النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١ -
٥١ - سؤر الكلب - حديث رقم ٦٥,٦٤,٦٣
في الاستنجاء بثلاثة أحجار ، الواجب منها ما يحصل به الإنقاء وبقية
الثلاثة تعبد . اهـ المنهل .
قال الحافظ في الفتح : ودعوى بعض المالكية أن المأمور بالغسل من
ولوغه الكلب المنهي عن اتخاذه دون المأذون فيه تحتاج إلى ثبوت تقدم
النهي عن الاتخاذ على الأمر بالغسل ، وإلى قرينة تدل على أن المراد ما
لم يؤذن في اتخاذه ، لأن الظاهر من اللام في قوله الكلب أنها للجنس ،
أو لتعريف الماهية ، فيحتاج المدعي أنها للعهد إلى دليل .
ومثله تفرقة بعضهم بين البدوي والحضري ، ودعوى أن ذلك
مخصوص بالكَلْب الكلب ، وأن الحكمة في الأمربغسله من جهة الطب
لأن الشارع اعتبر السّبْع في مواضع منه كقوله ((صبوا علي من سبع قرب))
وقوله ((مَنْ تصبّح بسبع تمرات عَجْوَة)) .
وتعقب بأن الكلْب الكلب لا يقرب الماء فكيف يؤمربالغسل من
ولوغه ، وأجاب حفيد ابن رشد : بأنه لا يقرب الماء بعد استحكام الكَلَب
منه ، أمافي ابتدائه فلا يمتنع ، وهذا التعليل وإن كان فيه مناسبة لكنه
يستلزم التخصيص بلا دليل ، والتعليل بالتنجيس أقوى لأنه في معنى
المنصوص ، وقد ثبت عن ابن عباس التصريح بأن الغسل من ولوغ
الکلب لأنه رجس ، ورواه محمد بن نصر المروزي بإسناد صحيح ، ولم
يصح عن أحد من الصحابة خلافه اهـ كلام الحافظ .
وقال الشوكاني في النيل جـ١ / ص٦٤ : واستدل بهذا الحديث على
نجاسة الكلب لأنه إذاكان لعابه نجسا ، وهو عَرَقُ فمه ففمه نجس ،
ويستلزم نجاسة سائربدنه ، وذلك لأن لعابه جزء من فيه ، وفمه أشرف
مافيه ، فبقية بدنه أولى ، وقد ذهب إلى هذا الجمهورُ، وقال عكرمة
ومالك في رواية عنه أنه طاهر ، ودليلهم قول الله تعالى ﴿فكلوا مما
1

-١٢٢
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
أمسكن عليكم﴾ [المائدة: ٤] ولا يخلوا الصيد عن التلوث بريق
الكلاب، ولم نؤمر بالغسل .
وأجيب عن ذلك: بأن إباحة الأكل مما أمسكن لا تنافي وجوب تطهير
ما تنجس من الصيد ، وعدم الأمر للاكتفاء بما في أدلة تطهير النجس من
العموم ، ولو سلم فغايته الترخيص في الصيد بخصوصه ، واستدلوا
أيضا بما ثبت عند أبي داود من حديث ابن عمر بلفظ : ((كانت الكلاب
تُقبل وتدبر في زمان رسول الله* في المسجد، فلم يكونوا يرشون من
ذلك)) وهو في البخاري ، وأخرجه الترمذي بزيادة (( وتبول)) ورد بأن
البول مجمع على نجاسته ، فلا يصلح حديث بول الكلاب في المسجد
حجة يعارَضُ بها الإجماع ، وأما مجرد الإقبال والإدبار ، فلا يدلان على
الطهارة ، وأيضا يحتمل أن يكون ترك الغسل لعدم تعيين موضع
النجاسة، أو لطهارة الأرض بالجفاف ، قال المنذري : إنها كانت تبول
خارج المسجد في مواطنها ، ثم تقبل وتدبر في المسجد .
قال الحافظ : والأقرب أن يقال : إن ذلك كان في ابتداء الحال على
أصل الإباحة ، ثم ورد الأمر بتكريم المساجد وتطهيرها وجعل الأبواب
عليها .
واستدلوا على الطهارة أيضا بما سيأتي من الترخيص في كلب الصيد
والماشية والزرع ، وأجيب بأنه لا منافاة بين الترخيص وبين الحكم
بالنجاسة ، غاية الأمر أنه تكلیف شاق ، وهو لا ینافي التعبد به . اهـنیل
جـ١/ ص٤ .
قال الجامع عفا الله عنه : الراجح عندي قول الجمهور ، وهو نجاسة
ولوغ الكلب لحديث أبي هريرة عند مسلم ((طهور إناء أحدكم إذا ولغ
فيه)) الحديث، ولحديث الأمر بالإراقة الآتي إن شاء الله تعالى في
:

١٢٣ -
-
٥١ - سور الكلب - حديث رقم ٦٥,٦٤,٦٣
٦٦/٥٢. وأما سائر أجزائه فلم يقم دليل على نجاسته ، فهو باق على
أصل البراءة الأصلية ، فتفطن . والله أعلم .
المسألة الخامسة : استدل بهذا الحديث على وجوب الغسلات السبع
من ولوغ الكلب .
وإليه ذهب ابن عباس ، وعروة بن الزبير ، ومحمد بن سيرين ،
وطاوس ، وعمرو بن دينار ، والأوزاعي ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد
ابن حنبل ، وإسحق ، وأبو ثور ، وأبو عبيد ، وداود .
وذهبت العترة والحنفية إلى عدم الفرق بين لعاب الكلب وغيره من
النجاسات ، وحملوا حديث السبع على الندب ، ومما احتج به للحنفية
ومن تبعهم ، حديث يرويه عبد الوهاب بن الضحاك ، عن إسماعيل بن
عياش ، عن هشام بن عروة ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي
هريرة عن النبي ◌َّه في الكلب يلغ في الإناء قال: « يغسله ثلاثا أو خمسا
أو سبعا)).
والجواب عنه: أنه حديث ضعيف باتفاق الحفاظ لأن راويه
عبد الوهاب مجمع على ضعفه وتركه ، قال العقيلي والدار قطني :
متروك الحديث ، وقال البخاري : عنده عجائب ، وقال ابن أبي حاتم :
قال أبي: کان عبد الوهاب یکذب ، قال : وحدث بأحاديث كثيرة
موضوعة فخرجت إليه فقلت : ألا تخاف الله عز وجل ؟ فضمن لي أن
لايحدث ، فحدث بها بعد ذلك .
وفيه إسماعيل بن عياش اتفق على ضعفه في روايته عن الحجازيين ،
واختلف في روايته عن الشاميين ، وقد روى هذا الحديث عن هشام بن
عروة ، وهو حجازي ، فلا يحتج به ، أفاده النووي في المجموع
جـ٢/ ص٥٨١-٥٨٢ .

- ١٢٤
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
واحتجوا بما رواه الطحاوي ، والدار قطني موقوفا على أبي هريرة أنه
يغسل من ولوغه ثلاث مرات ، وهو الراوي للغسل سبعا ، فثبت بذلك
نسخ السبع ، وهو مناسب لأصل بعض الحنفية من وجوب العمل بتأويل
الراوي وتخصيصه ونسخه ، وغير مناسب لأصول الجمهور من عدم
العمل به .
ويحتمل أن أبا هريرة أفتى بذلك لاعتقاده ندبية السبع ، لا وجوبها ،
أو أنه نسي ما رواه ، وأيضا قد ثبت عنه أنه أفتى بالغسل سبعا ، ورواية
من روى عنه موَافَقَةَ فتياه لروايته أرجح من رواية من روى عنه مخالفتها
من حيث الإسناد ، ومن حيث النظر ، أما من حيث الإسناد ، فالموافقة
وردت من رواية حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن ابن سيرين عنه ، وهذا
من أصح الأسانيد ، والمخالفة من رواية عبد الملك بن أبي سليمان ، عن
عطاء ، عنه ، وهودون الأول في القوة بكثير ، قاله الحافظ في الفتح .
وأما من حيث النظر فظاهر ، وأيضا قد روى التسبيع غير أبي هريرة،
فلا يكون مخالفة فتياه قادحة في مروي غيره ، وعلى كل حال فلا حجة
في قول أحد مع قول رسول الله﴾ئه .
. -- - -
ومن جملة أعذارهم عن العمل بالحديث : أن العَذرة أشد نجاسة من
سؤر الكلب ولم يقيِّد بالسبع ، فيكون الولوغ كذلك من باب أولى ، ورُدَّ
بأنه لا يلزم كونها أشد في الاستقذار أن لا يكون الولوغ أشد منها في
تغليظ الحكم ، وبأنه قياس في مقابلة النص وهو فاسد الاعتبار .
ومنها أيضا : أن الأمر بذلك كان عند الأمر بقتل الكلاب ، فلما نهي
عن قتلها نسخ الأمر بالغسل ، وتعقب بأن الأمر بقتلها كان في أوائل
الهجرة ، والأمر بالغسل متأخر جداً لأنه من رواية أبي هريرة ، وعبد الله
ابن مغفل ، و کان إسلامهما سنة سبع ، وسیاق حديث ابن مغفل ظاهر
٠
1
- -

١٢٥
٥١ - سور الكلب - حديث رقم ٦٥,٦٤,٦٣
في أن الأمر بالغسل كان بعد الأمر بقتل الكلاب فإنه قال: ((أمر رسول
الله عَّ بقتل الكلاب)) ثم قال: ((ما بالهم وبال الكلاب )) ثم رخص في
كلب الصيد، وكلب الغنم، وقال: ((إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه
سبع مرات وعَفِّرُوه الثامنة بالتراب)) رواه الجماعة إلا البخاري
والترمذي، أفاده في نيل جـ١ / ص٦٣ .
المسألة السادسة : قد ذكر العلامة المباركفوري في تحفته تنبيهات
نفيسة في رد تعصبات بعض الحنفية في هذه المسألة ، وأنا أسوقها برمتها
لنفاستها : قال رحمه الله تعالى :
تنبيه : ذكر النَّيموي فعل أبي هريرة عن عطاء عن أبي هريرة : أنه
إذا ولغ الكلب في الإناء غسله ثلاث مرات )) قال رواه الدار قطني
وآخرون، وإسناده صحيح ، ثم ذكر قول أبي هريرة عن عطاء عن أبي
هريرة قال: ((إذا ولغ الكلب في الإناء ، فأهرقه ثم اغسله ثلاث مرات))
قال : رواه الدار قطني والطحاوي وإسناده صحيح انتهى .
قال المباركفوري : قلت : مدار فعل أبي هريرة ، وقوله على
عبد الملك بن أبي سليمان لم يروهما غيره ، وهو وإن كان ثقة لكن كان له
أوهام ، وكان يخطئ .
قال الحافظ في التقريب : صدوق له أوهام ، وقال الخزرجي في
الخلاصة : قال أحمد : ثقة يخطئ ، قال الدار قطني بعد روايته هذا
موقوف ، ولم يروه هكذا غير عبد الملك عن عطاء اهـ قال البيهقي : تفرد
به عبد الملك من أصحاب عطاء، ثم أصحاب أبي هريرة ، والحفاظ
الثقات من أصحاب عطاء ، وأصحاب أبي هريرة يروون سبع
مرات، وفي ذلك دلالة على خطأ رواية عبد الملك بن أبي سليمان ، عن
عطاء ، عن أبي هريرة في الثلاث ، وعبد الملك لا يقبل منه ما يخالف

- ١٢٦
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
الثقات ، ولمخالفته أهل الحفظ والثقة في بعض روايته ، تركه شعبة بن
الحجاج ، ولم يحتج به البخاري في صحيحه . انتهى.
كذا ذكر العيني كلام البيهقي في شرح البخاري ، ولم يتكلم عليه ،
إلا أنه نقل عن أحمد والثوري أنه من الحفاظ ، وعن الثوري : هو ثقة
فقيه متقن ، وعن أحمد بن عبد الله ثقة ثبت في الحديث ، وقد عرفت أنه
ثقة يخطئ ، وله أوهام ، ولم يحتج به البخاري في صحيحه فکیف ما
رواه مخالفا ، وقد ثبت عن أبي هريرة بإسناد أصح من هذا أنه أفتى
بغسل الإناء سبع مرات موافقا لحديثه المرفوع ، ففي سنن الدار قطني
جـ١ / ص٦٤: حدثنا المحاملي نا حجاج بن الشاعر ، نا عارم نا حماد بن
زيد ، عن أيوب ، عن محمد ، عن أبي هريرة في الكلب يلغ في الإناء
قال : يهراق، ويغسل سبع مرات ، قال الدارقطني: صحيح
موقوف . انتھی.
و قول أبي هريرة هذا أرجح ، وأقوى إسنادا من قوله وفعله المذكورین
المخالفين لحديثه المرفوع ، كما عرفت في كلام الحافظ ، فقوله الموافق
لحديثه المرفوع يقدم على قوله وفعله المذكورين.
وأما قول النَّيمُوي في التعليق : ولم يرو أحد من أصحابه ، يعني
أصحاب أبي هريرة أثرا من قوله أو فعله خلاف ما رواه منه عطاء ، إلا
ابن سيرين في رواية عند البيهقي ، قال في المعرفة : وروينا عن حماد بن
زيد ومعتمر بن سليمان ، عن أيوب ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي
هريرة من قوله نحو روايته عن النبي #، قال : ولم يذكر السند حتى ينظر
فيه . انتهى ، فمبني على قصور نظره ، أو على فرط تعصبه ، فإن
البيهقي وإن لم يذكر سنده ، فالدار قطني ذكره في سننه ، وقال بعد

- ١٢٧-
٥١ - سور الكلب - حديث رقم ٦٥,٦٤,٦٣
روايته: صحيح موقوف ، وقد صرح الحافظ في الفتح بأن سنده
أرجح وأقوى من سند قوله المخالف لحديثه .
والعجب من النَّيمُوي أنه رأى في سنن الدار قطني قول أبي هريرة
المخالف لروايته ، ونقله منه ، ولم ير فيه قوله الموافق لحديثه ، وكلاهما
مذكوران في صفحة واحدة .
تنبيه آخر : قال صاحب العرف الشذي : وجواب الحديث من
قبلناً : إن التسبيع مستحب عندنا کما صرح به الزيلعي شارح الکنز ، ثم
وجدته مرويًا عن أبي حنيفة في تحرير ابن الهمام . انتهى .
قال المباركفوري رحمه الله : فبطل بهذا قولكم بادعاء نسخ التسبيع
يا معشر الحنفية ، ثم حمل الأمر بالتسبيع على الاستحباب ينافيه قوله عزله
((طهور إناء أحدكم)) الحديث . ثم قال: (يعني صاحب العرف الشذي)
ولو كان التسبيع واجبا كيف اكتفى بالتثليث ؟ قلت : تقدم جوابه في
كلام الحافظ .
ثم قال : أيضا وفتوى التثليث مرفوعة في كامل ابن عدي عن
الكرابيسي ، وهو حسين بن علي تلميذ الشافعي ، وهو حافظ إمام ،
فالحديث حسن أو صحيح .
قال المباركفوري : قلت : تفرد برفعها الكرابيسي ، ولم يتابعه على
ذلك أحد ، وقد صرح ابن عدي في الكامل بأن المرفوع منكر ، قال
الحافظ في لسان الميزان : مالفظه : قال يعني ابن عدي : حدثنا أحمد بن
الحسن ، ثنا الكرابيسي ، ثنا إسحاق الأزرق ، ثنا عبد الملك ، عن عطاء،
عن الزهري ، رفعه ((إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليهرقه وليغسله
ثلاث مرات )» .
ثم أخرجه ابن عدي من طريق عمر بن شَبَّةً ، عن إسحاق موقوفا ،

- ١٢٨
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
ثم قال : تفرد الكرابيسي برفعه ، وللكرابيسي كتب مصنفة ذكر فيها
الاختلاف ، و کان حافظا لها ، ولم أجدله منکرا غیرما ذكرت . انتھی ما
في اللسان .
فقول صاحب العرف الشدي : فالحدیث حسن أو صحیح ، لیس مما
يلتفت إليه .
تنبيه آخر : للعيني تعقبات على كلام الحافظ الذي نقلناه عن الفتح
كلها مخدوشة واهية ، لا حاجة إلى نقلها ، ثم دفعها ، لكن لما ذكرها
صاحب بذل المجهود، وصاحب ((الطِّيب الشَّذي))، وغيرهما ،
واعتمدوا عليها ، فعلينا أن نذكرها ، ونظهر ما فيها من الخدشات .
قال العيني : كون الأمر بقتل الكلاب في أوائل الهجرة يحتاج إلى
دليل قطعي ولئن سلمنا ذلك ، فكان يمكن أن يكون أبو هريرة ، وابن
المغفل ، قد سمعا ذلك من صحابي آخر فأخبرا عن النبي ◌َّ لاعتمادهما
صدق الراوي عنه ، لأن الصحابة كلهم عدول . انتهى .
قلت : (القائل المباركفوري) قد رد هذا التعقب المولوي عبد الحي
اللكنوي في السعاية ردًا حسنا ، فقال : وهذا تعقب غير مرضي عندي ،
فإن كون رواية أبي هريرة ، وابن المغفل بواسطة صحابي آخر احتمال
مردود ، لورود سماع أبي هريرة عن النبي تَّ وشهادته على أبلغ وجه
بسماعه ، أخرجه ابن ماجه عن أبي رَزين قال : رأيت أبا هريرة يضرب
جبهته بيده ، ويقول : يا أهل العراق : أنتم تزعمون أني أكذب على
رسول الله عَّ ليكون لكم الَهْنَأ وعليَّ الإثم ، أشهد أني لسمعت رسول
الله عَّ يقول: ((إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات))،
وكذا ابن المغفل سمع أمر قتل الكلاب كما أخرجه الترمذي عنه وحسنه ،
قال : إني لممن يرفع أغصان الشجرة عن وجه رسول الله ټ﴾ وهو

١٢٩ -
٥١ - سور الكلب - حديث رقم ٦٥,٦٤,٦٣
يخطب، فقال: ((لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها ، فاقتلوا
منها كل أسود بهيم ، وما من أهل بيت يرتبطون كلبا ، إلا نقص من
عملهم كل يوم قيراط ، إلا كلب صيد ، أو كلب حرث ، أو كلب غنم)).
فهذا يدل على أنه سمع بلا واسطة نسخ عموم القتل ، والرخصة في
كلب الصيد ونحوه ، وظاهر سياق مسلم عنه أن الأمر بالغسل وقع بعد
ذلك ، ويدل عليه صريحا رواية الطحاوي في شرح معاني الآثار عنه ،
قال: إن النبي # أمر بقتل الكلاب، ثم قال: ((مالي وللكلاب ؟ )) ثم
قال: ((إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات ، وعفروه
الثامنة بالتراب )) فدل ذلك صريحا على أن الأمر بالغسل سبعا كان بعد
نسخ الأمر بقتل الكلاب لا في ابتداء الإسلام انتهى ما في السعاية .
قال العيني : بعد ذكر احتمال اعتقاد الندب والنسيان : هذه إساءة
ظن بأبي هريرة ، فالاحتمال الناشئ من غير دليل ، لا يسمع . انتهى .
قال المباركفوري : قد رده صاحب السعاية ، فقال : احتمال
النسيان، واعتقاد الندب ، لیس بإساءة ظن ، ولیس فیه قدح بوجه من
الوجوه . انتهى .
قال المباركفوري : وفي احتمال اعتقاد الندب كيف يكون إساءة
الظن، وقد قال صاحب العرف الشذي : وجواب الحديث من قبلنا أن
التسبیع مستحب عندنا ، كما صرح به الزيلعي شارح الكنز ، ثم وجدته
مرويا عن أبي حنيفة في تحرير ابن الهمام . انتهى .
قال العيني بعد ما ذكر أن قياس سؤر الكلب على العذرة قياس في
مقابلة النص وهو فاسد الاعتبار ما لفظه : ليس هو قياسا في مقابلة
النص ، بل هو من باب ثبوت الحكم بدلالة النص انتهى .
قال المباركفوري : قلت : قد رده صاحب السعاية ، فقال : هذا لو

- ١٣٠
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
تَّ لدَلَّ على تطهير الإناء من سؤر الكلب واحدا أوثلاثا بدلالة النص ،
وأحاديث السبع دالة بعبارتها على اشتراط السبع ، وقد تقرر في الأصول
أن العبارة مقدمة على الدلالة ، قال : وأيضا هذا منقوض بنقض الوضوء
بالقهقهة في الصلاة مع عدم نقضه بسب المسلم في الصلاة ، وهو أشد
منه، فالجواب الجواب . انتهى.
وإن شئت الوقوف على ما بقي من تعقباته مع بيان ما فيها من
الخدشات ، فارجع إلى السعاية .
تنبيه آخر : اعلم أن الشيخ ابن الهمام قد تصدَّى لإثبات نسخ
أحاديث السبع ، فذكر فيه تقريرات في فتح القدير ، وقد رد تلك
التقريرات صاحب السعاية ردّاً حسنا ، وقال في أول كلامه عليها : ما
لفظه: وفيه على ما أقول خدشات تنبهك على أن تقريره كله ناشئ عن
عصبية مذهبية ، وقال في آخر كلامه عليها : ما لفظه : فتأمل في هذا
المقام ، فإن المقام من مَزَالّ الأقدام ، حتى زَلَّ قدم ابن الهمام . انتهى إلى
آخر كلام العلامة المباركفوري في تحفة الأحوذي جـ١/ ص٣٠٦ .
المسألة السابعة : قال العراقي : استدل بقوله ((في إناء أحدكم)) على
أنه إنما يغسل من ولوغ الكلب إذا كان ولوغه في إناء ، أما إذا ولغ في ماء
مستنقع فإنه لا يغسل منه ، ولا ينجسه ، وإن كان الماء قليلا حكاه
الطحاوي عن الأوزاعي ، وهو قول شاذ ، فإن ذلك لم يخرج مخرج
القيد، وإنما خرج مخرج الغالب ، لكون الغالب وضع مياههم
وأطعماتهم في الآنية . والله أعلم اهـ طرح جـ ٢/ ص١٢٠ .
المسألة الثامنة : قال العراقي أيضا : استدل بعض الظاهرية بقوله ((إذا
ولغ)) أو ((إذا شرب)) على أن هذا الحكم لا يتعدى الولوغ والشرب ،
لأن مفهوم الشرط حجة عند الأکثرین ومفهومہ أن الحکم لیس کذلك عند

١٣١ -
٥١ - سور الكلب - حديث رقم ٦٥٫٦٤,٦٣
عدم الشرط ، وهو الولوغ ، فذهب قائل هذا إلى أنه لو وقع لعابه في
الإناء من غير أن يلغ فيه أنه لا يغسل الإناء منه ولا يتنجس ما فيه ، وكذلك
لو وقع في الماء غیر فمه من أعضائه کیدہ أو رجلہ لا ینجس ، و کذا لو بال
في الإناء ، أوتغوط فيه لا يجب غسله سبعا ، وإنما يغسل مرة كسائر
النجاسات لتقييد الأمر بالولوغ ، أو الشرب وهو وجه لبعض أصحاب
الشافعي في غیر لعابه أنه إنما يغسل منه مرة وإن کان بولا أو عذرة أو دما
حكاه الرافعي ، وقال النووي في الروضة: إنه شاذ ، ولكنه عبر عن
اللعاب بالولوغ فاقتضى أن تناثر لعابه يكفي فيه الغسل مرة عند صاحب
هذا الوجه ، وليس كذلك ، وقد رجحه النووي في شرح المهذب بقوله :
إنه متجه قوي من حيث الدليل لأن الأمر بالغسل سبعا من الولوغ إنما كان
التنفيرهم عن مؤاكلة الكلاب . انتهى .
والمذهب الصحيح الذي نص عليه الشافعي ، وجزم به عامة
أصحابه ، وجوب التسبيع في سائر أجزاء الكلب ، وأنه إنما نص على
الولوغ لكونه الغالب فيما تصيبه الكلاب من الأواني ، فإنها إنما تقصد
الأكل والشرب من الأواني ، فخرج بذلك مخرج الغالب لا مخرج
الشرط . قال الشافعي رضي الله عنه : وجميع أعضاء الكلب يده ، أو
ذنبه ، أو رجله ، أو عضو من أعضائه، إذا وقع في الإناء غسل سبع
مرات بعد هراقة ما فيه ، قال: وفي قول رسول الله * في الهرة ((ليست
بنجس)) دليل على أن في الحيوان من البهائم ما هو نجس ، وهو حي ، وما
ینجس بولوغه .
قال : ولا أعلمه إلا الكلب المنصوص عليه ، ثم ذكر الخنزير ، هكذا
حكاه ابن عبد البر في التمهيد عن الشافعي ، وفي الاستدلال به على
نجاسة الكلب نظر لأنه مفهوم لقب، وليس بحجة عند الجمهور ، فلا
يلزم من كون الهرة ليست بنجسة أن يكون غيرها نجسا ، وقول الرافعي :

- ١٣٢
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
إن وجه الاستدلال من هذا الحديث على نجاسة الكلب مشهور أشار
بذلك إلى زيادة ذكرها بعض أصحابنا من الفقهاء في تصانيفهم ، وهي أن
رسول الله ◌َّ كان يأتي دار قوم من الأنصار ، ودونهم دار ، فشق ذلك
عليهم ، فقالوا : يا رسول الله تأتي دارفلان ، ولا تأتي دارنا : فقال النبي
: ((إن في داركم كلبا، قالوا: في دارهم سنَّوْرًا، فقال النبي عَّه:
«إنها ليست بنجس)) فلو ثبتت هذه الزيادة هكذا كان وجه الاستدلال منه
مشهورا، إلا أنه لا يعرف أصلا في شيء من كتب الحديث هكذا ، وقد
رواه بهذه الزيادة الإمام أحمد في مسنده، والدارقطني في سننه ،
والحاكم في المستدرك من رواية عيسى بن المسيب ، عن أبي زرعة ، عن
أبي هريرة ، إلا أنهما لم يقولا : إنها ليست بنجس ، وإنما قالا : فقال
النبي ﴾ ((السنور سبع)) وقال الدار قطني بعد تخريجه : وعيسى بن
المسیب صالح الحديث ، وقال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد ،
ولم يخرجاه ، وعيسى بن المسيب ينفرد عن أبي زرعة ، إلا أنه صدوق ،
ولم يجرح قط .
قال العراقي : بلى جرحه ابن معين ، وأبوداود ، والنسائي ، وابن
حبان ، والدارقطني ، في غير هذا الموضع ، وليس في هذا اللفظ ما
يقتضي نجاسة الكلب ، وإنما فيه اجتناب دخول الدار التي فيها كلب ،
وفيه أن الكلب ليس بسبع ، وكأنه إنماذكر ذلك لكونهم كانوا قد علموا
طهارة سؤر السباع ، فبين لهم أن الهرة سبع ليعلموا طهارة فمها بخلاف
الكلب فإنه ليس بسبع والله أعلم اهـ جـ٢/ ص١٢٣ .
المسألة التاسعة : قال العراقي أيضا : استدل بهذا الحديث على أنه
يجب الغسل من ولوغ الكلب على الفور ، لأن الأمر يقتضي الفورية عند
أكثر الفقهاء ، وهو المختار ، وينبغي أن يجري الخلاف الذي حكاه
الماوردي في وجوب إراقة الإناء الذي ولغ فيه الكلب على الفور ،

١٣٣
٥١ - سور الكلب - حديث رقم ٦٥,٦٤٫٦٣
والأكثرون على أن الفورية مستحبة فإذا أراد استعمال الإناء وجبت
الإراقة . اهـ طرح جـ ٢/ ص١٢٥ .
المسألة العاشرة : قال العراقي أيضا : هل تتعدد الغسلات الواجبة في
ولوغ الكلب بتعدد الولغات من كلب واحد أو كلبين ، فأكثر فيه خلاف
بين أصحابنا ، والأصح أنه يكفي للجميع سبع ، وقيل : يجب لكل ولغة
سبع ، وقيل : يكفي السبع في ولغات الكلب الواحد ، وتتعدد بتعدد
الكلاب ، وكذلك لو تنجس بنجاسة أجنبية غير الكلب لم تجب الزيادة
على السبع بل يندرج الأصغر في الأكبر، كالحدث على الصحيح ،
وادعى النووي وابن الرفعة نفي الخلاف فيه ، وليس بجيد ، ففيه وجه
حكاه الرافعي في الشرح الصغير أنه يجب غسله للنجاسة الأجنبية .
المسألة الحادية عشرة : من جعل العلة في التسبيع من ولوغ الكلب
کونه منھیا عن اتخاذه و اقتنائه کما تقدم حکایته عن بعضهم عدی حکم
الكلب إلى الخنزير ، لأنه منھي عن اقتنائه مطلقا بخلاف بعض الكلاب
المتخذة للصيد والزرع ، فهو إذا أسوأ حالا من الكلب في ذلك ، وهذا
قول الشافعي الجدید أنه يجب الغسل منه سبعا كالكلب ، وذهب أکثر
العلماء إلى أنه لا يجب التسبيع من نجاسة الخنزير ، ويقتصر في التسبيع
على مورد النص ، وهو قول قديم للشافعي ، قال النووي في شرح
مسلم: وهو قوي في الدليل ، وكذا قال في شرح المهذب إنه الراجح من
حيث الدليل ، قال : وهذا هو المختار ، لأن الأصل عدم الوجوب حتى
يرد الشرع، لا سيما في هذه المسألة المبنية على التعبد ، وذكر نحوه في
شرح الوسيط، بل ذهب كثير من العلماء إلى طهارة الخنزير ، ومن ادعى
من أصحابنا الإجماع على نجاسته فقد أخطأ لوجود الخلاف فيه والله
أعلم ، قاله العراقي رحمه الله طرح جـ ٢/ ص١٢٦ .

- ١٣٤
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
قال الجامع : هذا الذي اختاره النووي هو التحقيق الراجح عندي لما
ذكره والله أعلم .
المسألة الثانية عشرة : محل الأمر بغسل الإناء سبعا من نجاسة الكلب،
وكذلك محل الأمر بالإراقة هو ما إذاكان ما في الإناء مائعا ، أما إذا كان
جامدا ، فإن الواجب حينئذ إلقاء ما أصاب الكلب بفمه ، ولا یجب
غسل الإناء حينئذ إلا إذا أصابه فم الكلب مع وجود الرطوبة ، فيجب
غسل ما أصابه فقط سبعا ، كالفأرة تقع في السمن سواء ، ولقائل أن
يقول : ليست هذه الصورة داخلة في الحدیث ، لأنه إن كان ما فيه جامدا
لا يسمى أخْذُ الكلب منه شربا ، ولا ولوغابل هو أكل ، وإنما الولوغ
الأخذ بطرف اللسان ، أفاده العراقي رحمه الله جـ٢ / ص ١٢٦ .
قال الجامع : وهذا الذي قاله العراقي آخرًا حسن جدًا. والله أعلم .
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه
توكلت وإليه أنيب .

١٣٥
٥٢ - الأمر بإراقة ما في الإناء إذا ولغ فيه الكلب - حديث رقم ٦٦
٥٢ - الأَهْرُ بِإِرَاقَةٍ مَافِي الإِنَاءِ إِذَاَ وَلَغَ فِيهِ الْعَلْبُ
٠٠
أي هذا باب في ذكر الحديث الدال على الأمر بإراقة ما في الإناء من
الماء وغيره إذا ولغ فيه الكلب .
والإراقة : مصدر أراق الشيء : إذا صبه .
قال في المصباح : راق الماءُ وغيرُهُ، رَيْقًا من باب باع : انصَبَّ،
ويتعدى بالهمزة فيقال : أراقه صاحبه ، والفاعل مُريق والمفعول مُرَاق ،
وتبدل الهمزة هاء فيقال: هراقه ، ١ هـ وقد مضى تحقيق هذا في باب ((ترك
التوقيت في الماء)) .
٦٦ - أخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ ، أَثْبَ (١) عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ
الأعْمَشِ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ ، وأبي صَالحٍ ، عَنْ أبي هُرَيْرَةً
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَّهُ: ((إذَا وَلَغَ الكَلْبُ في إنَاءِ
أحَدِكُمْ ، فَلَيْرِفْهُ، ثُمَّ لَيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ » .
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ : لا أَعْلَمُّ أَحَدًا تَابَعَ عَلَيَّ بْنَ مُسْهر
عَلَى قَوْله ((فَلْيُرِفْهُ)) .
رجال الإسناد : ستة
١ - (علي بن حجر) بضم فسكون السعدي المروزي ثقة من
(١) وفي نسخة أخبرنا .

شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
- ١٣٦
صغار[٩] تقدم في ١٣/ ١٣ .
٢ - (علي بن مسهر) بصيغة اسم الفاعل ، القرشي أبو الحسن
الكوفي الحافظ ، عن الأعمش ، وإسماعيل بن أبي خالد ، وهشام بن
عروة ، وعنه خالد بن مخلد ، وهناد ، وعبيد بن محمد المحاربي ، وثقه
ابن معين، قال ابن منجويه : مات سنة ١٨٩ . أخرج له الجماعة اهـ صة
وفي (ت) ثقة له غرائب بعد ما أضَرَّ من الثامنة .
٣ - (الأعمش) سليمان بن مهران الكوفي الثقة ثبت من [٥] تقدم
في ١٨/١٧ .
٤ - ( أبو رَزين) بفتح الراء وكسر الزاي ، مسعود بن مالك؛ الأسدي
الكوفي ، عن علي ، وابن مسعود ، وأبي هريرة ، وغيرهم ، وعنه ابنه
عبد الله ، وعاصم بن أبي النَّجُود، والأعمش ، وغيرهم ، وثقه أبو
زرعة، مات سنة ٨٥ ، وهو غير أبي رزين عبيد الذي قتله عبيد الله بن
زياد بالبصرة ، ووهم من خلطهما ، أخرج ه البخاري في الأدب المفرد،
ومسلم ، والأربعة اهـ صة بزيادة ، وفي (ت) ثقة فاضل من الثانية .
٥ - (أبو صالح) السمان ذكوان المدني ثقة من [٣] تقدم في
٤٠/٣٦.
٦ - ( أبو هريرة) رضي الله عنه، تقدم في ١/١ .
لطائف الإسناد
منها : أنه من خماسياته .
ومنها : أن رواته كلهم ثقات ، وأنهم ما بين مروزي ، وهو شيخه ،
وكوفيين وهما : علي بن مسهر ، وأبو رزين ، ومدنيين : وهما أبو
صالح ، وأبو هريرة ، وأن فيه الإخبار ، والإنباء ، والعنعنة ، والقول .
ومنها: أنه يقرأ قبل قوله: ((عن أبي هريرة)) لفظ ((كلاهما)) كما
تقدم غيرة مرّة .

١٣٧ -
٥٢ - الأمر بإراقة ما في الإناء إذا ولغ فيه الكلب - حديث رقم ٦٦
شرح الحديث
(عن أبي هريرة) رضي الله عنه أنه (قال: قال رسول الله®: إذا
ولغ الكلب ) قال النووي رحمه الله: قال أهل اللغة يقال: وَلَغَ الكلب
يَلَغ بفتح اللام فيهما، وحكى أبو عمر الزاهد عن ثعلب عن ابن الأعرابي
أن من العرب من يقول : ولِغ بكسرها ، والمصدر منها ولَغًا ووُلُوغا،
ويقال: أولغه صاحبه ، قال : الولوغ في الكلب ، والسباع كلها : أن
يدخل لسانه في المائع فيحركه ، ولا يقال : ولغ بشيء من جوارحه غير
اللسان ، ولا يكون الولوغ لشيء من الطير ، إلا الذباب ، ويقال :
لَحَسَ الكلبُ الإناءَ ، وقَفَتَه ولَجَنَه ولَجَدَه بالجيم فيهما كله بمعنى، إذا
كان فارغًا ، فإن كان فيه شيء ، قيل : ولغ ، وقال صاحب المطالع :
الشرب أعم من الولوغ فكل ولوغ شرب ، ولا عكس . قال الجوهري :
قال أبو زيد : يقال : ولغ الكلب بشرابنا ، وفي شرابنا ومن شرابنا. والله
أعلم . اهـ المجموع جـ٢/ ص٥٨٨ .
( في إناء أحدكم) تقدم عن العراقي أن ذكر الإناء خرج مخرج
الغالب ، فلا فرق بين الإناء وغيره ، وكذا إلغاء اعتبار الإضافة ، فلا
يشترط کون الإناء ملکه ، و کذا قوله ( فلیرقه) أي ليصبه ( ثم ليغسله ) لا
يشترط أن يكون المريق ، والغاسل صاحب الإناء ( سبع مرات) تقدم
إعرابه .
(قال أبو عبد الرحمن) النسائي صاحب الكتاب (لا أعلم أحدا تابع
علي بن مسهر على قوله ((فليرقه))) يعني أنه تفرد بزيادة (( فليرقه)) على
غيره من أصحاب الأعمش ، فإنهم كلهم قالوا: (( فليغسله سبع مرات ))
وكذا قال حمزة الكناني : إنها غير محفوظة .
وقال ابن عبد البر : لم يذكرها الحفاظ من أصحاب الأعمش كأبي

- ١٣٨
.
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
معاوية ، وشعبة . وقال ابن منده : لا نعرف عن النبي ◌َّه بوجه من الوجوه
إلا عن علي بن مسهر بهذا الإسناد .
قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر أن المصنف رحمه الله أراد بهذا
تضعيف هذه الزيادة بسبب تفرد علي بن مسهر بها ، ومثله حمزة الكناني
وابن عبد البر ، وابن منده . ولكن غيرهم لم يضعفوها ، بل قالوا : إنها
زيادة ثقة ، فتقبل ، ولذا أخرجها مسلم في صحيحه ، وقال الحافظ
العراقي بعد نقل كلامهم ما نصه : قلت : وهذا غير قادح فيه ، فإن زيادة
الثقة مقبولة عند أكثر العلماء من الفقهاء والأصوليين ، والمحدثين ، وعلي
ابن مسهر قد وثقه أحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين ، والعجلي ،
وغيرهم ، وهو أحد الحفاظ الذين احتج بهم الشيخان ، وما علمت أحدا
تكلم فيه فلا يضره تفرده به . اهـ طرح جـ ٢/ ص١٢١ - ١٢٢ .
وقال الدارقطني : إسناده حسن ، رواته كلهم ثقات ، وأخرجه ابن
خزيمة في صحيحه من طريقه ولفظه ((فليهرقه)) اهـ تلخيص الحبير جـ ١/
ص٢٣.
وقال الحافظ : قد ورد الأمر بالإراقة من طريق عطاء عن أبي هريرة
مرفوعا ، أخرجه ابن عدي لكن في رفعه نظر ، والصحيح أنه موقوف ،
وكذا ذكر الإراقة حماد بن زيد عن أيوب ، عن ابن سيرين ، عن أبي
هريرة موقوفا وإسناده صحيح ، أخرجه الدار قطني وغيره . اهـ زهر.
قال الجامع عفا الله عنه : عندي أن تصحيح هؤلاء مقدم على
تضعيف الأولين ، لأن علي بن مسهر ثقة حافظ ، وزيادته ليست منافية
لروايات الآخرين ، فتكون مقبولة ، والله أعلم .
مسائل تتعلق بحديث الباب
المسألة الأولى : في درجته : حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا
أخرجه مسلم كما مر آنفا ، وأن العلة التي ذكرها المصنف لاتقدح فيه كما
قال الحافظ العراقي .

١٣٩ -
٥٢ - الأمر بإراقة ما في الإناء إذا ولغ فيه الكلب - حديث رقم ٦٦
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له : أخرجه هنا ٦٥ وفي
الكبرى ٦٥ بالسند المذكور ، وفي الزينة عن إسحاق بن إبراهيم ، عن أبي
معاوية عن الأعمش به .
المسألة الثالثة : فيمن أخرجه معه : أخرجه مسلم في الطهارة عن
علي بن حجر ، عن علي بن مسهر ، وعن محمد بن الصباح ، عن
إسماعيل بن زكريا كلاهما ، عن الأعمش ، عن أبي رَزين ، عن أبي
هريرة رضي الله عنه .
وأخرجه ابن ماجه في الطهارة عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن أبي
معاوية ، به . أفاده المزي .
وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه ، والدارقطني ، كما مر آنفا وابن
حبان في صحيحه .
المسألة الرابعة : يستفاد من الأمر بالإراقة وكذا مما ثبت في صحيح
مسلم وغيره من قوله (( طهور إناء أحدكم)) نجاسة ولوغ الكلب وهو
الراجح من أقوال العلماء كما تقدم تحقيقه في الباب السابق ، وسيأتي تمام
البحث فيه في الباب التالي إن شاء الله تعالى .
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه
توكلت ، وإليه أنيب .

- ١٤٠
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
٥٣ - بَابُ تَعْفِيرِ الإِنَاءِ الّذِى وَلَ فِيهِ الْعَلْبُ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على وجوب تعفير الإناء الذي ولغ
فيه الكلب بالتراب .
والتعفير : مصدر عَفَّر مضعفا ، قال في المصباح : العَفَر بفتحتين
وجه الأرض ، ويطلق على التراب ، وعَفَرت الإناء عَفْرًا من باب
ضرب: دَلَكْتُهُ بالعَفَر ، فانعفر هو ، واعتفر ، وعفّرته بالتثقيل مبالغة،
فتعفراهـ .
فمعنى قوله تعفير الإناء بالتراب : دَلُكُهُ به .
٦٧ - أخبَرَنَا مَحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الصَّنْعَانِيُّ، قَالَ: حَدَثَنَا
خَالِدٌ ، قَالَ : حَدَثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِّي التَّاحِ، قَالَ :
سَمَعْتُ مُطَرِّقًا، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْغَفَّلِ ، أنَّ رَسُولَ اللَّه
تَُّ أَمَرَ بِقَتْلِ الكِلابِ، وَرَخَّصَ في كَلْبِ الصَيْدِ، وَكَلْبِ
الْغَنَمِ ، وَقَالَ: ((إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ في الإِنَاءِ فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ
مَرَّاتٍ ، وَعَفِّرُوهُ الثَامِنَةَ بِالْتُرَابِ » .
رجال الإسناد : ستة
١ - (محمد بن عبد الأعلى) القيسي أبو عبد الله ( الصنعاني) (١)
(١) ((الصنعاني) نسبة إلى صنعاء بلدة من قواعد اليمن، والأكثر فيها المد ، والنسبة إليها صنعاني
بالنون ، والقياس صنعاوي بالواو، (هـ المصباح.