النص المفهرس

صفحات 501-520

٥٠١ -
٢٧ - التنزه عن البول - حديث رقم ٣١
الميت ، وأكمله اللحد ، وفي رواية ابن ماجه ((بقبرین جدیدین)) قاله في
المنهل جـ١ / ص٧٩ قلت : ذكرنا أنه يتعدى بالباء ، و((على))، وفي رواية
البخاري هنا ((مر النبي عَ ◌ّه بحائط من حيطان المدينة أو مكة فسمع صوت
إنسانين يعذبان في قبورهما))، وفي الأدب ((خرج النبي ﴾ من بعض
حيطان المدينة)) قال الحافظ : فيحمل أن الحائط الذي خرج منه غير
الحائط الذي مربه . وفي الأفراد للدار قطني من حديث جابر أن الحائط
كان لأم مبشر الأنصارية وهو يقوي رواية الأدب لجزمها بالمدينة من غير
شك ، والشك في قوله أو مكة من جرير . اهـ فتح جـ١/ ص٣٧٩ .
((فقال)) النبي ﴾ لما سمع صوتهما ((إنهما)) أي مَن فيهما ((يعذبان))
أي يعاقبان ، يقال: عذبته تعذيبا : عاقبته والاسم العذاب ، وأصله في
كلام العرب الضرب ، ثم استعمل في كل عقوبة مؤلمة ، واستعير للأمور
الشاقة ، فقيل : السفر قطعة من العذاب. قاله الفيومي .
وأسند التعذيب إلى القبرين مجازا من إطلاق المحل على الحال ، لأن
المعذب في الحقيقة مَن فيهما ، كما تقدم قريبا .
ويحتمل عود الضمير على معلوم من المقام ، وهو من في القبرين لأن
سیاق الکلام يدل عليه .
وقوله( يعذبان)) في محل رفع خبر إن ، وفي رواية أبي داود ((
ليعذبان)» بلام التأكيد ، وأكده بإن واللام وإن كان مقتضى الظاهر على
خلافه لما فيه من الإخبار بمغيب ، وما كان هكذا شأنه أن ينكر بقطع النظر
عن المخبر به ولتأكيد التنفير من هذا الصنيع المؤدي إلى العذاب أفاده في
المنهل جـ١ / ص٧٩ .
« وما يعذبان في كبير) أي بسبب أمر كبير أي أنهما لا يعذبان في أمر
كبير يشق عليهما تركه ، أو أنهما لا يعذبان في أمر يستعظمه الناس بل

- ٥٠٢
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
يتهاونون به ویجترئون علیه ، قال ابن مالك فیه شاهد على ورود في
للتعليل، وهو مثل قوله : (( عذبت امرأة في هرة)) قال وخفي ذلك على
أكثر النحويين مع وروده في القرآن كقوله تعالى ﴿لمسكم فيما أخذتم﴾
[الأنفال: آية ٦٨] وفي الحديث كما تقدم وفي الشعر فذكر شواهد انتهى.
واستدل ابن بطال بھذہ الروایة علی أن التعذیب لا يختص بالكبائر ،
بل قد يقع على الصغائر ، قال : لأن الاحتراز من البول لم يرد فيه وعيد
يعني قبل هذه القصة . وتعقب برواية منصور عند البخاري ، (( ثم قال
بلى)) أي أنه لكبير ، وصرح به في الأدب من طريق عَبْد بن حُميد عنه
فقال: ((وما يعذبان في كبير، وإنه لكبير)) أفاده في الفتح جـ١/ ص ٣٨٠.
تنبيه : وقد اختلف في معني قوله ((وإنه لكبير )) فقال أبو عبد الملك
البوني : يحتمل أنه #& ظن أن ذلك غير كبير ، فأوحى إليه في الحال بأنه
كبير ، فاستدرك ، وتعقب بأنه يستلزم أن يكون نسخا ، والنسخ لا
يدخل الخبر ، وأجيب بأن الحكم بالخبر يجوز نسخه فقوله «ومايعذبان في
کبیر» إخبار بالحكم ، فإذا أوحي إليه أنه کبیر ، فأخبر به ، كان نسخا
لذلك الحكم .
وقيل : يحتمل أن الضمير في قوله: وإنه يعود على العذاب ، لما ورد
في صحيح ابن حبان من حديث أبي هريرة « يعذبان عذابا شديدا في
ذنب هين)) .
وقيل: الضمير يعود على أحد الذنبين، وهو النميمة لأنها من
الكبائر، بخلاف كشف العورة ، وهذا مع ضعفه غير مستقيم ، لأن
الاستتار المنفي ليس المراد به كشف العورة فقط كما سيأتي .
وقال الداودي، وابن العربي: ((كبيرٌ )) المنفي بمعنى أكبر ، والمثبت
واحد الكبائر ، أي ليس ذلك بأكبر الكبائر كالقتل مثلا ، وإن كان كبيراً
في الجملة.

٥٠٣ -
٢٧ - التنزه عن البول - حديث رقم ٣١
وقيل: المعنى ليس بكبير في الصورة لأن تعاطي ذلك يدل على
الدناءة والحقارة ، وهو كبير في الذنب .
وقيل: ليس بكبير في اعتقادهما أو في اعتقاد المخاطبين ، وهو عند
الله كبير ، كقوله تعالى ﴿وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم﴾
[النور: آية ١٥].
وقيل: ليس بكبير في مشقة الاحتراز ، أي كان لايشق عليهما
الاحتراز من ذلك وهذا الأخير جزم به البغوي وغيره ، ورجحه ابن دقيق
العيد ، وجماعة .
وقيل: ليس بكبير بمجرده ، وإنما صار كبيرًا بالمواظبة عليه ، ويرشد
إلى ذلك السياق فإنه وصف كلامنهما بما يدل على تجدد ذلك منه،
واستمراره عليه للإتيان بصيغة المضارعة بعد حرف كان ، والله أعلم اهـ
فتح الباري . ج١/ ص ٣٨٠.
قال الجامع عفا الله عنه: فجملة الأقوال ثمانية ، والذي يَقْوَى عندي
أنه ليس بكبير في اعتقادهما ، فلذا تساهلا في شأنه ، مع أنه لا يشق
عليهما الاحتراز عنه ، وهو عند الله کبیر ، والله أعلم .
فائدة : قال الحافظ رحمه الله ولم يُعرف اسم المقبورين ولا
أحدهما ، والظاهر أن ذلك كان على عَمْد من الرواة لقصد الستر
عليهما، وهو عمل مستحسن ، وينبغي أن لا يبالغ في الفَحْص عن
تسمية من وقع في حقه ما يذم به ، قال : وقد اختلف فيهما ، فقيل: كانا
کافرین ، وبه جزم أبو موسى المديني ، قال: لأنهما لو کانا مسلمین لما

- ٥٠٤
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
كان لشفاعته إلى أن ییبسا الجريدتان معنی ، ولكنه لما رآهما يعذبان لم
يستجز للطفه وعطفه حرمانهما من إحسانه فتشفّع لهما إلى المدة
المذكورة، وجزم ابن العطار في شرح العمدة بأنهما كانا مسلمین ، قال
القرطبي: وهو الأظهر ، وقال الحافظ : وهو الظاهر من مجموع طرق
الحدیث اهـ. زهر ، ج١/ ص٢٩.
((أمّا)) أما بفتح الهمزة وتشديد الميم حرف فيها معنى الشرط كمهما
يكن من شيء بدليل لزوم الفاء بعدها قال ابن مالك :
أمَّا كَمَهْمَا يَكُ منْ شيءٍ وَفَا لتلو تلْوهَا وُجُوبًا ألفًا
((هذا)) إشارة إلى مَن في أحد القبرين ((فكان لا يستنزه )) بنون ساكنه
بعدها زاي ، ثم هاء ، هذه هي رواية المصنف ، وأبي داود ، وابن ماجه،
ورواية لمسلم ، من الاستنزاه ، قال في النهاية : أي لا يستبريء ، ولا
يتطهر ، ولا يستبعد من البول ، وفي العيني لا يستنزه من التنزه وهو
الإبعاد ، جـ٢/ ص٤٣١.
وقد قدمنا في عبارة المصباح أن التنزه هو الإبعاد عن الأقذار ، ووقع
في رواية الشيخين ((لا يستتر)) قال الحافظ: كذا في أكثر الروايات بمثناة
من فوق الأولى مفتوحة والثانية مكسورة ، وفي رواية ابن عساكر
(يستبريء)) بموحدة ساكنة من الاستبراء .
قال: فعلی رواية الأكثر معنی الاستتار أنه لا يجعل بينه وبين بوله
سترة ، يعني لا يتحفظ منه ، فتوافق رواية ((لا يستنزه)) لأنها من التنزه
وهو الإبعاد ، وقد وقع عند أبي نعيم في المستخرج من طريق وكيع ، عن
الأعمش ((كان لا يتوقى)) وهي مفسرة للمراد ، وأجراه بعضهم على
ظاهره فقال: معناه لا يستر عورته ، وضعف بأن التعذيب لو وقع على
كشف العورة لاستقل الكشف بالسبية ، واطرح اعتبار البول ، فيترتب

٥٠٥ -
٢٧ - التنزه عن البول - حديث رقم ٣١
العذاب على الكشف سواء وجد البول أم لا ولا يخفى مافيه ، وأما
رواية الاستبراء فهي أبلغ في التوقي .
وتعقب الإسماعیلی رواية الاستتار بما يحصل جوابه مما ذكرنا .
قال ابن دقيق العيد: لوحمل الاستتار على حقيقته للزم أن مجرد
كشف العورة كان سبب العذاب المذكور ، وسياق الحديث يدل على أن
للبول بالنسبة إلى عذاب القبر خصوصية يشير إلى ما صححه ابن خزيمة
من حديث أبي هريرة مرفوعا ((أكثر عذاب القبر من البول)) أي بسبب
ترك التحرز منه .
قال: ويؤيده أن لفظ ((من)) في هذا الحديث لما أضيف إلى البول
اقتضى نسبة الاستتار الذي عدمه سبب العذاب إلى البول بمعنى أن ابتداء
سبب العذاب من البول فلو حمل على مجرد كشف العورة زال هذا
المعنى ، فتعين الحمل على المجاز لتجتمع ألفاظ الحديث على معنى واحد
لأن مخرجه واحد ، ويؤيده أنّ في حديث أبي بكرة عند أحمد وابن ماجه
((أما أحدهما فيعذب في البول)) ومثله للطبراني عن أنس اه فتح
جـ١/ ص٣٨١.
وفي المنهل: وروى لا يستنتر بنون بين تاءين من النتر وهو جذب فيه
قوة
وفي الحديث (( إذا بال أحدكم فلینتر ذكره ثلاث نترات )) رواه أحمد
وأبو داود مرسلا ، وروى (( لا يستنثر )) بتاء مثناة من فوق مفتوحة ونون
ساکنة وثاء مثلثة مكسورة ، أي لا ینثر بوله من قناة الذکر کما ینثر الماء من
أنفه بعد استنشاقه اهـ، جـ١ / ص ٨٠ ونحوه في العيني.
((من بوله)) بالإضافة ، ووقع في رواية ((من البول)) فأل عوض عن
المضاف إليه .

- ٥٠٦
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
وقد استدل به البخاري على أن نجاسة البول مقصورة على بول
الناس، ولا یعم بول سائر الحیوانات ، فلا یکون حجة لمن حمله على
العموم في بول جميع الحيوان .
وقال القرطبي: قوله من البول اسم مفرد لا يقتضي العموم ولو سلم
فهو مخصوص بالأدلة المقتضية لطهارة بول مايؤكل اه فتح ،
جـ١/ص٣٨٤.
(((وأما هذا)) إشارة الى من في القبر الآخر ((فإنه كان يمشي بالنميمة))
أي يسعى بالفساد بين القوم بأن ينقل لكل واحد منهم ما يقوله الآخر من
الشتم والأذى. قاله في المنهل ، جـ١ / ص ٨٠.
والنميمة: فعيلة من نَمَّ الرجل الحديث نَمّا ، من باب قتل وضرب:
سعى به ليوقع فتنة أو وحشة ، فالرجل نَمَّ تسميةً بالمصدر ، وتَمَّام مبالغة،
والاسم النميمة ، والنميم أيضا . قاله في المصباح.
قال ابن دقيق العيد: هي نقل كلام الناس ، والمراد منه هنا ماكان
بقصد الإضرار ، فأما ما اقتضى فعل مصلحة ، أو ترك مفسدة فهو
مطلوب انتهى .
قال الحافظ: وهو تفسير للنميمة بالمعنى الأعم وكلام غيره يخالفه.
وقال النووي: وهى نقل كلام الغير بقصد الإضرار ، وهي من أقبح
القبائح ، وتعقبه الكرماني فقال : هذا لايصح على قاعدة الفقهاء ،
فإنهم يقولون : الكبيرة هى الموجبة للحد، ولا حد على المشي بالنميمة
إلا أن يقال : الاستمرار هو المستفاد منه جعله كبيرة لأن الإصرار على
الصغيرة حكمه حكم الكبيرة أو أن المراد بالكبيرة معنى غير المعنى
الاصطلاحي ، انتھی .

٥٠٧ -
٢٧ - التنزه عن البول - حديث رقم ٣١
قال الحافظ: وما نقله عن الفقهاء ، ليس هو قول جميعهم ، لكن
كلام الرافعي يشعر بترجيحه حيث حكى في تعريف الكبيرة وجهين:
أحدهما هذا ، والثاني ما فيه وعيد شديد ، قال وهم إلى الأول أميل،
والثاني أوفق لما ذکروه عند تفصیل الكبائر ، انتهى.
ولابد من حمل القول الأول على أن المراد به غير ما نص عليه في
الأحاديث الصحيحة ، وإلا لزم أن لا يعد عقوق الوالدين، وشهادة
الزور، من الكبائر مع أن النبي # عدهما من أكبر الكبائر .
قال الحافظ: وعُرفَ بهذا الجوابُ عن اعتراض الكرماني بأن النميمة
قد نص في الصحیح على أنه کبیرة ا هـ فتح ، جـ١ / ص٣٨١.
وقال الحافظ في الفتح في كتاب الأدب ، جـ١٠ / ص٤٨٨ ما نصه :
قال الغزالي ما ملخصه: ينبغي لمن حملت إلیه نمیمة أن لا يصدق من
نَّ له ، ولا يظن بمن نُمَّ عنه ما نُقل عنه، ولا يبحث عن تحقيق ما ذکر له،
وأن ينهاه ويقبح له فعله ، وأن يبغضه إن لم ينزجر، وأن لا يرضى لنفسه
ما نهى النمام عنه ، فينم هو على النَّمَّام فيصير تمامًا.
قال النووي: وهذا كله إذا لم يكن في النقل مصلحة شرعية، وإلا
فهی مستحبة، أو واجبة کمن اطلع من شخص أنه يريد أن يؤذي شخصا
ظلما فحذره منه ، و کذا من أخبر الإمام أو من له ولاية بسيرة نائبه مثلا
فلا منع من ذلك .
وقال الغزالي ما ملخصه : النميمة في الأصل نقل القول إلى المقول
فيه ، ولا اختصاص لها بذلك، بل ضابطها کشف مايكره کشفه سواء
كرهه المنقول عنه ، أو المنقول إليه أو غيرهما، وسواء كان المنقول قولا أم
فعلا وسواء كان عیبا أم لا ، حتى لو رأی شخصا یخفی ماله فأفشى كان
غميمة .

- ٥٠٨ -
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
واختلف في الغيبة ، والنميمة، هل هما متغايرتان أو متحدتان؟
والراجح التغاير وأن بينهما عموما وخصوصا وجهيا ، وذلك لأن النميمة
نقل حال الشخص لغيره على جهة الإفساد بغير رضاه، سواء كان بعلمه
أم بغير علمه ، والغيبة ذكره في غيبته بما لايرضيه ، فامتازت النميمة
بقصد الإفساد ، ولا يشترط في الغيبة أن يكون المقول فيه غائبا واشتركا
فيما عدا ذلك ، ومن العلماء من يشترط في الغيبة أن يكون المقول فيه
غائبا والله أعلم اه فتح، جـ١٠/ ص٤٨٨.
((ثم)) بعد أن بَيَّن للصحابة حالَ صاحب القبرين أراد أن يتشفع لهما
لكمال رأفته (( فدعا)) أي طلب يقال: دعوت الناس إذا طلبتهم . أفاده في
المصباح ، ولعل الباء في المفعول زائدة ، أو على تضمين دعا معنى فعل
يتعدى بالباء أي أمر الخ.
ويقال فيه : دعيته بالياء لغة في دعوته أفاده في ((ق )).
((بعسيب )) بفتح العين وكسر السين المهملتين بوزن كريم الجريدة التي
لم ينبت فيها خوص وان نبت فهي السعفة كقصبة .
وفي ((ق)) العسيب جريدة من النخل مستقيمة دقيقة يُكشط خُوصها
والذي لم ينبت عليه الخُوص من السَّعَف اهـ.
والسعف كقصب جمع سعفة كقصبة : أغصان النخل مادامت
بالخوص ، فإن زال الخوص عنها قيل جريدة . أفاده في المصباح .
والخوص بالضم : ورق النخل الواحدة خوصة . أفادة في المصباح
أيضا.
« رطب ) بفتح فسکون خلاف اليابس .
قال في الفتح: وقيل أنه خص الجريد بذلك لأنه بطيء الجفاف ،
ورَوَى النسائي من حديث أبي رافع بسند ضعيف أن الذي أتاه بالجريدة

٥٠٩ -
٢٧ - التنزه عن البول - حديث رقم ٣١
بلال ، ولفظه (كنا مع النبي 4 في جنازة إذ سمع شيئا في قبر ، فقال
لبلال : ائتني بجريدة خضراء)) الحديث . وفي حديث أبي بكرة عند
أحمد والطبراني أنه الذي أتى بها إلى النبي له .
((فشقه باثنين)) أي فأتي بها فكسرها ، وجعلها اثنين فالباء زائدة
للتأكيد ، واثنين مفعول مطلق ، أي شقه شقين اثنين أي نصفين ، وقال
النووي : حال ، يقال شقه شقا من باب قتل ، والشَّق بالكسر نصف
الشيء قاله في المصباح، وفي رواية البخاري ((فكسرها كسرتين)).
«فغرس » أي غرز بالزاى كما في رواية للبخاري ، وفي رواية له
((فوضع)) والأولى أخص ((على هذا)) القبر ((واحدا)) من الشقين ((وعلى
هذا)) القبر واحدا منهما .
وموضع الغرس کان بإزاء الرأس ، لما وقع في مسند عبد بن حميد
من طريق عبد الواحد بن زياد ، عن الأعمش (( ثم غرز عند رأس كل
واحد منهما قطعة ، قاله في الفتح جـ١/ ص٣٨٢.
((ثم)) بعد أن غرس ((قال )تَ﴾ لما قيل له لم صنعت هذا؟ كما في
رواية البخاري ((لعله)) يخفف ، ووقع في رواية البخاري وغيره (( أن
يخفف )) قال ابن مالك : يجوز أن تكون الهاء ضمير الشأن وجاز تفسيره
بأن وصلتها لأنها في حكم جملة لاشتمالها على مسند ومسند إليه، قال:
ويحتمل أن تكون زائدة مع كونها ناصبة كزيادة الباء مع كونها جارة،
انتھی.
وقال الكرماني: شبه لعل بعسى فأتى بأن في خبره .
((يخفف)) بالبناء للمفعول أي العذاب ((عنهما)) أي عن المقبورين.
((ما)) مصدرية ظرفية ((لم بيبسا)) أي يجف العودان ، يقال : ييس،

- ٥١٠
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
ییبس من باب تعب، وفي لغة بالكسر فيهما إذا جف بعد رطوبة ، فهو
يابس ، وشيء يَيْس ساكن الباء بمعني يابس أيضا . أفاده في المصباح .
والمعنى: يخفف العذاب عنهما مدة عدم يبس الشقين .
وفي رواية البخاري (( ما لم تيبسا)) قال الحافظ كذا في أكثر الروايات
بالمثناة الفوقانية أي الكسرتان ، وللكشميهني ((إلا أن تيبسا)) بحرف
الاستثناء ، وللمستملي ((إلى أن ييبسا)» بإلى التي للغاية والياء التحتانية
أي العودان.
((خالفه)) أي الأعمشَ ((منصور)) بن المعتمر (( رواه)) أي الحديث جملة
مستأنفة استئنافا بیانیا ، وهو ماكان جوابا لسؤال مقدر ، كأنه قيل له :
وما وجه المخالفة ؟ فقال: رواه « عن مجاهد) بن جبر ( عن ابن عباس
ولم يذكر طاوسا)) يعني أنه رواه عنه بدون واسطة .
يريد المصنف رحمه الله أن هذا الحديث رُوي عن ابن عباس من
طريقين أحدهما من طريق الأعمش ، وهی بواسطة مجاهد ، والثاني من
طريق منصور وهى من دون واسطة ، وقد أخرجه البخاري من الطريقين
جميعا .
قال الحافظ رحمه الله: وإخراجه له على الوجهين يقتضي صحتهما
عنده ، فيحمل على أن مجاهدا سمعه من طاوس عن ابن عباس ثم
سمعه من ابن عباس بلا واسطة أو العكس ، ويؤيده أن في سياقه عن
طاوس زيادة على ما في روايته عن ابن عباس ، وصرح ابن حبان بصحة
الطريقين معا ا هـ فتح ، جـ١ / ص٣٧٩.
وقال الترمذي: رواية الأعمش أصح، وقال في العلل: سألت
محمدا يعني البخاري أيهما أصح؟ فقال: رواية الأعمش أصح .

٥١١ -
٢٧ - التنزه عن البول - حديث رقم ٣١
قال العلامة بدر الدين العيني رحمه الله: فإن قيل إذا كان حديث
الأعمش أصح فلم لم يخرجه وخرج الذي غير صحيح يعنى فلم لم
يكتف بإخراج حديث الأعمش فقط ؟ قيل : كلاهما صحيح وحديث
الأعمش أصح ، فالأصح يستلزم الصحيح على مالا يخفى اهـ عمدة
جـ٢/ ص ٤٣٠.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
(((المسألة الأولى)): في درجته هذا الحديث متفق عليه.
((المسألة الثانية)): في بيان مواضع ذكر المصنف له ، وذكر من أخرجه
معه :
أخرجه المصنف: هنا عن هناد ، عن وكيع ، عن الأعمش، عن
مجاهد ، عن طاوس، عن ابن عباس، وأخرجه في التفسير في الكبرى
من هذا الوجه ، وفي الجنائز عن هناد ، عن أبي معاوية بالسند المذكور .
وأخرجه البخاري: في الجنائز عن يحيى بن يحيى، وفي الطهارة عن
محمد بن المثنى ، وفي الأدب عن يحيى ، كلاهما عن وكيع ، وفي
الجنائز أيضا عن قتيبة ، وفي الحج عن علي ، كلاهما عن جرير، ثلاثتهم
عن الأعمش عنه به . قاله المزي في التحفة جـ ٥/ ص٣٠٢.
لکن کتب الحافظ في النکت عند قوله عن یحیی بن یحیی ما نصه:
قلت : الذي في الأصول : حدثنا يحيى فقط فجزم ابن السكن بأنه ابن
موسى ، وجزم أبو نعيم في المستخرج بأنه ابن جعفر ، وكتب عند قوله
في الحج عن علي ، عن جرير ، قلت : لم أره في الحج اهـ.
وأخرجه مسلم : في الطهارة عن أبي سعيد الأشج ، وأبي كريب،
وإسحاق بن إبراهيم ، ثلاثتهم عن وكيع بالسند المذكور .

- ٥١٢
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
وعن أحمد بن يوسف الأزدي عن معلى بن أسد ، عن عبد الواحد
ابن زياد ، عن الأعمش به .
وأخرجه أبو داود: في الطهارة عن زهير بن حرب ، وهناد بن السري
کلاهما عن و کیع به ..
وأخرجه الترمذي: في الطهارة عن قتيبة ، وهناد ، وأبي كريب،
ثلاثتهم عن و کیع به .
قال الترمذي: وروى منصور هذا الحديث عن مجاهد ، عن ابن
عباس ، ورواية الأعمش أصح اهـ .
قال الجامع عفا الله عنه : وأشار المصنف إلى هذا في آخر الحديث،
وسنتكلم عليه إن شاء الله هناك .
وأخرجه ابن ماجه: في الطهارة عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن أبي
معاوية ، ووكيع به . قاله في التحفة ، جـ٥/ ص٣٠٢.
وأخرجه أحمد ، والبيهقي اهـ المنهل ، جـ١/ ص٨٤
(المسألة الثالثة)): فيمن أتى بالعسيب إلى النبي ◌َّقال في الفتح: رَوَى
النسائي من حديث أبي رافع بسند ضعيف أن الذي أتاه بالجريدة بلال،
ولفظه (( كنا مع النبي ◌َّ في جنازة إذ سمع شيئا في قبر ، فقال لبلال:
ائتني بجريدة خضراء)) الحديث . وقد مر آنفا .
وفي حديث أبي بكرة عند أحمد والطبراني أنه الذي أتى بها إلى
النبي عليه، وأما ما رواه مسلم في حديث جابر الطويل المذكور في أواخر
الكتاب أنه الذي قطع الغصنين فهو في قصة أخرى غير هذه ، فالمغايرة
بينهما من أوجه .
منها: أن هذه كانت في المدينة و کان معهټ﴾ جماعة ، وقصة جابر

٥١٣ -
٢٧ - التنزه عن البول - حديث رقم ٣١
كانت في السفر ، وکان خرج حاجته فتبعه جابر وحده .
ومنها: أن في هذه القصة أنه تمغرس الجريدة بعد أن شقها نصفين.
وفي حديث جابر (( أنهي أمر جابرا بقطع غصنين من شجرتين كان
النبي ٤ استتر بهما عند قضاء حاجته، ثم أمر جابرا فألقى الغصنين عن
يمينه وعن يساره حيث كان النبي # جالسا وأن جابرا سأله عن ذلك ؟
فقال : ((إني مررت بقبرين يعذبان ، فأحببت بشفاعتي أن يرفع عنهما
مادام الغصنان رطبين)) ولم يذكر في قصة جابر أيضا السبب الذي كان
يعذبان به ، ولا الترجي الذي في قوله لعله، فبان تغاير حديث ابن
عباس، وحديث جابر، وأنهما كانا في قصتين مختلفتين ، ولا يبعد تعدد
ذلك .
وقد روى ابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة « أنه ۶﴾ مرّ
بقبر ، فوقف عليه ، فقال : ائتوني بجريدتين ، فجعل إحداهما عند
رأسه، والأخرى عند رجليه)» فيحتمل أن تكون هذه قصة ثالثة ، ويؤيده
أن في حديث أبي رافع كما تقدم «فسمع شيئا في قبر» وفيه «فکسرها
باثنين ، ترك نصفها عند رأسه ونصفها عند رجليه)) ، وفي قصة الواحد
جعل نصفها عند رأسه ونصفها عند رجليه ، وفي قصة الاثنين جعل على
کل قبر جريدة اه فتح ، ج١/ص٣٨٢.
((المسألة الرابعة)): في قوله ((لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا)).
قال في الفتح : قال المازري: يحتمل أن يكون أوحي إليه أن العذاب
يخفف عنهما هذه المدة انتهى ، وعلى هذا فلعل هنا للتعليل ، قال : ولا
يظهر له وجه غير هذا، وتعقبه القرطبى بأنه لو حصل الوحي لما أتى
بحرف الترجي ، كذا قال ، ولا يرد عليه ذلك إذا حملناها على التعليل .
قال القرطبي: وقيل إنه شفع لهما هذه المدة كما صرح به في حديث

- ٥١٤
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
جابر ، لأن الظاهر أن القصة واحدة وكذا رجح النووي كون القصة
واحدة ، وفيه نظر لما أوضحنا من المغايرة بينهما .
وقال الخطابي: هو محمول على أنه دعا لهما بالتخفيف مدة بقاء
النداوة لا أن في الجريدة معنی یخصه ، ولا أن في الرطب معنی لیس في
اليابس ، قال : وقد قيل: إن المعنى فيه أنه يسبح ما دام رطبا فيحصل
التخفيف ببركة التسبيح ، وعلى هذا فيطرد في كل مافيه رطوبة من
الأشجار وغيرها ، وكذلك فيما فيه بركة الذکر وتلاوة القرآن من باب
أولی (١) اهـ .
وقال الطيبي: الحكمة في كونهما مادامتا رطبتين تمنعان العذاب
يحتمل أن تكون غير معلومة لنا كعدد الزبانية .
((المسألة الخامسة)»: قد استنكر الخطابي ومن تبعه وضع الناس
الجريد ونحوه على القبر عملا بهذا الحديث .
قال الطرطوشي : لأن ذلك ببركة يده ، وقال القاضي عياض : لأنه
علل غرزهما على القبر بأمر مغيب ، وهو قوله ليعذبان .
قال الحافظ: قلت: لا يلزم من كوننا لا نعلم أيعذب أم لا ؟ أن لا
نتسبب له في أمر يخفف عنه العذاب أن لو عُذِّبَ كما لا يمنع كوننا لا
ندري أرحم أم لا ؟ أن لاندعو له بالرحمة ، وليس في السياق ما يقطع
على أنه باشر الوضع بيده الکریمةبل یحتمل أن يكون أمر به ، وقد تأسی
بريدة بن الحصيب الصحابي بذلك فأوصى أن يوضع على قبره جریدتان
کما سيأتي في الجنائز وهو أولى أن يتبع من غيره اهـفتح جـ١ / ص٣٨٣.
قال الجامع عفا الله عنه: وقد اعترض عليه العلامة العيني في قوله
(١) قوله : من باب أولى، هذا غير صحيح ، فالأولى ما يأتي للخطابي ومن تبعه ، كما سنقرره
إن شاء الله تعالى .

٥١٥ -
٢٧ - التنزه عن البول - حديث رقم ٣١
وليس في السياق مايقطع على أنه باشر الخ بأنه قد صرح في الحديث بأنه
دعا بجريدتين فكسرهما فوضع على كل قبر منهما كسرة فهذا صريح في
أنه ځ﴾ وضعه بيديه الكريمتين ، ودعوى احتمال الأمر لغيره به بعيدة وهی
کدعوي احتمال مجيء غلام زید في قولك جاء زید ، ومثل هذا
الاحتمال لا يعتد به ا هـعمدة ، جـ٢/ ص٤٣٧ .
قال الجامع عفا الله عنه: قلت: الذي قاله الخطابي ومن تبعه من
استنكار وضع الجريدة ونحوها على القبر هو الذي يترجح عندي ، لأنه
أمر يختص به الرسول +##من حیث کونه مغیبا لا يمكن الاطلاع علیه إلا
بالوحي ومن حیث بر کة يده کما علله الخطابي وعیاض بذلك .
وأما ما قاله الحافظ: لا يلزم من كوننا الخ فغير صحيح لأن الدعاء
أمرنا به أطلعنا على التعذیب أم لا ؟ لأنه ليس معللا بالتعذيب بخلاف
وضع الجريدة ، ولأنه # دعا لكل ميت وأمر به ، بخلاف غرزها ، فإنه
مافعله إلا لأشخاص معينين (١) معللا ذلك بما ذكر ، ولأنه اقتدى به
الصحابة ومن بعدهم على الدعاء بخلاف غرزها فما نقل إلا عن بريدة
رضي الله عنهم أجمعين فهو قياس مع الفارق .
وأما قوله : وليس في السیاق مایقطع على أنه باشر الوضع بيده فقد
علمت جوابه في كلام العلامة بدر الدين العيني من أن السياق صريح في
ذلك فتأمل والله أعلم ، وقال في المنهل، جـ١/ ص٨٣:
ويدل على ذلك أنه لم يثبت عن أحد من الصحابة غير بريدة ، ولا
سيما الخلفاء الراشدون أنه وضع جريدا ولا غيره على القبور ، ولو كان
سنة ما تركه أولئك الأئمة، وقد قال تعالى: ((فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء
(١) هذا إذا قلنا: إن الصحيح تعدد الواقعة ، أي في حديث ابن عباس، وجابر ، وأبي هريرة ،
كما تقدم .

- ٥١٦
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ)) . الحديث رواه أبو داود ،
وابن ماجه ، والترمذي ، وقال : حديث حسن صحيح ، وابن حبان في
صحيحه . ووصية بريدة رضي الله عنه ليست حجة على غيره كما هو
معلوم، فما قاله الخطابي ومن معه هو الأولی ولا سيما أن غالب الناس
اعتقد في وضع الجريد ونحوه اعتقادا تأباه الشريعة المطهرة كما هو
معروف من حالهم ونطقهم اهـ المنهل ، جـ١ / ص٨٤ .
(((المسألة السادسة)): قدمنا عن الحافظ أنه لم يعرف اسم المقبورين
وأنه كان ذلك عن عمد من الرواة قصدا للستر ، وأنه لا ينبغي الفحص
عن مثل هذا .
قال: وما حكاه القرطبي في التذكرة وضعفه عن بعضهم أن أحدهما
سعد بن معاذ فهو قول باطل لا ينبغي ذكره إلا مقرونا ببیانه ، ومما يدل
على بطلان الحكاية المذكورة أن النبي څحضر دفن سعد بن معاذ كما ثبت
في الحديث الصحيح .
وأما قصة المقبورین ففي حديث أبي أمامة عند أحمد أنهقال لهم
(من دفتتم اليوم ههنا)) فدل على أنه لم يحضرهما .
وإنما ذكرت هذا ذبًا عن هذا السيد الذي سماه النبي #سیدا ، وقال
لأصحابه «قوموا إلی سیدکم) ، وقال : «إن حکمه قد وافق حكم الله))،
وقال : ((إن عرش الرحمن اهتز لموته))، إلى غير ذلك من مناقبه الجليلة
خشية أن يغتر ناقص العلم بما ذكره القرطبي ، فيعتقد صحة ذلك وهو
باطل.
وقد اختلف في المقبورين: فقيل : كانا كافرين وبه جزم أبو موسى
المديني، واحتج بما رواه من حديث جابر بسند فيه ابن لهيعة ((أن
النبي *مر على قبرين من بني النجار هلكا في الجاهلية ، فسمعهما

٥١٧ -
٢٧ - التنزه عن البول - حديث رقم ٣١
يعذبان في البول والنميمة » ، قال أبو موسى: هذا وإن کان ليس بقوي
لکن معناه صحیح ، لأنهما لو کانا مسلمین لما کان لشفاعته إلى أن تییس
الجريدتان معنى ولكنه لما رآهما يعذبان لم يستجز للطفه وعطفه
حرمانهما من إحسانه ، فشفع لهما إلى المدة المذكورة .
وجزم ابن العطار في شرح العمدة بأنهما كانا مسلمين ، وقال: لا
يجوز أن يقال: إنهما كانا كافرين لأنهما لو كانا كافرين لم يدع لهما
بتخفيف العذاب ولا ترجّاه لهما ولو کان ذلك من خصائصه لبينه يعني
كما في قصة أبي طالب .
قال الحافظ: قلت : وما قاله أخیرا هو الجواب ، وما طالب به من
البيان قد حصل ، ولا يلزم التنصيص على لفظ الخصوصية ، لكن
الحدیث الذي احتج له أبو موسى ضعیف کما اعترف به ، وقد رواه أحمد
بإسناد صحيح على شرط مسلم وليس فيه سبب التعذيب فهو من تخليط
ابن لهيعة ، وهو مطابق لحديث جابر الطويل الذي قدمناه أن مسلما
أخرجه واحتمال کونهما کافرین فیه ظاهر .
وأما حديث الباب فالظاهر من مجموع طرقه أنهما كانا مسلمين ،
ففي رواية ابن ماجه ((مرَّ بقبرين جديدين)) فانتفى كونهما في الجاهلية ،
وفي حديث أبي أمامة عند أحمد ((أنه تمّهمر بالبقيع فقال من دفنتم اليوم
هنا)) فهذا يدل على أنهما كانا مسلمين لأن البقيع مقبرة المسلمين
والخطاب للمسلمين ، مع جريان العادة بأن كل فريق يتولاه مَنْ هو
منهم، ويقوي كونهما كانا مسلمين رواية أبي بكرة عند أحمد ،
والطبراني بإسناد صحيح ( يعذبان وما يعذبان في كبير، بلی وما يعذبان
إلا في الغيبة والبول» فهذا الحصر ینفي کونهما كانا كافرین لأن الكافر
وإن عذب على ترك أحكام الإسلام فإنه يعذب مع ذلك على الكفر بلا
خلاف اهفتح ج١ / ص٣٨٤.

- ٥١٨
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
(((المسألة السابعة)): في هذا الحديث إثبات عذاب القبر:
قال العلامة بدر الدين العيني رحمه الله: فيه أن عذاب القبر حق
يجب الإيمان به والتسليم له ، وعلى ذلك أهل السنة والجماعة ، خلافا
للمعتزلة ولكن ذكر القاضي عبد الجبار رئيس المعتزلة في كتاب الطبقات
تأليفه إن قيل : إن مذهبكم أداكم إلى إنكار عذاب القبر ، وهذا قد
أطبقت عليه الأمة ، قيل : إن هذا الأمر إنما أنكره أولا ضرار بن عمرو،
ولما كان من أصحاب واصل ظنوا أن ذلك مما أنكرته المعتزلة وليس الأمر
كذلك ، بل المعتزلة رجلان : أحدهما يُجَوّز ذلك كما وردت به
الأخبار، والثاني يقطع بذلك وأكثر شيوخنا يقطعون بذلك ، وإنما
ینکرون قول جماعة من الجهلة : إنهم يعذبون وهم موتی ، ودليل العقل
يمنع من ذلك ، وبنحوه ذكره أبو عبد الله المرزباني في كتاب الطبقات
تأليفه .
وقال القرطبي: إن الملحدة ومن يذهب مذهب الفلاسفة أنكروه
أيضا والإيمان به واجب لازم حسب ماأخبر به الصادق ، #أن الله یحیی
العبد ، ويرد إليه الحياة والعقل ، وهذا نطقت به الأخبار ، وهو مذهب
أهل السنة والجماعة ، وكذلك يكمل العقل للصغار ليعلموا منزلتهم
وسعادتهم ، وقد جاء أن القبر ينضم عليه كالكبير .
وصار أبو هُذَيل ، وبشر إلى: أن من خرج عن سمة الإيمان فإنه
يعذب بين النفختين ، وإنما المسألة إنما تقع في تلك الأوقات وأثبت البلخي
والجبائي ، وابنه عذاب القبر ، ولكنهم نفوه عن المؤمنين ، وأثبتوه
للكافرين والفاسقين ، وقال بعضهم : عذاب القبر جائز ، وأنه يجري
على الموتى من غير رد روحهم إلى الجسد ، وأن الميت يجوز أن يتألم
ويحس ، وهذا مذهب جماعة من الكرَّامية ، وقال بعض المعتزلة : إن

٥١٩ -
٢٧ - التنزه عن البول - حديث رقم ٣١
الله تعالى يعذب الموتى في قبورهم، ويحدث الآلام ، وهم لا
يشعرون، فإذا حشروا وجدوا تلك الآلام كالسكران والمغشي عليه،إن
ضُربوا لم يجدوا ألما ، فإذا عاد عقلهم إليهم وجدوا تلك الآلام ، وأما
باقي المعتزلة مثل ضرار بن عمرو وبشر المريسي ويحيى بن كامل ،
وغيرهم ، فإنهم أنكروا عذاب القبر أصلا ، وهذه الأقوال كلها فاسدة
تردها الأحاديث الثابتة وإلى الإنكار أيضا ذهب الخوارج، وبعض المرجئة
ثم المعذب عند أهل السنة والجماعة الجسد بعينه أو بعضه بعد إعادة
الروح إلى جسده ، أو إلى جزئه ، وخالف في ذلك محمد بن جرير،
وطائفة ، فقالوا : لا يشترط إعادة الروح ، وهذا أيضا فاسدا هـ عمدة
القاري جـ٢/ ص٤٣٤.
قال الجامع عفا الله عنه: في قولهم: إن المعذب الجسد بعينه أو بعضه
ليس دليل قاطع فيه ، بل الأدلة مطلقة ، كما أفاده الحافظ في الفتح في
الجنائز جـ٣/ ص٢٧٥ .
وقد جاء في عذاب القبر أحاديث كثيرة :
منها : حديث الباب .
ومنها : حديث عائشة رضي الله عنها (( أن يهودية دخلت عليها
فذكرت عذاب القبر فقالت لها أعاذك الله من عذاب القبر ، قالت عائشة
فسألت رسول الله& عن عذاب القبر فقال : نعم عذاب القبر حق ،
قالت: فما رأيت رسول اللـه 4﴾ بعدُ صلى صلاة إلا تعوذ من عذاب
القبر» رواه الشيخان .
ومنها : حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي فقال ((إن الموتى
ليعذبون في قبورهم حتى إن البهائم لتسمع أصواتهم )) رواه الطبراني في
الکبیر بإسناد حسن .

- ٥٢٠
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
ومنها : حديث أنس رضي الله عنه ، أن رسول الله فقال: ((لولا أن
تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر)) رواه مسلم.
((المسألة الثامنة)): في الحديث دلالة على نجاسة بول الإنسان قليله
وكثيره ، وهو مذهب عامة الفقهاء ، وليس فيه دليل على نجاسة بول
الحيوان مطلقا من مأكول اللحم وغيره كما ذهب إليه الشافعي والحنفية
ونسبه ابن حزم لجماعة من السلف .
قال الحافظ في الفتح: قال ابن بطال: أراد البخاري أن المراد بقوله في
روایة الباب «کان لا يستتر من البول)» بول الناس ، لابول سائر الحيوان،
فلا يكون فيه حجة لمن حمله على العموم في بول جميع الحيوان ، وكأنه
((يعني ابن بطال)) أراد الرد على الخطابي حيث قال فيه دليل على نجاسة
الأبوال كلها ، ومحصل الرد أن العموم في رواية ((من البول)) أريد به
الخصوص ، لقوله في الرواية الأخرى ((من بوله)) أو الألف واللام عوض
عن الضمير ، لكن يلتحق ببوله بول من هو في معناه من الناس لعدم
الفارق ، وكذا غير المأكول ، وأما الماكول فلا حجة في هذا الحديث لمن
قال بنجاسة بوله ولمن قال بطهارته حجج أخرى اهـ بتصرف ، المنهل
جـ١ / ص٨٢.
وقال العلامة الشوكاني رحمه الله ، بعد ما ذكر ما نقلناه عن الفتح ما
نصه :
والظاهر طهارة الأبوال والأزبال من كل حيوان يؤكل لحمه تمسكا
بالأصل ، واستصحابا للبراءة الأصلية ، والنجاسةُ حكم شرعي ناقل عن
الحكم الذي يقتضيه الأصل والبراءة فلا يقبل قول مدعیها إلا بدليل
يصلح للنقل عنهما ، ولم نجد للقائلين بالنجاسة دليلا كذلك ، وغاية
ماجاؤا به حدیث صاحب القبر ، وهو مع کونه مرادا به الخصوص كما