النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١ -
٤٦ - باب الماء الدائم - حديث رقم ٥٨.٥٧
النجاسة امتنع استعماله .
فمالك رحمه الله إذا حمل النهي على الكراهة لاعتقاده أن الماء لا
ينجس إلا بالتغير لابد أن يخرج صورة التغير بالنجاسة ، أعني عن الحكم
بالكراهة ، فإن الحكم ثمة التحريم ، فإذا لابد من الخروج عن الظاهر عند
الكل ، فلأصحاب أبي حنيفة أن يقولوا: خرج عنه المستبحر الكثير جدا
بالإجماع فيبقى ما عداه على حكم النص فيدخل تحته ما زاد عن القلتين ،
ويقول أصحاب الشافعي خرج الكثير المستبحر الذي ذكر تموه ، وخرج
القلتان ، فما زاد بمقتضى حديث القلتين، فيبقى ما نقص عن القلتين
داخلا تحت مقتضى الحديث .
ويقول من نصر قول أحمد رحمه الله المذكور : خرج ما ذكر تموه ،
وبقي ما دون القلتين داخلا تحت النص، إلا أن ما زاد على القلتين مقتضى
حديث القلتين فيه عام في الأنجاس ، فيخص بول الآدمي ، ولمخالفهم أن
يقول : قد علمنا جزما أن هذا النهي إنما هو لمعنى في النجاسة وهو عدم
التقرب إلى الله بما خالطها، وهذا المعنى تستوي فيه سائر الأنجاس ، ولا
يتجه تخصيص بول الآدمي منها بالنسبة إلى هذا المعنى فإن المناسب لهذا
المعنى أعني التنزه عن الأقذار أن يكون ما هو أشد استقذارًا أوقع في هذا
المعنى ، وأنسب له فلا يبقى تخصيصه دون غيره بالنسبة إلى المنع معنى
فيحمل الحديث على أن ذكر البول وقع تنبيها على غيره ممايشركه في معناه
من الاستقذار .
والوقوف على مجرد الظاهر ههنا مع وضوح المعنى وشموله لسائر
الأنجاس ظاهرية محضة .
وأما مالك رحمه الله تعالى فإذا حمل النهي على الكراهة يستمر
حكم الحديث في القليل والكثير غير المستثنى بالاتفاق ، وهو المستبحر مع

- ٦٢
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
حصول الإجماع على تحريم الاغتسال بعد تغير الماء بالبول ، فهذا يلتفت
إلى حمل اللفظ الواحد على معنيين مختلفين وهي مسألة أصولية، فإن
جعلنا النهي للتحريم ، كان استعماله في الكراهة ، والتحريم استعمال
اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه ، والأكثرون على منعه والله أعلم .
وقد يقال على هذا إن حالة التغير مأخوذة من غير هذا اللفظ ، فلا
يلزم استعمال اللفظ الواحد في معنيين مختلفين ، وهذا متجه إلا أنه يلزم
منه التخصيص في هذا الحديث . اهـ كلام ابن دقيق العيد في إحكام
الأحكام جـ١/ ص٢٢-٢٣ .
(قال الجامع ) : قد تبين لك مما سبق أن ماذهب إليه الشافعي رحمه
الله ومن معه هو الأقوى . فتبصر . والله أعلم .
المسألة السابعة : في مذاهب العلماء في أخذ الأجرة على التحديث ،
وقد أشرنا فيما تقدم إلى بعض أقوال العلماء ، ونزيد الآن شرحا ،
وإيضاحا للمسألة ، ملخصا ما كتبه العلامة الحافظ السخاوي رحمه الله
في فتح المغيث شرح ألفية الحديث ، فإنه قد استوعب الكلام هناك،
وحاصله أن في أخذ الأجرة على التحديث مذاهب للعلماء :
الأول : أنه لا تقبل رواية من يأخذ الأجرة على التحديث:
وممن قال بذلك : إسحاق بن راهويه ، وأحمد بن حنبل ، وأبو
حاتم الرازي ، وآخرون ، أما إسحاق ، فإنه حين سئل عن المحدث
يحدث بالأجر ، قال : لا يكتب عنه ، وكذا قال أبو حاتم الرازي حين
سئل عمن يأخذ على التحديث .
وأما أحمد : فإنه قيل له : أيكتب عمن يبيع الحديث ؟ فقال : لا ولا
كرامة . فأطلق أبو حاتم جواب الأخذ الشامل للإجارة ، والجعَالة ،
والهبة ، والهدية ، وهو ظاهر في الجعالة لوجود العلة فيها أيضا ، وإن
كانت الإجارة أفحش .
وقد قال سليمان بن حرب : لم يبق من أمر السماء إلا الحديث ،

٦٣ -
٤٦ - باب الماء الدائم - حديث رقم ٥٨.٥٧
والقضاء، وقد فسدا جميعا ، القضاة يَرْشُون حتى يُوَلَّوْا ، والمحدثون
يأخذون على حديث رسول الله الدراهم.
قال الخطيب : إنما منعوا من ذلك تنزيها للراوي عن سوء الظن به ،
فإن بعض من كان يأخذ الأجرة على الرواية عثر على تزيده ، وادعائه ما
لم يسمع لأجل ما كان يعطى ، ومن هذا بالغ شعبة فيما حکي عنه ،
وقال : لا تكتبوا عن الفقراء شيئا ، فإنهم يكذبون ، ولذا امتنع من الأخذ
مَن امتنع ، بل تورع الكثير منهم عن قبول الهدية والهبة .
فقال سعيد بن عامر : لما جلس الحسن البصري للحديث أهدي له
فرده ، وقال : إن مَن جلس هذا المجلس ، فليس له عند الله خلاق ،
يعني إن أخذ .
وكذا لم يكن النووي يقبل ممن له به علقة من إقراء ، أو انتفاع ما .
قال ابن العطار : : للخروج من حديث إهداء القوس ، يعني الوارد في
الزجر عن أخذه ممن علمه القرآن ، قال : وربما أنه كان يرى نشر العلم
متعينا عليه مع قناعة نفسه وصبرها ، قال : والأمور المتعينة لا يجوز أخذ
الجزاء عليها كالقرض الجارّ إلى منفعة، فإنه حرام باتفاق العلماء. انتهى.
وقال جعفر بن يحيى البرمكي : ما رأينا في القراء مثل عيسى بن
يونس بن أبي إسحاق السبيعي ، عرضت عليه مائة ألف ، فقال : لا
والله، لا يتحدث أهل العلم أني أكلت للسنة ثمنا ألا كان هذا قبل أن
ترسلوا إلي، فأما على الحديث فلا، ولا شَرْبَة ماء ولا إهْليلَجَة (١).
وهذا بمعناه ، وأزيد عند أبي الفرج النهرواني في ((الجليس الصالح)) قال:
دخل الرشيد الكوفة ، ومعه ابناه الأمين والمأمون ، فسمعا من عبد الله بن
إدريس وعيسى بن يونس ، فأمر لهما بمال جزيل ، فلم يقبلا ، وقال له
عيسى : لا ، ولا إهليلجة ، ولا شربة ماء على حديث رسول الله عَليه ،
ولو ملأت لي هذا المسجد إلى السقف ذهباً .
(١) الإمْليلَجَة - بكسر، فسكون فكسر اللام الأولى وفتح الثانية، وقد تكسر ثمر معروف،
أفاده في ((ق)) .

- ٦٤
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
وقال جرير بن عبد الحميد : مر بنا حمزة الزيات فاستسقى ، فدخلت
البيت فجئته بالماء ، فلما أردت أن أناوله نظر إلي فقال: أنت هو ؟ قلت
نعم ، فقال : أليس تحضرنا في وقت القراءة ؟ قلت : نعم ، فرده ، وأبى
أن یشرب ومضى .
وأهدى أصحاب الحديث للأوزاعي شيئا ، فلما اجتمعوا ، قال
لهم: أنتم بالخيار إن شئتم قبلته ، ولم أحدثكم ، أورددته وحدثتکم ،
فاختاروا الرد وحدثهم ، ونحوه عن حماد بن سلمة كما قال الخطيب في
الكفاية .
وقال هبة الله بن المبارك السقطي : كان أبو الغنائم محمد بن علي بن
الحسن بن الدجاجي البغدادي ذا وجاهة وتقدم وحال واسعة وعهدي
بي، وقد أخذني عليه الزمان بصروفه ، وقد قصدته في جماعة مثرين
لنسمع منه ، وهو مريض ، فدخلنا عليه ، وهو على بادية ، وعليه جبة
قد أكلت النار أكثرها ، وليس عنده ما يساوي درهما ، فحمل على نفسه
حتى قرأنا عليه بحسب شرهنا ، ثم قمنا ، وقد تحمل المشقة في إكرامنا ،
فلما خرجنا قلت: هل مع سادتنا ما نصرفه إلى الشیخ؟ فمالوا إلى ذلك ،
فاجتمع له نحو خمسة مثاقيل ، فدعوت ابنته وأعطيتها ، ووقفت لأری
تسليمها إليه ، فلما دخلت وأعطته لَطَمَ حُرَّ وجهه ، ونادى وافضيحتاه !
آخذ على حديث رسول ◌َ﴾ عوضا؟ لا والله ، ونهض حافيا ، فنادى
بحرمة ما بيننا إلا رجعت ، فعدت إليه ، فبكى ، وقال : تفضحني مع
أصحاب الحديث ؟ الموت أهون من ذلك، فأعدت الذهب إلى الجماعة ،
فلم يقبلوه ، وتصد قوابه .
ومرض أبو الفتح الکروخي راوي الترمذي ، فأرسل إليه بعض من
کان یحضر مجلسه شيئا من الذهب، فما قبله، وقال: بعد السبعین،
واقتراب الأجل آخذ على حديث رسول الله عنهشيئا، ورده مع الاحتياج
إليه .

٦٥ -
٤٦ - باب الماء الدائم - حديث رقم ٥٨.٥٧
المذهب الثاني : الجواز للحاجة والفقر :
وممن قال بهذا : أبو نعيم الفضل بن دُكَين ، فقدكان يأخذ على
التحديث الأجر بحيث كان إذا لم يكن معهم دراهم صحاح ، بل مكسرة
أخذ صرفها .
ومنهم : عفان بن مسلم ، أحد الحفاظ الأثبات من شيوخ البخاري ،
فقد قال حنبل بن إسحاق : سمعت أبا عبد الله ، يعني الإمام أحمد
يقول: شيخان كان الناس يتكلمون فيهما ويذكرونهما ، وكنا نَلقَی من
الناس في أمرهما ما الله به عليم ، قاما لله بأمر لم يقم به أحد ، أو كبير
أحد مثل ما قاما به : عفان وأبونعيم ، يعني بقيامهما عدم الإجابة في
المحنة ، وبكلام الناس من أجل أنهما كانا يأخذان على التحديث ،
ووصف أحمد مع هذا عفان بالثبت ، وقيل له : مَن تابع عفان على كذا؟
فقال : وعفان يحتاج إلى أن يتابعه أحد؟ وأبا نعيم الحجة الثبتَ ، وقال
مرة : أنه يزاحمُ به ابنُ عيينة ، وهو على قلة روايته أثبت من وكيع ، إلى
غير ذلك من الروايات عنه ، بل وعن أبي حاتم في توثيقه وإجلاله .
فيمكن الجمع بين هذا وإطلاقهما كما مضى أولا عدم الكتابة بأن
ذلك في حق من لم يبلغ هذه المرتبة في الثقة والتثبت ، أو الأخذ مختلف
في الموضعين ، كما يشعر به السؤال لأحمد هناك، ومضايقة البغوي التي
كانت سببا لامتناع النسائي من الرواية عنه، كما سيأتي قريباً.
وعلى هذا يحمل قول محمد بن عبد الملك بن أيمن : لم يكونوا
یعیبون مثل هذا ، إنما العيب عندهم الكذب .
وممن كان يأخذ ممن احتج به الشيخان : يعقوب الدورقي ، كما ذكره
النسائي هنا ، ومنهم هشام بن عمار، فقد قال ابن عدي : سمعت
قسطنطين يقول : حضرت مجلسه ، فقال له المستملي : من ذكرتَ؟
فقال له : بعض مشايخنا ، ثم نعس ، فقال لهم المستملي : لا تنتفعون
به، فجمعوا له شيئا، فأعطوه ، فكان بعد ذلك يُمْلي عليهم .

- ٦٦
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
بل قال الإسماعيلي : عن عبد الله بن محمد بن سَيَّار : أن هشاما
كان يأخذ على كل ورقتين درهما ويشارط ، ولذا قال ابن وَارَة : عزمت
أن أمسك عن حديث هشام ، لأنه كان يبيع الحديث ، وقال صالح بن
محمد : إنه کان لا يحدث ما لم يأخذ .
ومنهم : علي بن عبد العزيز البغوي نزيل مكة وأحد الحفاظ المكثرين
مع علو الإسناد ، فإنه كان يطلب الأجر على التحديث ، وآخرون .
وهؤلاء فعلوه ترخصا للحاجة فقد قال علي بن خشرم : سمعت أبا
نعيم الفضل يقول : يلومونني على الأخذ ، وفي بيتي ثلاثة عشر نفسا ،
وما فيه رغيف ، ورآه بشر بن عبد الواحد في المنام بعد موته فسأله : ما
فعل بك ربك في ذلك ؟ فقال : نظر القاضي في أمري ، فوجدني ذا
عيال ، فعفا عني .
وكذا كان البغوي يعتذر بأنه محتاج ، وإذا عاتبوه على الأخذ حین
يقرأ كتب أبي عبيد على الحاج إذا قدم عليه مكة يقول : يا قوم أنا بين
الأخشبين إذا خرج الحاج نادى أبو قبيس قُعَيقعَان مَن بقي ؟ فيقول : بقي
المجاورون ، فيقول : أطبقْ .
لکن قد قبحه النسائي ثلاثا ، ولم يرو عنه شيئا ، لا لكذبه ، بل لأنه
اجتمع قوم للقراءة عليه فبروه بما سهل عليهم ، وفيهم غريب فقير ،
فأعفوه لذلك ، فأبى إلا أن يدفع كما دفعوا، أو يخرج عنهم، فاعتذر
الغريب بأنه ليس معه إلا قصعة صغيرة فأمره بإحضارها ، فلما أحضرها
حدثهم .
ونحوه أن أبابكر الأنصاري المعروف بقاضي المرستان ، شَمَّ من أبي
الحسن سعد الخير الأنصاري رائحة طيبة ، فسأله عنها ؟ فقال : هي عود،
فقال: ذا عود طيب، فحمل إليه نزرا قليلا، ودفعه لجارية الشيخ،
فاستحيت من إعلامه به لقلته ، وجاء سعد الخير على عادته ، فاستخبر
الشيخ عن وصول العود ، فقال له : لا ، وطلب الجارية ، فاعتذرت

٤٦ - باب الماء الدائم - حديث رقم ٥٨.٥٧
٦٧ -
لقلته ، وأحضرت ذلك فأخذه الشيخ بيده ، وقال لسعد الخير : أهو
هذا؟ قال : نعم ، فرمى به إليه ، وقال: لا حاجة لنا فيه ، ثم طلب منه
سعد الخير أن يسمع ولده جزء الأنصاري ، فحلف أن لا يسمعه إياه إلا
أن يحمل إليه خمسة أمناء من عود ، فامتنع ، وألح على الشيخ في تكفير
يمينه فما فعل ، ولا حمل هو شيئا ، ومات الشيخ ولم يسمع ابنه الجزء
ولكنه في المتأخرين أكثر .
ومنهم: من كان يمتنع من الأخذ من الغرباء خاصة ، فروى السّلَفيّ
في معجم السّفَر له ، من طريق سهل بن بشير الإسفرائيني قال : اجتمعنا
بمصر طبقة من طلبة الحديث ، فقصدنا علي بن مُنير الخلال ، فلم يأذن لنا
في الدخول ، فجعل عبدالعزيز بن علي النخشبي فاه على كوة بابه ورفع
صوته بقوله: قال رسول الله : ((من سئل عن علم)) الحديث، قال:
ففتح لنا الباب ودخلنا ، فقال : لا أحدث اليوم إلا من وزن الذهب ،
فأخذ من كل من حضر من المصريين ، ولم يأخذ من الغرباء شيئا ، وكان
فقيرًا لم يكن له من الدنيا شيء وهو من الثقات .
ومنهم: من لم يكن يشترط شيئا ولا يذكره غير أنه لا يمتنع من قبول
ما يعطى له بعد ذلك أو قبله .
ومنهم : من كان يقتصر في الأخذ على الأغنياء .
ومنهم: من كان يمتنع في الحديث فقط ، قال أبوأحمد بن سكينة :
قلت للحافظ ابن ناصر أرید أن أقرأ عليك شرح ديوان المتنبي لأبي زکریا،
وكان يرويه عنه ، فقال : إنك دائما تقرأ علي الحديث مَجَّانًا ، وهذا
شعر، ونحن نحتاج إلى دفع شيء من الأجر عليه ، لأنه ليس من الأمور
الدينية ، قال : فذكرت ذلك لوالدي فدفع إلي كاغدًا (١) فيه خمسة
دنانير، فأعطيته إياه ، وقرأت عليه الكتاب ، وكان مع ذلك فقيرا.
(١) الكاغد : نوع من الورق ، وقال في المصباح : الكاغد بفتح الغين وبالدال المهملة وربما قيل
بالذال المعجمة وهو معرب .

- ٦٨
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
ونحوه أن أبا نصر محمد بن موهوب البغدادي الضرير الفرضي كان
يأخذ الأجرة ممن يعلمه الجبر والمقابلة دون الفرائض والحساب ، ويقول :
الفرائض مهمة ، وهذا من الفضل حكاهما ابن النجار .
ومنهم: من كان لا يأخذ شيئا ، ولكن يقول : إن لنا جيرانا
محتاجین، فتصدقوا عليهم ، وإلا لم أحدثكم ، قال زید بن الحباب عن
شيخه : إنه كان يفعله .
المذهب الثالث : الجواز لمن كان مشغولا عن الكسب لعياله ، وهذا
هو المختار كما يأتي للسيوطي في ألفيته .
وممن أفتى بذلك : الشيخ أبو إسحاق الشيرازي من الشافعية ، حين
سأله مُسْند العراق في وقته أبو الحسين بن النَّقُّور ، لكون أصحاب الحديث
كانوا يمنعونه عن الكسب لعياله فكان يأخذ كفايته ، وعلى نسخة طالوت
ابن عباد أبي عثمان الصيرفي بخصوصها دينارا ، واتفق أنه جاء غريب
فأراد أن يسمعها منه ، فاحتال بأن اقتصر على كنية طالوت لكونه لم
يكن يعرفه بها ، وذلك أنه قال له : أخبرك أبو القاسم بن حبابة ، قال :
حدثنا البغوي ، حدثنا أبو عثمان الصيرفي ، وساق النسخة إلى آخرها ،
فبلغ مقصوده بدون دينار ، لكون ابن النقور لم يعلم أن أبا عثمان
الصيرفي هو طالوت .
وممن أفتى بالجواز قبل أبي إسحاق : ابنُ عبد الحكم المالكي رحمه
الله ، فقال خالد بن سعد الأندلسي : سمعت محمد بن فطيس وغيره
يقولون : جمعنا لابن أخي ابن وهب ، يعني أحمد بن عبد الرحمن
دنانير أعطيناها إياه ، وقرأنا عليه موطأ ابن عمه وجامعه ، قال محمد :
فصار في نفسي من ذلك ، فأردت أن أسأل ابن الحكم ، فقلت : أصلحك
الله ، العالم يأخذ على قراءة العلم؟ فاستشعر فيما ظهر لي ، أني إنما
أسأله عن أحمد، فقال لي : جائز ، عافاك الله حلال ، ألا أقرأ لك
ورقة إلابدرهم ، ومن أخذني أن أقعد معك طول النهار، وأدع ما يلزمني

٦٩ -
٤٦ - باب الماء الدائم - حديث رقم ٥٨.٥٧
من أسبابي ونفقة عيالي ؟ .
قال السخاوي رحمه الله : إذا علم هذا ، فالدليل لمطلق الجواز
القياس على القرآن ، فقد جوَّز أخذ الأجرة على تعليمه الجمهور ، لقوله
لة: ((أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله)).
والأحاديث الواردة في الوعيد على ذلك(١) لا تنتهض بالمعارضة، إذ
ليس فيها ما تقوم به الحجة خصوصا ، وليس فيها تصريح بالمنع على
الإطلاق ، بل هي وقائع أحوال محتملة للتأويل لتوافق الصحيح ، وقد
حملها بعض العلماء على الأخذ فيمن تعين عليه تعليمه ، لا سيما عن
عدم الحاجة .
وكذا يمكن أن يقال في تفسير أبي العالية في قوله تعالى : ﴿ولا
تشتروا بآياتي ثمنا قليلا﴾ [ البقرة من آية رقم ٤١] أي لا تأخذوا عليه
أجرا، وهو مكتوب عندهم في الكتاب الأول : يا ابن آدم عَلِّم مجَّانا ،
كما عُلِّمت مجانا .
وليس في قول عازب لأبي بكر حين سأله أن يأمر ابنه البراءِ رضي الله
عنهم بحمل ما اشتراه منه معه : لا حتى يحدثنا بكذا ، مُتَمَسَّك للجواز
لوقفه ، كما قال شيخنا - يعني الحافظ بن حجر - على أن عازبا لو استمر
على الامتناع من إرسال ابنه ، لاستمر أبو بكر على الامتناع من التحديث
يعني ، فإنه حينئذ لو لم يجز لما امتنع أبو بكر ولا أقر عازبا عليه ولكن
ليس هذا بلازم ، لاحتمال أن يكون امتناعه تأديبا وزجرا، وتقريره
عازبا ، فلكونه فهم عنه قصد المبادرة لإسماع ابنه وكونه حاضرا معه ،
(١) منها حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: علمت ناسا من أهل الصفة القرآن
والكتابة، فأهدى إلى رجل منهم قوسا ، فقلت : ليست بمال ، وأرمي بها في سبيل الله ، فسألت
رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها؟ فقال: ((إن سرك أن تطوق بها طوقاً من نار فاقبلها))
. أخرجه أبو داود ، وابن ماجه وفي سنده الأسود بن ثعلبة مجهول .
ومنها حديث أبي بن كعب رضي الله عنه قال علمت رجلا القرآن ، فأهدى إلى قوسا ، فذكرت
ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ((إن أخذتها أخذت قوساً من نار)) رواه أبو داود،
وابن ماجه ، وفي سنده عبد الرحمن بن سلهم مجهول .
لکن الحدیث یتقوی بمجموعہ فیصلح للاحتجاج به ، فلابد من تأويله لئلا يتعارض مع أحاديث
الإباحة ، فيؤل بمن تعين عليه التعليم ، أو بمن أخذ عن المساكين ، كأهل الصفة . والله أعلم.

- ٧٠
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
خوفا من الفوات ، لا خصوص هذا المحكي، وعلى هذا فما بقي
متمسك ، وعلى كل حال فقد سبق للمنع من الاستدلال به الخطابي ،
وابن الجوزي .
وقال : ومن المهم هنا أن نقول قد علم أن حرص الطلبة للعلم قد
فتر، لا ، بل قد بطل ، فينبغي للعلماء أن يحببوا إليهم ، وإلا فإذا رأى
طالب الأثر أن الإسناد يباع ، والغالب على الطلبة الفقر ، ترك الطلب
فكان سببا لموت السنة ويدخل هؤلاء في معنى الذين يصدون عن ذكر
الله، وقد رأينا من كان على مأثور السلف في نشر السنة بورك له في
حياته ، وبعد مماته ، وأما من كان على السيرة التي ذممناها لم يبارك له
على غزارة علمه . اهـ .
وقد حكى ابن الأنماطي الحافظ قال : رَغَّتُ أبا عليّ حنبلَ بن
عبد الله البغدادي الرصافي راوي مسند أحمد في السفر إلى الشام ،
وكان فقيرا جدا ، فقلت له : يحصل لك من الدنيا طرف صالح ، وتقبل
عليك وجوه الناس ورؤساؤهم ، فقال : دعني ، فوالله ما أسافر
لأجلهم، ولا لما يحصل منهم، وإنما أسافر خدمة لحديث رسول اللـه عَّه
أروي أحاديثه في بلد لا تروى فيه ، قال: ولما عَلم اللهُ منه هذه النية
الصالحة ، أقبل بوجوه الناس إليه ، وحرك الهمم للسماع عليه ، فاجتمع
إليه جماعة لا نعلمها اجتمعت في مجلس سماع قبل هذا بدمشق ، بل لم
يجتمع مثلها قط لأحد ممن روى المسند نسأل الله الإخلاص قولا وفعلا
اهـ . خلاصة ما كتبه الحافظ السخاوي في فتح المغيث شرح ألفية الحديث
للحافظ العراقي(في باب من تقبل روایته ومن ترد) جـ١/ ص ٣٢٠-٣٢٨
وقال الحافظ السيوطي رحمه الله في ألفيته مشيراً إلى المذاهب
المذكورة :
جَمَاعَةٌ وَآخَرُونَ سَمَجُوا
وآخذٌ أجْرَ الحديث يَقْدَحُ
وآخَرُونَ جَوَّزُوا لَنْ شُغِلْ عَنْ كَسْبه فَاخْتِيرَ هَذَا وَقُبِلْ
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه توكلت ،
وإليه أنيب .

٤٧ - باب ماء البحر - حديث رقم ٥٩
٧١ -
٤٧ - بَابُ مَاء الْبَحْرِ
أي هذا باب في ذكر الحديث الدال على حكم ماء البحر .
قال في المصباح : البحر معروف ، والجمع بُحُور ، وأبْحُر ، وبِحَار ،
سمي بذلك لاتساعه ، ومنه قيل فرس بحر ، إذا كان واسع الجري ،
ويقال للدم الشديد الحمرة : باحر، وبَحْرَاني ، وقيل : الدم البحراني :
منسوب إلى بحر الرحم ، وهو عمقها ، وهو مما غير في النسب لئلا
يلتبس بالنسبة إلى البحر . اهـ بتغيير يسير .
٥٩ - أخبَرَنَا قُتَيْيَةُ، عَنْ مَالِكِ ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلْمٍ، عَنْ
سَعِيدِ بْنِ سَلَمَةَ ، أنَّ المُغِيرَةَ بْنَ أبي بُرْدَةَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ ،
أخبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةً يَقُولُ: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّه
◌َُّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّه، إنَّ نَرَكَبُ البَحْرَ، ونَحْمَلُ مَعَنَا
القَلِيلَ مِنَ الماءِ ، فَإِنْ تَوَضَانَا بِهِ عَطَشْنَا، أَفَتَوَضَّأُ مِنْ مَاءِ
البَحْر؟ فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِعَُّ: ((هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الحلُّ
رهروو
مَيْتَتَهَ)).
رجال الإسناد : ستة
١ - (قتيبة) بن سعيد البغلاني ثقة ثبت [١٠] تقدم في ١/ ١.

- ٧٢
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
٢ - (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة ثقة حجة فقيه [٧] تقدم في
٧/ ٧ .
٣ - (صفوان بن سليم) بالتصغير الزهري ، مولاهم ، أبوعبد الله
المدني ، عن ابن عمر ، وأبي أمامة بن سهل ، ومولاه حميد بن
عبد الرحمن بن عوف ، ، وابن المسيب ، وعنه زيد بن أسلم ، وابن
المنكدر، ويزيد بن أبي حبيب ، ومالك والليث ، وخلق ، قال أحمد :
ثقة من خيار عباد الله الصالحين، يستشفى بحديثه، وينزل المطر من
السماء بذكره(١) ، وقال أنس بن عياض : رأيت صفوان بن سليم ، ولو
قيل له : غدًا القيامة ، ما كان عنده مزيد على ما هو عليه من العبادة ،
قال أبو عبيدة : مات سنة ١٣٢ أخرج له الجماعة وفي (ت) ثقة مُفْت
عابد، رمي بالقدر ، من الرابعة .
٤ - ( سعيد بن سلمة) بفتحتين المخزومي من آل ابن الأزرق ، روى
عن المغيرة بن أبي بردة ، وعن أبي هريرة هذا الحديث ، وعنه صفوان بن
سليم ، والجُلاح أبو كثير ، وثقه النسائي ، وذكره ابن حبان في الثقات ،
وقال الذهبي في الميزان : سعيد بن سلمة المدني صاحب حديث (( هو
الطهورماؤه)) فصدوق ، تفرد به عن المغيرة بن أبي بردة بذلك، لكن وثقه
النسائي . اهـ . جـ٢ / ص١٤١ .
وقال الحافظ في تهذيب التهذيب : وهو حديث في إسناده اختلاف،
وصحح البخاري فيما حكاه عنه الترمذي في العلل المفرد حديثه ، وكذا
صححه ابن خزيمة ، وابن حبان وغير واحد . اهـ وأخرج له الأربعة ،
وفي (ت) وثقه النسائي ، من السادسة .
٥ - ( المغيرة بن أبي بردة ) بضم الموحدة وسكون الراء ، الحجازي
الكناني ، ویقال ابن عبد الله بن أبي بردة ، روی عن أبي هريرة ، وزياد
ابن نعيم الحضرمي ، وعنه يحيى بن سعيد الأنصاري ، وصفوان بن
(١) هكذا نقل كلام أحمد هذا في ((صه)) ص ١٧٤ - في ((تت)) جـ٤ ص ٤٢٥ ونقله الذهبي في
((سير أعلام النبلاء)) جـ٥ ص ٣٦٥ وسكت عليه. والله أعلم بمراد الإمام أحمد بهذا الكلام.

٧٣ -
٤٧ - باب ماء البحر - حديث رقم ٥٩
سليم ، والحارث بن يزيد ، وسعيد بن سلمة المخزومي ، وغيرهم ، وثقه
النسائي ، وذكره ابن حبان في الثقات ، وقد ورهم من قال : إنه مجهول لا
يعرف ، روى له النسائي ، وأبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه ، وفي
(ت) وثقه النسائي ، وقد ولي إمرة الغزو بالمغرب ، من الثالثة ، مات
بعد المائة .
٦ - (أبو هريرة) الدوسي رضي الله عنه، وقد تقدم في ١/١ .
لطائف الإسناد
من لطائف هذا الإسناد أنه من سداسياته .
وأن رواته كلهم ثقات، وكلهم مدنيون ما عدا شيخ المصنف فبغلاني
شرع الحديث
( عن سعيد بن سلمة) المخزومي المدني (أن المغيرة) بضم الميم وحكي
كسرها ( ابن أبي بردة) ويقال ابن عبد الله بن أبي بردة (من بني عبد
الدار) حال من المغيرة ، أي حال كونه منهم (أخبره) أي سعيدا فالضمير
المرفوع يرجع إلى المغيرة ، والمنصوب إلى سعيد ، أفاده في المنهل ( أنه
سمع أبا هريرة) أي المغيرة سمع أبا هريرة رضي الله عنه كذا في الموطأ
وباقي السنن ، وهو الصواب ، أما من قال فيه : عن المغيرة عن أبيه ، فقد
وهم، كما قاله ابن حبان ، وعلى فرض صحته ، فلا يوهم: إرسالا في
الإسناد للتصريح فيه بسماع المغيرة من أبي هريرة ، وعليه فرواية هذا
البعض من المزيد في متصل الأسانيداهـ. المنهل جـ١ / ص٢٧٧ .
(يقول : سأل رجل) هو كما في بعض الطرق الآتية عبد الله وكذا
ساقه ابن بشكوال بإسناده ، وأورده الطبراني فيمن اسمه عبد ، وتبعه أبو
موسى الحافظ الأصفهاني ، في كتابه معرفة الصحابة ، فقال : عبد أبو
زمعة البلوي ، الذي سأل النبي ◌َّ عن ماء البحر ، قال ابن منيع : بلغني
/

- ٧٤
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
أن اسمه عبد، وقيل : اسمه عبيد بالتصغير ، وقال السمعاني في
الأنساب : اسمه العَركيّ ، وغلط في ذلك ، وإنما العَركيّ وصف له ،
وهو مَلأَّح السفينة. اهـ. نيل الأوطار جـ١/ ص٣٥.
وعند الدار قطني عبد الله المدلجي ، وفي رواية الدارمي قال : أتى
رجل من بني مدلج إلى رسول الله عليه ، وفي رواية للحاكم : فجاءه
صياد، أفاده في المنهل جـ١ / ص٢٧٧ .
(إنا نركب البحر) أي مراكبه من السفن ، زاد الحاكم : ((نرید الصيد»
قال الزرقاني : المراد من البحر الملح ، لأنه المتوهم فيه ، لأنه مالح ، ومُرّ
وريحه مُنتن . ١ هـ تحفة الأحوذي جـ١/ ص٢٢٥ .
(ونحمل معنا القليل من الماء) أي العذب ، وفي رواية لأحمد
والحاكم والبيهقي ، قال: كنا عند رسول الله عَّه يوما فجاء صياد فقال:
يا رسول الله إنا ننطلق في البحر، نريد الصيد، فيحمل أحدنا معه
الإداوة وهو ير جو أن يأخذ الصيد قريبا ، فربما وجده كذلك ، وربما لم
يجد الصيد حتى يبلغ من البحر مكانا لم يظن أن يبلغه ، فلعله يحتلم ، أو
يتوضأ ، فإن اغتسل ، أو توضأ بهذا الماء ، فلعل أحدنا يهلكه العطش ،
فهل ترى في ماء البحر أن نغتسل به ، أو نتوضأ إذا خفنا ذلك ؟ فقال :
((اغتسلوا منه وتوضؤا به)) وفي رواية للدارمي: ونحمل معنا من العذب
لشفاهنا ، يعني لشربنا ، فإن نحن توضأنا به خشينا على أنفسنا ، وإن
نحن آثرنا بأنفسنا ، وتوضأنا من البحر ، وجدنا في أنفسنا من ذلك ،
فخشينا أن لا يكون طهورا)) اهـ المنهل جـ١ / ص ٢٧٧ .
(فإن توضأنا به عطشنا ) بكسر الطاء من باب علم ، أي أصابنا الظمأ
لفقد الماء اهـ المنهل .
وفي المصباح : عَطِشَ عَطَشًا فهو عَطِشُ وعَطْشان ، وامرأة عَطشَة
وعَطْشَى ، ويجمعان على عطاش بالكسر ، ومكان عَطش ليس به ماء ،

٧٥ -
٤٧ - باب ماء البحر - حديث رقم ٥٩
وقيل : قليل الماء . اهـ .
( أفنتوضأً من ماء البحر؟) وفي رواية أبي داود (( بماء البحر)) قال في
المنهل : الفاء عاطفة على محذوف ، تقديره : أهو طهور فنتوضأ ، وإنما
توقفوا عن التطهر بمائه ، لما ذكر من أنه مُرّ مالح ، ريحه منتن ، وما كان
هذا شأنه لا يشرب ، فتوهموا أن ما لا يشرب لا يتطهر به . اهـ .
(فقال رسول الله: هو الطهور) بفتح الطاء أي الطاهر المطهر
(ماؤه) ذكر الماء يقتضي أن الضمير في قوله ((هو الطهور)) للبحر ، إذ
لوأريد به الماء لما احتاج إلى قوله: ((ماؤه)) إذ يصير المعنى الماء طهور
ماؤه، وهو فاسد، وفي لفظ للدارمي ((فإنه الطاهر ماؤه)) ولم يقل في
الجواب : نعم ، مع حصول الغرض به ، ليقرن الحكم بعلته ، وهو
الطهورية المتناهية في بابها ، ودفعا لتوهم حمل لفظ نعم على الجواز على
سبيل الرخصة للضرورة ، ولما يفهم من الجواب بنعم من أنه إنما يتوضأ به
فقط، لأنه المسؤل عنه، وفي إجابته بقوله ((الطهور ماؤه)) بيان أن
الطهورية وصف لازم له غير قاصر على حالة الضرورة ، وغير خاص
بحدث دون حدث ، بل یرفع کل حدث ، ویزیل کل خبث .
وفي شرح العيني: قوله ((هو الطهور ماؤه)) هو مبتدأ، و((الطهور))
مبتدأ ثان ، و((ماؤه)) خبر المبتدإ، والجملة خبر المبتدإ الأول ، ويجوز كون
((ماؤه)) فاعلا للطهور ، ويكون ((الطهور)) مع فاعله خبرا للمبتدإ، لأن
الطهور صيغة مبالغة ، وهي كاسم الفاعل في العمل .
وهذا التركيب فيه القصر ، لأن المبتدأ والخبر معرفتان ، وهو من طرق
القصر ، وهو من قصر الصفة على الموصوف ، لأنه قصر الطهورية على
ماء البحر وهو قصر ادّعائي قُصدَ به المبالغة ، لعدم الاعتداد بغير المقصور
عليه ، لا قصر حقيقي ، لأن الطهورية ليست بمقصورة على ماء البحر
فقط ، والظاهر أنه قصر تعيين ، لأن السائل كان مترددا بين جواز الوضوء
به وعدمه، فعين له عبد الجواز بقوله: ((هو الطهور ماؤه)) اهـ بتصرف،

- ٧٦
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
كما نقله عنه في المنهل ٢٧٨/١ .
وفي النيل : وتعريف الطهور باللام الجنسية المفيدة للحصر لا ينفي
طهورية غيره من المياه لوقوع ذلك جوابالسؤال من شك في طهورية ماء
البحر ، من غير قصد للحصر ، وعلى تسليم أنه لا تخصيص بالسبب ،
ولا يقصر الخطاب العام عليه ، فمفهوم الحصر المفيد لنفي الطهورية عن
غير مائه عموم ، مخصص بالمنطوقات الصريحة القاضية باتصاف غيره
بها . اهـ جـ١ / ص٣٦.
(الحِلّ) بكسر الحاء المهملة ، أي الحلال ، كما في رواية للدارمي ،
والدار قطني، من حَلَّ الشيءُ يَحِلّ بالكسر ، ◌ِلاّ: خلاف حَرُم ، فهو
حَلال ، وحلّ أيضا فوصفه بكل منهما وصف بالمصدر اهـ المنهل .
(ميتته) بفتح الميم ، وإعرابه كسابقه ، والمراد ما مات من حيوانه بلا
ذكاة .
قال الخطابي : بفتح الميم وعوام الناس يكسرونها ، وإنما هو بالفتح ،
يريد حيوان البحر إذا مات فيه اهـ زهر جـ١ / ص٥٠ .
وقال في المنهل : وترك العاطف لما بين الجملتين من المناسبة في
الحكم، والعطف يشعر بالمغايرة، وسألوه علّ عن ماء البحر ، فأجابهم
عن مائه وطعامه ، لعلمه أنه قد يُعْوزُهُم الزاد في البحر كما يعوزهم الماء،
فلما جمعتهما الحاجة انتظم الجواب بهما .
وأيضا علم طهارة الماء مستفيض عند الخاصة والعامة ، وعلم ميتة
البحر ، وكونهما حلالا مشكل في الأصل، فلما رأى السائل جاهلا
بأظهر الأمرين ، غير مستبين للحكم فيه ، علم أن أخفاهما أولى
بالبيان، أو يقال إنه ◌َّه لما أعلمهم بطهارة ماء البحر، وقد علم أن في البحر
حيوانا قد يموت فيه ، والميتة نجس ، احتاج إلى أن يعلمهم أن حكم هذا

٧٧ -
٤٧ - باب ماء البحر - حديث رقم ٥٩
النوع من الميتة خلاف حكم الميتات لئلا يتوهموا أن ماءه نجس بحلولها
فيه. اهـ. المنهل جـ١ / ص٢٧٨ .
مسائل تتعلق بحديث الباب
المسألة الأولى: في درجته : حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا
صحيح .
المسألة الثانية : في بيان مواضع ذكر المصنف له : أخرجه هنا في
٥٩، وفي الكبرى ٥٨ بهذا السند ، وفي الصيد عن إسحاق بن
منصور ، عن عبد الرحمن بن مهدي ، عن مالك به .
المسألة الثالثة : فيمن أخرجه معه : قال الحافظ في التلخيص :
حديث البحر (( هو الطهور ماؤه)) رواه مالك والشافعي عنه ، والأربعة ،
وابن خزيمة ، وابن حبان ، وابن الجارود ، والحاكم ، والدار قطني ،
والبيهقي، وصححه البخاري فيما حكاه عنه الترمذي ، وتعقبه ابن
عبد البر بأنه لو كان صحيحا عنده لأخرجه في صحيحه ، وهذا
مردود، لأنه لم يلتزم الاستيعاب ، ثم حكم ابن عبد البر مع ذلك بصحته
لتلقي العلماء له بالقبول، فرده من حيث الإسناد، وقبله من حيث المعنى،
وقد حكم بصحة جملة من الأحاديث لا تبلغ درجة هذا ولا تقاربه .
ورجح ابن منده صحته ، وصححه أيضا ابن المنذر ، وأبو محمد
البغوي
ومداره على صفوان بن سليم ، عن سعيد بن سَلَمة ، عن المغيرة بن
أبي بردة ، عن أبي هريرة قال: ((جاء رجل إلى رسول الله عَ﴾ فقال: يا
رسول الله ، إنا نر کب البحر )) الحديث ، رواه عنه مالك ، وأبو أویس ،
قال الشافعي : في إسناد هذا الحديث من لا أعرفه .
قال البيهقي : يحتمل أن يريد سعيد بن سلمة ، أو المغيرة ، أوكليهما
1

- ٧٨
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
قال الحافظ : قلت : لم ينفرد به سعيد ، عن المغيرة ، فقد رواه عنه یحیی
ابن سعيد الأنصاري ، إلا أنه اختلف عليه فيه ، والاضطراب منه .
فرواه ابن عيينة عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن رجل من أهل
المغرب ، يقال له المغيرة بن عبد الله بن أبي بردة ، أن ناسا من بني مدلج
أتوا رسول الله عَّ فذكره، وقيل عنه، عن المغيرة عن رجل من بني
مدلج. وقيل عن يحيى ، عن المغيرة ، عن أبيه ، وقيل : عن يحيى عن
المغيرة بن عبد الله ، أوعبد الله بن المغيرة ، وقيل : عن يحيى ، عن
عبد الله بن المغيرة ، عن أبيه ، عن رجل من بني مدلج اسمه عبد الله
مرفوعا، وقيل : عن يحيى ، عن عبد الله بن المغيرة ، عن أبي بردة
مرفوعا ، وقيل: عن المغيرة عن عبد الله المدلجي ، ذكرها الدار قطني ،
وقال : وأشبهها بالصواب قول مالك ، ومن تابعه ، وقال ابن حبان :
من قال فيه : عن المغيرة ، عن أبيه ، فقد وَهِمَ ، والصواب : عن المغيرة
عن أبي هريرة .
وأما حال المغيرة : فقد روى الآجري عن أبي داود أنه قال : المغيرة
ابن أبي بردة معروف ، وقال ابن عبد البر : وجدت اسمه في مغازي
موسى بن نصير ، وقال ابن عبد الحكم : اجتمع عليه أهل إفريقية أن
يؤمروه بعد قتل یزید بن أبي مسلم ، فأبى . اهـ .
ووثقه النسائي ، فعلم بهذا غلط من زعم أنه مجهول لا يعرف .
وأما سعيد بن سلمة : فقد تابع صفوان بن سليم على روايته له عنه
الجُلاحُ أبو كَثير ، رواه عنه الليث بن سعد، وعمرو بن الحارث،
وغيرهما ، ومن طريق الليث رواه أحمد والحاكم والبيهقي عنه ، وسياقه
أتم قال: ((كنا عند رسول الله ﴾ يوما فجاء صياد)) الحديث ، وتقدم
قريبا بنصه .

٧٩
٤٧ - باب ماء البحر - حديث رقم ٥٩
قال الحافظ : ورواه عن مالك مختصرا للقصة ، قال أبو بكر بن أبي
شيبة في مصنفه عن حماد بن خالد ، عن مالك بسنده ، عن أبي هريرة ،
قال: قال رسول الله عَّ في البحر: ((هو الطهور ماؤه الحل ميتته)).
قال الحافظ : وفي الباب عن جابر بن عبد الله أن النبي # سئل عن
ماء البحر فقال : (( هو الطهور ماؤه الحل ميتته )) رواه أحمد وابن ماجه ،
وابن حبان ، والدار قطني ، والحاكم من طريق عبيد الله بن مقسم عنه ،
قال أبو علي بن السكن : حديث جابر أصح ما روي في هذا الباب .
ورواه الطبراني في الكبير ، والدار قطني ، والحاكم ، من حديث
الُعَافى بن عمران ، ، عن ابن جريج ، عن أبي الزبير ، عن جابر وإسناده
حسن ، ليس فيه إلا ما يخشى من التدليس ، ورواه الدار قطني ،
والحاكم من حديث موسى بن سلمة عن ابن عباس ، قال : سئل رسول
الله عَّه عن ماء البحر، فقال: ((ماء البحر طهور)) ورواته ثقات، لكن
صحح الدار قطني وقفه .
ورواه ابن ماجه من حديث يحيى بن بكير عن الليث عن جعفر بن
ربيعة ، عن مسلم بن مخشي ، عن ابن الفراسي قال : كنت أصيد ،
وكانت لي قربة أجعل فيها ماء ، وإني توضأت بماء البحر ، فذكرت ذلك
لرسول الله ◌َّ فقال: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته)» قال الترمذي:
سألت محمدا عنه ، فقال : هذا مرسل ، لم يدرك ابن الفراسي النبي
عَّ، والفراسي له صحبة .
قال الحافظ : فعلى هذا كأنه سقط من الرواية عن أبيه ، أو أن قوله :
ابن ، زيادة فقد ذكر البخاري أن مسلم بن مخشي لم يدرك الفراسي
نفسه، وإنما رَوَىَ عن ابنه ، وإن الابن ليست له صحبة .
وقد رواه البيهقي من طريق شيخ شيخ ابن ماجه يحيى بن بكير ، عن

- ٨٠
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
الليث ، عن جعفر بن ربيعة ، عن مسلم بن مخشي ، أنه حدثه أن
الفراسي قال : كنت أصيد ، فهذا السياق مجود ، وهو على رأي
البخاري مرسل ، وروى الدار قطني ، والحاكم من حديث عمرو بن
شعيب عن أبيه ، عن جده أن رسول الله عنه قال: (( ميتة البحر
حلال، وماؤه طهور)) وهو من طريق المثنى ، عن عمرو ، والمثنى ضعيف.
ووقع في رواية الحاكم : الأوزاعي بدل المثنى ، وهو غير محفوظ ،
ورواه الدار قطني ، والحاكم من حديث علي بن أبي طالب ، من طريق
أهل البيت ، وفي إسناده من لا يعرف .
وروى الدار قطني من طريق عمرو بن دينار عن عبد الرحمن بن أبي
هريرة ، أنه سأل ابن عمر : آكل ما طفا على الماء ؟ قال : إن طافيه ميتته ،
وقال النبي عَل: ((إن ماءه طهور، وميتته حلال))، ورواه الدار قطني من
حديث أبي بكر الصديق ، وفي إسناده عبد العزيز بن أبي ثابت ، وهو
ضعيف ، وصحح الدار قطني وقفه ، وكذا ابن حبان في الضعفاء . اهـ
ملخص كلام الحافظ في التلخيص جـ١/ ص٩- ١٢ .
المسألة الرابعة : في فوائده :
منها : أن هذا الحديث أصل عظيم من أصول الطهارة ذكر صاحب
الحاوي عن الحميدي شيخ البخاري ، وصاحب الشافعي ، قال : قال
الشافعي : هذا الحديث نصف علم الطهارة ، قاله النووي في المجموع
جـ١ / ص٨٤.
ومنها : أنه يدل على جواز الطهارة بماء البحر ، قال في البدر المنير :
وبه قال جميع العلماء إلا ابن عبد البر ، وابن عمر ، وسعيد بن المسب ،
وروي مثل ذلك عن أبي هريرة ، وروايته ترده ، وكذا رواية عبد الله بن
عمر ا هنیل ج١ / ص٣٥ .