنيين على السواء وجب أن لا يصار إلى أحد المعنيين إلا
بدليل .
وإن كانت ((إلى)) في كلام العرب أظهر في معنى الغاية منها في معنى
((مع)) ، وكذلك اسم اليد أظهر فيما دون العضد منه فيما فوق العضد ،
فقول من لم يدخلها من جهة الدلالة اللفظية أرجح ، وقول من أدخلها
من جهة هذا الأثر أبين ، إلا أن يحمل هذا الأثر على الندب ، والمسألة
محتملة كما ترى ، وقد قال قوم : إن الغاية إذا كانت من جنس ذي الغاية
دخلت فيه ، وإن لم تكن من جنسه لم تدخل فيه اهـ بداية المجتهد
جـ١/ ص١١ - ١٢.

- ٣٩٤
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
وقال النووي رحمه الله : ذكر ابن قتيبة ، والأزهري ، وآخرون من
أهل اللغة ، والفقهاء في كيفية الاستدلال بالآية كلاما مختصره : إن
جماعة من أهل اللغة منهم أبو العباس ثعلب ، وآخرون ، قالوا (( إلى))
بمعنى ((مع))، وقال أبو العباس المبرد، وأبو إسحاق الزجاج وآخرون
((إلى)) للغاية ، وهذا هو الأصح الأشهر ، فإن كانت بمعنى ((مع)) فدخول
المرفق ظاهر ، وإنما لم يدخل العضد للإجماع ، وإن كانت للغاية فالحد
يدخل في المحدود إذا كان التحديد شاملا للحد والمحدود ، كقولك
قطعت أصابعه من الخنصر إلى المسبحة ، أو بعت هذه الأشجار من هذه
إلى هذه ، فإن الأصبعين والشجرتين داخلات في القطع والبيع بلا شك
لشمول اللفظ ، ويكون المراد بالتحديد في مثل هذا إخراج ما وراء الحد
مع بقاء الحد داخلا ، فكذا هنا اسم اليد شامل من أطراف الأصابع إلى
الإبط ، ففائدة التحديد بالمرافق إخراج ما فوق المرفق مع بقاء المرفق .
ثم ذكر النووي حديث أبي هريرة المتقدم ، وقال : وفعله بيان
للوضوء المأمور به ، ولم ينقل تركه ذلك ، اهـ المجموع جـ١ / ص٣٨٥ .
وقال الشوكاني: واستدل لغسلهما أيضا بحديث ((أنه عمّه أدار الماء
على مرفقيه ، ثم قال : هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به )) عند
الدار قطني ، والبيهقي من حديث جابر مرفوعا ، وفيه القاسم بن محمد
ابن عبد الله بن عقيل ، وهو متروك ، وقال أبو زرعة : منكر ، وضعفه
أحمد ، وابن معين ، وانفرد ابن حبان بذكره في الثقات ، ولم يلتفت في
ذلك إليه ، وصرح بضعف هذا الحديث المنذري ، وابن الجوزي ، وابن
الصلاح ، والنووي ، وغيرهم .
وذكر ما تقدم من حديث أبي هريرة ، لكن قال : وفيه أنه فعل لا
ینتهض بمجرده للوجوب ، وأجيب بأنه بيان للمجمل ، فیفید الوجوب،

٣٩٥ -
٦٨ - المضمضة والاستنشاق - حديث رقم ٨٤
ورد بأنه لا إجمال، لأن ((إلى)) حقيقة في انتهاء الغاية مجاز في معنى
((مع))، وقد حقق الكلام في ذلك الرضي في شرح الكافية ، وغيره
فليرجع إليه ، واستدل أيضا لذلك أنه من مقدمة الواجب فيكون واجبا ،
وفيه خلاف في الأصول معروف اه نيل جـ١/ ص٢١٤ .
قال الجامع عفا الله عنه :
الذي يترجح عندي القول بوجوب دخولهما ، لأن الراجح أن الآية
مجملة ، وفعلهمەبيان ، فیکون ما فعله واجبًا إلا بدلیل کعدم وجوب
التثليث ، ونحوه ، والحاصل أن الراجح دخولهما كما تقدم تقريره في
کلام النووي رحمه الله .
وقال الإمام أبو جعفر الطبري في تفسيره : والصواب من القول في
ذلك عندنا : أن غسل اليدين إلى المرفقين من الفرض الذي إن تر که ، أو
شيئا منه تارك لم تجز الصلاة مع تركه غسله ، فأما المرفقان وما وراءهما
فإن غسل ذلك من الندب الذي ندب إليه على أمته بقوله ((أمتي الغر
المحجلون من آثار الوضوء ، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل ))
فلا تفسد صلاة تارك غسلهما ، وغسل ماوراءهما لما قد بينا قبلُ فيما
مضى من أن كل غاية بإلى ، فقد تحتمل في كلام العرب دخول الغاية في
الحد وخروجها منه ، وإذا احتمل الكلام ذلك لم يجز لأحد القضاء بأنها
داخلة فيه إلا لمن لا يجوز خلافه فيما بَيَّنَ وحَكَم ، ولا حكم بأن المرفق
داخلة فيما يجب غسله عندنا ممن يجب التسليم بحكمه اهـ كلام ابن
جرير ج٦ / ص١٢٤ .
قال الجامع :
بلى عندنا حُكْم يجب تسليمه وهو فعله مع الواقع بيانا لمجمل الأمر
في الآية ، وقد قال أهل اللغة بدخول الغاية في المغيا ، لقرينة، وهنا
i

- ٣٩٦ -
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
القرينة في دخولها فعله المبين للمجمل فتبصر . والله أعلم .
فائدة : قال في المصباح : إنما جمع المرفق في الآية لأن العرب إذا
قابلت جمعا حملت كل مفرد من هذا على كل مفرد من هذا ، وعليه قوله
تعالى ﴿فاغسلوا وجوهكم، وامسحوا برؤسكم﴾ [المائدة: ٦]
﴿وليأخذوا أسلحتهم﴾ [النساء: آية ١٠٢] ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم
من النساء﴾[النساء: ٢٢] أي وليأخذ كل واحد سلاحه ، ولا ينكح كل
واحدما نكح أبوه من النساء ، ولذلك إذا كان للجمع الثاني متعلق
واحد، فتارة يفردون المتعلق باعتبار وحدته بالنسبة إلى إضافته إلى متعلقه
نحو ﴿خذمن أموالهم صدقة﴾ [التوبة: ١٠٣] أي خذ من كل مال واحد
منهم صدقة ، وتارة يجمعونه ليتناسب اللفظ بصيغ الجموع قالوا : ركب
الناس دوابهم برحالها وأرسانها ، أي ركب كل واحد دابته
برحلهاورسنها ، ومنه قوله تعالى ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾ [المائدة: ٦]
أي وليغسل كل واحد كل يد إلى مرفقها، لأن لكل يد مرفقا واحدا ، وإن
كان له متعلقان ثنوا المتعلق في الأكثر قالوا: وطئنا بلادهم بطرفيها ، أي
كل بلدة بطرفيها ، ومنه قوله تعالى ﴿وأرجلكم إلى الكعبين ﴾ وجاز
الجمع، فيقال بأطرافها ، وغَسَلُوا أرجلهم إلى الكعاب ، أي مع كل
کعب اهـ جـ١ / ص٢٣٣-٢٣٤ .
المسألة الثامنة : قوله ( ثم مسح برأسه»
قال ابن رشد : اتفق العلماء على أن مسح الرأس من فروض
الوضوء، واختلفوا في القدر المجزئ منه ، فذهب مالك إلى أن الواجب
مسحه کله .
وذهب الشافعي ، وبعض أصحاب مالك، وأبو حنيفة إلى أن مسح
بعضه هو الفرض ، ومن أصحاب مالك من حد هذا البعض بالثلث ،

٣٩٧ -
٦٨ - المضمضة والاستنشاق - حديث رقم ٨٤
ومنهم من حَدَّ بالثلثين ، وأما أبو حنيفة فحده بالربع ، وحد مع هذا القدر
من اليد الذي يكون به المسح ، فقال : إن مسحه بأقل من ثلاثة أصابع
لم يجزه .
وأما الشافعي فلم يحد في الماسح ، ولا في الممسوح حدا .
وأصل هذا الاختلاف في الاشتراك الذي في الباء في كلام العرب ،
وذلك أنها مرة تكون زائدة مثل قوله تعالى ﴿ تنبت بالدهن ﴾
[المؤمنون: ٢٠] على قراءة تنبت بضم التاء وكسر الباء من أنبت ، ومرة
تدل على التبعيض مثل قول القائل : أخذت بثوبه ، وبعضده ، ولا معنى
لإنكار هذا في كلام العرب، أعني كون الباء مبعضة ، وهو قول الكوفيين
من النحويين ، فمن رآها زائدة أوجب مسح الرأس كله ، ومعنى الزائدة
ههنا كونها مؤكدة ، ومن رآها مبعضة أوجب مسح بعضه ، وقد احتج
من رجح هذا المفهوم بحديث المغيرة (( أن النبي #ه توضأ فمسح بناصيته
وعمامته)) أخرجه مسلم ، وإن سملنا أن الباء زائدة بقي ههنا أيضا
احتمال آخر ، وهو هل الواجب الأخذ بأوائل الأسماء ، وأواخرها . اهـ
بداية المجتهد جـ١/ ص١٢ .
وقال الشوكاني : والحدیث -یعني حديث عبد الله بن زيد- يدل
على مشروعية مسح جميع الرأس ، وهو مستحب باتفاق العلماء ، قاله
النووي ، وعلل ذلك بأنه طريق إلى استيعاب الرأس ، ووصول الماء إلى
جميع شعره ، وقد ذهب إلى وجوبه أكثر العترة ، ومالك ، والمزني ،
والجبائي ، وإحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل ، وابن علية ، وقال
الشافعي : یجزئ مسح بعض الرأس ، ولم يحده بحد .
قال ابن سيد الناس في شرح الترمذي : وهو قول الطبري ، وقال أبو
حنيفة : الواجب الربع ، وقال الثوري ، والأوزاعي ، والليث : يجزئ

- ٣٩٨
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
مسح بعض الرأس ، ويمسح المقدم ، وهو قول أحمد ، وزيد بن علي ،
والناصر ، والباقر ، والصادق .
وأجاز الثوري ، والشافعي ، مسح الرأس بأصبع واحدة .
واختلفت الظاهرية ، فمنهم من أوجب الاستيعاب ، ومنهم من قال:
يكفي البعض .
احتج الأولون بحديث عبد الله بن زيد الآتي ، وبحديث (( أنه مسح
برأسه حتى بلغ القذال )» عند أحمد ، وأبي داود ، من حديث طلحة بن
مصرف ، ورد بأن الفعل بمجرده لا يدل على الوجوب ، وفي حديث
طلحة بن مصرف مقال .
قالوا : قال الله تعالى: ﴿وامسحوا برؤسكم﴾ [المائدة: ٦] والرأس
حقيقة اسم لجميعه ، والبعض مجاز ، ورد بأن الباء للتبعيض ، وأجيب
بأنه لم يثبت كونها للتبعيض ، وقد أنكره سيبويه في خمسة عشر موضعا
من كتابه .
ورد أيضا بأن الباء تدخل في الآلة ، والمعلوم أن الآلة لا يراد استيعابها
كمسحت رأسي بالمنديل ، فلما دخلت الباء في الممسوح كان ذلك
الحكم: أعني عدم الاستيعاب في الممسوح أيضًا . قاله التفتازاني .
قالوا : جعله جار الله مطلقا، وحكم على المطلق بأنه مجمل ، وبينه
النبي ◌َّ بالاستيعاب ، وبيان المجمل الواجب واجب ، ورد بأن المطلق
ليس بمجمل ، لصدقه على الكل والبعض ، فيكون الواجب مطلق المسح
کلا أو بعضا ، وأيا ما كان وقع به الامتثال ، ولو سلم أنه مجمل لم يتعين
مسح الكل ، لورود البيان بالبعض عند أبي داود من حديث أنس بلفظ
((أنه أدخل يده من تحت العمامة فمسح مقدم رأسه ولم ينقض العمامة))
وعند مسلم، وأبي داود، والترمذي، من حديث المغيرة بلفظ ((أنه عَائ}.

٦٨ - المضمضة والاستنشاق - حديث رقم ٨٤
٣٩٩ -
توضأ فمسح بناصيته وعلى العمامة )) .
قالوا : قال العلامة ابن القيم : إنه لم يصح عن النبي ،ۍفي حديث
واحد أنه اقتصر على مسح بعض رأسه البتة ، ولكن كان إذا مسح بناصيته
أكمل على العمامة قال: وأما حديث أنس فمقصود أنس أن النبي 4# لم
ينقض عمامته حتى يستوعب مس الشعر كله ، ولم ينف التكميل على
العمامة ، وقد أثبته حديث المغيرة ، فسكوت أنس عنه لا يدل على نفيه ،
وأيضا قال الحافظ : إن حديث أنس في إسناده نظر ، وأجيب بأن النزاع
في الوجوب وأحاديث التعميم وإن كانت أصح ، وفيها زيادة ، وهي
مقبولة ، لكن أين دليل الوجوب ، وليس إلا مجرد أفعال ، ورد بأنها
وقعت بيانا للمجمل ، فأفادت الوجوب ، وذكر الشوكاني كلاما فيه
مناقشة مع من أوجب التعميم ، ولكن تركته لعدم جدواه .
قال الجامع عفا الله عنه :
الإنصاف أن الآية من قبيل المجمل ، كما حققه الزمخشري ، وابن
الحاجب في مختصره ، والزركشي كما عزاه إليهم الشوكاني ، والله
تعالى يقول : ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾
[النساء: ٥٩] وما ينقطع هذا النزاع إلا بالرد إلى بيان الرسول عليه.
وهو لم يمسح إلا على جميع رأسه ، إما مباشرة ، أو على ما عليه من
العمامة ، ففعله بيان للآية ، قال تعالى ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس
ما نزل إليهم ﴾ [النحل : ٤٤].
فظهر بهذا أن الحق مع من أوجب التعميم ، والله أعلم .
وسنذكر الآية الواردة في المسح في بابه إن شاء الله تعالى .
المسألة التاسعة: في قوله (( ثم غسل قدمه اليمنى ثلاثا)) الخ.
يستفاد منه وجوب غسل القدمین ، وهو مذهب الجمهور .
:

- ٤٠٠
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
قال النووي رحمه الله : اختلف الناس على مذاهب ، فذهب جميع
الفقهاء من أهل الفتوى في الأعصار والأمصار إلى أن الواجب غسل
القدمين مع الكعبين ، ولا يجزئ مسحهما ، ولا يجب المسح مع الغسل،
ولم يثبت عن أحد من الصحابة ، خلاف ذلك إلا عن علي وابن عباس
وأنس ، وقد ثبت عنهم الرجوع عن ذلك .
قال عبد الرحمن بن أبي لیلی : أجمع أصحاب رسول الله تع﴾﴾ على
غسل القدمين ، رواه سعيد بن منصور ، وادعى الطحاوي ، وابن حزم
أن المسح منسوخ ، وقالت الإمامية : الواجب مسحهما .
وقال محمد بن جرير الطبري ، والجبائي ، والحسن البصري : إنه
مخير بين الغسل والمسح .
وقال بعض أهل الظاهر : يجب الجمع بين الغسل والمسح ، واحتج
من لم يوجب غسل الرجلين بقراءة الجر في قوله ﴿وأرجلكم ﴾ وهو
عطف على قوله ﴿برؤسكم﴾ قالوا : وهي قراءة صحيحة سبعية
مستفيضة ، والقول بالعطف على غسل الوجوه ، وإنما قرئ بالجر
للجوار، وقد حكم بجوازه جماعة من أئمة الإعراب ، كسيبويه ،
والأخفش ، لا شك أنه قليل نادر مخالف للظاهر ، لا يجوز حمل
المتنازع فيه عليه .
قلنا : أوجب الحمل عليه مداومته عي على غسل الرجلين ، وعدم
ثبوت المسح عنه من وجه صحيح ، وتَوَعَّده على المسح بقوله (( ویل
للأعقاب من النار)) ولأمره بالغسل كما ثبت في حديث جابر عند
الدار قطني بلفظ («أمرنا رسول الله عنه إذا توضأنا للصلاة أن نغسل
أرجلنا)) ولثبوت ذلك من قوله تع# كما في حديث عمرو بن عبسة وأبي
هريرة (( ثم يغسل قدميه إلى الكعبين إلاخرت خطايا رجليه من أنامله مع