النص المفهرس

صفحات 161-180

المقدمة
١٦١ -
الشواهد . وقال ابن معين : ضعيف الحديث . وقال أبو زرعة :
الأحاديث التي يرويها مناكير . وقال أبو حاتم ، والنسائي : ليس بقوي .
وقول السبكي فيه : هو عندي في الزهري ثقة ثبت ، فقد قال الأوزاعي:
ما أحد أعلم بالزهري منه . وقال يزيد بن السمط : أعلم الناس بالزهري
قرة بن عبد الرحمن . فهو بعيد عن الصواب ، لأنه مخالف لأقوال
الأئمة المذكورين فيه ، واعتماده في ذلك على ما نقله عن الأوزاعي مما لا
يجدي ، لأن المراد من قول الأوزاعي المذكور أنه أعلم بحال الزهري من
غيره ، لا فيما يرجع إلى ضبط الحديث ، كما قال الحافظ ابن حجر في
التهذيب ، قال : وهذا هو اللائق .
ومما يدلك على ضعفه - زيادة على ما تقدم - اضطرابه في متن
الحديث، فهو تارة يقول: ((أقطع)) وتارة (( أبتر)) وتارة ((أجذم)) وتارة
((یذکر الحمد لله))، وأخرى يقول ((بذكر الله)).
ولقد أضاع السبكي جهدا كبيرا في محاولته التوفيق بين هذه
الروايات ، وإزالة الاضطراب عنها ، فإن الرجل ضعيف كما رأيت ، فلا
يستحق حديثه مثل هذا الجهد ، وكذلك لم يحسن صنعا حين ادعى أن
الأوزاعي تابعه ، وأن الحديث يَقْوَى بذلك، لأن السند إلى الأوزاعيّ
ضعيف جدا کما تقدم في الحديث الذي قبله ، فمثله لا یستشهد به ، كما
هو مقرر في مصطلح الحديث .
وقد رواه أحد الضعفاء الآخرين ، عن الزهري بسند آخر ، أخرجه
الطبراني من طريق عبد الله بن يزيد : حدثنا صدقة بن عبد الله ، عن
ءِ
محمد بن الوليد الزبيدي ، عن الزهري ، عن عبد الله بن کعب بن
مالك، عن أبيه مرفوعا . وهذا سند ضعيف ، صدقة هذا ضعيف ، كما
قال الحافظ في التقريب ، وقد خالف قرة إسناده كما ترى ، فلا يصح أن

- ١٦٢
شرح سنن النسائي
تجعل هذه المخالفة سندا في تقوية الحديث كما فعل السبكي ، بينما هي
تدل على ضعفه لاضطراب هذين الضعيفین فیه علی الزهري كما رواه
الآخرون من الضعفاء عن الزهري بإسناد آخر ، ذكرته في الحديث الذي
قبله .
وجملة القول أن الحديث ضعيف ، لاضطراب الرواة فيه على
الزهري ، وكل من رواه عنه موصولا ضعيف ، أو السند إليه ضعيف ،
والصحيح عنه مرسلا كما تقدم عن الدارقطني وغيره ، والله أعلم . اهـ
انظر إرواء الغليل جـ١ ص٢٩-٣٢ .
قال الجامع عفا الله عنه : الحاصل أن الأكثرين على تضعيف
الحديث، فقد قال الدارقطني رحمه الله : تفرد به قرة عن الزهري ، عن
أبي سلمة، عن أبي هريرة، وأرسله غيره ، عن الزهري ، عن النبي ◌َّ
وقرة ليس بقوي في الحديث . ورواه صدقة عن محمد بن سعيد ، عن
الزهري ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك ، عن أبيه ، عن النبي ◌َ﴾﴾ ،
ولا يصح الحديث ، وصدقة ، ومحمد بن سعيد ضعيفان ، والمرسل هو
الصواب ، انظر سنن الدراقطني جـ١ ص٢٩٩.
وقد تقدم تضعيف الأئمة لقرة هذا ، فقد قال أحمد : منكر الحديث،
وقال ابن معين : ضعيف الحديث ، وعنه : كان يتساهل في السماع ،
وفي الحديث ، وليس بكذاب ، وقال أبو زرعة : الأحاديث التي يرويها
مناكير ، وقال أبو حاتم ، والنسائي : ليس بقوي ، وقال أبو داود : في
حديثه نكارة .
وأما ما قاله يزيد بن السمط : كان الأوزاعي يقول : ما أحد أعلم
بالزهري من قرة بن عبد الرحمن . فقد تعقبه ابن حبان في الثقات - كما
في تهذيب التهذيب ج٨ ص٣٧٣- بقوله : هذا الذي قالہ یزید لیس
بشيء يحكم به على الإطلاق ، وكيف يكون قرة أعلم الناس بالزهري ،

المقدمة
١٦٣ -
وكل شيء روى عنه ستون حديثاً ، بل أعلم الناس بالزهري مالك ،
ومعمر ، ويونس ، والزبيدي ، وعقيل ، وابن عيينة ، هؤلاء أهل
الحفظ، والإتقان والضبط اهـ .
وأورد ابن عدي كلام الأوزاعي من رواية رجاء بن سهل ، عن أبي
مسهر ، ولفظه : ثنا يزيد بن السمط ، قال : ثناقرة ، قال : لم يكن
للزهري إلا كتاب فيه نَسَبُ قومه ، وكان الأوزاعي يقول : ما أحد أعلم
بالزهري من ابن حيوئيل ، فيظهر من هذه القصة أن مراد الأوزاعي أنه
أعلم بحال الزهري من غيره ، لا فيما يرجع إلى ضبط الحديث ، وهذا
هو اللائق ، والله أعلم . انظر تهذيب التهذيب جـ١ ص ٣٧٣-٣٧٤ .
والحاصل أن قرة ضعفه الجمهور ، ولم يوجد له توثیق صریح ، إلا
أن ابن عدي قال : لم أر له حديثا منكرا جدا ، وأرجو أنه لا بأس به .
وذكره ابن حبان في الثقات ، مع التعقب المذكور . فتفرده بوصل هذا
الحديث ، واضطرابه ومخالفته للثقات : يونسَ ، وعقيلَ بن خالد ،
وشعيب بن أبي حمزة ، وسعيد بن عبد العزيز ، فکلهم رووه عن
الزهري مرسلا ، يدل على وهمه ، فروايته منكرة ، وقد عرفت بطلان
دعوى متابعة الأوزاعي ، وغيره له ، فيما تقدم . فالصحيح أن الحديث
ضعيف جدا ، فتصحيح التاج السبكي ، وتحسين غيره له مما لا يلتفت
إليه، فتفطن، وهذا كله بلفظ ((الحمد لله)) وأما بلفظ البسملة فواه بمرة ،
لأن في سنده أحمد بن محمد بن عمران وهو متهم ، مع المخالفة
للثقات، بل حكم بعضهم (١) فيه بالوضع، وإن كان فيه نظر. والله أعلم.
((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه
تو کلت، وإليه أنيب».
(١) وهو العلامة السيد أحمد بن محمد بن الصديق الغماري ت ١٣٨٠ هـ، رحمه الله، فقد ألف
رسالة سماها «الاستعاذة ، والحسبلة ممن صحح حديث البسملة )» وهي مطبوعة ، حكم فيها
يكون حديث البسملة موضوعا ، لكن الحكم بالوضع محل نظر لمن أنصف ، والله أعلم .

- ١٦٤
شرح سنن النسائي
المسألة الثانية : إن قال قائل : لمَ لَمْ يفتتح النسائي رحمه الله سننه
بخطبة تنبئ عن مقصوده ، مشتملة على الحمد والشهادة ؟ .
فالجواب عنه : أنه ترك ذلك اتباعا للسنة حیث کانت کتب رسول الله
44 إلى الآفاق مفتتحة بالبسملة دون غيرها - كما تقدم شرح ذلك في
المسألة السابقة - .
وأيضا : أن ذلك عرف طارئ التزمه المتأخرون ، فقد استحسنوا
ابتداء مؤلفاتهم بالبسملة ، والحمدلة ، والصلاة على النبي #، ومدح
الفن ، وذكر الباعث ، وتسمية الكتاب ، وبيان كيفية العمل فيه من
التبويب ، والتفصيل ، وغير ذلك ، وأما المتقدمون فلا يوجد ذلك في
مؤلفاتهم إلا بعضه عند بعضهم ، كما فعل مسلم رحمه الله في صحيحه
فجرى المصنف رحمه الله على عمل المتقدمين هنا ، وفي الكبرى لموافقته
السنة ، فلم يذكر إلا البسملة .
وقد ذكر الحافظ في الفتح جوابًا عن البخاري رحمه الله تعالى فقال:
وقد اعتُرض على المصنف - يعني البخاري - لكونه لم يفتتح بخطبة
تنبئ عن مقصوده مفتتحة بالحمد والشهادة امتثالا لقوله:#: (( كل أمر ذي
بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أقطع)) وقوله: (( كل خطبة ليس فيها شهادة
فهي كاليد الجذماء)) أخرجهما أبو داود وغيره من حديث أبي هريرة
رضي الله عنه .
والجواب عن الأول : أن الخطبة لا يتحتم فيها سياق واحد يمتنع
العدول عنه ، بل الغرض منها الافتتاح بما يدل على المقصود ، وقد صدر
الكتاب بترجمة بدء الوحي ، وبالحديث الدال على مقصوده المشتمل
على أن العمل دائر مع النية ، فكأنه يقول : قصدت جمع وحي السنة
المتلقى عن خير البرية على وجه سيظهر حسن عملي فيه من قصدي ((وإنما

المقدمة
١٦٥ -
لكل امرئ ما نوی » فاکتفی بالتلویح عن التصریح ، وقد سلك هذه
الطريقة في معظم تراجم هذا الكتاب على ما سيظهر بالاستقراء .
والجواب عن الثاني : أن الحديثين ليسا على شرطه ، بل في كل
منهما مقال ، سلمنا صلاحيتهما للحجية ، لكن ليس فيهما أن ذلك
يتعين بالنطق والكتابة معا ، فلعله حمد وتشهد نطقا عند وضع الكتاب ،
ولم يكتب ذلك اقتصارًاً على البسملة ، لأن القدر الذي يجمع الأمور
الثلاثة ذكر الله ، وقد حصل بها ، ويؤيده أن أول شيء نزل من القرآن :
﴿اقرأ باسم ربك﴾ [الفلق: آية ١] فطريق التأسي به الافتتاح بالبسملة،
والاقتصار عليها ، لا سيما وحكاية ذلك من جملة ما تضمنه هذا الباب ،
بل المقصود بالذات من أحاديثه .
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ( فلعله حمد وتشهد نطقا .. إلخ)
فيه تكلف لا يخفى ، بل الجواب الصحيح هو ما أشار إليه بقوله :
ويؤيده .. إلخ ، فالأولى أن يقال : إنما ترك ذلك تأسيا ، ويؤيد ذلك -
كما قال - وقوع کتب رسول الله عَلّ إلى الملوك ، وكتبه في القضايا
مفتتحة بالتسمية دون الحمدلة ، وغيرها ، كما في حديث أبي سفيان في
قصة هرقل ، وكما في حديث البراء في قصة سهيل بن عمرو في صلح
الحديبية ، وغير ذلك من الأحاديث ، وهذا يشعر بأن لفظ الحمد
والشهادة إنما يحتاج إليه في الخطب دون الرسائل والوثائق ، فكأن
المصنف لما لم يفتتح كتابه بخطبة أجراه مجرى الرسائل إلى أهل العلم
لينتفعوا بما فيه تعلما وتعليما .
وقد أجاب من شرح هذا الكتاب - يعني صحيح البخاري - بأجوبة
أخری فیھا نظر :

-١٦٦ -
-
شرح سنن النسائي
منها : أنه تعارض عند الابتداء بالتسمية والحمدلة ، فلو ابتدأ
بالحمدلة لخالف العادة ، أو بالتسمية لم يعدّ مبتدئا بالحمدلة ، فاكتفى
بالتسمية . وتعقب بأنه لو جمع بينهما لكان مبتدئا بالحمدلة بالنسبة إلى ما
بعد التسمية ، وهذه هي النكتة في حذف العاطف ، فيكون أولى
لموافقته الكتاب العزيز ، فإن الصحابة افتتحوا كتابة الإمام الكبير بالتسمية
والحمدلة وتلوها ، وتبعهم على ذلك جميع من كتب المصحف بعدهم
في جميع الأمصار ، من يقول بأن البسملة آية من أول الفاتحة ، ومن لا
يقول ذلك .
ومنها : أنه راعی قوله تعالى : ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بین
يدي الله ورسوله﴾ [الحجرات: آية ١] فلم يقدم على كلام الله ورسوله
شيئا ، واكتفى بها عن كلام نفسه . وتعقب بأنه كان يمكنه أن يأتي بلفظ
الحمد من كلام الله تعالى ، وأيضا فقد قدم الترجمة وهي من كلامه على
الآية ، وكذا ساق السند قبل لفظ الحديث ، والجواب عن ذلك بأن
الترجمة والسند، وإن كانا متقدمين لفظا لكنهما متأخران تقديرا فيه نظر .
وأبعد من هذا كله قول من ادعى أنه ابتدأ بخطبة فيها حمد وشهادة ،
فحذفها بعض من حمل عنه الكتاب ، وكأن قائل هذا ما رأى تصانيف
الأئمة من شيوخ البخاري ، وشيوخ شيوخه ، وأهل عصره كما في الموطأ
وعبد الرزاق في المصنف ، وأحمد في المسند ، وأبي داود في السنن ،
إلى ما لا يحصى ممن لم يقدم في ابتداء تصنيفه خطبة ، ولم يزد على
التسمية ، وهم الأكثر، والقليل منهم من افتتح كتابه بخطبة ، أفيقال في
كل من هؤلاء : إن الرواة عنه حذفوا ذلك ؟! كلا ، بل يحمل ذلك من
صنيعهم، على أنهم حمدوا لفظا ، ويؤيده ما رواه الخطيب في الجامع
عن أحمد أنه كان يتلفظ بالصلاة على النبي ﴾ إذا كتب الحديث ، ولا
يكتبها ، والحامل له على ذلك إسراع أو غيره ، أو يحمل على أنهم رأوا

١٦٧ -
المقدمة
ذلك مختصا بالخطب دون الكتب ، كما تقدم ، ولهذا من افتتح كتابه
منهم بخطبة حمد ، وتَشَهَّد ، كما صنع مسلم . والله سبحانه وتعالى
أعلم بالصواب . اهـ فتح ج١ ص١٣ - ١٤ .
قال الجامع عفا الله عنه : هذا الاعتراض ، والجواب عنه عجيب -
ولا سيما من مثل الحافظ رحمه الله - لأنه مبني على ما جرى عليه عرف
المتأخرين - كما قدمنا - وعمل المتقدمين هو الجاري على ما ثبت في
السنة ، حيث كانت كتبه ﴾ مبتدأة بالبسملة فقط ، فهل مَن كان عمله
على وفق السنة يعترض عليه ، ويتكلف في الجواب ، والاعتذار عنه ؟!
إن هذا لشيء عجيب !! .
وبالجملة فهؤلاء الأئمة ممن ذكرهم الحافظ وغيرهم ، هم القدوة في
هذا الشأن ، فلا ينبغي الاعتراض عليهم بما عمله المتأخرون ، وأما
حديث : (( كل خطبة ليس فيها شهادة فهي كاليد الجذماء » فهو صريح في
الخطبة ، كخطبة الجمعة ، والعيدين ، والكسوف ، ونحوها ، وليست
كتب العلم مرادة به ، بدليل ما تقدم أن كتبه # إلى الملوك ، وكتبه في
القضايا خالية عن ذلك ، فتبصر . إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ،
وما توفيقي إلا بالله ، عليه توكلت ، وإليه أنيب .
المسألة الثالثة : قال الحافظ رحمه الله تعالى: وقد استقر عمل الأئمة
المصنفين على افتتاح كتب العلم بالبسملة ، وكذا معظم كتب الرسائل ،
واختلف القدماء فيما إذا كان كله شعرا ، فجاء عن الشعبي منع ذلك ،
وعن الزهري ، قال : مضت السنة أن لا يكتب في الشعر (( بسم الله
الرحمن الرحيم)) ، وعن سعيد بن جبير جواز ذلك ، وتابعه على ذلك
الجمهور ، وقال الخطيب : هو المختار . اهـ فتح ج١ ص١٤ .
وقال الملا علي القاري رحمه الله تعالى في شرح المشكاة ج١

-١٦٨
شرح سنن النسائي
ص٣٧: والأحسن التفصيل ، بل هو الصحيح ، فإن الشعر حسنه
حسن، وقبيحه قبيح ، فيصان إيراد البسملة في الهجويات ، والهذيان ،
ومدائح الظلمة ، ونحوها . اهـ .
قال الجامع عفا الله عنه : هذا التفصيل الذي ذكره القاري رحمه الله
تعالى هو الأولى عندي ، ولعل ما روي عن الشعبي والزهري رحمهما
الله تعالى محمول على هذا، فمرادهما الشعر القبيح، والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه
توكلت وإليه أنيب .
ويوجد في النسخة المصرية بعد البسملة ما نصه :
(وصلى اللهُ عَلَى سَيِّدنَا مُحَمَّد، وآله، وسَلَّمَ)
وليس موجودًا في النسخة الهندية ، ولعله ملحق ممن بعد المصنف
ولكني أشرحه احتياطًا ، فأقول قوله : (وصلى الله) جملة خبرية لفظًا،
إنشائية معنى .
قال النووي رحمه الله تعالى في شرح المهذب : أصل الصلاة في
اللغة الدعاء ، هذا قول جمهور العلماء من أهل اللغة وغيرهم ، وقال
الزجاج : أصلها اللزوم ، قال الأزهري ، وآخرون : الصلاة من الله
تعالى الرحمة ، ومن الملائكة الاستغفار ، ومن الآدمي تضرع ودعاء .
اهـ المجموع ج١ ص٧٥ .
وقال الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه ج٩ ص ٦١٠ بنسخة
الفتح : قال أبو العالية : صلاة الله ثناؤه عليه عند ملائكته ، وصلاة
الملائكة الدعاء .
وقال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى في جامعه جـ٢ ص ٦١٠ -
بشرح تحفة الأحوذي - : وروي عن سفيان الثوري ، وغیر واحد من

١٦٩ _
المقدمة
أهل العلم ، قالوا : صلاة الرب: الرحمة ، وصلاة الملائكة : الاستغفار
اهـ ، قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسيره جـ ٣ ص ٥٠٣ : وقد
يقال: لا منافاة بين القولين والله أعلم.
وقد رد العلامة ابن القيم رحمه الله على من فسر الصلاة بالرحمة ،
وبالغ في ذلك في كتابه (( جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير
الأنام )) فراجعه ص٨٣-٩١ .
(على سيدنا) متعلق بصَلَّى، قال الفيومي رحمه الله : وسيد القوم
رئيسهم ، وأكرمهم، والسيد المالك ، وأصله سَويد ، وزان كَريم ،
فاستثقلت الکسرة على الواو ، فحذفت ، فاجتمعت الواو وهي ساكنة ،
والياء ، فقلبت الواو ياء ، وأدغمت في الياء ، وقيل : أصله فَيْعل -
بسكون الياء ، وكسر العين - وهو مذهب البصريين ، والأصل سيود ،
وقيل: بفتح العين ، وهو مذهب الکوفیین ، لأنه لا يوجد فَیعل بكسر
العين في الصحيح ، إلا صَيْقل اسم امرأة ، والعَليل محمول على
الصحيح ، فتعين الفتح قياسا على عَيَطَل، وكذلك ما أشبهه (١).
وقال النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن السيد يطلق على الذي
يفوق قومه ، ويرتفع قدره عليهم ، ويطلق على الزعيم والفاضل ،
ويطلق على الحليم الذي لا يستفزّه غضبه ، ويطلق على الكريم ، وعلى
المالك ، وعلى الزوج ، وقد جاءت أحاديث كثيرة بإطلاق السيد على
أهل الفضل .
فمن ذلك ما رويناه في صحيح البخاري عن أبي بكرة رضي الله
عنه: أن النبي * صعد بالحسن بن علي رضي الله عنهما المنبر ، فقال:
((إن ابني هذا سيد، ولعل الله تعالى أن يصلح به بين فئتين من المسلمین ))
(١) المصباح في مادة ((جود)) و ((سود)).

-١٧٠
شرح سنن النسائي
وروينا في صحيحي البخاري ومسلم ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله
عنه : أن رسول الله عنهقال للأنصار لما أقبل سعد بن معاذ رضي الله عنه :
((قوموا إلى سيدكم)) وروينا في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله
عنه : أن سعد بن عبادة قال : يا رسول الله ، أرأيت الرجل يجد مع
امرأته رجلا أيقتله؟ .. الحديث. فقال رسول الله: ((انظروا إلى ما
يقول سيدكم )) .
وأما ما في سنن أبي داود بالإسناد الصحيح عن بريدة رضي الله عنه،
قال : قال رسول الله+﴾﴾: « لا تقولوا للمنافق سید ، فإنه إن يك سيدا ،
فقد أسخطتم ربکم عز وجل » فيجمع بينه وبين هذه الأحاديث أنه لا بأس
بإطلاق فلان سيد ، ويا سيدي وشبه ذلك إذا كان المسوَّد فاضلا خيِّراً ،
إما بعلم ، وإما بصلاح ، وإما بغير ذلك ، وإن كانا فاسقا أو متهما في
دينه ، أو نحو ذلك كره أن يقال له : سيد . اهـ كلام النووي في أذكاره
بتغییر یسیر ص٣٢١-٣٢٢ .
وقال العلامة ابن القيم رحمه الله في بدائع الفوائد :
اختلف الناس في جواز إطلاق السيد على البشر ، فمنعه قوم ، ونقل
عن مالك، واحتجوا بقول النبي ®لما قيل له: يا سيدنا، قال: ((السيد
الله تبارك وتعالى)). وجوزه قوم، واحتجوا بقول النبي # للأنصار:
((قوموا إلى سيدكم))، وهذا أصح من الحديث الأول . قال هؤلاء :
السيد أحَدُ ما يضاف إليه ، فلا يقال للتميمي سيد كندة ، ولا يقال :
المَلَكُ سيد البشر ، قال : وعلى هذا فلا يجوز أن يطلق على الله هذا
الاسم، وهذا فيه نظر ، فإن السيد إذا أطلق عليه تعالى فهو في منزلة
المالك ، والمولى ، والرب ، لا بمعنى الذي يطلق على المخلوق . انتهى .
انظر فتح المجيد شرح كتاب التوحيد للشيخ عبد الرحمن بن حسن آل
الشیخ ص٧٣٨ -٧٣٩ .

المقدمة
١٧١ -
قال الجامع عفا الله عنه: والصواب أن لفظ ((السيد)) يجوز إطلاقه
على الله تعالى ، لحديث أبي داود المذكور ، وهو حديث صحيح ،
ويجوز إطلاقه على المخلوق إذا لم يكن فاسقا ، الأحاديث المتقدمة في
كلام النووي .
وأما نهيه ته عن قولهم ((يا سيدنا)) فهو من باب التحذير عن الغُلُوّ في
المدح ، فالحديث صريح في ذلك ، فقد أخرج أبو داود بسند جيد ،
وصححه غیر واحد - کما قال في الفتح جـ٥ ص١٧٩ - عن عبد الله بن
الشِّخِّير رضي الله عنه ، قال: انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله
##، فقلنا: أنت سيدنا، فقال: ((السيد الله تبارك وتعالى)) قلنا:
وأفضلنا فضلا، وأعظمنا طولا، فقال: ((قولوا بقولكم)) أو (( بعض
قولكم، ولا يَسْتَجْرِيَنَّكم الشيطان))(١).
(محمد) هو علم نبينا #، وهو أشرف أسمائه ، منقول من اسم
مفعول حُمِّدَ، وهو يتضمن الثناء على المحمود ، وإجلاله وتعظيمه
ومحبته ، وهو علم وصفة اجتمع فيه الأمران في حقهم﴾، وإن كان علما
محضا في حق غيره . وهذا شأن أسماء الله تعالى ، وأسماء كتبه ،
وأسماء نبيه تميّهي أعلام دالة على معان هي أوصاف ، فلا تضاد فيها
العلميةُ الوصفیةً، فهو ټ﴾ محمود عند الله ، وعند ملائكته، وعند
إخوانه من المرسلين ، وعند أهل الأرض كلهم ، وإن كفر به بعضهم
عنادا ، وقد اختص من مسمى الحمد بما لم يجتمع لغيره ، فإنه محمد ،
وأحمد، وأمته الحامدون ، وصلاته مفتتحة بالحمد ، وخطبته مفتتحة
بالحمد ، وكتابه مفتتح بالحمد ، وبيده لواء الحمد يوم القيامة ، وهو
صاحب المقام المحمود الذي يغبطه فيه الأولون والآخرون . وقد أجاد في
(١) أي لا يستتبعنكم ، فيتخذكم جريَّهُ ، أي وكيله ، وسمي الوكيل جريًا ، لأنه يجري مَجْرَى
موكله . أفاده في السان .

- ١٧٢ ـ
-
شرح سنن النسائي
هذا الباب العلامة ابن القيم رحمه الله فأفاد . انظر جلاء الأفهام
ص٩٢-١٠٨ .
( وآله) اختلف في أصله ، فقيل : أهل ، قلبت الهاء همزة ثم
سهلت ، ولهذا إذا صغر رد إلى الأصل ، فقالوا : أهيل ، وقيل : أصله
أول ، من آل يؤول : إذا رجع ، سمي بذلك من يؤول إلى الشخص ،
ويضاف إليه ، ولا يضاف إلا إلى معظم ، فلا يقال : آل الحجام ، ولا آل
الإسكاف ، بخلاف أهل ، ولا يضاف أيضا إلى غير العاقل ، ولا إلى
الضمير عند الأكثر ، وجوزه بعضهم بقلة .
واختلف في المراد بالآل هنا ، فقيل : من حرمت عليه الصدقة ، وهو
نص الشافعي رحمه الله ، واختاره الجمهور ، ورجحه السخاوي ،
قال: ويؤيده قوله : ((إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة)) وقوله: ((إن
هذه الصدقة إنما هي أوساخ الناس ، وإنها لا تحل لمحمد ، ولا لآل
محمد)» ، وقال أحمد رحمه الله : المراد في حديث التشهد أهل بيته .
وقيل : المراد أزواجه وذريته ، وقيل : ذرية فاطمة ، وقيل : جميع
قريش ، وقيل : جميع أمة الإجابة . قال ابن العربي رحمه الله : مال
إلى ذلك مالك ، واختاره الأزهري ، وحكاه أبو الطيب الطبري عن
بعض الشافعية ، ورجحه النووي في شرح مسلم ، وقيده القاضي
حسين والراغب بالأتقياء منهم ، وعليه يحمل كلام من أطلق ، ويؤيده
قوله تعالى : ﴿إن أولياؤه إلا المتقون﴾ [الأنفال: آية ٣٤] أفاده الحافظ
السخاوي رحمه الله في القول البديع ص٨٨-٨٩ .
(وسلم) أي عليه . فمتعلقه محذوف بدليل ما قبله ، قال الحافظ
السخاوي رحمه الله تعالى: واختلف في معنى السلام ، فقيل : السلام
الذي هو اسم من أسماء الله تعالى عليك ، وتأويله لا خلوت من

المقدمة
-١٧٣ -
الخيرات ، والبركات ، وسلمت من المكاره ، والآفات ، إذ كان اسم الله
إنما يذكر توقعا لاجتماع معاني الخير والبركة فيها ، وانتفاء عوارض الخلل
والفساد عنها ، ويحتمل أن يكون بمعنى السلام ، أي ليكن قضاء الله
عليك السلام، وهو السلامة كالمّقَام والمقَامة ، والمَلام والملامة ، أي
يسلمك الله من الملام والنقائص . فإذا قلت : اللهم سلم على محمد ،
فإنما تريد به : اللهم اكتب لمحمد في دعوته ، وأمته ، وذكره السلامة من
كل نقص، فتزداد دعوته على ممر الأيام علوّاً ، وأمته تكاثرا ، وذكره
ارتفاعا. قاله البيهقي . انتهى ، القول البديع في الصلاة والسلام على
الحبيب الشفيع ص٧٥ .
وسيأتي مزيد بسط ، وتحقيق لمعنى الصلاة والسلام على النبي # وما
يتعلق بذلك في كتاب الصلاة إن شاء الله تعالى .
﴿ قَالَ الشَّيْخُ العَالمُ الرَّبَانِيُّ الرَّحْلَةُ الْحَافظُ الْحُجَّةُ الصَّمَدانيُّ ، أبو
عَبْد الرَّحْمَن أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْب بْن عَلَىِّ بْن بَحْرِ النَّسائىُّ رَحمَهُ اللهُ تَعَالى)
الظاهر أن هذه العبارة ليست للمصنف ، وإنما هي ممن روى الكتاب
عنه ، أو ممن بعدهم .
(الشيخ) ومثله الشّيخُونُ : من استبانت فيه السن ، أو من خمسين
أو إحدى وخمسين إلى آخر عمره ، أو إلى الثمانين . جمعه : شُيُوخ -
بالضم - وشِيُوخ - بالكسر - وأشياخ ، وشِيَخَةٌ - كعنبة - ، وشِيْخةٌ،
بكسر فسكون ، وشيخان - بالكسر - ومَشْيخَة - بالفتح - ومشيخة -
بالكسر - ومَشْيُخاء ، ومشيُخاء ، ومشايخ . وتصغيره : شيخ - بالضم
- وشييخ - بالكسر - وشُويخ قليلة . اهـ ((ق)).
قال بعضهم : الشيخ في الأصل ضد الشاب ، ثم استعير للأستاذ ،
أو للمرشد ، لعلاقة التشبيه في العظمة . اهـ .

- ١٧٤
شرح سنن النسائي
(الإمام) قال الفيومي رحمه الله: الإمام : العالم المقتدى به ، ومن
يؤتم به في الصلاة ، ويطلق على الذكر والأنثى ، قال بعضهم : وربما
أنث إمام الصلاة بالهاء ، فقيل : امرأة إمامة ، وقال بعضهم : الهاء فيها
خطأ، والصواب حذفها ، لأن الإمام اسم لا صفة ، اهـ المصباح ج١
ص٢٣ .
وفي «ق » وشرحه : الإمام بالکسر : کل ما ائتمّ به قوم ، من رئیس
أو غيره ، جمعه : إمام بلفظ الواحد ، وأية بقلب الهمزة ياء لثقلها ،
وأئمة بهمزتین شاذ . اهـ .
والمراد به هنا : العالم الذي يُقْتَدَى به في العلم .
(العالم) أي المتصف بالعلم ، وهو كما في المصباح : اليقين ، يقال:
علم يعلَم : إذا تيقَّن .
(الرباني) قال في ((ق)) وشرحه: الرباني: العالم المُعَلّم الذي يَغْذُو
الناس بصغار العلوم قبل كبارها . وقال محمد ابن الحنفية لما مات عبد
الله ابن عباس رضي الله عنهما : مات اليوم رباني هذه الأمة . وروي
عن علي رضي الله أنه قال : الناس ثلاثة : عالم رباني، ومتعلم على
سبيل النجاة، وهَمَجٌ (١) رعاع (٢) أتباع كل ناعق (٣)، والرباني : العالم
الراسخ في العلم والدين ، أو العالم العامل المعلم ، أو العالي الدرجة في
العلم. وقيل : الرباني : الْمُتَألّه العارف بالله تعالى، منسوب إلى
الربّان، وفعلان یُینی من فعل مکسور العین کثیرًا، کعطشان ، وسكران،
(١) الهمج : ذباب صغير كالبعوض يقع على وجوه الدواب ، الواحدة همجة ، مثل قصب
وقصبة، وقيل: هو دود يتفقأ عن ذباب وبعوض. ويقال للرَّعاع: همج على التشبيه. اهـ
المصباح.
(٢) الرعاع بالفتح: السُّفْلَة من الناس، ويقال: هم أخلاط الناس. اهـ المصباح .
(٣) اسم فاعل من نَعَق ينعق، من باب ضرب : إذا صاح .

المقدمة
١٧٥ _
ومن فَعَلَ مفتوح العين قليلا ، كَنعْسان ، أو منسوب إلى الرب ، أي الله
سبحانه وتعالى ، بزيادة الألف والنون للمبالغة . وقال سيبويه : زادوا
ألفا ، ونونا في الرباني ، إذا أرادوا تخصيصا بعلم الرب ، دون غيره ،
كأن معناه صاحب علم الرب دون غيره من العلوم ، ونونه كلحياني ،
وشَعْراني، ورَقَبَاني: إذا خُصَّ بطول اللحية ، وكثرة الشَّعَر ، وغلظ
الرَّقبة، فإذا نسبوا إلى الشعر قالوا : شَعَري، وإلى الرقبة قالوا: رقبي،
وإلى اللحية ، قالوا: لحْييّ . والرباني : الموصوف بعلم الرب ، وفي
التنزيل : ﴿ كونوا ربانيين﴾ [آل عمران: ٧٩]. اهـ ببعض اختصار ج١
ص٢٦٠ .
وقال البخاري رحمه الله في كتاب العلم من صحيحه تعليقا : وقال
ابن عباس رضي الله عنه : ﴿ كونوا ربانيين﴾ حلماء فقهاء .
(الرُّحْلة) - بالضم - أي العالم الكبير الذي يُرحل إلیه لجاهه ، أو
علمه، قاله في ((تاج)). وفي المصباح: وقال أبو زيد: الرِّحلة -
بالكسر - اسم من الارتحال ، والرَّحلة - بالضم - : الشيء الذي يرحل
إليه ، يقال: قَرُبت رحْلَتنا - بالكسر - أنت رُحلتنا - بالضم - أي
المقصد الذي يقصد . اهـج١ ص٢٢٢ .
والمراد به هنا : العالم الذي ترحل إليه طلبة العلم من أقطار الأرض
لأخذ العلوم منه .
(الحافظ) اسم فاعل من حَفظَ ، من باب عَلمَ ، يقال : حفظت
المال، وغيره ، حفظا : إذا منعته من الضياع ، والتلف ، وحفظته : صنته
عن الابتذال . قاله في المصباح جـ١ ص ١٤٢ .
والحافظ من الألقاب التي يطلقها المحدثون على العلماء بالحديث ،
وقد بينه الحافظ أبو الحجاج المزي رحمه الله ، لما سئل عن الحد الذي إذا

-١٧٦
شرح سنن النسائي
انتهى إليه جاز أن يطلق عليه لفظ الحافظ ، فقال : أقل ما يكون أن يكون
الرجال الذين يعرفهم ، ويعرف تراجمهم ، وأحوالهم وبلدانهم أكثر من
الذین لا یعرفهم ، لیکون الحکم للغالب اهـ.
ودونه المُحدث ، ودون المحدث المُسندُ - بکسر النون - وفوق
الكل أمير المؤمنين ، إذ هو لقب لم يَظفَر به إلا الأفذاذ النوادر الذين هم
أئمة هذا الشأن ، کشعبة ، والثوري ، وأحمد ، وإسحاق بن راهويه ،
والبخاري ، والدارقطني ، ومن المتأخرين كالحافظ ابن حجر ،
وأضرابهم ، إلى هذا أشار الحافظ السيوطي رحمه الله في ألفية
المصطلح، حيث قال :
وذَا الحَديثِ وَصَفُوا فاختَصًّا
وهو الذي إليه في التَّصْحیح
أنْ يحفَظَ السُّنةَ ماصحَّ وَمَا
فيه الرواةُ زائداً أو مُدَرَجَا
يَدري اصطلاحَ القَوْمِ والنَّميُّزا
في ثقة والضَّعْف والطِّبَاقِ
وصرَّحَ المزِّيُّ أنْ يكونَ مَا
ودونَهُ مُحدِّثٌ أنْ تُبْصرَه
ومَن على سَمَاعه المجرَّدِ
وبأمير المؤمنين لقَّبُوا
بحَافظ كَذا الخطيبُ نَصًّا
يُرجِعُ والتَّعْديل والتَّجْرِيحِ
يَدْرِي الأسانيدَ ومَا قَد وَهمَا
ومَا به الإعْلالُ فيها نُهِجَا
بينَ مَراتب الرِّجال مَيَّزا
كَذَا الخطيب حَدَّللإطلاقِ
يَفُوتُه أقلَّ مِمَّا عَلِمَا
مِنْ ذاكَ يَحْوي جُمَلا مُستَكْثَرَه
مُقتصرٌ لا علمَ سمْ بالمُسْنِدِ
أئمةَ الحَديث قدْمَا نَسَبُوا
(الحُجة) - بالضم - هو في الأصل: الدليل، والبرهان، والجمع
حُجَج، مثل غُرْفة ، وغُرَف ، أي العالم الذي يجعل حجة وبرهانا في
الحديث لطلاب الحديث .

المقدمة
-١٧٧
(الصمداني) أي المنسوب إلى الصَّمَد ، وهو الله تعالى ، انتساب
الطالب إلى المطلوب ، لأن الصمد من معانيه الذي يُصمد إليه في
الحوائج ، أي يقصد ، وقيل : السيد المطاع الذي لا يُقضَى دونه أمر.
وقيل : الذي لا يَطْعَم ، وقيل : السيد الذي قد انتهى سؤدده . اهـ (( ق))
و «تاج )) جـ٢ ص٤٠١ .
(أبو عبد الرحمن) بالرفع بدل من الشيخ ، أو خبر لمبتدإ محذوف ،
تقديره : هو (أحمد) بالرفع بدل عن مما قبله ، أو خبر لمحذوف ،
ويحتمل النصب مفعولا لفعل محذوف ، أي أعني (بن شعيب بن علي
ابن بحر) ((بن)) صفة لأحمد، أو بدل ، أو عطف بيان ، ويحتمل
قطعه، کسابقه ( النسائي) یحتمل الرفع ، والنصب کسابقه ( رحمه الله
تعالى) جملة دعائية مستأنفة لا محل لها من الإعراب . ومقول ((قال))
قوله: ((تأويل قول الله عز وجل)) إلخ.

١٧٩ -
تاويل قول الله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ..
تأويل قول الله عز وجل ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا
قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى
[المائدة: الآية ٦]
المرافق ﴾
تأويل قول الله عز وجل: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة
فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق﴾ [المائدة: الآية ٦].
أي هذا باب تذكر فيه الأحاديث المفسرة لهذه الآية الكريمة ، فإن
الأحاديث المذكورة في باب الطهارة مفسرة لآية الوضوء لأن الله تعالى
قال: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ [النحل:
آية ٤٤]. فما نقل عن النبي عليه قولا أو فعلا أو غيرهما تبيين لها
ولبعضهم (من الكامل) :
· نَطَقَ النبيّلنا به عَنْ ربِّ
فَهِوَ المفسِّرُ للكتاب وإنَّمَا
والتأويل : مصدر أوَّلَ الكلامَ : يقال : أول الكلام تأويلا ، وتأوله :
دَبَّره وقدَّره، وفسِّره. اهـق وقال في التاج ٧ /٢١٥: وظاهر كلام
المصنف أن التأويل والتفسير واحد، وفي العباب : التأويل : تفسير ما
يؤول إليه الشيء، وقال غيره : التفسير : شرح ماجاء مجملا من
القصص في الكتاب الكريم ، وتقريب ماتدل عليه ألفاظه الغريبة ، وتبيين
الأمور التي أنزلت بسببها الآية ، وأما التأويل : فهو تبيين معنى المتشابه ،
والمتشابهُ : هو ما لم يقطع بفحواه من غير تردد فيه وهو النص . وقال
الراغب : التأويل : ردَّ الشيء إلى الغاية المرادة منه ، قولا أو فعلا ، وفي
جمع الجوامع : هو حمل الظاهر على المحتمل المرجوح ، فإن حُمل
لدليل فصحيح ، أو لما يُظَنّ دليلا ففاسد، أو لا بشيء فلعب ، لا تأويل،
قال ابن الكمال : التأويل : صرف الآية عن معناها الظاهر إلى معنى
تحتمله ، إذا كان المحتمل الذي تُصرف إليه موافقا للكتاب والسنة ،

- ١٨٠ .
--
شرح سنن النسائي - كتاب الطهارة
كقوله: ((يخرج الحي من الميت)) إن أراد به إخراج الطير من البيضة كان
تأويلا (١) أو إخراج للمؤمن من الكافر ، والعالم من الجاهل كان تأويلا ،
وقال ابن الجوزي : التفسير : إخراج الشيء من معلوم الخفاء إلى مقام
التجلي ، والتأويل: نقل الكلام عن موضعه إلى مايحتاج في إثباته إلى
دليل لولاه ماترك ظاهر اللفظ . وقال بعضهم : التفسير كشف المراد عن
اللفظ المشكل، والتأويل: رد أحد المحتملين الى مايطابق الظاهر. ا هـ تاج
ولشيخ الإسلام ابن تيمية في الرسالة الحَمَويّة كلام نفيس في هذا
الموضوع، وحاصل ما قاله رحمه الله تعالى: أن لفظ التأويل يستعمل
في ثلاث معان :
أحدها : - وهو اصطلاح كثير من المتأخرين من المتكلمين في الفقه
وأصوله - صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح
لدلیل یقترن به .
الثاني : أن التأويل هو التفسير، وهذا هو الغالب على اصطلاح
المفسرين للقرآن كما يقول ابن جرير وأمثاله من المصنفين في التفسير :
واختلف علماءُ التأويل.
الثالث : هو الحقيقة التي يؤول إليها الكلام ، كما قال الله تعالى :
﴿هل ينظرون إلا تأويله يوم يأت تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد
جاءت رسل ربنا بالحق﴾ [الأعراف: آية ٥٢] فتأويل ما في القرآن من
أخبار المعاد: هو ما أخبر الله به فيه مما يكون من القيامة والحساب
والجزاء، والجنة والنار ، كما قال الله تعالى في قصة يوسف لما سجد له
أبواه وإخوته قال: ﴿يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل﴾
[يوسف: آية ١٠٠]، فجعل عين ما وجد في الخارج هو تأويل الرؤيا ، اهـ
كلام شيخ الإسلام باختصار . الحموية ص٣٧.
(١) لعل الصواب : كان تفسيرا . فتأمل .