النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١ - ٧ - الرخصة في السواكـ بالعشي للصائم - حديث رقم ٧ قال: «السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب)). وقال الحافظ رحمه الله: واستدل بقوله: ((عند كل صلاة)) على استحبابه للفرائض والنوافل، ويحتمل أن يكون المراد الصلوات المكتوبة، وماضاهاها من النوافل التي ليست تبعا لغيرها كصلاة العيد ، وهذا اختاره أبو شامة ، ويتأيد بقوله في حديث أم حبيبة عند أحمد بلفظ . «لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة کما یتوضئون))، وله من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة بلفظ (( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم عند كل صلاة بوضوء ، ومع كل وضوء بسواك)) فسوى بينهما، وكما أن الوضوء لا يندب للراتبة التي بعد الفريضة إلا أن طال الفصل مثلا ، فكذلك السواك . ویمکن أن یفرق بينهما بأن الوضوء أشق من السواك ، ويتأید بما رواه ابن ماجه من حديث ابن عباس قال: « کان رسول اللهھ یصلي ركعتين ثم ينصرف فیستاك ، وإسناده صحيح ، لكنه مختصر من حديث طويل أورده أبو داود ، وبين فيه أنه تخلل بين الانصراف والسواك نوم . وأصل الحديث في مسلم مبينًا أيضًا. اهـ فتح جـ٢/ ص ٤٣٧ . قال الجامع عفا الله عنه : الراجح عندي تعمیم الاستحباب للفرائض والنوافل لظهور قوله: ((عند كل صلاة)) في ذلك.، وأما قوله : في حديث أم حبيبة ( كما يتوضئون)) فهو تشبيه في كونه مؤكدا كتأكد الوضوء للصلاة ، لا التسوية في كل شيء بدليل أن السواك يطلب في حالة لا يطلب فيها الوضوء كدخول بيته ، كما يأتي في حديث عائشة رضي الله عنها . والله أعلم. وقال الشيخ ابن دقيق العيد رحمه الله : الحكمة في استحباب السواك عند القيام إلى الصلاة كونها حالا تقرب إلى الله ، فاقتضى أن تكون حال - ٢٨٢ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة كمال ونظافة إظهارالشرف العبادة ، وقد قيل : إن ذلك الأمر يتعلق بالملك ، وهو أنه يضع فاه على في القارىء ، ويتأذى بالرائحة الكريهة ، فسن السواك لأجل ذلك . اهـ كلام ابن دقيق العيد في إحكام الأحكام جـ١/ ص٢٧٧. بتصرف . قال الجامع عفا الله عنه: أما وضع الملك فاه على فم القارىء ففيه حديث علي رضي الله عنه ، أخرجه البزار بسند رجاله ثقات (١)كما قال الهيثمي مرفوعا : ((إن العبد إذا تسوك ثم قام يصلي قام الملك خلفه فیسمع لقراءته ، فیدنو منه أو كلمة نحوها حتى يضع فاه على فيه ، فما يخرج من فيه شيء إلا صار في جوف الملك ، فطهروا أفواهكم للقرآن ». وأما كونه يتأذى بالرائحة الكريهة : فيدل له ما أخرجه مسلم وغيره من حديث جابر رضي الله عنه، عن النبي :: قال: ((من أكل من هذه البقلة، الثوم)) وقال مرة: ((من أكل البصل والثوم والكراث فلا يقربن مسجدنا ، فإن الملائكة تتأذي مما يتأذى منه بنو آدم)) . وسيأتي مزيد تحقيق لهذا البحث في المسائل الآتية إن شاء الله تعالى. مسائل تتعلق بهذا الحديث (( المسألة الأولى)) في درجته : حديث أبي هريرة حديث متفق عليه . ((المسألة الثانية)) في بيان مواضعه عند المصنف : أخرجه المصنف في هذا الموضع ٧/ ٧ في المجتبى ، و٦/٦ في الكبرى ، عن قتيبة ، عن مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج، عن (١) قوله : رجال ثقات ، وقال العراقي : رجاله رجال الصحيح ، إلا أن فيه فضیل بن سليمان النمري وهو إن أخرج له البخاري ووثقه ابن حبان فقد ضعفه الجمهور . ٢٨٣ ٧ - الرخصة في السواك بالعشي للصائم - حديث رقم ٧ أبي هريرة رضي الله عنه. وأخرجه أيضا برقم ٥٣٤ من المجتبى. (١) ((المسألة الثالثة)) فيمن أخرجه معه من أصحاب الأصول وغيرهم : قال الحافظ العراقي رحمه الله تعالى: أخرجه الأئمة الستة : البخاري ، ومسلم، وأبو داود ، والنسائي ، من رواية الأعرج، والترمذي من رواية أبي سلمة، وابن ماجه من رواية سعيد المقبري كلهم عن أبي هريرة رضي الله عنه . قال : واختلفت الرواة عن مالك في لفظه ، فقال أبو مصعب وجماعة (( ولأمرتهم بالسواك)» يعني أنه لم يزد ((مع كل صلاة أو نحوه)) وكذا قال عبد الله بن يوسف ، وزاد( مع كل صلاة)) رواه البخاري من طريقه، وقال يحيى بن يحيى، وأخرون: ((علي أمتي)) فقط، ولم يقولوا ((أو على الناس)) وقال القعنبي، وأيوب بن صالح: ((على المؤمنين ، أو على الناس)) وكذا قال معن بن عيسى ، وزاد في روايته أیضا (( عند كل صلاة)) وزاد أيضا قتيبة عن مالك في روايته (( عند كل صلاة » کما رواه النسائي ، و کذا قال ابن عيينة عن أبي الزناد ، کما رواه مسلم وغيره ، وقد رواه جماعة عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن حمید، عن أبي هريرة مرفوعا فزادوا فيه ( مع كل وضوء » کذا رواه عن مالك الشافعي في رواية حرملة، وروح بن عبادة ، وبشر بن عمر الزهراني ، وإسماعيل بن أبي أويس ، ورواه النسائي من رواية بشر بن عمر ، والبيهقي من رواية روح ، وإسماعيل ، وقد ذكرها البخاري في صحيحه تعليقا مجزوما، فقال : وقال أبو هريرة ، ووصلها ابن خزيمة في صحيحه، والحاكم وصححها، وهي في الموطأ موقوفة على أبي هريرة، وليس في بعض الروايات ذكر الوضوء ، وفي بعضها ذكره على الشك (١) ففي رقم ٥٣٤ ، عن محمد بن منصور، عن سفيان عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة بلفظ: ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بتأخير العشاء ، وبالسواك عند كل صلاة)) . - ٢٨٤ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة بينه وبين الصلاة . اهـ كلام العراقي رحمه الله تعالى طرح جـ٢/ ص٦٢ . وقال الحافظ رحمه الله في التلخيص : قال ابن منده : وإسناده يعني إسناد حديث «لولا أن أشق» الخ مُجْمَع على صحته ، وقال النووي : غلط بعض الأئمة الكبار ، فزعم أن البخاري لم يخرجه ، وهو خطأ منه، وليس في الموطأ من هذا الوجه ، بل فيه عن ابن شهاب ، عن حميد، عن أبي هريرة، قال: ((لولا أن يشق علي أمته لأمرهم بالسواك مع كل وضوء)). ولم يصرح برفعه . قال ابن عبد البر : وحكمه الرفع ، وقد رواه الشافعي عن مالك مرفوعًا . وفي الباب عن زيد بن خالد رواه الترمذي ، وأبو داود ، وعن علي رواه أحمد ، وعن أم حبيبة رواه أحمد أیضا ، وعن عبد الله بن عمرو، وسهل بن سعد ، وجابر ، وأنس ، رواها أبو نعيم في كتاب السواك ، وإسناد بعضها حسن ، وعن ابن الزبير رواه الطبراني ، وعن ابن عمر ، وجعفر بن أبي طالب رواهما الطبراني أيضا . أهـ كلام الحافظ في التلخيص ج١ / ص٣٦٨ من هامش المجموع . وزاد العلامة الألباني : جماعة آخرين : العباس بن عبد المطلب ، عند الحاكم، وأحمد ، ورجل من أصحاب النبي تګعند أحمد بسند صحیح ، وزينب بنت جحش عند أحمد ، وعبد الله بن حنظلة بن أبي عامر ، وله رؤية رواه أبو داود والحاكم وغيرهما بسند حسن . أفاده في الإرواء جـ١/ ص١١٠، ١١١. ((المسألة الرابعة)) في اختلاف العلماء في حكم السواك: قال الحافظ رحمه الله تعالى : اختلف العلماء في السواك هل هو واجب أم سنة؟ فذهب أكثر أهل العلم إلى عدم وجوبه ، بل ادعى ٢٨٥ - ٧ - الرخصة في السواك بالعشي للصائم - حديث رقم ٧ بعضهم فيه الإجماع ، وحکی الشيخ أبو حامد ، والماوردي عن إسحاق ابن راهويه أنه قال : هو واجب لكل صلاة فمن تركه عامدا بطلت صلاته، وعن داود أنه واجب ، ولكنه ليس بشرط ، واحتج من قال : بوجوبه بورود الأمر به ، فعند ابن ماجه من حديث أبي أمامة مرفوعا (تَسَوَّكُوا)) ولأحمد نحوه من حديث العباس، وفي الموطأ في أثناء حديث (( عليكم بالسواك)) ولا يثبت شيء منها ، وعلى تقدير الصحة فالمنفي في مفهوم حديث الباب الأمر به مقيدا بكل صلاة لا مطلق الأمر ، ولا يلزم من نفي المقيد نفي المطلق ، ولامن ثبوت المطلق التكرار. اهـ فتح جہ/ ص٣١. وقال النووي رحمه الله : وقد أنكر أصحابنا المتأخرون على الشيخ أبي حامد وغيره نقل الوجوب عن داود ، وقالوا : مذهبه أنه سنة كالجماعة ، ولو صح إيجابه عن داود لم يضر مخالفته في انعقاد الإجماع على المختار الذي عليه المحققون والأكثرون. قال: وأما إسحاق فلم يصح هذا المحكي عنه انتهى كلام النووي في شرح مسلم جـ٣/ ص١٤٢. قال الجامع عفا الله عنه : هذا الكلام لا يليق بجلالة النووي فإن الإمام داود بن على الظاهري رحمه الله تعالى جبل من جبال العلم ، فکیف لا تعد مخالفته ضارة في انعقاد الإجماع ، فانظر ترجمته في کتب الرجال تَرَ حاله ودرجته بين العلماء الأعلام ، ففي طبقات الحفاظ للسيوطي : داود بن علي بن خلف الحافظ الفقيه المجتهد إلى أن قال : وصنف التصانیف (١)، و کان بصيرا بالحديث صحيحه وسقيمه ، إمامًا (١) من تصانيفه کتاب الإيضاح ، و کتاب الإفصاح ، کتاب الأصول ، کتاب الدعاوى ، کتاب كبير في الفقه ، كتاب الذب عن السنة والأخبار أربع مجلدات ، كتاب الرد على أهل الإفك، صفة أخلاق النبي 4، كتاب الإجماع ، كتاب إبطال القياس ، كتاب خبر الواحد ، وبعضه موجب للعلم ، كتاب الإيضاح خمسة عشر مجلدا ، كتاب المتعة ، كتاب إبطال التقليد ، وغيرها، كتاب المعرفة، كتاب العموم والخصوص، وغيرها ، اهـ سير أعلام النبلاء جـ١٣/ ص١٠٤ . - ٢٨٦ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة ورعا ناسكا زاهدًا كان في مجلسه أربعمائة صاحب طيلسان . اهـ . وفي سير أعلام النبلاء : الإمام البحر الحافظ العلامة عالم الوقت أبو سليمان البغدادي المعروف بالأصفهاني مولى أمير المؤمنين المهدي رئیس أهل الظاهر . اهـ جـ١٣ / ص٩٧ . قال الجامع : فإذا كان مثل داود مع جلالته لا يعتد في الإجماع وعدمه خلافه ، فَمَن الذي يعتد به في ذلك ؟ هيهات هيهات . وبالجملة فهذا الكلام هفوة طَغَى بها القلم من غير استشعار بما فيها من الألم . وقد سبق النوويّ جماعة في هذا الكلام ، ذكرهم الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء . ولقد أجاد العلامة الشوكاني في الرد علي هذا القول حيث قال : وعدم الاعتداد بخلاف داود مع علمه وورعه وأخذ جماعة من الأئمة بمذهبه من التعصبات التي لا مستند لها إلا مجرد الهوى والعصبية، وقد كثر هذا الجنس في أهل المذاهب وما أدري ماهو البرهان الذي قام لهؤلاء المحققين حتى أخرجوه من دائرة علماء المسلمين ، فإن كان لما وقع منه من المقالات المستبعدة فهي بالنسبة الي مقالات غيره المؤسسة على محض الرأي المضادّة لصريح الرواية في حيِّز القلة المتبالغة ، فإن التعويل على الرأي وعدم الاعتناء بعلم الأدلة قد أفضى بقوم إلى التمذهب بمذاهب لا يوافق الشريعة منها إلا القليل النادر ، وأما داود فما في مذهبه من البدع التي أوقعه فيها تمسكه الظاهر وجموده عليه هي في غاية الندرة ، ولكن : لَهَوَى النُّفُوسِ سَرِيرَةٌ لا تُعْلَمُ اهـ كلام الشوكاني في نیله جـ١/ ص١٥٩ . وقال الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء في هذا البحث كلامًا ٢٨٧ - ٧ - الرخصة في السواك بالعشي للصائم - حديث رقم ٧ نفيسًا، وهاك نصه : قال رحمه الله تعالى: للعلماء قولان في الاعتداد بخلاف داود وأتباعه : فمن اعتد بخلافهم قال : مااعتدادُنا بخلافهم لأن مفرداتهم حجة بل لتُحْكَى في الجملة ، وبعضها سائغ ، وبعضها قوي ، وبعضها ساقط ، ثم ما تفردوا به هو شيء من قبيل مخالفة الإجماع الظني ، وتندر مخالفتهم لإجماع قطعي . ومن أهدرهم ، ولم يعتدَّبهم، لم يعدهم في مسائلهم المفردة خارجين بها من الدين ولا كَفَّرَهم بها ، بل يقول: هؤلاء في حيز العوام ، أوهم كالشيعة في الفروع ، ولا نلتفت إلى أقوالهم ، ولا ننصب معهم الخلاف ، ولا يُعتَنَی بتحصیل کتبهم، ولا ندل مستفتیا من العامة علیهم، وإذا تظاهروا بمسألة معلومة البطلان ، كمسح الرجلين ، أدبناهم ، وعزرْناهم ، وألزمناهم بالغسل جزمًا . قال الأستاذ أبو إسحاق الاسفراييني : قال الجمهور : إنهم يعني نفاة القياس لا يبلغون رتبة الاجتهاد ، ولا يجوز تقليدهم القضاء . ونقل الأستاذ أبو منصور البغدادي عن أبي علي بن أبي هريرة ، وطائفة من الشافعية ، أنه لا اعتبار بخلاف داود ، وسائر نفاة القیاس في الفروع دون الأصول . وقال إمام الحرمين أبو المعالي : الذي ذهب إليه أهل التحقيق: أن منكري القياس لا يعدون من علماء الأمة ، ولا من حملة الشريعة لأنهم معاندون مباهتون فيما ثبت استفاضة وتواترا ، لأن معظم الشريعة صادر عن الاجتهاد ، ولا تفي النصوص بعشر معشارها (١) وهؤلاء ملتحقون بالعوام. قال الذهبي : هذا القول من أبي المعالي أداه إليه اجتهاده وهم أداهم (١) قلت : كلام أبي المعالي هذا اعتداء على الشرع، كيف لا تفي النصوص بعشر معشارها ياللعجب هذا كلام من لم يتتبع النصوص ، فإنها كافلة حافلة لأكثر الأحكام لا لعشر معشارها ، وما احتاج الأئمة إلى القياس إلا في بعض المسائل فالأمر بالعكس ، فتنبه . - ٢٨٨ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة اجتهادهم إلى نفي القول بالقياس ، فكيف يرد الا جتهاد مثله ، وندري بالضرورة أن داود كان يقرىء مذهبه ، ويناظر عليه ، ويفتي به في مثل بغداد ، وكثرة الأئمة بها وبغيرها ، فلم نرهم قاموا عليه ، ولا أنكروا فتاويه ولا تدريسه ، ولا سعوا في منعه من بثه ، وبالحضرة مثل إسماعيل القاضي شيخ المالكية ، وعثمان بن بشار الأنماطي شيخ الشافعية ، والمروذي شيخ الحنبلية ، وابني الإمام أحمد ، وأبي العباس أحمد بن محمد البرتي(١)، شيخ الحنفية ، وأحمد بن أبي عمران القاضي ، ومثل عالم بغداد إبراهيم الحربي . بل سكتوا له، حتى لقد قال قاسم بن أصبغ: ذاكرت الطبري يعني ابن جرير وابن سريج ، فقلت لهما : كتاب ابن قتيبة في الفقه أين هو عندكما ؟ قالا : ليس بشيء ، ولا كتاب أبي عبيد، فإذا أردت الفقه فكتب الشافعي ، وداود ونظرائهما . ثم كان بعده ابنه أبو بكر ، وابن المغلس ، وعدة من تلامذة داود ، وعلى أكتافهم مثل ابن سريج شيخ الشافعية ، وأبي بكر الخلال شيخ الحنبلية ، وأبي الحسن الكرخي شيخ الحنفية ، وكان أبو جعفر الطحاوي بمصر ، بل كانوا يتجالسون ويتناظرون ، ويبرُزُ كل منهم بحججه ، ولا يسعون بالداودية إلى السلطان ، بل أبلغ من ذلك ، ينصبون معهم الخلاف في تصانيفهم قديما وحديثا ، وبكل حال فلهم أشياء أحسنوا فيها، ولهم مسائل مستهجنة يشغب عليهم بها ، وإلى ذلك يشير الإمام أبو عمرو بن الصلاح حيث يقول : الذي اختاره الأستاذ أبو منصور ، وذكر أنه الصحیح من المذهب أنه يعتبر خلاف داود ، ثم قال ابن الصلاح: وهذا الذي استقر عليه الأمر آخرا، كما هو الأغلب الأعرف من صفوة الأئمة المتأخرين الذين أوردوا مذهب داود في مصنفاتهم المشهورة ، كالشيخ أبي حامد الاسفراييني ، والماوردي ، والقاضي أبي (١) بکسر فسکون قرية بنواحي بغداد اهلباب . ٢٨٩ - ٧ - الرخصة في السواك بالعشي للصائم - حدیث رقم ٧ الطيب ، فلولا اعتدادهم به لما ذكروا مذهبه في مصنفاتهم المشهورة . قال يعني ابن الصلاح : وأرى أن يعتبر قوله إلا فيما خالف فيه القياس الجلي ، وماأجمع عليه القياسيون من أنواعه ، أو بناه على أصوله التي قام الدليل القاطع على بطلانها ، فاتفاق من سواه إجماع منعقد ، كقوله في التغوط في الماء الراكد ، وتلك من المسائل الشنيعة ، وقوله : لاربا إلا في الستة المنصوص عليها ، فخلافه في هذا أو نحوه غير معتد به ، لأنه مبني على ما يقطع ببطلانه . قال الذهبي : لاريب أن كل مسألة انفرد بها ، وقطع ببطلان قوله فيها ، فإنها هدر وإنما نحكيها للتعجب ، وكل مسألة لها عاضد نص ، وسبقه إليها صاحب أو تابع فهي من مسائل الخلاف ، فلا تهدر . وفي الجملة : فداود بن علي بصير بالفقه ، عالم بالقرآن ، حافظ للأثر ، رأس في معرفة الخلاف ، من أوعية العلم ، له ذكاء خارق ، وفيه دين متين ، وكذلك في فقهاء الظاهرية جماعة لهم علم باهر ، وذكاء قوي ، فالكمال عزيز، والله الموفق. ونحن نحكي قول ابن عباس في المتعة ، وفي الصرف ، وفي إنكار العول ، وقول طائفة من الصحابة في ترك الغسل من الإيلاج ، وأشباه ذلك ، ولا نجوز لأحد تقليدهم في ذلك. قال ابن كامل : مات داود في شهر رمضان سنة ٢٧٠. اهـ سير أعلام النبلاء جـ ١٣ / ص١٠٤، ١٠٨. قال الجامع عفا الله عنه : هذا الكلام الذي قرره الحافظ الذهبي رحمه الله كلام نفيس جدا عض عليه بناجذيك ، ولا تلتفت إلى كلام الآخرين فلا خير فيه أصلا. والله تعالى أعلم . ولنعد إلى الكلام في أقاويل العلماء في حكم السواك : - ٢٩٠ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة قال الحافظ العراقي : فإن قال قائل : إن في حديث الباب يعني حديث لولا أن أشق أنه لم يأمرهم ، وقد ورد في أحاديث أخر أنه أمرهم بذلك ، فروى ابن ماجه من حديث أبي أمامة أن رسول الله عَّه قال: ((استاكوا ، فإن السواك مطهرة للفم )) .. الحديث ، وروى البزار في مسنده من حديث العباس أن النبي عَلَّه قال: ((تدخلون على قُلْحا(١) استاکوا))، ورواه أحمد في مسنده من حديث تمام بن العباس بلفظ : ((مالي أراكم تأتوني قلحا؟ استاكوا)) ، ورواه البيهقي في سننه من حديث ابن عباس بلفظ (( تدخلون علي قلحا استاكوا)) ، وروى البيهقي في شعب الإيمان من حديث ابن عباس مرفوعا « عليك بالسواك فإنه مطهرة للفم)) ... الحديث : والجواب عنه من ثلاثة أوجه : أحدها : أن الأحاديث التي ورد فيها الأمر لا يصح منها شيء ، أما حديث أبي أمامة ففيه علي بن يزيد الألهاني ، وهو ضعيف جدا ، وأما حدیث العباس ، وحدیث تمام ، وحديث ابن عباس الأول أيضا ففيها أبو علي الصیقلي وهو مجهول ، قاله ابن السكن ، وغيره ، وأما حديث ابن عباس الأخير فتفرد به الخليل بن مرة ، وهو منكر الحديث كما قال البخاري. والوجه الثاني: أن حديث الباب ليس المنفى فيه مطلق الأمر بل الأمر الذي هو للوجوب بدليل رواية البيهقي في بعض طرق حديث أبي هريرة ((لولا أن أشق على أمتي لفرضت عليهم السواك مع الوضوء)) الحديث ، وأيضا فحديث أبي أمامة الذي فيه الأمر قال في تتمة الحديث: ((ولولا أني أخاف أن أشق على أمتي لفرضت عليهم السواك كما فرضت (١) بضم فسكون جمع أقلح من القَلَح، وهو تغير الأسنان بصفرة ، أو خضرة، كما في المصباح ٢٩١ _ ٧ - الرخصة في السواك بالعشي للصائم - حدیث رقم ٧ عليهم الوضوء)) وكذا قال البيهقي في السنن في حديث ابن عباس : ((مالي أراكم تأتوني قلحا، لولا أن أشق على أمتي لفرضت عليهم السواك)» .. الحديث، فدل ذلك علي تقدير ثبوتها على أن المنفي أمر الإيجاب ، لا الأمر الذي محمله الندب . والوجه الثالث: أن بعض الروايات ، وإن دلت على أن المنفي الأمر بمطلق السواك فقد دلت رواية الشيخين ، والنسائي ، وغيرهم على تقييد ذلك بكونه مع كل صلاة ، والمنفي مع القيد غير المنفي مطلقا ، وليس في قوله : «لولا أن أشق لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ، أو عند کل وضوء)) أنه لم يأمرهم به ، ولو في اليوم مرة ، أو في الشهر ، أوفي السنة أوفي العمر ، فلا تعارض حينئذ . والله أعلم. (( المسألة الخامسة)) قال الحافظ العراقي رحمه الله : استدل به أيضا على أن المندوب ليس مأمورا به ، وفيه خلاف بين الأصوليين ، قال صاحب المفهم : والصحيح أنه مأمور به ، لأنه قد اتفق على أنه مطلوب، ومقتضاه كما حكاه أبو المعالي (١)، قال النووي : ويقال : في هذا الاستدلال ماقدمناه في الاستدلال على الوجوب. اهـ طرح جـ٢ / ص٦٤. ((المسألة السادسة )) قال الحافظ رحمه الله تعالى: استدل به على أن الأمر يقتضي التكرار لأن الحديث دل على كون المشقة هي المانعة من الأمر بالسواك ، ولا مشقة في وجوبه مرة ، وإنما المشقة في وجوب التكرار ، وفي هذا البحث نظر ، لأن التكرار لم يؤخذ هنا من مجرد الأمر ، وإنما أخذ من تقییده بکل صلاة . اهـ فتح ج٥/ص٣٢. ((المسألة السابعة)) قال المهلب رحمه الله تعالى: في هذا الحديث أن (١) قوله: ومقتضاه كما حكاه أبو المعالي. هكذا نسخة الطرح، وهو كلام فيه سقط فليحرر. والله أعلم . - ٢٩٢ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة المندوبات ترتفع إذا خشي منها الحرج . نقله في الفتح جـ٥/ ص٣٢. ((المسألة الثامنة)) أنه استدل بهذا الحديث من قال بجواز الاجتهاد منه عَّ، قال النووي : وهو مذهب أكثر الفقهاء وأصحاب الأصول ، وهو الصحيح المختار. ووجه الاستدلال كما قال ابن دقيق العيد : أنه جعل المشقة سببا لعدم أمره، فلو کان الحكم متوقفا على النص لكان سبب الوجوب عدم ورود النص ، لا وجود المشقة . قال: وفيه بحث . قال الحافظ وهو كما قال، ووجهه أي وجه البحث أنه يجوز أن يكون إخبارا منه# بأن سبب عدم ورود النص وجود المشقة ، فيكون معني قوله: (( لأمرتهم)) ، أي عن الله بأنه واجب . قاله في الفتح جـ٥/ ص٣٢. وكتب العلامة الصنعاني رحمه الله تعالى في حاشيته العدة على كلام ابن دقيق العيد هذا : ما نصه : أقول : في صحة الاستدلال به على ما ذكر من الإجتهاد بأن يقال : لا نسلم أن العلة في عدم الأمر هي وجود المشقة ، لم لا تكون هي عدم أمر الله به؟ والحكمة في عدم أمره تعالى بإيجاب السواك هي المشقة فعلل * بعلة العلة مع عدم كمال الإثابة عليه كإثابة الصلاة والجهاد ، فلا يقال هذا ينافي ماسلف من أنه وقع التكليف بما فيه مشقة ، وحينئذ فيكون المراد لولا عدم أمر الله بإيجاب السواك لأعلمتكم بوجوبه ، لكنه تعالى لم يوجبه إبقاء عليكم (١) من المشقة ، وتكون فائدة هذا الإخبار منهج الحث على السواك، وأنه لو أمر بإبلاغ الأمة إيجابه لأبلغهم ، ولما سأل التخفيف عنهم في شأنه ، والإعلام بأنه تعالی رؤف بعباده مخفف عنهم التكالیف لطفا بهم ورفقا، وإلا فأسباب الإيجاب متعددة ، وعلى هذا فلا دلالة في الحديث على ما ذكره . اهـ العدة جـ١/ ص٢٨٠. (١) أي رفقًا بكم . ٢٩٣ - ٧ - الرخصة في السواك بالعشي للصائم - حديث رقم ٧ (((المسألة التاسعة)) أنه استدل المصنف: والبخاري، وغيرهما رحمهم الله تعالى بعموم رواية الصحيحين والمصنف (( عند كل صلاة)) ورواية المصنف ، وابن خزيمة والحاكم (( عند كل وضوء)) على استحباب السواك للصائم بعد الزوال ، عند صلاة الظهر وصلاة العصر ، وعند الوضوء في ذلك الزمن . وهو قول الأئمة الثلاثة: أبي حنيفة، ومالك، وأحمد ، والمزني ، وأكثر العلماء ، وقال النووي في شرح المهذب : إنه المختار ، وقد روى أبو داود ، والترمذي ، وحسنه من حديث عامر بن ربيعة قال: (( رأيت رسول الله ﴾﴾ يتسوك ما لا أحصي وهو صائم))، وقال الشافعي رحمه الله: یکره بعد الزوال للصائم، قال ابن دقيق العيد: ويحتاج إلى دليل خاص بهذا الوقت يخص به ذلك العموم ، وهو حديث الخلوف، وفيه بحث. انتهى نقله العراقي في طرحه جـ ٢/ ص٦٥ . قال الجامع : ويأتي تمام البحث في هذه المسألة في المسألة التالية إن شاء الله . ((المسألة العاشر)) في مذاهب العلماء في السواك للصائم بعد الزوال: قال النووي رحمه الله تعالی : مشهور مذهبنا أنه یکره له بعد الزوال، وحكاه ابن المنذرعن عطاء ، ومجاهد ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبي ثور ، وحكاه (١) ابن الصباغ أيضا عن ابن عمر ، والأوزاعي ، ومحمد بن الحسن ، قال ابن المنذر : ورخص فيه في جميع النهار النخعي ، وابن سيرين ، وعروة بن الزبير ، ومالك ، وأصحاب الرأي ، قال : ورُوي ذلك عن عمر ، وابن عباس ، وعائشة ، رضي الله عنهم . واحتج القائلون بأنه لا يكره في جميع النهار : بالأحاديث الصحيحة (١) قوله : وحكاه ابن الصباغ عن ابن عمر الثابت عنه خلافه ، کما قال البخاري في باب اغتسال الصائم ، وقال ابن عمر : يستاك أول النهار وآخره ، نعم حكاه الموفق في المغني عن عمر ثم حكى عن عمر رواية أخرى أنه لا يكره ، قاله الأذرعي ، اهـ هامش المجموع . - ٢٩٤ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة في فضله ، ولم ينه عنه ، واحتجوا بما رواه أبو إسحاق إبراهيم بن بيطار الخوارزمي ، قال : قلت لعاصم الأحول : أيستاك الصائم أول النهار وآخره؟ قال: نعم، قلت: عمن؟ قال: عن أنس، عن النبي ◌َّه، قالوا : ولأنه طهارة للفم فلم يكره في جميع النهار كالمضمضة . قال : واحتج أصحابنا يعني الشافعية بحديث أبي هريرة في الخلوف، وهو صحيح وبحديث عن خَبَّاب بن الأرتِّ رضي الله عنه أن النبي ◌َّ قال: ((إذا صمتم فاستاكوا بالغداة ، ولا تستاكوا بالعشي ، فإنه ليس من صائم تييس شفتاه بالعشي إلا كانتا نورًا بين عينيه يوم القيامة » رواه البيهقي ، ولكنه ضعيف ، وبين ضعفه . واحتجوا بأنه أثر عبادة مشهود له بالطيب ، فكره إزالته ، كدم الشهيد، وأجابوا عن أحاديث فضل السواك بأنها عامة مخصوصة ، والمراد بها غير الصائم آخر النهار ، وعن حديث الخوارزمي بأنه ضعيف باتفاقهم ، وعن المضمضة بأنها لا تزيل الخلوف بخلاف السواك. ١ هـ المجموع ج١ / ص٢٧٩ . بتغییر یسیر . وقال العلامة الشوكاني رحمه الله : في شرح حديث عامر بن ربيعة المتقدم : مانصه : والحديث يدل على استحباب السواك للصائم من غير تقیید بوقت دون وقت ، وهو يرد على الشافعي قوله بالكراهة بعد الزوال للصائم مستدلا بحديث الخلوف. وقد نقل الترمذي أن الشافعي قال : لابأس بالسواك للصائم أول النهار وآخره ، واختاره جماعة من أصحابه: منهم أبو شامة ، وابن عبد السلام ، والنووي ، والمزني ، قال ابن عبد السلام في قواعده الكبرى: وقد فضل الشافعي تحمل الصائم مشقة رائحة الخلوف على إزالته بالسواك مستدلا بأن ثوابه أطيب من ريح المسك ، ولا يوافَقُ ٢٩٥ - ٧ - الرخصة في السواك بالعشي للصائم - حديث رقم ٧ الشافعي على ذلك ، إذ لا يلزم من ذكر ثواب العمل أن يكون أفضل من غيره ، لأنه لا يلزم من ذكر الفضيلة حصول الرجحان بالأفضلية ، ألا ترى أن الوتر عند الشافعي في قوله الجديد أفضل من ركعتي الفجر مع قوله عليه الصلاة والسلام: ((ركعتا الفجر خير من الدنيا ، وما فيها)) ، وكم من عبادة قد أثنى الشارع عليها ، وذكر فضيلتها، وغيرها أفضل منها ، وهذا من باب تزاحم المصلحتين اللتين لا يمكن الجمع بينهما فإن السواك نوع من التطهر المشروع لأجل الرب سبحانه ، لأن مخاطبة العظماء مع طهارة الأفواه تعظيم لاشك فيه ، ولأجله شرع السواك ، وليس في الخلوف تعظيم ولا إجلال ، فكيف يقال : إن فضيلة الخلوف تربو على تعظيم ذي الجلال بتطبيب الأفواه ، إلى أن قال : والذي ذكره الشافعي رحمه الله تخصيص للعام بمجرد الاستدلال المذكور المُعَارَض بما ذكرناه . وقال الحافظ في التلخيص : استدلال أصحابنا بحديث خلوف الصائم علي کراهة الاستیاك بعد الزوال لمن یکون صائما فيه نظر ، لكن في رواية للدار قطني عن أبي هريرة قال : لك السواك إلى العصر ، فإذا صليت فألقه، فإني سمعت رسول الله ، يقول: ((لخلوف فم الصائم)) الحديث، قال : وقد عارضه حديث عامر بن ربيعة يعنى الحديث المتقدم . وقال : وفي الباب حديث على ((إذا صمتم فاستاكوا بالغداة ، ولا تستاكوا بالعشي ، فإنه ليس من صائم تيبس شفتاه بالعشي إلا كانتا له نورا بين عينيه يوم القيامة)) ، أخرجه البيهقي ، قال الحافظ : وإسناده ضعيف . انتهى ، وقول أبي هريرة مع كونه لا يدل على المطلوب لا حجة فيه على أن فيه عمر بن قيس وهو متروك ، وكذلك حديث علي مع ضعفه لم يصرح فيه بالرفع ، فالحق أنه يستحب السواك للصائم أول النهار وآخره ، وهو مذهب الجمهور . اهـنيل الأوطار جـ١/ ص١٦٥. ٢٩٦ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة (( المسألة الحادية عشرة» قال الإمام النووي رحمه الله تعالی : فرع يتعلق بقوله : ((لخلوف(١) فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك)) : وكان وقع نزاع بين الشيخ أبي عمرو بن الصلاح ، والشيخ أبي محمد بن عبد السلام رضي الله عنهما في أن هذا الطيب في الدنيا والآخرة ، أم في الآخرة خاصة ؟ فقال أبو محمد في الآخرة خاصة ، لقوله # في رواية مسلم (( والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك يوم القيامة)) وقال أبو عمرو: هو عام في الدنيا والآخرة ، واستدل بأشياء كثيرة منها ماجاء في المسند الصحيح لأبي حاتم بن حبان بكسر الحاء البستي ، قال : باب في كون ذلك يوم القيامة، وباب في كونه في الدنيا ، وروى في هذا الباب بإسناده الثابت أنه قال: « لخلوف فم الصائم حین یخلف أطيب عند الله من ريح المسك)) وروى الإمام الحسن بن سفيان في مسنده عن جابر رضي الله عنه أن النبي قال: ((أعطيت أمتي في شهر رمضان خمسا)) قال: «وأما الثانية فإنهم يمسون ، وخلوف أفواههم أطيب عندالله من ريح المسك)) وروى هذا الحديث الإمام الحافظ أبو بكر السماعاني في أماليه ، وقال : هو حديث حسن ، فكل واحد من الحديثين مصرح بأنه في وقت وجود الخلوف في الدنیا یتحقق وصفه بکونه أطيب عند الله من ريح المسك ، قال : وقد قال العلماء شرقا وغربا معنى ماذكرته في تفسيره، قال الخطابي طيبه عند الله رضاه به ، وثناؤه عليه ، وقال ابن عبد البر: معناه: أزکی عند الله تعالی وأقرب إليه ، وأرفع عنده من ريح المسك ، وقال البغوي في شرح السنة : معناه الثناء على الصائم ، والرضا بفعله، وكذا قاله الإمام القدوري إمام الحنفية في كتابه في الخلاف : معناه أفضل (١) قوله: لخلوف: بضم الخاء واللام هو تغير رائحة الفم، ولا يجوز فتح الخاء ، يقال: خلف فم الصائم بفتح الخاء واللام يخلف بضم اللام، وأخلف يُخلف إذا تغير. اهـ المجموع. ٢٩٧ - ٧ - الرخصة في السواك بالعشي للصائم - حديث رقم ٧ عند الله من الرائحة الطيبة ، ومثله قال البوني من قدماء المالكية ، وكذا قال الإمام أبو عثمان الصابوني ، وأبو بكر السمعاني ، وأبو حفص ابن الصفار الشافعيون في أماليهم ، وأبو بكر بن العربي المالكي ، وغيرهم ، فهؤلاء أئمة المسلمين شرقا وغربا لم یذکروا سوى ماذكرته ولم یذکر أحد منهم وجها بتخصيصه بالآخرة مع أن كتبهم جامعة للوجوه المشهورة والغريبة ، ومع أن الرواية التي فيها ذكر يوم القيامة مشهورة في الصحيح بل جزموا بأنه عبارة عن الرضا ، والقبول ، ونحوهما هو ثابت في الدنيا والآخرة ، وأما ذكر يوم القيامة في تلك الرواية فلأنه يوم الجزاء وفيه يظهر رجحان الخلوف في الميزان علي المسك المستعمل لدفع الرائحة الكريهة طلبا لرضا الله تعالى ، حيث يؤمر باجتنابها ، واجتلاب الرائحة الطيبة ، كما في المساجد والصلوات وغيرها من العبادات ، فخص يوم القيامة بالذكر في رواية لذلك كما خص في قوله تعالى : ﴿ إن ربهم بهم يومئذ لخبير﴾ [العاديات: ١١] وأطلق في باقي الروايات نظرا إلى أن أصل أفضليته ثابت في الدارين ، كما سبق تقريره ، هذا مختصر ماذكر الشيخ أبو عمرو رحمه الله . اهـ المجموع . جـ١/ ص٢٧٩. (((المسألة الثانية عشرة)) قال الحافظ العراقي رحمه الله : استدلَّ بقوله: ((مع كل وضوء)) من ذهب إلى أن السواك من سنن الوضوء ، وهو أحد الوجهين لأصحابنا قال الرافعي : وهو الوجه ، ولم يعده کثیرون من سننه ، وإن کان مندوبًا في ابتدائه . اهـ طرح جـ٢ / ص٦٥ . وقال العلامة شمس الحق رحمه الله في غاية المقصود : مالفظه : وأحاديث الباب مع ما أخرجه مالك ، وأحمد ، والنسائي ، وصححه ابن خزيمة، وذكره البخاري تعليقا عن أبي هريرة عن رسول الله عنه أنه قال: (( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء)» ، تدل على مشروعية السواك عند كل وضوء ، وعند كل صلاة ، فلا حاجة إلى - ٢٩٨ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة تقدیر العبارة بأن يقال : أي عند كل وضوء لصلاة كما قدرها بعض الحنفية ، بل في هذا رد للسنة الصحيحة الصريحة ، وهي السواك عند الصلاة ، وعلل بأنه لا ينبغي عمله في المساجد لأنه من باب إزالة المستقذرات وهذا التعليل مردود، لأن الأحاديث دلت علي استحبابه عند كل صلاة ، وهذا لا يقتضي أن لا يعمل إلا في المساجد حتى يتمشى هذا التعليل بل يجوز أن يستاك ثم يدخل المسجد للصلاة ، كما روى الطبراني في معجمه عن صالح بن أبي صالح ، عن زيد بن خالد الجهني ، قال : (( ماكان رسول الله ﴾﴾ يخرج من بيته لشيء من الصلوات حتى يستاك» انتهى ، وإن كان في المسجد فأراد أن يصلي جاز أن يخرج (١) من المسجد ثم يستاك ثم يدخل ، ويصلي ، ولو سلم فلا نسلم أنه من باب إزالة المستقذرات كيف وقد تقدم أن زيد بن خالد الجهني ((كان يشهد الصلوات في المساجد ، وسواكه علي أذنه موضع القلم من أذن الكاتب لا يقوم إلى الصلاة إلا استن ، ثم رده إلى موضعه ، وأن أصحاب رسول الله ◌َّ سُوكُهم خلف آذانهم يستنون بها لكل صلاة ، وأن عبادة بن الصامت ، وأصحاب رسول اللهعَ#كانوا يروحون والسواك على آذانهم، انتهى . اهـ تحفة الأحوذي جـ١/ ص١٠٤ . ((المسألة الثالثة عشرة)) قال الحافظ العراقي رحمه الله : في رواية الصحيحين استحباب السواك عند كل صلاة وهو كذلك ، وحكى ابنُ عبد البر في التمهيد عن الأوزاعي ، عمن أدركه من أهل العلم تأكده عند صلاتي الصبح والظهر ، وقد روى أحمد في مسنده ، والحاكم في المستدرك من حديث عائشة مرفوعا « صلاة بسواك خير من سبعين صلاة بغير سواك))، قال الحاكم صحيح على شرط مسلم ، وتعقبه ابن الصلاح (١) قوله : جاز أن يخرج من المسجد الخ ، هذا قول باطل، لا دليل عليه، بل الدليل بعكسه ، فلا يتشاغل بمثل هذا القول ، وقد تقدم البحث عنه في المسألة الرابعة من شرح الحديث الخامس . ٢٩٩ - ٧ - الرخصة في السواك بالعشي للصائم - حديث رقم ٧ في مشكل الوسيط ، والنووي في شرح المهذب بأنه من رواية ابن إسحاق بالعنعنة ، وهو مدلس فلا يصح ، زاد النووي والمدلس إذا لم يذكر سماعه لم يحتج به بلا خلاف ، قال العراقي : وقوله : بلا خلاف لیس بجيد ، بل فيه الخلاف في الاحتجاج بالمرسل وأولى بالصحة لاحتمال عدم سقوط أحد، وممن صرح بجریان الخلاف فيه ابن الصلاح، وغيره ، والله أعلم وضعف يحيى بن معين أيضا، الحديث المذكور . اهـ طرح جـ١/ص٦٥. وقال الحافظ في تعداد أحاديث السواك ، ومنها حديث عائشة ((فضل الصلاة التي يستاك لها على الصلاة التي لا يستاك لها سبعون ضعفا)) رواه أحمد ، وابن خزيمة ، والحاكم، والدارقطني ، وابن عدي، والبيهقي في الشعب ، وأبو نعيم ، ومداره عندهم على ابن إسحاق ، ومعاوية بن يحيى الصدفي كلاهما عن الزهري ، عن عروة ، لكن رواه أبو نعيم من طريق ابن عيينة ، عن منصور ، عن الزهري ، ولكن إسناده إلى ابن عيينة فيه نظر فإنه قال : ثنا أبو بكر الطلحي ، ثنا سهل بن المرزبان ، عن محمد التميمي الفارسي ، عن الحميدي ، عن ابن عيينة ، فينظر في إسناده، ورواه الخطيب في المتفق والمفترق من حديث سعيد بن عفير ، عن ابن لهيعة ، عن أبي الأسود ، عن عروة ، ورواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده من وجه آخر ، عن أبي الأسود إلا أن فيه الواقدي ، وله طريق أخرى رواها أبو نعيم من طريق فرج بن فضالة ، عن عروة بن رويم، عن عائشة، وفرج ضعيف ، ، ورواه ابن حبان في الضعفاء من طريق مسلمة ابن علي عن الأوزاعي ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة ، ومسلمة: ضعيف . قال : وإنما يُروى هذا عن الأوزاعي ، عن حسان بن عطية مرسلا ، قال الحافظ : قلت : بل معضلا، وقال يحيى ابن معين : هذا الحديث لا يصح له إسناد ، وهو باطل ، قال الحافظ : - ٣٠٠ شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة قلت : رواه أبو نعيم من حديث ابن عمر ، ومن حديث ابن عباس ، ومن حديث جابر ، وأسانيدها معلولة ا هـ تلخيص جـ١ / ص٣٧٨ هامش المجموع . ((المسألة الرابعة عشرة)) ذهب بعضهم إلى أن السواك كان واجبا على النبي ◌َ﴾، واستدل بما رواه أبو داود من حديث عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر « أن رسول الله ﴾ أمر بالوضوء عند كل صلاة طاهرا أو غير طاهر، فلما شق عليه أمر بالسواك لكل صلاة)) . وفي إسناده محمد بن إسحاق، وقد رواه بالعنعنة ، وهو مدلس ، وحجة من لم يجعله واجبا عليه مارواه ابن ماجه في سننه من حديث أبي أمامة (( أن رسول الله ◌َفيقال: ماجاءني جبريل إلا وصاني بالسواك حتى لقد خشيت أن يفرض علي، وعلى أمتي)). الحديث ، وإسناده ضعيف ، وروى أحمد في مسنده من حديث واثلة بن الأسقع ، قال: قال رسول الله : ((أمرتُ بالسواك حتى لقد خشيت أن يكتب علي)) . وإسناده حسن ، والخصائصُ لا تثبت إلا بدليل صحيح . اهـ طرح التثريب في شرح التقریب جـ٢/ ص٧٠ . (( المسألة الخامسة عشرة، في هذا الحدیث بیان ماكان عليه النبي ##من الشفقة علي أمته ، قاله الحافظ. وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البر: فيه دليل على فضل التيسير في أمور الديانة ، وأن مايشق منها مكروه ، قال الله تعالى: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ [البقرة: ١٨٥] ألا ترى أن رسول الله عَ﴾هما خير بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما . أفاده في الطرح جـ٢/ ص ٧٠. (((المسألة السادسة عشرة)) قال الحافظ العراقي رحمه الله تعالى: إن قيل: قد روى أبو داود، والنسائي بإسناد صحيح في هذا الحديث: ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بتأخير العشاء ، وبالسواك عند كل صلاة » ، وفي رواية للبيهقي: ((ولأخرت العشاء إلى نصف الليل)). وفي رواية له ((إلى ثلث الليل، أو نصفه))، فلم ذهبتم إلى تأكد السواك عند الصلاة