النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١ _
٥٣ - باب تعغير الإناء الذي ولغ فيه الكلب - حديث رقم ٦٧
ثم البصري ، روى عن يزيد بن زُرَيْع وعَّام بن علي ، وعنه مسلم ،
وأبو داود في القدر ، والنسائي وابن ماجه ، وثقه أبوزرعة ، وأبو حاتم ،
قال البخاري: مات سنة ٢٥٤ ، وفي (ت) ثقة من العاشرة ، أخرجوا له
إلا البخاري .
٢ - (خالد) بن الحارث الهجيمي ، أبو عثمان البصري ثقة ثبت من
[٨]، تقدم في ٤٢ / ٤٧ .
٣ - (شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي الواسطي ثم البصري
الحجة الثبت من [٧] تقدم في ٢٦/٢٤ .
٤ - ( أبو التباح) بفتح المثناة والتحتانية الثقيلة يزيد بن حميد الضّبعي
ے
بضم المعجمة البصري أحد الأئمة ، عن أنس ، ومطرف بن عبد الله ،
وأبي عثمان النَّهْدي ، وجماعة ، وعنه هَمّام ، والحمادان ، وطائفة . قال
أحمد : ثقة ثبت ، قال عمرو بن علي : مات سنة ١٢٨ ، أخرج له
الجماعة ، وفي (ت) ثقة ثبت من الخامسة .
٥ - ( مطرف) بن عبد الله بن الشِّخير العامري ، الحَرَشي ، بفتح
المهملتين ، آخره معجمة ، أبو عبد الله البصري ، أحد سادة التابعين ،
عن أبيه ، وعثمان ، وعلي ، وأبي ذر ، وجماعة ، وعنه أخوه أبو العلاء،
ويزيد الرِّشْك ، وابن واسع ، وطائفة : قال ابن سعد : ثقة له فضل ،
وَوَرَع ، وعقل ، وأدب ، ومن كلامه : عقول الناس على قدر زمانهم ،
فضل العلم أحب إلي من فضل العبادة وخير دينكم الورع . قال عمرو بن
علي: مات سنة ٩٥ ، أخرج له الجماعة ، وفي (ت) ثقة عابد فاضل من
الثانية .

- ١٤٢
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
٦ - (عبد الله بن المغفل) بضم الميم وفتح الغين المعجمة والفاء بن
عبيد بن نهيم ، صحابي نزل البصرة رضي الله عنه ، وتقدم في ٣٦/٣٢.
(فائدة) يقال في ابن المغفل: ابن مغفل بدون ((ال)) وهي للمح
الصفة، كالحسن ، وحسن ، قاله في زهر جـ١/ ص٥٤ .
قال ابن مالك في الخلاصة :
لِلَمْحِ مَا قَدْ كَانَ عَنْهُ نُقِلا
وَبَعْضُ الأَعْلامِ عَلَيْهِ دَخَلاً
فَذِكْرُ ذَا وَحَذْفُهُ سیَّانِ
كَالْفَضْلِ وَالْحَارثِ وَالنُّعْمَانِ
لطائف الإسناد
منها : أنه من سداسياته ، وأن رواته كلهم ثقات أجلاء ، وكلهم
بصريون ، وهذا من أغرب اللطائف فإن كونهم من بلدة واحدة وهم
ثقات أجلاء قلما يتفق ، اتفقوا عليهم إلا شيخه ، فلم يخرج له
البخاري، وأخرج له أبو داود في القدر .
وأن فيه رواية تابعي عن تابعي ، يزيد ، عن مطرف ، وأن فيه
الإخبار، والتحديث ، والعنعنة ، والسماع .
شرح الحديث
(عن عبد الله بن المغفل) رضي الله عنه ( أن رسول الله ®أمر بقتل
الكلاب ) وسبب ذلك كما في صحيح مسلم عن ابن عباس ، عن ميمونة
رضي الله عنهم: أن جبريل وَعَدَ النبي ◌َّه أن يأتيه ، فلم يأته ، فقال النبي
عَّ: ((أما والله ما أخلفني)) قال: فَظَلَّ رسول الله ټټيومه ذلك على
ذلك ، ثم وقع في نفسه جرو كلب كان تحت فسطاط لنا ، فأمر به
فأخرج، ثم أخذ بيده ماء فنضح مكانه ، فلما أمسى لقيه جبريل عليه
السلام ، فقال له: ((قد كنت وعدتني أن تلقاني البارحة ، قال : أجل ،

١٤٣ -
٥٣ - باب تعغير الإناء الذي ولغ فيه الكلب - حديث رقم ٦٧
ولكنا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا صورة )) فأصبح رسول الله عزّ يومئذ،
فأمر بقتل الكلاب ، حتى إنه يأمر بقتل كلب الحائط الصغير ، ويترك
كلب الحائط الكبير .
وقيل : إنما أمربذلك تغليظا عليهم ، لأنهم كانوا مُولَعين به .
والأمر بقتل الكلاب كان أوّلا ، ثم نسخ في غير الكلب الأسود
والعقور ، فقد أخرج مسلم عن جابر قال : أمرنا رسول الله عزّ بقتل
الكلاب ، حتى إن المرأة تَقْدَم من البادية بكلبها ، فنقتله ، ثم نهى النبي
عَّ عن قتلها، وقال: ((عليكم بالأسود البهيم ذي النقطتين ، فإنه
شيطان)) .
وعن ابن عمر أنه قال: ((خمس من الدواب ليس على المحرم في
قتلهن جناح : الغراب ، والحدأة ، والفأرة ، والعقرب ، والكلب العقور))
رواه الجماعة إلا الترمذي ، وإذا جاز للمحرم فغيره أولى .
قال القاضي عياض : ذهب كثير من العلماء إلى الأخذ بالحديث بقتل
الكلاب إلا مااستثني ، وهذا مذهب مالك وأصحابه ، وذهب آخرون
إلى جواز اقتنائها جميعا، ونسخ قتلها إلا الأسود البهيم ، قال :
وعندي أن النهي أوّلا كان نهيا عاما عن اقتنائها جميعا ، والأمر بقتلها
جميعا ، ثم نهى عن قتل ما عدا الأسود ، ومنع الاقتناء في جميعها إلا
المستثنى ، ونقل النووي عن إمام الحرمين أن الأمر بقتل الأسود البهيم كان
في الابتداء وهو الآن منسوخ . اهـ المنهل جـ١ / ص ٢٦٣.
( ورخص) أي سَهَّل ويسَّر ، يقال : رخص الشرع لنا في كذا
ترخيصا ، وأرخص إرخاصا : إذا يسره وسهله ، والرخصة ، وزاٌ
غُرْفَة ، وتضم خاؤه للإتباع جمعه رُخَص مثل غُرَف : التسهيل في الأمر
والتيسير . أفاده في المصباح .

- ١٤٤
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
(في) اقتناء كلب (الصيد) أي الكلاب التي تصيد (والغنم) أي
الكلاب التي تحرس الغنم ، زاد في رواية مسلم (( والزرع)) أي التي تحرس
الزرع (وقال) ﴾ ( إذا ولغ الكلب ) من باب نفع ، وشرب ، ووعد ،
وورث ، ووجل ، كما تقدم ، أي شرب بطرف لسانه (في الإناء)
فحركه، وقوله ((في الإناء)) مبين أن قوله فيما تقدم ((في إناء أحدكم))
بالإضافة غير معتبر تقييده كما حققناه فيما مضى ( فاغسلوه سبع مرات)
فيه دلالة على نجاسة ولوغه وما ولغ فيه وسيأتي تحقيق المسألة ( وعفروه )
أي ادلكوا الإناء (الثامنة) أي في الغسلة الثامنة ( بالتراب) متعلق
بـ((عفروه))، وظاهر الحديث وجوب غسلة ثامنة ، وأن غسله بالتراب
غير الغسلات السبع بالماء ، وبه قال الحسن البصري ، وأحمد بن حنبل في
رواية حرب الكرماني عنه ، وروي عن مالك أيضا ، وهو المذهب
الراجح ، وسيأتي تمام البحث في المسائل الآتية إن شاء الله تعالى .
مسائل تتعلق بحديث الباب
المسألة الأولى : في درجته : حديث الباب أخرجه مسلم .
المسألة الثانية : في بيان مواضع ذكره عند المصنف : أخرجه هنا ٦٧ ،
٣٦٦، وفي الکبری بهذاالسند ، وفي ٣٣٧ عن عمرو بن يزيد ، عن بھز،
عن شعبة به .
المسألة الثالثة : فيمن أخرجه معه : أخرجه مسلم في الطهارة ، عن
عبيد الله بن معاذ ، عن أبيه ، وعن محمد بن حاتم ، عن یحیی بن سعيد،
وعن یحیی بن حبيب بن عربي ، عن خالد بن الحارث ، وعن محمد بن
الوليد ، عن غندر : أربعتهم عن شعبة ، عن أبي التياح ، عن مطرف بن
عبد الله، عن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه ، وفي البيوع عن هؤلاء
الأربعة ، وعن إسحاق بن إبراهيم ، عن النضر بن شميل ، وعن أبي

٠ ١٤٥-
٥٣ - باب تعغير الإناء الذي ولغ فيه الكلب - حديث رقم ٦٧
موسى ، عن وهب بن جرير كلاهما عن شعبة به ، ولم يذكر في البيوع
قصة الولوغ عن أحد منهم .
وأخرجه أبوداود في الطهارة عن أحمد بن حنبل ، عن يحيى بن
سعيد ، بتمامه .
وأخرجه ابن ماجه في الطهارة ، وفي الصيد ، مُقَطَّعا، عن أبي بكر
ابن أبي شيبة ، عن شبابة بن سَوَّار ، عن شعبة به ، وفي الصيد أيضًا عن
بندار ، عن عثمان بن عمر ، وعن محمد بن الوليد ، عن محمد بن
جعفر ، كلاهما عن شعبة ، دون قصة الولوغ . أفاده الحافظ المزي رحمه
الله .
وأخرجه أحمد ، وابن منده ، والدار قطني ، والبيهقي . اهـ المنهل.
المسألة الرابعة : دل الحديث زيادة على ما تقدم ، على وجوب التعفير
في تطهير ما ولغ فيه الكلب ، وقد اختلف العلماء في وجوب التتريب .
فذهب الشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو عبيد ، وأبو ثور ،
ومحمد بن جرير الطبري ، وأكثر الظاهرية إلى وجوبه .
وذهب أبو حنيفة ، ومالك ، والأوزاعي ، إلى أنه لا يجب التتريب،
وإنما الواجب الماء فقط ، وأوجب بعضهم التتريب فيما لا يفسد به
کالإناء، دون ما يفسد به كالثياب ونحوها أفاده العراقي رحمه الله في
طرح جـ١ / ص١٢٨ .
وقال الشوكاني رحمه الله : وقد خالفت الحنفية، والعترة في
وجوب التتريب ، كما خالفوا في التسبيع ، ووافقهم ههنا المالكية مع
إيجابهم التسبيع على المشهور عندهم ، قالوا : لأن التتريب لم يقع في
رواية مالك ، قال القرافي منهم : قد صحت فيه الأحاديث ، فالعجب

- ١٤٦
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
منهم كيف لم يقولوا بها ؟ وقد اعتذر القائلون بأن التتريب غير واجب بأن
رواية التتريب مضطربة لأنها ذكرت بلفظ ((أولاهن))، ويلفظ ((أخراهن))
وبلفظ ((إحداهن)، وفي رواية ((السابعة))، وفي رواية (( الثامنة))
والاضطراب يوجب الاطراح .
وأجيب بأن المقصود حصول التتريب في مرة من المرات ، وبأن
((إحداهن)) مبهمة و((أولاهن)) معينة، وكذلك ((أخراهن)) و(( السابعة))
و((الثامنة)) ومقتضى حَمْل المطلق على المقيد أن تحمل المبهمة على إحدى
المرات المعينة ، ورواية ((أولاهن)) أرجح من حيث الأكثرية والأحفظية ،
ومن حيث المعنى أيضا لأن تتريب الآخرة يقتضي الاحتياج إلى غسلة
أخرى لتنظيفه ، وقد نص الشافعي على أن الأولى أولى كذا في الفتح اهـ
نيل جـ ١/ ص٦٧ - ٦٨ .
قال الجامع عفا الله عنه: بل الأولى حمل المبهمة على الثامنة لأنها
أرجح كما سيأتي تحقيقه قريبا إن شاء الله تعالى .
المسألة الخامسة : اختلفت الروايات في المرة التي يجعل فيها التراب
فعند مسلم ((أولاهن)) أو قال ((أخراهن بالتراب)) ، وفي رواية لأبي بكر
البزار في مسنده ((إحداهن)) بالحاء والدال المهملتين ، ومن ذكر من
المصنفين أنها لم ترد من حديث أبي هريرة فمردود عليه بذكر البزار لها في
مسنده ، وقد رواها الدار قطني هكذا أيضا من حديث علي فقال فيه :
((إحداهن بالبطحاء)) وذكر النووي في الفتاوى أنها رواية ثابتة ، ولمسلم
من حديث عبد الله بن مغفل ((إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع
مرات ، وعفروه الثامنة بالتراب)).
وقد اختلف كلام الشارحين في الجمع بينها ، فجمع النووي بينها بأن
التقييد بالأولى ، وبغيرها ليس على الاشتراط ، بل المراد احداهن ،
قال: وأما رواية ((وعفره الثامنة بالتراب)) فمذهبنا، ومذهب الجماهير أن

١٤٧ -
٥٣ - باب تعغير الإناء الذي ولغ فيه الكلب - حديث رقم ٦٧
المراد اغسلوه سبعا واحدة منهن بتراب مع الماء ، فكأن التراب قائم مقام
غسلة فسميت ثامنة لهذا ، وأشار ابن دقيق العيد إلى تضعيف هذا الجواب
بأنه تأويل فيه استكراه ، وهكذا يدل كلام البيهقي في السنن على
تعذر الجمع بين رواية الثامنة بالتراب وبين ما تقدم فإنه صار إلى الترجيح،
دون الجمع ، فقال بعد ذكر حديث ابن مغفل في الثامنة : ما صورته :
وأبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره ، فروايته أولى، فرجح
البيهقي روايته بكونه أحفظ ، وهو أحد وجوه الترجيح عند المعارضة ،
وقد استشكل ابن دقيق العيد إجزاء التتريب في أي غسلة شاء من
الغسلات السبع بأن رواية إحداهن على تقدير ثبوتها مطلقة ، وقد قيدت
في بعضها بأولاهن وفي بعضها بالسابعة فلا يجزي التتريب في غيرهما
لاتفاق القیدین علی نفیه وما ذكره استشكالا وبحثا قد نص عليه الشافعي
في مختصر البويطي فقال : وإذا ولغ الكلب في الإناء غسل سبعا أولاهن
أو أخراهن بالتراب ولا يطهر غير ذلك، وكذلك روي عن النبي عليه، هذا
لفظه بحروفه ، وعبارته في الأم قريبة من ذلك ، وقد تبعه من أصحابه
على تقييد ذلك بالأولى أو الأخرى الزبيري في الكافي والمرعشي في
كتاب ترتيب الأقسام ، ونقله الدارمي أيضا في الاستذكار عن ابن جابر .
وقد ضعف بعض مصنفي الحنفية الرواية التي ذكر فيها التراب بهذا
الاضطراب من كونها أولاهن ، أو أخراهن ، أو إحداهن ، أو السابعة ،
أو الثامنة ، فقال : يقتضي طرح ذكر التراب رأسا ، وكذا قال صاحب
المفهم : أن هذه الزيادة مضطربة وفيما قالاه نظر، فإن الحديث المضطرب
إنما تتساقط الروايات إذا تساوت وجوه الاضطراب ، أما إذا ترجح بعض
الوجوه فالحكم للرواية الراجحة ، فلا يقدح فيها رواية من خالفها ، كما
هو معروف في علوم الحديث ، وإذا تقرر ذلك فلا شك أن رواية
((أولاهن)) أرجح من سائر الروايات فإنه رواها عن محمد بن سيرين

- ١٤٨
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
ثلاثة: هشام بن حسان ، وحبيب بن الشهيد ، وأيوب السختياني ،
وأخرجها مسلم في صحيحه من رواية هشام ، فترجح بأمرين : كثرة
الرواة ، وتخريج أحد الشيخين لها ، وهما من وجوه الترجيح عند
التعارض ، وأما رواية ((أخراهن)) بالخاء المعجمة والراء فلا توجد منفردة
مسندة في شيء من كتب الحديث ، إلا أن ابن عبد البر ذكر في التمهيد أنه
رواها خلاس عن أبي هريرة، إلا أنها رويت مضمومة مع ((أولاهن))،
وأما رواية ((السابعة بالتراب)) فهي وإن كانت بمعناها فإنه تفرد بها عن
محمد بن سيرين قتادة ، وانفرد بها أبوداود ، وقد اختلف فيها على
قتادة، فقال أبان عنه هكذا ، وهي رواية أبي داود ، وقال سعيد بن بشير
عنه: ((الأولى بالتراب)» فوافق الجماعة، رواه كذلك الدار قطني في
سننه، والبيهقي من طريقه، وهذا يقتضي ترجيح رواية ((أولاهن))
المُوَافقة للجماعة .
وأما رواية (( إحداهن)) بالحاء المهملة والدال ، فليست في شيء من
الكتب الستة ، وإنما رواها البزار كما تقدم ، وأما رواية ((أولاهن)» أو
((أخراهن)) فقد رواها الشافعي ، والبيهقي في سننه من طريقه بإسناد
صحيح، وفيه بحث أذكره، وهو أن قوله ((أولاهن)) أو ((أخراهن)) لا
تخلو إما أن تكون مجموعة من كلام الشارع ، أو هوشك من بعض رواة
الحديث ، فإن كانت مجموعة من كلام النبي # فهو دال على التخيير
بینهما ، ویتر جح حينئذ ما نص عليه الشافعي رحمه الله من التقييد بهما،
وذلك لأن من جمع بينهما معه زيادة علم على من اقتصر على الأولى ،
أو السابعة لأن كلا منهن (١) حفظ مرة فاقتصر عليها ، وحفظ هذا الجامع
بين الأولى والأخرى فكان أولى ، وإن كان ذلك شكا من بعض الرواة
فالتعارض قائم ويرجع إلى الترجيح ، فترجح الأولى كما تقدم ، ومما
(١) هكذا نسخة الطرح : لأن كلا منهن ، الخ والكلام غير مستقيم فلعل فيه تحريفا فليحرر .

١٤٩ -
٥٣ - باب تعغير الإناء الذي ولغ فيه الكلب - حديث رقم ٦٧
يدل على أن ذلك شك من بعض الرواة لا من كلام الشارع : قول
الترمذي في روايته ((أولاهن)) أو قال ((أخراهن بالتراب)) فهذا يدل على
أن بعض الرواة شك فيه ، فيترجح حينئذ تعيين الأولى ، ولها شاهد أيضا
من رواية خلاس عن أبي رافع ، عن أبي هريرة ، كما سيأتي في الوجه
الذي يليه ، وإذا كان ذكر الأولى أرجح ففيه حجة لما ذكر أصحابنا (يعني
الشافعية) من كون التتريب في المرة الأولى أولى ، وذكروا له معنى آخر ،
وهو أنه إذا قدم التتريب في الأولى فتناثر من بعض الغسلات رشاش إلى
غير الموضع المتلوث بالنجاسة الكلبية لم يجب تتريبه بخلاف ما إذا أخر ،
فكان هذا أرفق ، لكن حمله على الأولوية متقاصر عما دلت عليه الرواية
الصحيحة ، فينبغي حمله على تعيين المرة الأولى والله أعلم . اهـ طرح
جـ ٢ / ص١٣١ .
وقال الحافظ في التلخيص : وأجاب أصحابنا ( يعني الشافعية) عنه
(يعني حديث ابن مغفل ((وعفروه الثامنة بالتراب))) بأجوبة :
أحدها : قال البيهقي بأن أبا هريرة أحفظ من روى الحديث في
دهره، فروايته أولى ، وهذا الجواب متعقب ، لأن حديث عبد الله بن
مغفل صحيح ، قال ابن منده : إسناد مجمع على صحته ، وهي زيادة
ثقة فيتعين المصير إليها ، وقد ألزم الطحاويّ الشافعيةَ بذلك .
ثانيها : قال الشافعي : هذا الحديث لم أقف على صحته ، وهذا
العذر لا ينفع أصحاب الشافعي الذين وقفوا على صحة الحديث ، لا سيما
مع وصيته .
ثالثها : یحتمل أن یکون جعلها الثامنة لأن التراب جنس غیر جنس
الماء ، فجعل اجتماعهما في المرة الواحدة معدودا باثنين ، وهذا جواب
الماوردي وغيره .

- ١٥٠
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
رابعها : أن يكون محمولا على من نسي استعمال التراب ، فيكون
التقدير : اغسلوا سبع مرات إحداهن بالتراب كما في رواية أبي هريرة ،
فإن لم تعفروه في إحداهن فعفروه الثامنة ، ويغتفر مثل هذا الجمع بين
اختلاف الروايات ، وهو أولى من إلغاء بعضها والله أعلم ا هـ تلخیص
جـ١/ ص٢٤ .
قال الجامع عفا الله عنه : الذي يترجح عندي الأخذ بحديث ابن
مغفل كما هو مذهب الحسن البصري ، والإمام أحمد في رواية ، وروي
عن مالك أيضا .
قال العلامة ابن دقيق العيد: والرواية التي فيه ((وعفروه الثامنة
بالتراب تقتضي زيادة ثامنة ظاهرا ، والحديث قوي فيه ، ومن لم يقل به
احتاج إلى تأويل بوجه فيه استكراه . اهـ باختصار من إحكام الأحكام
جـ١/ ص٢٩ والله أعلم.
المسألة السادسة: قال ابن دقيق العيد: قوله علي: « فاغسلوه سبعا
أولاهن أو أخراهن بالتراب)» يدل لما قاله أصحاب الشافعي ، أو بعضهم
أنه لا يكتفى بذَرِّ التراب على المحل ، بل لابد أن يجعله في الماء ،
ويوصله إلى المحل ، ووجه الاستدلال أنه جعل مرة التتريب داخلة في
مسمی الغسلات ، وذَرّ التراب على المحل لایسمی غسلا ، وهذا ممكن ،
وفيه احتمال أنه إذا ذر التراب على المحل ، فأتبعه بالماء يصح أن يقال
غسل بالتراب ، ولابد من مثل هذا في أمره من# في غسل الميت بماء وسدر
عند من يرى أن الماء المتغير بالطاهر غير طهور إن جرى على ظاهر الحديث
في الاكتفاء بغسلة واحدة إذ بها يحصل مسمى الغسل ، وهذا جيد ، إلا
أن قوله (( وعفروه)) قد يشعر بالاكتفاء بالتتريب بطريق ذر التراب على
المحل ، وإن كان خلطه بالماء لا ينافي كونه تعفيرا لغة ، فقد ثبت ما

١٥١ _
٥٣ - باب تعغير الإناء الذي ولغ فيه الكلب - حديث رقم ٦٧
قالوه، لأن لفظ التعفير حينئذ ينطلق على ذر التراب على المحل ، وعلى
إيصاله بالماء إليه ، والحديث الذي دل على اعتبار مسمى الغسلة يدل على
خلطه بالماء ، وإيصاله إلى المحل به ، وذلك أمر زائد على مطلق التعفير
على التقدير الذي ذكرناه من شمول اسم التعفير للصورتين معا أعني ذر
التراب وإيصاله بالماء اهـ إحكام جـ١ / ص٢٩ - ٣٠.
المسألة السابعة : قال ابن دقيق العيد أيضا : قوله بالتراب يقتضي
تعينه ، وفي مذهب الشافعي رحمه الله قول ، أو وجه أن الصابون
والأشنان والغسلة الثامنة يقوم مقام التراب في ذلك .
قال الجامع : ومثله عن أحمد ، فإنه يقول : يقوم الأشنان ،
والصابون ، والنخالة ، ونحوها من كل ما له قوة في الإزالة مقام التراب
ولو مع وجوده ، وعدم تضرر المحل به ، لأنها أبلغ منه في الإزالة، فنصه
على التراب تنبيه عليها ، ولأنه جامد أمر به في إزالة النجاسة فألحق به ما
هو أقوى منه في ذلك ، أفاده في كشاف القناع ، وغيره قاله في المنهل
جـ١ / ص٢٥٣ .
قال ابن دقيق العيد رحمه الله : وهذا عندنا ضعيف ، لأن النص إذا
ورد بشيء معين ، واحتمل معنى يختص بذلك الشيء لم يجز إلغاء
النص واطراح خصوص المعين فيه ، والأمر بالتراب ، وإن كان محتملا
لما ذكروه ، وهو زيادة التنظيف ، فلا يجزم بتعيين ذلك المعنى ، فإنه
يزاحمه معنى آخر ، وهو الجمع بين مطهرين أعني الماء والتراب ، وهذا
المعنى مفقود في الصابون والأشنان ، وأيضا فإن هذه المعاني المستنبطة إذا
لم يكن فيها سوى مجرد المناسبة ، فليست بذلك الأمر القوي ، فإذا
وقعت فيها الاحتمالات ، فالصواب اتباع النص ، وأيضا فإن المعنى
المستنبط إذا عاد على النص بالإبطال والتخصيص ، فمردود عند جميع

- ١٥٢
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
الأصولیین اهـ إحکام جـ١/ ص٣٢ .
قال الجامع : وهذا الذي قاله العلامة ابن دقيق العيد هو الصواب
الحقيق بالقبول ، والحاصل أنه يتعين التراب ، اتباعا للنص الوارد فيه ، إذ
التنصيص علیه مع وجود غيره في ذلك الوقت ، وتيسيره يدل على أن في
التراب معنى ملائما لإزالة أثر ولوغ الكلب ، فلا ينبغي تجاوزه إلى غيره.
فتبصر . والله أعلم .
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه
توكلت ، وإليه أنيب .

٥٤ - سور الهرة - حديث رقم ٦٨
١٥٣ -
٥٤ - سُؤْرُ الْهرّة
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على حكم سؤر الهرة .
وتقدم معنى السؤر .
وفي اللسان : والهرّ : السّنّور جمعه هِرَرَة ، مثل قرْد وقِرَدَة اهـ .
وفي المصباح : الهرّ: الذكر ، وجمعه هرَرَة ، مثل قرد وقردة ،
والأنثى هرّة ، وجمعها هرَرَ ، مثل سدْرَة وسدَر ، قاله الأزهري ، وقال
ابن الأنباري : وقد يُدخلون الهاء في المؤنث ، وتصغير الأنثى هُرَيْرَة ،
وبها کني الصحابي المشهور رضي الله عنه . اهـ .
٦٨ - أخْبَرَنَا قُتَبَةُ، عَنْ مَالِكِ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي
طَلْحَةَ، عَنْ حُمَيْدَةَ بِنْتِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةً ، عَنْ كَبْشَةَ بِنْتِ
كَعْبِ بْنِ مَالِكِ: أنَّ أَبَا قَتَادَةَ دَخَلَ عَلَيْهَا، ثُمّ ذَكَرَتْ كَلِمَةً
مَعْنَاهَا فَسَكَبْتُلَهُ وَضُوءًا، فَجَاءَتْ هِرَّةٌ فَشَرِبَتْ مِنْهُ ،
فَأَصْغَى لَهَا الإِنَاءَ حَتَّى شَرِبَتْ ، قَالَتْ كَبْشَةُ: فَرآنِي أَنْظُرُ
إِلَيْهِ ، فَقَالَ : أَتَعْجَبِينَ يَا ابْنَةَ أَخِي؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ ، قَالَ:
إِنَّرَسُولَ اللَّه ◌َيُ قَالَ: ((إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسِ ، إِنَّمَا هِيَ مِنَ
الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتٍ)) .

- ١٥٤
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
رجال الإسناد : ستة
١ - ( قتيبة) بن سعيد أبو رجاء الثقفي الثقة الثبت من [١٠] تقدم في
١/١.
٢ - ( مالك) بن أنس إمام دار الهجرة ثقة حجة من [٧] تقدم في
٧/ ٧ .
٣- ( إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ) زيد بن سهل الأنصاري أبو
یحیی المدني ، عن أبيه ، وأنس والطفیل بن أبي بن كعب ، وعنه حماد
ابن سلمة ، وابن عيينة ، ومالك ، قال ابن معين : ثقة حجة ، قال ابن
سعد : توفي سنة ١٣٢ ، وقال الفلاس : سنة أربع ، أخرج له الجماعة ،
وفي (ت) ثقة حجة من الرابعة .
٤ - ( حُمیدة بنت عبيد بن رفاعة ) زوج إسحاق بن عبد الله بن أبي
طلحة ، والدة ولده يحيى ، المدنية ، عن خالتها كبشة بنت كعب ،
وعنها يحيى بن إسحاق بن عبد الله ، وزوجها إسحاق، مقبولة من
الخامسة ، أخرج لها الأربعة . قال ابن عبد البر: هي بضم الحاء ، وفتح
الميم ، عند رواة الموطأ إلا يحيى الليثي ، فقال : إنها بفتح الحاء وكسر الميم
. اهـ المنهل .
٥ - ( كبشة بنت كعب بن مالك ) الأنصارية المدنیة زوج عبد الله بن
أبي قتادة ، قال ابن حبان : لها صحبة وتبعه الزبير بن بكار ، وأبو موسى
قاله في ((تت)) . وفي الخلاصة روت عن أبي قتادة ، وعنها بنت أختها
حمیدة أم یحیی ، وثقها ابن حبان ، وصحح الترمذي حديثها ، أخرج لها
الأربعة .
٦ - ( أبو قتادة) الأنصاري الحارث بن ربعي ، رضي الله عنه ، تقدم
في ٢٤/٢٣.

٥٤ - سور الهرة - حديث رقم ٦٨
١٥٥_
لطائف الإسناد
منها : أنه من سداسیاته ، وأن رواته کلهم مدنیون إلا شيخه فبغلاني
وأن فيه رواية صحابية عن صحابي ، على قول لابن حبان ، وأن فيه
الإخبار ، والعنعنة .
شرح الحديث
(عن كبشة) بفتح الكاف وسكون الموحدة ( بنت كعب بن مالك)
الأنصارية زوج عبد الله بن أبي قتادة (أن أبا قتادة) الحارث بن ربعي
الأنصاري رضي الله عنه ( دخل عليها) أي كبشة (ثم ذكرت) كبشة
(كلمة) أي كلاما لأن قوله ((فسكبت له وضوءا)) جملة وإطلاق الكلمة
على الكلام شائع لغةً كما قال ابن مالك في ألفيته :
وركِلْمَةٌ بِهَا كَلامٌ قَدْ يُؤَمٌ
قال الله تعالى: ﴿كلا إنهاكلمة هو قائلها﴾ [المؤمنون: ١٠٠] إشارة
إلى قوله ﴿رب ارجعون﴾ [المؤمنون: ٩٩] و((لا إله إلا الله)) كلمة
الإخلاص .
( معناها ) أي معنى تلك الكلمة ، وحاصل معنى الكلام أن الراوية
عن كبشة نسيت لفظ كبشة ، وحفظت معناه ، فعبرت به ، فقوله ((معناها))
مبتدأ خبره جملة قوله ( فسكبتْ له وَضُوءا) أي صَبَّتْ كبشةُ لأبي قتادة
ماء یتوضأ به ، فالوضوء بفتح الواو لا غير ، والتاء الساكنة للتأنيث، أو
هي مضمومة للمتكلم ، قال السندي : ولا يخلو عن بُعْد .
قال الجامع : لابعد فيه ، بل في بعض الرواية مايؤيده كما يأتي في
كلام النووي في المسألة الرابعة فتنبه .
( فجاءت هرة فشربت منه ) أي أرادت أن تشرب ، أو شرعت في
الشرب من ذلك الوضوء ( فأصغى) أي أمال أبو قتادة ( لها ) أي للهرة
1

- ١٥٦
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
(الإناء ) أي الوعاء الذي فيه الماء لتتمكن من الشرب منه رفقا بها ( حتى
شربت) الهرة منه ( قالت كبشة : فرآني أنظر إليه ) متعجبة من فعله
(فقال: أتعجين ) من باب تَعبَ ، قال في المصباح : وعَجِبتُ من الشيء
عَجَبًا ، من باب تَعب وتَعَجَّبْت ، واستعجبت ، وهو شيء عجيب ، أي
يُعجب منه ، وأعجبني حسنه .
قال : ويستعمل التعجب على وجهين : أحدهما: ما يحمده
الفاعل، ومعناه الاستحسان والإخبار عن رضاه به ، والثاني : ما
يكرهه، ومعناه الإنكار ، والذم له ، ففي الاستحسان يقال : أعجبني
بالألف ، وفي الذم يقال : عجبت ، وزان تعبت ، وقال بعض النحاة :
التعجب انفعال النفس لزيادة وَصف المتعجب منه ، نحو ما أشجعه . اهـ
باختصار.
قال الجامع عفا الله عنه : والتعجب هنا هو من النوع الثاني : أي
أتنكرين عَلَيَّ؟ .
(يا ابنة أخي) إِمَالَتي الإناء للهرة وشربها منه .
وأراد أخوة الإسلام على عادة العرب من أن بعضهم يقول لبعض : يا
ابن أخي ، ويا ابن عمي ، وإن لم يكن بينهما نسب على سبيل التلطف
والإكرام ، قالت كبشة (فقلت : نعم) بفتح العين المهملة ، وكنانة
تكسرها ، وبها قرأ الكسائي ، وبعضهم يبدلها حاء ، وبها قرأ ابن
مسعود، وبعضهم يكسر النون اتباعا لكسرة العين قاله في المنهل .
وفي المصباح : وقولهم : نَعَم في الجواب معناها : التصديق إن
وقعت بعد الماضي ، نحو هل قام زيد؟ والوعد إن وقعت بعد المستقبل،
نحو هل تقوم : قال سیپویه : نعم عدةٌ وتصدیق، قال ابن باب شاذ یرید
أنها عدة في الاستفهام ، وتصديق للإخبار ، ولا يريد إجتماع الأمرين

١٥٧_
٥٤ - سؤر الهرة - حديث رقم ٦٨
فيها في كل حال ، قال النِّيليُّ : وهي تُبقي الكلام على ما هو عليه من
إيجاب أو نفي ، لأنها وضعت لتصديق ما تقدم من غير أن ترفع النفي
وتبطله ، فإذا قال القائل : ما جاء زيد ، ولم يكن قد جاء ، وقلت في
جوابه : نعم ، كان التقدير : نعم ما جاء ، فصدقت الكلام على نفيه ،
ولم تبطل النفي كما تبطله ((بلى))، وإن كان قد جاء قلت في الجواب
(بلى))، والمعنى قد جاء ، فنعم تبقي النفي على حاله ، ولا تبطله ، وفي
التنزيل ﴿ألست بربكم قالوا بلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] ولو قالوا: نعم
كان كفرا ، إذ معناه نعم لست بربنا ، لأنها لا تزيل النفي بخلاف ((بلى))
، فإنها للإيجاب بعد النفي ، اهـ. المصباح.
(قال) أبو قتادة مزيلا لاستغرابها (إن رسول الله (قال) مبينا لحكم
الهرة (إنها ليست بنجس) قال المنذري ، ثم النووي ، ثم ابن دقيق
العيد، ثم ابن سيد الناس : مفتوح الجيم من النجاسة ، قال تعالى : ﴿إنما
المشركون نجس ﴾ [التوبة: ٢٨] اهـ. زهر ص ٥٥ .
وقال السندي : بفتحتين مصدر نجس الشيء بالكسر ، فلذلك لم
يؤنث ، كما لم يجمع في قوله تعالى: ﴿إنما المشركون نجس ﴾ [التوبة:
٢٨] والصفة نجس بكسر الجيم وفتحها ، ولو جعل المذكور في الحديث
صفة يحتاج التذكير إلى التأويل أي ليس بنجس ما تَلَغُ فيه . اهـ، أي
ليست الهرة نجسة الذات ، بل هي طاهرة .
ثم ذكر علة عدم نجاستها بقوله (إنها من الطوافين عليكم ) فالجملة
مستأنفة ، فيها معنى التعليل إشارة إلى أن علة الحكم بعدم نجاستها هي
الضرورة الناشئة من كثرة دورانها في البيوت ودخولها فيها بحيث يصعب
صون الأواني والثياب ونحوها عنها ، فجعلها الله تعالى طاهرة رأفة
بالعباد للحرج ، قاله في المنهل جـ١ / ص ٢٦٥ .
!

- ١٥٨
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
و((الطوَّافين)): جمع طوَّاف، وهو مَن يُكثر الدَّوَرَان على الشيء،
ويُطلَق على الخادم الذي يخدم برفق وعناية ، شبهها بالخادم الذي يطوف
على مولاه ويدور حوله أخذا من قوله تعالى : ﴿طوافون عليكم﴾
[النور: ٥٨] وألحقها بهم حيث أطلق عليها الصيغة الموضوعة للعقلاء ،
لأنها خادمة أيضا فإنها تقتل المؤذيات .
ويحتمل أنه شبهها بمن يطوف للحاجة يريد أن الأجر في مواساتها
كالأجر في مواسات من يطوف للحاجة ، والأول هو المشهور ، وقول
الأكثر ، وصححه النووي في شرح أبي داود ، وقال : ولم يذكر جماعة
سواه . أفاده في زهر ، والمنهل .
( والطوافات) وفي رواية الترمذي ، أو ((الطوافات))، وكلا الوجهين
يُروى عن مالك قال المباركفوري : شك من الراوي كذا قاله ابن الملك ،
وقال في الأزهار شبه ذكورها بالطوافين وإناثها بالطوافات ، وقال ابن
حجر : وليست للشك لوروده بالواو في روايات أخر ، بل للتنويع ،
ويكون ذكر الصنفين من الذكور والإناث كذا في المرقاة . اهـ تحفة
الأحوذي جـ١ / ص٣٠٩.
مسائل تتعلق بحديث الباب
المسألة الأولى : في درجته : حديث الباب ، قال الترمذي : حسن
صحيح، وقال المنذري : قال البخاري : جوّد مالك هذا الحديث وروايته
أصح من رواية غيره ، وقال الشوكاني : وصححه ابن خزيمة ، وابن
حبان ، والحاكم ، والدار قطني ، والعقيلي ، وأعله ابن منده بأن في
سنده حُمَيدة وكَبْشَة ، وهما مجهولتان ، لم يعرف لهما إلا هذا الحديث
. اهـ .
وتعقبه الحافظ بأن لحميدة حديثا آخر في تشميت العاطس ، رواه أبو
داود ، ولها ثالث رواه أبو نعيم في المعرفة ، وقد روى عنها مع إسحاق

١٥٩ -
٥٤ - سؤر الهرة - حديث رقم ٦٨
ابنه يحيى ، وهو ثقة عند ابن معين ، فارتفعت جهالتها ، وأما كبشة
فقيل: إنها صحابية فإن ثبت فلا يضر الجهل بحالها على ما هو الحق من
قبول مجاهيل الصحابة .
وقال ابن دقيق العيد : لعل من صححه اعتمد على تخريج مالك وأن
كل من أخرج له فهو ثقة عند ابن معين ، كما صح عنه ، فإن سلكت هذه
الطريقة في تصحيحه أعني تخريج مالك ، وإلا فالقول ما قال ابن منده .
اهـ . تلخيص الحبير.
قال الجامع : الأولى أن الحديث لا ينزل عن درجة الحسن ، لما عرفت
من أن حميدة غير مجهولة ، وأما كبشة فوثقها ابن حبان ، ويؤيده تخريج
مالك لها كما قال ابن دقيق العيد ، بل هو صحيح لشواهده ، كما حققه
الشيخ الألباني في إروائه . جـ١ / ص ١٩١ -١٩٣. والله أعلم.
المسألة الثانية : في بيان مواضع ذكره عند المصنف :
أخرجه هنا ٦٨ وفي الكبرى ٦٣ بالسندالمذكور .
المسألة الثالثة : فيمن أخرجه معه : أخرج حديث الباب أبو داود في
الطهارة عن القعنبي ، والترمذي فيه عن إسحاق بن موسى ، عن معن ،
وابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن زيد بن الحُبَاب أربعتهم عن
مالك ، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، عن حميدة بنت عبيد بن
رفاعة ، عن كبشة، عن أبي قتادة رضي الله عنه. أفاده المزي رحمه الله.
وأخرجه مالك ، وأحمد ، والدارمي ، والدار قطني، والبيهقي.
قاله في المنهل جـ١/ ص٢٦٦ .
المسألة الرابعة : أنه ذكر الإمام النووي رحمه الله في المجموع في هذا

- ١٦٠
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
الحديث كلاما نفيسا ، ولنفاسته أسوقه هنا برمته ، وإن كان جُلُّهُ تقدم فيما
سبق إذ فيه زوائد حسان ، فأقول : قال رحمه الله : وأما الحديث المذكور
فصحيح ، رواه الأئمة الأعلام ، مالك في الموطأ، والشافعي في
مواضع، وأبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وغيرهم ، وهذا الحديث
عمدة مذهبنا في طهارة سؤر السباع، وسائر الحيوان غير الكلب ،
والخنزير ، وفرع أحدهما ، فأنا أنقله بلفظه ، واختلاف طرقه لشدة الحاجة
إلى تحقيقه .
فلفظ رواية مالك ، عن كبشة بنت كعب بن مالك ، وكانت تحت أبي
قتادة ، فسکبت له وضوءا ، فجاءت هرة لتشرب منه فأصغى لها الإناء
حتى شربت ، قالت كبشة : فرآني أنظر إليه ، فقال : أتعجبين ياابنة
أخي؟ قلت: نعم فقال: إن رسول الله عَ لثم قال: ((إنها ليست بنجس إنما
هي من الطوافين عليكم ، أو الطوافات)) هذا لفظ رواية مالك.
ورواية الترمذي مثلها وبحروفها، إلا أن رواية مالك ((أو الطوافات))
((أو))، ورواية الترمذي ((إنما هي من الطوافين والطوافات)) بالواو
بحذف عليكم .
قال الجامع : قلت : نسخة الترمذي التي شرح عليها المباركفوري
((بأو)) وزيادة ((عليكم)) ، فلا اختلاف بين رواية مالك وروايته ، ولعل
نسخة النووي على ما ذكره .
قال النووي : وفي رواية الدارمي ، وأبي داود ، عن كبشة بنت کعب
ابن مالك ، وكانت تحت ابن أبي قتادة ، ثم في رواية أبي داود :
((والطوافات)) وفي رواية الدارمي: ((أو الطوافات )) بأو ، وفي رواية ابن
ماجه عن كبشة بنت كعب ، وكانت تحت بعض ولد أبي قتادة وفيها
((والطوافات)) بالواو ورواه الرَّبيع عن الشافعي، عن مالك بالإسناد ،