النص المفهرس

صفحات 21-40

-٢١ -
المقدمة
وسئل عن اللحن في الحديث فقال : إن كان شيء تقوله العرب ، وإن
لم يكن لغةً غير قريش فلا يُغير، لأن النبي ◌َّ كان يكلم الناس
بكلامهم، وإن كان مما لا يوجد في لغة العرب فرسول الله تَّ لا يلحن.
ذكره ياقوت في معجمه ج٥ / ص٢٨٢ .
وفاته
روى أبو عبد الله بن منده عن حمزة العقبي المصري وغيره : أن
النسائي خرج من مصر في آخر عمره إلى دمشق ، فسئل بها عن معاوية ،
وما جاء في فضائله؟ فقال : لا يرضى رأسا برأس حتى يفضل ؟ قال :
فما زالوا يدفعون في حضنيه (١) حتى أخرج من المسجد ، ثم حمل إلى
مكة فتوفي بها ، كذا قال ، وصوابه إلى الرملة .
قال الدارقطني : خرج حاجا فامتحن بدمشق ، وأدرك الشهادة ،
فقال: احملوني إلى مكة ، فحمل ، وتوفي بها ، وهو مدفون بين الصفا
والمروة وكان وفاته في شعبان سنة ٣٠٣، قال : وكان أفقه مشايخ مصر
في عصره وأعلمهم بالحديث ، والرجال .
وقال أبو سعيد بن يونس في تاريخه : كان أبو عبد الرحمن النسائي
إما ما حافظا ثبتا خرج من مصر في شهر ذي القعدة من سنة ٣٠٢ ، وتوفي
بفلسطين في يوم الاثنين لثلاث عشرة خلت من صفر سنة ٣٠٣ .
قال الذهبي : هذا أصح ، فإن ابن يونس حافظ يقظ ، وقد أخذ عن
النسائي ، هو به عارف . اهـ سير جـ١٤ / ص١٣٣.
وقد ألف في ترجمته الحافظ المتقن أبو القاسم خلف بن عبد الملك بن
بشكوال محدث الأندلس ، ومؤرخها ، المتوفي سنة ٥٧٨ هـ جزءًا .
(١) أي جنبيه ، وفي شذرات الذهب : خصيتيه .

٢٢
شرح سنن النسائي
المسألة الثانية
في ذكر مؤلفاته القيمة
کان رحمه الله کثیر المؤلفات ، له كتب كثيرة في الحدیث والعلل
وغير ذلك .
فمن أبرزها السنن التي تسمى المجتبى بالباء ، أو المجتنى بالنون،
المقصودة بكتابة هذا الجامع عليها، وسأفرد عليها الكلام فيما بعد إن شاء
الله تعالى .
والسنن الكبرى ، وخصائص علي ، وعمل اليوم والليلة، وهما
داخلان في الكبرى في بعض النسخ ، وكتاب التفسير في مجلد ،
والكنى ، والضعفاء والمتروكون ، والتمييز، ومعجم شيوخه، وكتاب
الطبقات ، وتصنيف في معرفة الإخوة والأخوات ، ومسند حديث مالك
ابن أنس ، ومسند حدیث الزهري بعلله ، والکلام علیه، ومسند حديث
شعبة بن الحجاج ، ومسند حدیث سفيان بن سعيد الثوري، و کتاب
الإغراب ، وهو مسند حديث شعبة وسفيان الثوري مما رواه شعبة ولم
يروه سفيان ، أو رواه سفيان ولم يروه شعبة من الحديث والرجال ،
ومسند حديث ابن جريج ، ومسند حديث يحيى بن سعيد القطان ،
ومسند حديث فضيل بن عياض، وداود الطائي ، ومفضل بن مهلهل
الضبي، والجرح والتعديل، والجمعة ، ومناسك الحج ، وفضائل القرآن
الكريم ، وهو داخل في سننه الكبرى ، وتسمية فقهاء الأمصار من
أصحاب رسول الله عليه ومن بعدهم من أهل المدينة ، وتسمية من لم يرو
عنه غير رجل واحد ، وجزء من حديث عن النبي #، ووفاة النبي عليه
وإملاآته الحديثية، ومسند منصور بن زاذان الواسطي ، وشيوخ الزهري،
وذكر من حدث عنه ابن أبي عروبة ، ولم يسمع منه (١).
(١) انظر مقدمة تحقيق عمل اليوم والليلة ص ٢٨-٣٨ .

المقدمة
-٢٣ -
المسألة الثالثة
في بيان مذهبه في الجرح والتعديل ، ومنهجه في التصنيف
کان رحمه الله من المتشددین في الجرح کما نص على ذلك غير واحد
من الحفاظ ، فقد تقدم قريبا أن سعد بن علي الزنجاني قال : إن لأبي
عبد الرحمن النسائي شرطا في الرجال أشد من شرط البخاري ومسلم ،
وأن الذهبي قال : صدق ، فإنه لیَّن جماعة من رجال الصحیحین .
وقد قسم الحافظ أبو الفضل بن طاهر المقدسي أحاديث المجتبى ثلاثة
أقسام ، ومثله أبو داود : الأول الصحيح المخرج في الصحيحين ، وهو
أكثر كتابه . الثاني : صحيح على شرطهما . الثالث : أحاديث أبان عن
علتها بما يفهمه أهل المعرفة .
وذکر الشیخ أبو عمرو بن الصلاح في مقدمته عن أبي عبد الله بن
منده أنه سمع محمد بن سعد الباوردي بمصر یقول : کان من مذهب أبي
عبد الرحمن النسائي أن يخرج عن كل من لم يجمع على تركه ، قال ابن
منده : ومثله أبو داود ، وإلى ذلك أشار العراقي في ألفيته حيث قال :
والنَّسَتَي يُخْرِجُ مَنْ لَمْ يُجْمِعُوا عَلَيْهِ تَرْكَا مَذْهَبٌ مُتَسعُ
وقوله مذهب متسع ، أي إن لم يرد به إجماعًا خاصًا ، وذلك أن
الحافظ ابن حجر رحمه الله قال : إن ذلك إجماع خاص ، وذلك أن کل
طبقة من نقاد الرجال لا تخلو من متشدد ومتوسط ، فمن الأولى شعبة،
والثوري ، وشعبة أشدهما ، ومن الثانية يحيى القطان، وابن مهدي ،
ويحيى أشدهما، ومن الثالثة: ابن معين، وأحمد ، وابن معين أشدهما،
ومن الرابعة أبو حاتم، والبخاري، وأبو حاتم أشدهما. فقال النسائي : لا
يترك الرجل عندي حتى يجتمع الجميع علی تر که ، فإذا وثقه ابن مهدي،
وضعفه یحیی القطان مثلا لا يُتْرَكُ لما عُرف من تشدد یحیی ، ومَن هو

٢٤ _
شرح سنن النسائي
مثله في النقد ؟ وإذا تقرر ذلك ظهر أن الذي يتبادر إلى الذهن من أن
مذهب النسائي في الرجال مذهب متسع لیس کذلك ، فکم من رجل
أخرج له أبو داود، والترمذي تجنب النسائي إخراجَ حديثه ، بل تجنب
إخراج حديث جماعة من رجال الصحيحين .
قال الجامع عفا الله عنه :
هذا الذي نقله ابن الصلاح عن ابن منده عن محمد بن سعد من أن
مذهب النسائي أن يخرج عن كل من لم يجمع على تركه، وتشبيه ابن
منده عمله بعمل أبي داود غیر صحیح لمخالفته صنيعه في سننه ، بل
الصحيح ما تقدم عن سعد بن علي الزنجاني، ووافقه عليه الذهبي فإن من
تتبع عمله في سننه يظهر له ذلك ، فالنسائي أشد انتقاء بخلاف أبي داود .
والله أعلم .
وكَتَبَ السيوطي رحمه الله في مقدمة شرحه لهذا الكتاب المسمى
بزهر الربى على المجتبى ، ما نصه :
قال الحافظ أبو الفضل بن طاهر في شروط الأئمة : كتاب أبي داود
والنسائي ينقسم على ثلاثة أقسام :
الأول : الصحيح المخرج في الصحيحين .
الثاني : صحيح على شرطهما ، وقد حكى أبو عبد الله بن منده : أن
شرطهما إخراج أحاديث أقوام لم يجمع على تركهم إذا صح الحديث
باتصال الإسناد من غير قطع ، ولا إرسال فيكون هذا القسم من الصحيح
إلا أنه طريق دون طريق ما أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما ، بل
طريقه طريق ما ترك البخاري ومسلم من الصحيح لما بينا أنهما تركا كثيرا
من الصحيح الذي حفظاه .

المقدمة
٢٥ -
الثالث : أحاديث أخرجاها من غير قطع منهما بصحتها ، وقد أبانا
علتها بما يفهمه أهل المعرفة ، وإنما أودعا هذا القسم في كتابيهما لأنه رواية
قوم لها (١) واحتجاجهم بها فأورداها وبينا سقمها لتزول الشبهة ، وذلك
إذا لم يجدا له طريقا غيره لأنه عندهما أقوى من رأي الرجال .
قال الجامع عفا الله عنه : هذا الكلام فيه نظر لأن أوله يدل على أنهما
ما أوردا تلك الأحاديث إلا لبيان عللها ، وآخره يدل على أنهما أورداها
للاحتجاج بها حیث قال : إنها أقوى عندهما من رأي الرجال ، وهذا
تناقض ، وأيضا فإن هذا الكلام لا يستقيم مع عمل النسائي إلا إذا أراد
السنن الكبرى .
وقال ابن الصلاح : حکی أبو عبد الله بن منده أنه سمع محمد بن
سعد الباوردي بمصر يقول : كان من مذهب أبي عبد الرحمن النسائي أن
يخرج أحاديث من لم يجمع على تركه . قال الحافظ أبو الفضل العراقي:
وهذا مذهب متسع (٢) . قال الحافظ أبو الفضل ابن حجر في نكته على
ابن الصلاح : ما حكاه عن الباوردي أن النسائي يخرج أحاديث من لم
يجمع على تركه ، فإنه أراد بذلك إجماعا خاصا ، وذلك أن كل طبقة من
نقاد الرجال لا تخلو من متشدد ومتوسط : فمن الأولى شعبة وسفيان إلى
آخر ما قدمناه في كلام الحافظ .
وقال أحمد بن محبوب الرملي : سمعت النسائي يقول : لما عزمت
على جمع السنن استخرت الله تعالى في الرواية عن شيوخ كان في القلب
(١) كذا النسخة ، ولعل الصواب لأجل رواية قوم .. إلخ.
(٢) قلت : بل هو كما قاله الحافظ من أن المراد إجماع خاص ، وليس كما يتبادر إلى الذهن،
هذا کله إن صح هذا المذهب منسوبا إلى النسائي ، وإلا فعمله في سنته لا یتمشی علیه ، ولا سيما
المجتبى ، بل ما نقل عنه الآتي قریبا ینافیه ، فليس مذهبه مذهب تساهل بل هو لا يزال متشددا ،
ولا سيما في المجتبى ، فتنبه .

- ٢٦
شرح سنن النسائي
منهم بعض الشيء فوقعت الخيرة على تركهم فتركت جملة من الحديث
كنت أعلو فيها عنهم . قال الحافظ أبو طالب أحمد بن نصر شيخ
الدار قطني : مَن يَصبرُ على ما يَصبر عليه النسائي ؟ كان عنده حديث ابن
لهيعة ترجمة ترجمة فما حدث عنه بشيء . قال الحافظ ابن حجر : وكان
عنده عاليا عن قتيبة عنه ، ولم يحدث به لا في السنن ولا في غيرها .
وقال أبو جعفر بن الزبير : أولى ما أرشدُ إليه ما اتفق المسلمون على
اعتماده : وذلك الكتب الخمسة ، والموطأ الذي تقدمها وضعا ، ولم
يتأخر عنها رتبة ، وقد اختلف مقاصدهم فيها ، وللصحيحين فيها
شفوف ، وللبخاري لمن أراد التفقه مقاصد جميلة ، ولأبي داود في
حصر أحاديث الأحكام واستيعابها ما ليس لغيره ، وللترمذي في فنون
الصناعة الحديثية ما لم يشاركه غيره ، وقد سلك النسائي أغمض تلك
المسالك وأجلها .
وقال الحسن المعافري : إذا نظرت إلى ما يخرجه أهل الحديث فما
خرجه النسائي أقرب إلى الصحة مما خرجه غيره . وقال الإمام أبو
عبدالله بن رُشَيد : كتاب النسائي أبدع الكتب المصنفة في السنن تصنيفا ،
وأحسنها ترصيفا ، وكان كتابه جامعا بين طريقي البخاري ومسلم ، مع
حظ كثير من بيان العلل .
وبالجملة فكتاب السنن أقل الكتب بعد الصحيحين حديثًا ضعيفًا ،
ورجلا مجروحًا (١) ويقاربه كتاب أبي داود ، وكتاب الترمذي ، ويقابله
من الطرف الآخر كتاب ابن ماجه فإنه تفرد فيه بإخراج أحاديث عن رجال
متهمین بالكذب وسرقة الأحادیث ، وبعض تلك الأحادیث لا تعرف إلا
من جهتهم ، مثل حبیب بن أبي حبیب کاتب مالك، والعلاء بن زيد ،
(١) وسيأتي في كلام السخاوي ، أنه إنما أخروه عن أبي داود والترمذي لتأخره عنهما وفاة .

-٢٧ -
المقدمة
وداود بن المحبر ، وعبد الوهاب بن الضحاك ، وإسماعيل بن زياد
السكوني ، وعبد السلام بن يحيى أبي الجنوب ، وغيرهم .
وأما ما حكاه ابن طاهر عن أبي زرعة الرازي أنه نظر فيه فقال : لعله
لا یکون فیه تمام ثلاثین حدیثا مما فيه ضعف فهي حكاية لا تصح ،
لانقطاع سندها ، وإن كانت محفوظة فلعله أراد ما فيه من الأحاديث
الساقطة إلى الغاية ، أو كأنه ما رأى من الكتاب إلا جزاء منه فيه هذا
القدر ، وقد حكم أبو زرعة على أحاديث كثيرة منه بكونها باطلة أو
ساقطة ، أو منكرة، وذلك محكي في كتاب العلل لابن أبي حاتم .
وقال محمد بن معاوية الأحمر - الراوي عن النسائي - قال النسائي:
كتاب السنن كله صحيح ، وبعضه معلول ، إلا أنه لم يبين علته ،
والمنتخب المسمى بالمجتبى صحيح كله . وذكر بعضهم أن النسائي لما
صنف السنن الكبرى أهداه إلى أمير الرملة ، فقال له الأمير : أكُلّ ما في
هذا صحيح؟ قال : لا ، قال : فجرد الصحيح منه فصنف المجتبى ،
وهو بالباء الموحدة ، قال الزركشي في تخريج الرافعي : ويقال : بالنون
أيضا ، وقال القاضي تاج الدين السبكي : سنن النسائي التي هي إحدى
الكتب الستة هي الصغرى ، لا الكبرى ، وهي التي يخرجون عليها
الرجال ، ويعملون الأطراف .
قال الجامع عفا الله عنه : في هذا الكلام نظر ، فإن العلماء أدخلوا
الكبرى في الأطراف أيضا ، كما فعل أبو الحجاج المزي وغيره ، وسيأتي
مزيد بسط لذلك إن شاء الله تعالى .
وقال الحافظ أبو الفضل ابن حجر : قد أطلق اسم الصحة علی کتاب
النسائي أبو علي النيسابوري ، وأبو أحمد بن عدي ، وأبو الحسن
الدار قطني ، وأبو عبد الله الحاكم ، وابن منده ، وعبد الغني بن سعيد ،

شرح سنن النسائي
٢٨
-
وأبو يعلى الخليلي ، وأبو علي بن السكن ، وأبو بكر الخطيب وغيرهم .
وقال الخليلي في الإرشاد في ترجمة بعض الرواة الدينوريين : سمع
من أبي بكر بن السني صحيح أبي عبد الرحمن النسائي .
وقال أبو عبد الله بن منده: الذين خرجوا الصحيح أربعة:
البخاري، ومسلم ، وأبو داود ، والنسائي .
وقال السلفي : الكتب الخمسة اتفق على صحتها علماء المشرق
والمغرب .
قال النووي : مراده أن معظم کتب الثلاثة سوی الصحیحین یحتج به.
وقال الزركشي في نكته على ابن الصلاح تسمية الكتب الثلاثة
صحاحا: إما باعتبار الأغلب لأن غالبها الصحاح والحسان، وهي ملحقة
بالصحاح ، والضعيف منها ربما التحق بالحسن ، فإطلاق الصحة عليها
من باب التغلیب . ا هـ ما کتبه السيوطي في مقدمة شرحه. جـ١ / ص٦ .
وكتب محقق عمل اليوم والليلة للمصنف في دراساته فوائد حسنة
أحببت إيرادها هنا وإن كان فيها طول لحسنها . قال بَعْدَ نقل ما تقدم عن
الحافظ وغيره : فبهذا يظهر أن النسائي أخرج أحاديث الثقات فقط،
والآخرون نص على ضعفهم كما يظهر من خلال سننه ، فإذا تتبعناها
وجدنا أنه يتوخى إخراج أقوى ما في الباب من الأحاديث ويعتمد العدالة
والضبط في الحديث بقطع النظر عن المعتقد والاتجاه المذهبي ، فقد روى
عن الجُوزَجَاني مثلا ، وفيه انحراف عن علي وأهل الكوفة ، وهو - يعني
النسائي - ميال إلى التشيع كما تقدم ، وأخرج عن عمر بن سعد بن أبي
وقاص المدني ، وهو الذي كان أميراً على الجيش الذي قتل الحسين
ابن علي رضي الله عنهما، وكذلك وثق أسد بن وداعة ، وهو ناصبي
شديد النصب ، كما روى عن الأجلح في اليوم والليلة ، وكان مسرفا في

٢٩ _
المقدمة
التشيع، وروى عن شمر بن عطية الأسدي في اليوم والليلة ، وكان
عثمانيا ، وروايته عن الشيعة الحفاظ الضابطين ، ولو كانوا مسرفين
فكثيرة خصوصا في مسند علي كما يتبين لنا من خلال كتب الرجال ، لأن
المسند لم نره .
وإننا لنلاحظ أن القسم الثالث من الأحاديث التي أخرجها ، وفيها
ضعف كان يخرجها لأنه لم يجد غيرها ، أو ذكرها لزيادة فيها على
الأحاديث الصحيحة ، کما بين ذلك رحمه الله .
فانظر مثلا قوله : أخبرنا أبو حاتم السجستاني ، قال : حدثنا عبد الله
ابن رجاء ، قال : حدثني سعيد بن سلمة ، قال حدثني عمرو بن عمرو
مولى المطلب بن عبد الله بن عبد المطلب ، عن أنس بن مالك : أن رسول
الله ﴾ كان إذا دعا قال: ((اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن،
والعجز، والكسل، والبخل، والجبن ، وضلع الدين، وغلبة الرجال)).
قال أبو عبد الرحمن : سعيد بن سلمة شيخ ضعيف ، وإنما أخرجناه
للزيادة في الحدیث ، وكان قد أخر جه بإسناد آخر من غیر طریق سعید بن
سلمة . انظر المجتبى، ٨/ ٢٥٨ .
وكما في حديث الخطبة قبل يوم التروية الذي رواه جابر بن عبد الله ،
وفيه إرسال علي رضي الله عنه إلى الموسم ، وقراءة سورة براءة ،
وأبو بكر أمير الموسم ، فعقب ذلك بقوله : قال أبو عبد الرحمن : ابن
خثيم عبد الله بن عثمان بن خثيم ليس بالقوي في الحديث ، وإنما
أخرجت هذا لئلا يجعل ابن جريج عن أبي الزبير ، وما كتبناه إلا عن
إسحاق بن إبراهيم ، ويحيى بنُ سعيد القطانُ لم يترك ابنَ خثيم ولا عبدُ
الرحمن، إلا أن علي بن المديني قال : ابنُ خثيم منكرُ الحديث ، وكأنَّ
علي بن المديني خُلقَ للحديث .

- ٣٠.
شرح سنن النسائي
ومن هذا النص يتبين لنا صواب وجهة النظر التي تبناها ابن حجر في
الإخراج عمن لم يجمع على تركه أوّلاً ، ثم ميل النسائي إلى التشدد
ثانيًا، وهذا يدعونا إلى التأكد بأنه في تعليله للأحاديث وتنويعها لا يخرج
عن شرطه الذي رسمه لنفسه فلا يرتضى تعليل حديث برجل واه ، أو
متروك ، فإن كان ضعيفا بينه ويختار الترجيح على طريقة الأحفظ
والأكثر ، حتى إن العلامة محمد بن إسماعيل الأمير في توضيح
الأفكار ١/ ٢٢١ ، يقول : لا يخفى أنه قال أئمة هذا الشأن في سنن
النسائي الكبرى بقولين : الأول : أن شرطه فيها أشد من شرط الشيخين.
الثاني: أن شرطه فيها شرط سنن أبي داود ، وهو إخراج حديث من
لم يجمع على تركه .
والرأي الثاني هو الصواب والحق ، وإن كان في الكبرى قد أخرج
عن رجال لم يخرج لهم في المجتبى لكنهم في واقع الأمر على شرطه ،
وهو في الغالب لا يسكت عن الضعيف بل يبينه بما يستحق ، وأظهر في
هذا الجانب براعة فائقة وبصيرة نافذة ، ومن تتبع كلامه في هذا الجانب
تحیر من حسن كلامه ، كما قال الحاكم النيسابوري ، فانظر مثلا قوله في
عمرو بن أبي عمرو : ليس بالقوي في الحدیث ، وإن کان قد روى عنه
مالك تجده في غاية اللطافة ، وقوله : سفيان في الزهري ليس بالقوي ،
وهو سفيان بن حسين ، وقوله في محمدبن الزبير الحنظلي : ضعيف لا
تقوم بمثله حجة ، وقد اختلف عليه في هذا الحديث ثم بدأ يسوق اختلاف
رواياته التي اضطرب بها مبررا دليله على ذلك، انظر المجتبى ٧ /٢٨.
وهو في صنيعه هذا قد فاق أصحاب الكتب الستة، لأن الإمام البخاري
لا يعرج على ذلك، وأما مسلم : فيُعنَي بالأسانيد لزيادات في ألفاظ
المتون . وأما أبو داود : فكانت عنايته مُنْصَبَّةً على إخراج أحاديث
الأحكام ، وكفى .

المقدمة
٣١ _
قال الجامع عفا الله عنه : وفي هذا نظر فإن أبا داود كلامه على
الأحاديث المعللة أكثر من كلام النسائي فيها ، بل الأمر الذي فاق فيه
النسائي عليه تشدده في الرجال وانتقاء الأحاديث ، فتأمل .
قال : وأما الترمذي : فكتابه فيه الكثير من الصنعة الحديثية ، وبعض
البيان للعلل مع بيان مذاهب الفقهاء ، إلا أنه أخرج عن رجال تحاشى
النسائي ، وأبو داود الإخراجَ لهم .
وأما النسائي: فيُعنَى بكل ذلك، وَيُبَيِّن العلل ، ويُبْرِزُ أو هامَ الحفاظ
الأعلام ، فتجد في كتابه ما لا تجده في غيره من هذا الجانب )، والجوانب
الأخرى ، لا يقصر عنهم فيها ، وإليك بعض الأمثلة : يقول : أخبرنا
محمد بن المثنى ، قال : حدثنا الأنصاري، قال : حدثنا محمد بن
عمرو، عن أبي الزناد ، عن خارجة بن زيد ، عن زيد بن ثابت ، قال :
نزلت هذه الآية ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها ﴾
[النساء: آية ٩٣] الآية كلها بعد الآية التي نزلت في الفرقان بستة أشهر.
قال أبو عبد الرحمن : محمد بن عمرو لم يسمعه من أبي الزناد . أخبرنا
محمد بن بشار عن عبد الوهاب ، قال : حدثنا محمد بن عمرو ، عن
موسى بن عقبة ، عن أبي الزناد ، عن خارجة بن زيد ، عن زيد في
قوله: ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم ﴾ .. قال نزلت هذه
الآية بعد التي في الفرقان بثمانية أشهر ﴿ والذین لا یدعون مع الله إلها
آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق﴾ [الفرقان: آية ٦٨]، قال
أبو عبد الرحمن: أدخل أبو الزناد بينه وبين خارجة مجالد بن عوف .
أخبرنا عمرو بن علي ، عن مسلم بن إبراهيم فقال : حدثنا حماد بن
سلمة ، عن عبد الرحمن بن إسحاق ، عن أبي الزناد ، عن مجالد بن
عوف ، قال : سمعت خارجة بن زيد بن ثابت يحدث عن أبيه ، أنه
قال: وساق الحديث .

- ٣٢
شرح سنن النسائي
وبيانه للعلل جعله يتكلم كثيرا في الجرح والتعديل الذي تلقفه الأئمة
من بعده فاعتمدوه وجعلوه حجة في التعديل أو التجريح ، فإذا أخذت
کتابا من کتب الرجال، فقلما تجد رجلا إلا وقد أبدی فیه رأيه، نقلوا ذلك
من سننه ، ومن كتبه الأخرى ، وإنهم ليجعلون تعديله حجة ، وتوثيقه
معتمدا ، وكذلك جرحه، لأنه كان في غاية التحري والدقة، حتى إن
قصته مع أحمد بن صالح المصري التي لم يوافقه علیها الجمهور قالوا عن
ذلك: إن كلامه حقّ لكنه من باب عين السخط تبدي المساويا ، وذلك
مغمور في فضائل أحمد بن صالح المصري ، وفي هذا يقول أبو عمرو بن
الصلاح رحمه الله تعالى : قلت : النسائي إمام حجة في الجرح
والتعديل ، وإذا نسب مثله إلى مثل هذا كان وجهه : أن عين السخط
تبدي مساوئ لها في الباطن مخارج صحيحة تَعْمَى عنها بحجاب
السخط ، لا أن ذلك يقع من مثله تعمدا لقدح يعلم بطلانه ، وذلك أن
أحمد بن صالح كانت آفته الكبر وشَرَاسَة الخلق ، قال المحقق المذكور :
وأقول : لو كان ذلك بغير حق لكان مغمورا في بحر فضائل أبي
عبد الرحمن رحمه الله ، لأن الإنسان مهما بلغ لا يمكنه الانسلاخ من
بشريته.
قال الجامع : قلت في هذا الكلام نظر ، إذ لو تبين أن النسائي جرحه
وهو یعلم کونه بغير حق لارتفعت الثقة عنه ، إذ لا يؤمن أن يجرَح کل
من غضب عليه بغير ما عليه ، وما أبعدَ العلماءَ عن هذا ، ولا سيما أهل
الحديث ، بل الصواب ما أول به أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى.
فتأمل . والله أعلم .
وقد قيل : إن النسائي يخرج عن رجال مجهولین حالا أو عینا،
وواقع الأمر أن إخراجه عن هذه الطائفة لا تغض من قيمة مصنفه
خصوصا المجهول الحال ،/وذلك مذهب لعدد من المحدثين أصحاب

المقدمة
الصحاح : منهم ابن حبان في صحيحه ، ومذهبه أن الراوي المجهول
الحال إذا روى عن ثقة ، وروى عنه ثقة ، ولم يأت بما ينكر، اعتبر حديثه
صحيحا ووثقه ، وكتابه الثقات مليء بهؤلاء . وهو مذهب معقول
مقبول ارتضاه غير واحد من الأئمة : منهم أمير المؤمنين الحافظ ابن حجر
العسقلاني ، وعده من قبيل إدخال الحسن في قسم الصحيح ، وذلك
اصطلاح ولا مشاحة فيه ، كما أن شيوخه المجهولي الحال والعين كان ابن
حجر العسقلاني يرتضي رواية النسائي عنهم توثيقا ، وتعديلا ، ورفعا
للجهالة عنهم ، انظر مثلا ترجمة أحمد بن یحیی بن محمد بن کثیر
الحراني تجده يقول مستدركا على الذهبي في قوله : لا يعرف . قلت :
بل يكفي في رفع جهالة عينه رواية النسائي ، عنه ، وفي التعريف بحاله
توثيقه له . وقال في بذل الماعون في فضل الطاعون ، عن أبي بلج یحیی
الكوفي الكبير : يكفي في تقويته توثيق النسائي ، وأبي حاتم مع
تشددهما. بل إن الحافظ صلاح الدين العلائي يقول تعليقا على حديث
((أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود)) وفي إسناده عبد الملك بن زيد ،
وعبد الملك بن زيد هذا قال فیه النسائي : لا بأس به ، ووثقه ابن حبان ،
فالحديث حسن إن شاء الله تعالى ، لا سيما مع إخراج النسائي له فإنه لم
يخرج في كتابه منكرا ولا واهيا ، ولا عن رجل متروك ، وفي ميزان
الاعتدال في ترجمة أحمد بن عبد الرحمن البسري أبي الوليد ، وقد
أخرج له الترمذي والنسائي ، وابن ماجه . قال الخطيب : وأبو الوليد
ليس حاله عندنا ما ذكر الباغندي عن السكري ، بل كان من أهل الصدق
حدث عنه النسائي وحسبك به . ومن انتقاء النسائي وشدة تحریه استنتج
التهانوي نتيجة هامة، حيث قال في كتابه قواعد في علوم الحديث : وكذا
من حدث عنه النسائي فهو ثقة ، وتقيد هذه القاعدة في حالة عدم تضعيفه
هو له . وقال أيضا : وكذا من أخرج له النسائي في المجتبى ، وسكت

٣٤
شرح سنن النسائي
عنه فهو حجة .
وبالجملة فالمجتبى ، ويلحق به السنن الكبرى أقل الكتب الستة بعد
الصحيحين حديثا ضعيفا ، على أنه إذا جردت السنن من الأحاديث التي
ضعفها مصنفها لبقیت کلها صحیحة ، ولا تنزل عن درجة الصحیحین ،
وإن كنا لا ننسى أن المجتبى قد عده كثير من العلماء بهذه المرتبة ، كما أنه
لم ينقل عن أحد من العلماء أنه ذكر حديثا موضوعا في سنن النسائي إلا
ما کان من صنیع ابن الجوزي ، فإنه ذكر حدیثا واحدا ، وقد رد عليه ،
بينما ذكر عدة أحاديث من بقية السنن : أربعة من سنن أبي داود ، وثلاثة
وعشرين من الترمذي ، وستة عشر من ابن ماجه ، وحديثًا واحدا من
صحيح مسلم ، وهو ما رواه من طريق أبي عامر العقدي ، عن أفلح بن
سعید ، عن عبد الله بن رافع ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال
رسول الله عليه: (( إن طالت بك مدة أوشك أن ترى قوما يغدون في سخط
الله ، ويروحون في لعنته ، في أيديهم مثل أذناب البقر)).
ومنها حدیث في صحيح البخاري من رواية حماد بن شاكر ، وهو
حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، ((كيف بك يا ابن عمر إذا
عمرت بین قوم يخبئون رزق سنتهم » .
مقصد النسائي في سننه
قد كتب محقق عمل اليوم والليلة في هذا الموضوع كلاما نفيسا
يتلخص فيما يلي : کان قصد النسائي رحمه الله تعالى في سننه جمع ما
ثبت عن رسول الله عليه مما يمكن أن يستدل به الفقهاء ، ولكنه لم ينس نفسه
كمحدث بحت ، بل جمع بين الفقه والحديث ، وسار على الطريقة التي
تجمع بين الاستدلال والإسناد ، ورتب الأحاديث على الأبواب ، ووضع
لها عناوين تبلغ من الدقة منزلة بعيدة ، ومن التفصيل سعة كبيرة وسلك

٣٥ -
المقدمة
طريقة جمع الأسانيد في مكان واحد كصنيع الإمام مسلم بن الحجاج
ليبرز ما فيها فكان في حقيقة الأمر جامعا بين طريقتي البخاري ومسلم ،
ومن هنا جاء تفضيل من فضل مسلما على البخاري لأن البخاري يفرق
الحديث الواحد في أماكن متعددة ، وفي غیر مظانه بما يعسر الكشف عنه،
ولا يبرز الفوائد الإسنادية ، والعلل الحديثية ، ومسلم بعكسه يسوق
الحدیث سردا دون تبويب .
فالجانب الفقهي في سننه يتجلى من خلال النقاط التالية :
منها : أنه يكثر التفريعات والتفصيلات في الباب الواحد بحثا عن
السنن حتى إن القارئ ليشعر أنه يتناول كتابا يخرج للفقهاء آراءهم ،
ويبين مستندهم ، حتى في أدق الأشياء ، فخذ مثلا كتاب السهو تجد
أبوابه كالتالي : التكبير إذا قام من الركعتين ، باب رفع اليدين في القيام
إلى الركعتين الأخريين ، باب رفع اليدين للقيام إلى الركعتين الأخريين
حَذْوَ المنكبين ، باب رفع اليدين وحمد الله ، والثناء عليه في الصلاة ،
باب السلام بالأيدي في الصلاة ، باب رد السلام بالإشارة في الصلاة ،
النهي عن مسح الحصى في الصلاة ، باب الرخصة فيه مرة ، النهي عن
رفع البصر إلى السماء في الصلاة .. الخ .
وهكذا فإنك تعيش مع تفريعات الفقهاء ، ودقائقهم ، وهذا ما دعاه
إلی تکریر الحدیث عدة مرات أحیانا ، وعلى سبيل المثال فقد کرر حدیث
النية ست عشرة مرة ، حتى قيل : إنه أكثر الكتب تكرارًا للأحاديث .
قال الجامع عفا الله عنه: في هذا الكلام نظر لا يخفى ، بل
البخاري، أكثر تكرارا ، والله أعلم .
ومنها : أنه ما أخلى كتابه من النقل عن الفقهاء ، وإن كان ذلك قليلا

- ٣٦
شرح سنن النسائي
كما في ٣١٥/٨ حيث ينقل عن مسروق فتوى في الهدية ، والرشوة ،
وفي شرب الخمرة ، وكما في ٣٣٤/٨ حيث ينقل عن إبراهيم النخعي
وغيره ، وفعل ذلك في مواضع أخر من كتابه .
ومنها : أنه يقتصر في أحيان كثيرة على موضع الشاهد من الحديث ،
وهي نزعة إلى الفقه أقرب منها إلى الحديث .
ومنها : أنه يسوق الأحاديث المتعارضة في الباب إذا صحت عنده
ليقيم الدليل على صحة العملين كما فعل في الإسفار بالفجر ، والتغليس
به، انظر ١/ ٢٧١ وكما في قراءة البسملة، وترك قراءتها ، انظر ١/ ١٣٤،
وهما مسألتان شغلتا فقهاء الشافعية والحنفية ، وغيرهما زمنا طويلا ،
وسودت فيها دواوين ، ومصنفات كثيرة حتى يومنا هذا .
ومنها : أنه ينقل لنا صورة كتب فقهية في بعض الموضوعات مثل
المزارعة ، والشركات والتدبير ، والمكاتبة ، وغيرها ، بعيدة تماما عن
المنهج الحديثي ، وهي عمل فقهي محض . من ذلك مثلا : قوله : قال
أبو عبد الرحمن : كتابة مزارعة على أن البذر والنفقة على صاحب
الأرض، وللمزارع ربع ما يخرج الله عز وجل منها . هذا كتاب كتبه
فلان بن فلان بن فلان في صحة منه ، وفي جواز أمر، لفلان بن فلان
إنك دفعت إليّ جميع أرضك التي بموضع كذا في مدينة كذا مزارعة ،
هي .. وساق تتمته في صفحتين كبيرتين على الطريقة الفقهية الدقيقة ،
انظر ٧/ ٥٢، كما أنه تحدث عن أنواع الشركات : العنان،
والمفاوضات، والأبدان ودَوَّن لنا صورة عقود كتابة هذه الشركات ، ثم
دَوَّن لنا عقد التفريق بين الزوجين ، وصورة عقد كتابة المملوك ،
وتدبيره، وعتقه ، وهي فوائد عظيمة تشكل معالم هادية أمام تطور الفقه
الإسلامي .

٣٧ -
المقدمة
وبالجملة فسننه سفر عظيم جمع معظم ما يتعلق بالحياة الدينية
والدنيوية .
وأما الجانب الحديثي فيتجلى في الأمور التالية :
منها : أنه يعتني ببيان الخلافات التي في الأسانيد ، والمتون ، فيتبين
بذلك ما هو الراجح من تلك الروايات ، وهذا من الفوائد المهمة
للحديثي.
ومنها : نقده للمتون التي ظاهرها الصحة ، وتعليله لها ، فمثلا في
٤٦/٣ يقول : قال أبو عبد الرحمن : أنبانا قتيبة بهذا الحديث مرتين ،
ولعله أن يكون قد سقط عليه منه شيء . وفي ٦/ ١٧٠ يقول : هذا
خطأ، والصواب مرسل . ويكثر من هذه الصيغة في ثنايا كتابه .
ومنها : تبيينه للأسماء والكُتَى التي تلتبس في الأسانيد ، وهذه قد
أكثر منها الترمذي في جامعه، وكذلك النسائي ، فإنه قد ضرب فيها
بحظ وافر مثلا في ٤٩/٥ يقول : قال أبو عبد الرحمن : أبو عمار :
اسمه عَريب(١) بن حُميد ، وعمرو بن شرحبيل يكنى أبا ميسرة ، وأمثال
هذا كثير .
ومنها : محافظته على إيراد الأحاديث المسندة ، فيندر أن تجد فيه
معلقا، وهذا منهج الإمام مسلم ، بخلاف البخاري فقد أكثر من
المعلقات، والموقوفات ، والمقاطيع .
ومنها : نثره للجرح والتعديل عقب الأسانيد مبينا حال بعض الرواة،
ويشاركه في هذا أبو دواد ، وأما الترمذي فقد أكثر منه .
ومنها : أنه استعمل كثيرا من الاصطلاحات الحديثية السائدة فیما بین
المحدثين، وعقَّبَ بها على الأحاديث ، ولهذا فائدة هامة جدا ، إذ تعطينا
(١) بفتح العين المهملة وكسر الراء المهملة ، وحميد بصيغة التصغير كما في التقريب .

٣٨
شرح سنن النسائي
تصورا عن مصطلحات القوم ، ومن أهم ما استعمله من ذلك : حديث
منكر ، غير محفوظ ، ليس بثابت ، حديث صحيح ، محفوظ ، خطأ
فاحش ، مرسل ، مسند ، إسناده حسن ، وهو منكر ، إلى غير ذلك .
ومما ينبغي أن يتنبه له أن النسائي جمع كتابه من أصول مكتوبة ، كما
يتبين ذلك من خلال كلامه في سننه ، فمثلا يقول : في كتاب النكاح
الباب ٢٣، الحديث ٣٢٤٦ . قال أبو عبد الرحمن : وجدت هذا الحديث
في موضع : عن يزيد بن كيسان ، أن جابر بن عبد الله ، والصواب أبو
هريرة .
المسألة الرابعة
في بيان أعلى ما وقع للنسائي من الأسانيد وأنزلها
اعلم أنه لما تأخر وقته فاته كثير من الشيوخ الذين أخذ عنهم أصحاب
الأصول الخمسة أمثال يحي بن معين ، وأحمد بن حنبل ، وعلي بن
المدیني ، ونحوهم ، ولهذا لم يقع له ماوقع لغيره من الثلاثيات ، وهو
أن يكون بينه وبين النبي #ثلاث وسائط ، كما وقع للبخاري وهي (٢٣)
حديثا ، والترمذي ، حديث واحد ، وابن ماجه خمسة أحاديث ، غير
أنها من طريق جُبَارَة بن الُغَلِّس ، وهو ضعيف ، كذبه ابن معين ، وكذا
ضعفه غيره ، إلا ابن نمير ، قال : صدوق . فأما المصنف فأعلى ماوقع له
الرباعيات ، وأنزله العشاريات ، وهي أن يكون بينه وبين النبي ﴾ عشرة
وسائط (١).
(١) مقدمة تحقيق عمل اليوم والليلة ص ٥٤- ٥٦ .

المقدمة
٣٩ -
المسألة الخامسة
في السنن الكبرى
كتب الأستاذ عبد الصمد شرف الدين مصحح السنن الكبرى في
مقدمة تصحيحه كلاما نفيسا يتعلق بهذا الكتاب ، أحببت إيراد خلاصته
لنفاسته :
قال : لقد اختلف أقوال الناس في السنن الكبري اختلافا يتجاوز حد
المعقول ، واتبعوا فيها الظن وخرصوا حتى أصبحت كأسطورة لها ،
وذلك على ما يظهر لندرة نسخها أو لعدم اطلاعهم عليها ، ولهذا
اضطربت آراؤهم في حقيقة الفرق بينها وبين ما هو المجتبى منها .
فأما الآن وقد حضرت أمامنا بحمد الله وتوفيقه هذه النسخة منها ، بل
حضر معها نسخة المجتبى يمكننا المعرفة التامة بها ، والمقابلة الفاصلة بينها
وبين الصغرى .
فمنهم من يظن أن أحاديث السنن الكبرى ليست كلها صحيحة ، وأن
فيها ما هو معلول كما راجت تلك الرواية الركيكة الحاكية بأن مؤلفها لما
صنفها أهداها لبعض الأمراء فسأله أكل ما فيها صحيح ؟ فقال : لا ،
فقال : جَرِّدْ لي منها الصحیح ، فعمل له المجتبی وکفی بها كذبا وزورا
أنها رواية لا إسناد لها. وكيف يتسنَّى لهؤلاء الظانين بهذا الإمام الفذّ هذا
الظن ، وقد ذكر الحافظ أبو القاسم ابن عساكر بإسناده إلى أبي عبد الله
الحاكم قال : سمعت أبا الحسن أحمد بن محبوب الرملي (ت ٣٥٧) بمكة
يقول : سمعت أبا عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي يقول : لما
عزمت على جمع كتاب السنن (( وهى الكبرى )) استخرت الله تعالى في
الرواية عن شيوخ كان في القلب منهم بعض الشيء فوقعت الخيرة على
تركهم ، فنزلت في جملة من الحديث كنت أعلو فيه عنهم اهـ .

-- ٤٠
شرح سنن النسائي
وهذا کما حکی الدار قطني (ت ٣٨٥) قال: سمعت أبا طالب («أحمد
ابن نصر )) الحافظ (ت ٣٢٣) يقول : من يصبر على ما يصبر عليه أبو
عبد الرحمن النسائي ؟ كان عنده حديث ابن لهيعة (( يعني عاليا عن شيخه
قتیبة عن ابن لهيعة )) فما حدث بها . اهـ. فكان لا يرى أن يحدث
بحديث ابن لهيعة مع كثرته لاختلاف الناقدين فيه .
المسألة السادسة
في ذكر رواة السنن عن النسائي
روى السنن عن النسائي رحمه الله تعالى كثيرون ذكر الحافظ في
تهذيب التهذيب في ترجمته منهم عشرة : منهم ابنه عبد الكريم ، وأبو
بكر أحمد بن محمد بن إسحاق بن السني (ت ٣٦٤) وأبو علي الحسن
ابن الخضر الأسيوطي (ت ٣٦١) والحسن بن رشيق العسكري
(ت٣٧٠) وأبو القاسم حمزة بن محمد بن علي الكناني (ت ٣٥٧)
وأبو الحسن محمد بن عبد الكريم بن زكريا بن حيويه (ت ٣٦٦)
ومحمد بن معاوية بن الأحمر (ت حوالي سنة ٣٥٨) ومحمد بن القاسم
الأندلسي (ت ٣٢٧) وعلي بن أبي جعفر الطحاوي (١) وأبو بكر أحمد
بن محمد بن المهندس (ت ٣٨٥) .
وزاد محقق عمل اليوم والليلة : أبا علي الحسن بن بدر بن هلال ،
وأبا الحسن أحمد بن محمد بن أبي الثمام إمام المسجد الجامع بمصر ، وأبا
العصام ، والحسين بن جعفر الزيات (٢).
قال : وان كان الأمر في الواقع لا يحصر ، لأن الرواة عن النسائي
وتلامذته كثيرون جدا ولكن هؤلاء اشتهروا بروايتها ، وإقرائها،
(١) لم أجد تاريخ وفاته .
(٢) وزاد بعضهم: عبد الله بن الحسن أبا محمد المصري، وأبا الحسن علي بن الحسن
الجرجاني، وأبا الطيب محمد بن الفضل بن العباس، وأبا القاسم مسعود بن علي بن مروان البجاني