النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢٠
كتاب الطهارة/ النهي عن الاجتماع على الغلاء والحديث جـ
عن يحيى صحيحان، وصدق في ذلك، صح عن يحيى أنه قال: عن محمـ.
عبد الرحمن عن جابر، وأنه قال: عن عياض أو عن هلال عن أبي سعيد، ولم يتـ
على حديث أبي سعيد بالصحة أصلًا، ولو فعل كان مخطئًا، فإن الأمر فيه (١) عنى.
بينا، فأما حديث جابر هذا صحيح، ومحمد بن عبد الرحمن ثقة، وقد صح سد-
من جابر، ومسكين بن بكير أبو عبد الرحمن الحذاء لا بأس به، قاله ابن معيم
وكذا أيضًا قال فيه أبو حاتم، والحسن بن أحمد بن أبي شعيب أبو مسلم صدوق.
بأس به، وسائر من في الإسناد لا يسأل عنه، وعن يحيى في هذا المعنى غير هذ عـ
ذكره الدار قطني في علله إلا أنه لم يوصل به إليه الأسانيد، انتهى ما ذكره(٢).
وفيه نظر من وجوه:
كونه عصب الجناية برأس الراوي عن أبي سعيد، وحكم عليه بالجهالة، لقــ
صح له تضعيف حديثه، وليس كذلك، فإنه ممن وثقه الحافظان أبو بكر بن خزيمة
وأبو حاتم البستي، قال أبو حاتم: عياض بن هلال الأنصاري، ومن زعم أنه ها.
ابن عياض فقد وهم، قال ابن أبي حاتم: وعياض بن هلال أشبه، ورجحه البخاري
في الكبير، ومسلم بن الحجاج في الوحدان، والدارقطني، وذكره البخاري في
شواهده، وصح فيه الحديث، وفي مسلم معناه: لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل(4)
ولما ذكر الترمذي في («جامعه» حديث: إذا لم يدر أحدكم کم صلى، من رواية عياش
هذا عن أبي سعيد، قال فيه: حسن (٤)، ولما خرج ابن خزيمة هذا الحديث في
صحيحه عن أبي موسى ثنا ابن مهدي ثنا عكرمة عن يحيى عن هلال بن عياض
حدثني أبو سعيد فذكره، أتبعه قوله: ثنا محمد بن يحيى ثنا سلم(6) بن إبراهيم يعني
(١) في الأصل: به، والصواب ما أثبت كما في ((ف)).
(٢) بيان الوهم والإيهام (٢٧١/٣) رقم (١٠١٨)، (٢٥٧/٥-٢٦١) رقم (٢٤٦٠).
(٣) صحيح مسلم (٣٣٨).
(٤) جامع الترمذي (٣٩٦).
(٥) في الأصل: مسلم، والصواب ما أثبت كما في صحيح ابن خزيمة حديث رقم (٧١)، ثم وجلته
كذلك في (ف».

٢٢١
كتاب الطهارة/ النهي عن الاجتماع على الخلاء والحديث عنده
وراق ثنا عكرمة بن عمار عن يحيى عن عياض بهذا الإسناد نحوه، قال: وهذا هو
صحیح، هذا الشیخ هو عیاض بن هلال، روی عنہ یحیی بن أبي کثیر غیر حديث،
بو حسب الوهم من عكرمة حين قال عن هلال(١)، ورواه ابن حبان في صحيحه عن
ـي يعلى ثنا محمد بن أبي بكر المقدسي ثنا إسماعيل بن سنان ثنا عكرمة ثنا يحيى
عن عياض بن هلال فذكره، ولفظه: لا يقعد الرجلان على الغائط يتحدثان، يرى كل
واحد منهما عورة صاحبه، فإن الله يمقت على ذلك(٢).
والثاني: قوله في الحسن بن أحمد: صدوق، لا بأس به، ففيه أيضًا نظر، وذلك أنه
من خرج(٣) مسلم حديثه في صحيحه، وقال فيه علي بن الحسن(٤): ثقة مأمون، وقال
خطيب: نحوه، فعلى هذا لا يقال فيه: صدوق، لا بأس به، مكتفيًا بذلك عرفًا.
الثالث: في تصحيحه هذا الحديث نظر، وذلك أن الدارقطني الذي نقل أبو
تحسن كلامه ذكر طريق مسكين هذه، ولم يصححها، وزعم أن أشبه الأقوال
-"عَواب حديث عياض بن هلال، فعلى هذا لا يكتفى بجودة الطريق(٥) إذا ثبت عند
تفارقطني تعليله، اللهم إلا لو لم تكن مذكورة عنده، كان يقال: إنه لم يرها، فأما
عت الرواية فلا، والله أعلم.
الرابع: قد وجدنا لهذا الحديث طرقًا جيدة لا يُطعن فيها، ذكرها أبو القاسم
غيراني في الأوسط، فقال: حدثنا أحمد بن محمد بن صدقة ثنا محمد بن عبد الله
بن عبيد بن عقيل المصري(٦) ثنا جدي عبيد بن عقيل ثنا عكرمة بن عمار عن يحيى
عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال عليّا: ((لا يخرج الرجلان)) الحديث. قال: لم يروه
٥٠ صحيح ابن خزيمة (٣٩/١-٤٠).
ث الإحسان (١٤٢٢).
؟ في الأصل: شرح، والصواب ما أثبت كما في (ف)).
ت: في الهامش: الدار قطني.
=؛ في الأصل: الطرائق، والصواب ما أثبت كما في ((ف)).
في الأصول: محمد بن عبد الله بن محمد بن عبيد بن عقيل المصري، وقد صوبته من المعجم
الأوسط، وكذا هو في كتب الرجال.

٢٢٢
كتاب الطهارة/ النهي عن الاجتماع على الخلاء والحديث =...
عن عكرمة، يعني هكذا، إلا عبيد بن عقيل أنتهى (١).
عبيد هذا روى عنه جماعة، وقال فيه أبو حاتم الرازي: صدوق، وقال يعقوب
لا أعلم إلا خيرًا، وابن ابنه روى عنه جماعة أيضًا منهم النسائي، وقال: لا بأس.
ولم أر أحدًا من الأئمة تعرض لتعليلها، والله أعلم.
الخامس: ضبطه اضطرب، بضم الهمزة فغير صواب، لأن عكرمة نفسه اضفيـ
فيه كيحيى لما تقدم من كلام أبي داود، وابن خزيمة، وأبي القاسم رحمهم .
تعالی.
السادس: عيبه على أبي محمد قوله: لم يسنده إلا عكرمة فليس بشيء، تأ-
عبد الحق خرج الحديث من عند أبي داود، وهو قائل ذاك كما تقدم، فهو في ذلك
مقلد لأبي داود، فإن کان عيبا فلأبي داود لا له.
السابع: هو دائبًا يعيب على الإشبيلي إبعاده النُّجْعة، وهنا استعملها؛ :أ-
الحديث عند أبي الحسن في كتاب العلل كما قدمناه، فذكره من عند ابن السكر
إبعاد للنجعة، وإن كان سابقه(٢)، ولعل قائلًا يقول: إنما ذكره من عنده لتصحيحه
إياه، وليس كذلك، لأن أبا علي لم يصححه، إذ لو صححه لكان مصححًا حديث
أبي سعيد، وابن القطان أبى ذلك، ولهذا ذكر حال رجال إسناده، ويشبه أن يكون
عذره في ذلك كون الدار قطني ذكره منقطعًا بلا إِسناد موصل إليه، ومع ذلك فلا عذر
له في تركه كلام الدارقطني، مع روايته له، والله أعلم.
(١) الطبراني في الأوسط (١٢٦٤)، وبقية كلام الطبراني: ورواه سفيان الثوري وغيره عن عكرمة
ابن عمار عن عياض بن هلال عن أبي سعيد الخدري أهـ.
قلت: وهذا إعلال منه لحديث أبي هريرة، فليس الأمر كما قال الشارح: لا يطعن فيها، وقوله
بعد ذلك: ولم أر أحدًا من الأئمة تعرض لتعليلها.
(٢) وذلك لأن ابن السكن مولده سنة أربع وتسعين ومائتين، والدارقطني سنة ست وثلاث مائة،
وإنما قدم الشارح الدار قطني لجلالته وشهرة كتابه، والله أعلم، وفي هذا الموضع في (ف):
کلام لم يتحرر لي.

٢٢٣
كتاب الطهارة/ النهي عن الاجتماع على الخلاء والحديث عنده
وقد ذكره أيضًا الإسماعيلي من حدیث یحیی بن أبي کثیر، ذکرنا ذلك استظهارًا،
ولا نطالبه به، وفي قول أبي داود: وهو مرسل إشعار بأن وصله غير صواب عنده،
تلا فالطريق المذكورة عنده لا خلاف في رفعها ووصلها، وأما قوله: إن عكرمة في
يحيى ليس بذاك، فقد خالفه في ذلك الإمام أبو الحسين حيث خرج له عنه في
صحيحه حديثًا محتجًّا به، واستشهد البخاري بحديثه عنه أيضًا في صحيحه، وأما
قول من قال: عياض بن عبد الله، وفي تاريخ البخاري: عياض بن أبي زهير، فيشبه
: يكون نسيانًا (١) لما رواه عن يحيى نسي اسم أبيه، فسماه عبد الله، والخلق كلهم
عبد الله، وقول الأوزاعي: ابن أبي زهير يحتمل أن يكون كنية أبيه، وبهذا وبما
"مثقناه تجتمع الأقوال، وينتهي مذهب التهاتر والاختلال.
: في الأصول: شيبان، والمناسب للسياق ما أثبت، والله أعلم.

٢٢٤
كتاب الطهارة/ النهي عن البول في الماء الوقت
النهي عن البول في الماء الراكد
٧٩ - حدثنا محمد بن رمح أنا الليث بن سعد عن أبي الزبير عن جابر ع
رسول الله وَّر: أنه نهى أن يبال في الماء الراكد.
هذا حديث خرجه مسلم في صحيحه من حديث الليث(١)، وكان لا يقبل
حديث أبي الزبير إلا ما كان مسموعًا له، فيما ذكره ابن القطان عنه، وذكره الحكـ
في ((تاريخ نيسابور)) من حديث سفيان عنه أنا جابر به، ورواه أبو نعيم من حديث
عباد بن كثير عن أبي الزبير بلفظ «لا يبولن أحدكم في الماء الراكد الدائم، ثم يتوق
منه) .
٨٠- حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا أبو خالد الأحمر عن ابن عجلان عن أيـ
عن أبي هريرة قال رسول الله وَلاير: ((لا يبولن أحدكم في الماء الراكد)).
هذا حديث اجتمع على تخريج أصله الأئمة الستة من حديث أبي هريرة(47).
وحديث الباب أخرجه ابن حبان في صحيحه(٣)، ورواه أبو داود عن مسدد ثنا يحيى
عن محمد بن عجلان، فخالف أبا خالد في لفظه، وصرح بسماعه من أبيه، وسمات
أبيه من أبي هريرة، ولفظه: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسل فيه مع
الجنابة(٤)، وفي لفظ للبخاري: ثم يتوضأ منه، وفي لفظ: نهى أو نُهي أن يبول الرجر
في الماء الدائم أو الراكد، ثم يتوضأ منه، أو يغتسل منه، وفي رواية: أو يشرب
منه، وأعاد ابن ماجه ذكره في باب الجنب ينغمس في الماء الدائم أيجزئه؟. بلفظ:
لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم.
(١) صحيح مسلم (٢٨١).
(٢) رواه البخاري (٢٣٩)، ومواضع أخرى، ومسلم (٢٨٢)، وأبو داود (٦٩)، والترمذي (٦٨).
والنسائي (٤٩/١).
(٣) الإحسان (١٢٥٧).
(٤) سنن أبي داود (٧٠).

٢٢٥
كتاب الطهارة/ النهي عن البول في الماء الراكد
٨١ - حدثنا محمد بن يحيى ثنا محمد بن المبارك ثنا يحيى بن حمزة نا ابن
شي فروة عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَالآخر: «لا يبولن أحدكم في الماء
ناقع)).
هذا حديث ضعيف الإسناد برواية إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة عبد الرحمن
بن الأسود بن سوادة، ويقال: الأسود بن عمرو بن رياش، ويقال: كيسان أبو
منيمان القرشي البلوي ضعيف، ذاهب الحديث، سيأتي ذكره في باب الوضوء من
عس الذكر، إن شاء الله تعالى.
وأما قول أبي القاسم في الأوسط: لم يروه عن أبن أبي فروة إلا عبد السلام بن
حرب، تفرد به سليمان الشاذكوني (١) فغير صحيح لما تقدم.
الماء الراكد: هو الدائم الذي لا يجري، يقال: ركد الماء ركودًا، وركدت
تشريح: سكنت، وركد الميزان: إذا استوى، والناقع: المجتمع في قراره، ذكره
پروي.
وبهذا يقول الحنفيون في تنجيس الماء الراكد، وإن كان أكثر من القلتين؛ لأن
تصيغة صيغة عموم، والشافعيون يخصون هذا العموم، ويحملون النهي على ما
عون القلتين، وقوله: (ثم تغتسل فيه) نهي عن شيئين، وذلك يكون تارة على
تجمع، وتارة عن الجمع، فأما الأول فتقتضي المنع من كل واحدة منهما، وأما
تشافي فمعناه المنع عن فعلهما معًا، وهذا الحديث من باب النهي عن الجمع، أي:
! يجمع بين البول في الماء والاغتسال فيه، ويؤيده رواية ابن عجلان: لا يبولن
حدكم في الماء الدائم، ولا يغتسل فيه، نهي عن الجمع، قال القرطبي: الرواية
تصحيحة: تغتسلُ برفع اللام، ولا يجوز نصبها، وحكى الثوري فيه النصب والجزم
"يثًا، قال ابن بطال: ولم يأخذ أحد من الفقهاء بظاهر هذا الحديث إلا داود بن
عثي، والله تعالى أعلم.
٥٠) المعجم الأوسط للطبراني (٢٨٢٢).

٢٢٦
كتاب الطهارة/ التشديد في :-
التشديد في البول
٨٢- حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن زيد بن وحـ
عن عبد الرحمن بن حسنة قال: خرج علينا رسول الله وَّر، وفي يده الدرقة
فوضعها، ثم جلس، فبال إليها، فقال بعضهم: انظروا إليه يبول كما تبول المرّ:
فسمعه النبي وَله، فقال: ((ويحك، أما علمت ما أصاب صاحب بني إسرائيل؟ كنو
إذا أصابهم البول قرضوه بالمقاريض، فنهاهم، فعذب في قبره).
هذا حديث قال فيه الحاكم لما خرجه من حديث سفيان، وعبيد الله بن موسى
وزائدة، وعبد الواحد بن زياد قالوا حدثنا الأعمش بلفظ: انطلقت أنا وعمرو =
العاص إلى النبي وَ﴾، فخرج، ومعه درقة ... الحديث: هذا حديث صحيح
الإسناد، ومن شرط الشيخين إلى أن بلغ: تفرد زيد بن وهب بالرواية عن ح
حسنة، ولم يخرجا هذا اللفظ(١)، وفيما قاله نظر، بل هو على شرطهما، ولا نفر
إلی تفرد زید، لأنهما رویا عن جماعة لم یرو عن أحدهم إلا شخص واحد، ورز:
ابن حبان في صحيحه عن أبي يعلى ثنا أبو خيثمة ثنا محمد بن خازم كحديث الباب.
لا ذكر لعمرو فيه (٢)، وزيد المشار إليه هو ابن وهب الجهني أبو سليمان الكوفي.
رحل إلى النبي ◌َ﴾، فقبض وهو في الطريق، فلذلك عدّ من المخضرمين، وإن كار
مسلم لم يذكره فيهم، وزعم ابن منجويه(٣) أنه من همدان، وجمع الكلاباذي بين
النسبين، ولا جمع إلا أن يكون بحلف أو شبهه، قال ابن سعد: زيد جهني أحد بني
حسل بن نصر ابن مالك بن عدي بن الطول بن عوف بن غطفان بن قيس (٤) بن جهينة
من قضاعة، وبنحوه ذكره الكلبي في الجامع وغيره، حديثه في الصحيحين، وعبد
الرحمن بن حسنة، وهي أمه وأبوه: عبد الله بن المطاع بن الغطريف بن عبد العزى
(١) المستدرك (١٨٤/١-١٨٥).
(٢) الإحسان (٣١٢٧).
(٣) هو أحمد بن علي بن محمد بن إبراهيم بن منجويه، ترجمته في ((السيرة (٤٣٨/١٧) وغيرها.
(٤) كذا في (ف)) والطبقات (١٠٢/٦)، وقد تصحف في الأصل إلى يترب.

٢٢٧
كتاب الطهارة/ التشديد في البول
بن جثامة بن مالك بن ملازم بن مالك بن رُهم بن يشكر بن مبشر بن الغوث بن مر
خي تيم بن مر، ويقال: إنه من كندة، وهو أخو شرحبيل بن حسنة، كذا ذكره
بخاري، وأبو داود السجستاني في كتاب الإخوة، وأبو زرعة الدمشقي في كتاب
إخوة أيضا، وأنكر ذلك ابن أبي خيثمة، وبعده العسكري، وكانت أمه مولاة
تعمر بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جُمَح، هاجرت إلى الحبشة، فلذلك عده
ـن شهاب في حلفاء بني جمح، وقيل: إنها ليست أمه، بل تبنته، ونسبه البخاري
ترشيًّا، ولا منافاة بينه وبين ما تقدم، ولأنه قرشي بالحلف في زهرة، أو بالولاء في
حمح، وأما من قال: كندي فبالنسبة إلى نسب أمه، فإنها منهم، والله أعلم.
واختلف في القائل: انظروا إليه يبول كما تبول المرأة، فعند أبي داود والعسكري
: عمرًا وابن حسنة قالا ذلك، وفي كتاب البغوي: فقال بعضنا لبعض، وعند
ـضائي: بعض القوم(١)، وكل ذلك قريب، وفي حديث البغوي والطبراني زيادة
تن معنى الإنكار على أي وجه كان، وهو قوله: انظروا إليه يبول كما تبول المرأة
سعر قاعد، وفي بعض ألفاظ الطبراني: يا رسول الله تبول كما تبول المرأة: إما أن
يكون سمع، وإما أن يكون أخبر، فإن الأحاديث المتقدمة موهمة أن ذلك إما
-استار أو الجلوس.
٨٣- حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا أبو معاوية ووكيع عن الأعمش عن
تجاهد عن طاووس عن ابن عباس قال: مر رسول الله گۉ بقبرین جدیدین،
فقال: إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستنزه من بوله، وأما
آخر فكان يمشي بالنميمة.
في صحيح ابن حبان حديث أبي هريرة بمثل حديث ابن عباس مطولًا(٢) هذا
حديث اجتمع على تخريجه الأئمة الستة في كتبهم (٣)، وقال الترمذي: حديث
، سنن النسائي (٢٦/١-٢٨).
: الإحسان (٨٢٤).
-) البخاري (٢١٦)، ومواضع أخرى، ومسلم (٢٩٢)، وأبو داود (٢٠)، والنسائي (٢٨/١-٣٠)،
والترمذي (٧٠).

٢٢٨
كتاب الطهارة/ التشديد في ثي
صحيح، وروى منصور هذا الحديث عن مجاهد عن ابن عباس، ولم يذكر في
طاووسًا، ورواية الأعمش أصح، وكذا ذكره البخاري في كتاب ((العلل».
وخالف وأبى ذلك في جامعه الصحيح بذكره حديث منصور إثر حديث الأعمش.
فيحتاج إلى تأويل ذلك، بأن يكون ظهر له ترجيحه بوجه من الوجوه، وأظن قلت
لأن شعبة روى عن الأعمش، كما رواه منصور، ذكر ذلك أبو موسى المديني في
كتاب الترغيب من حديث أبي داود الطيالسي ثنا شعبة به، ولفظه: أما أحدهما فكــ
يأكل لحوم الناس، وأما الآخر فكان صاحب نميمة، وقال آخره: كذا قال ع
الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس، والمحفوظ من حديث الأعمش: مجاهد عز
طاووس، وفي حديث الأعمش عند الإسماعيلي: من طريق شعبة عنه، ثنا مجاه
قال شعبة، وأخبرني منصور مثل إسناد سليمان وحديثه، فلم أنكره منه، فهنـ
الأعمش رواه كما رواه منصور، فظهر بذلك ترجيح حديثه على غيره، وأما أبو حاتم
البستي فذكر في صحيحه الحديثين جميعًا، وقال: سمع مجاهد هذا الخبر عن ابن
عباس، وسمعه عن طاووس، فالطريقان جميعا محفوظان(٢)، ففي هذا شفاء للنفسى
ج، ولولا ذلك
وإزالة للبس بتصريحه بسماع مجاهد هذا الحديث من ابن عباس
لكان لقائل أن يقول إن مجاهدًا مدلس، فلو عرى عنه ذلك، أو صرح بالسماع كـ
نقول رواه عنهما، وأما في هذه الحالة فنجزم بالانقطاع، وعلى تقدير صحة ذلك في
يكن حديث الأعمش أصح، إنما يكونان صحيحين، وفي لفظ البخاري: ثم أخذ
جريدة رطبة، فشقها نصفين، فغرز في كل قبر واحدة، قالوا: يا رسول الله لم فعلت
هذا؟ قال: «لعله يخفف عنهما ما لم ییبسا»، وفي رواية: وما يعذبان في کبیر، ثم قال:
بلى كان أحدهما، وفي لفظ لمسلم: ((لا يستنزه عن البول أومن البول)» مع لفظ لأبي
داود: ويستتر مكان: يستنزه، وفي لفظ للبخاري: يستبرئ، زاد ابن الجوزي في
قصة يوسف ظلُّ: فأورق كل واحد من الغصنين، واخضر، وأورق من ساعته،
ففرح النبي ◌َّر، وقال: رفع عنهما العذاب بشفاعتي.
(١) (علل الترمذي الكبير)) رقم (٣٦).
(٢) الإحسان (٣١٢٨)، (٣١٢٩).

٢٢٩
كتاب الطهارة/ التشديد في البول
٨٤- حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا عفان نا أبو عوانة عن الأعمش عن أبي
صالح عن أبي هريرة قال رسول الله وَله: ((أكثر عذاب القبر من البول)).
هذا حديث صحيح الإسناد، قال الشيخ ضياء الدين المقدسي لما ذكره: إسناده
حسن(١)، وما علم بأن الحاكم حكم بصحته على شرط الشيخين، قال: ولا أعرف
◌َ علةً، وله شاهد من حديث أبي يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عباس مرفوعًا:
عامة عذاب القبر من البول(٢)، وصححه أيضًا البخاري كتّثه(٣).
٨٥- حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا وكيع ثنا الأسود بن شيبان حدثني ابن
مرار عن جده أبي بكرة قال: مر النبي ◌ُ * بقبرين: فقال: ((إنهما ليعذبان، وما
يعذبان في كبير، أما أحدهما فيعذب في البول، وأما الآخر فيعذب في الغيبة)).
هذا حديث معلل بأمرين:
الأول: الاختلاف في حال ابن مرَّار، واسمه بحر بن مرار بن عبد الرحمن بن أبي
بكرة، يكنى أبا معاذ ثقفي بصري، روى عنه الأسود، ويحيى بن سعيد القطان،
وأثنى عليه خيرًا، وكذا قاله ابن سرور، وسيأتي عن ابن حبان وغيره عكسه، والله
أعلم، وروى عنه أيضًا شعبة، وحماد بن زيد، وقال فيه ابن معين، وابن ماكولا:
ثقة، وقال البزار: بصري معروف، وقال النسائي في ((التمييز)): ليس به بأس، وقال
في موضع آخر: تغیر، وقال ابن حبان: اختلط باخرة، حتی کان لا يدري ما
يحدث، فاختلط حديثه الأخير بالقديم، ولم يتميز، تركه(٤) يحيى بن سعيد القطان،
وفي تاريخ البخاري عن القطان، رأيت بحرًا اختلط (٥).
(١) السنن والأحكام (٥٥/١) رقم (١٤٦).
(٢) (مستدرك الحاكم)) (١٨٣/١).
(٣) ((العلل الكبير)) للترمذي ص (٤٢) رقم (٣٧).
(٤) في الأصل: ذكره، والصواب ما أثبت كما في (ف)، وفي المجروحين لابن حبان (١٩٤/١).
(٥) إلى هنا انتهى ما في ((ف)، و((التاريخ الكبير)) (١٢٦/٢)، وفي الأصل بعد هذا: بأخرة حتى كان
لا يدري ما يقول يحدث، فاختلط حديثه الأخير بالقديم، ولم يتميز، قلت: الذي يظهر أن هذا
انتقال بصر من الناسخ، لأن هذا سبق في كلام ابن حبان، والله أعلم.

٢٣٠
كتاب الطهارة/ التشديد في ثر
الثاني: انقطاع ما بین بحر وجدّ أبیه، فإنه لم يسمع منه شيئًا، ولا أدركه، ہ.
يروي عن جده عبد الرحمن بن أبي بكرة، كذا ذكره البزار وغيره، ولو سكت ◌ّ
عبد الله بن ماجه عن تعيين الجد لحمل على عبد الرحمن، وكان الحديث مرسا.
وقد وقع لنا هذا الحديث من طريق متصلة، وعلى رأي ابن معين ومن تابعه تكو-
صحيحة، ذكرها البخاري في تاريخه الكبير، فقال: ثنا مسلم ثنا الأسود بن شيبان ش
بحر عن عبد الرحمن بن أبي بكرة قال حدث أبو بكرة قال: قال لي النبي آيه
((صاحبا القبر يعذبان بلا كبير، الغيبة، والبول)).
نا الجعفي ثنا عبد الصمد نا الأسود نا بحر عن عبد الرحمن بن أبي بكرة قال:
حدث أبو بكرة، وثنا إسحاق قال أنا عبد الصمد نا الأسود سمعت بحر بن مر .
يحدث عن عبد الرحمن بن أبي بكرة ثنا أبو بكرة قال: كنت مع النبي تر
الحديث(١)، وبنحوه ذكره الطبراني في الكبير، وابن قانع(٢)، والعسكري، فهد
كما ترى تصريح بسماع بحر من جده، وجده من أبيه، والله تعالى أعلم، ولما ذكر:
الدار قطني في ((العلل)) قال: الصواب قول من قال: عن عبد الرحمن بن أبي بكرة.
يعني عن أبي بكرة(٣)، وقال الترمذي إثر حديث ابن عباس: وفي الباب عن زيد بن
ثابت، وأبي بكرة، وأبي هريرة، وأبي موسى، وابن حسنة(٤)، وأغفل حديث
عائشة: عذاب القبر من البول، المذكور عند الدارقطني(٥)، وحديث عبادة بن
الصامت مرفوعًا: إني أظن منه عذاب القبر يعني البول، ذكره البزار(٦)، وإسناده لا
بأس به، وحديث يعلى بن سيابة أن النبي وَ 9 مر بقبر يعذب صاحبه، فقال: ((إن هذا
(١) التاريخ الكبير للبخاري (١٢٧/٢)، وفيه: حدثني إسحاق قال أخبرنا عبد الصمد قال ثنا الأسود
سمعت بحر بن مرار عن عبد الرحمن بن أبي بكرة حدثنا أبو بكرة.
قلت: فقد سقط من الأصل قوله: حدثنا أبو بكرة، ثم وجدته كذلك في ((ف)).
(٢) في الأصل: ابن رافع، والصواب ما أثبت كما في ((ف)).
(٣) «علل الدار قطني» (١٥٦/٧) رقم (١٢٦٧).
(٤) سنن الترمذي)» (١٠٣/١).
(٥) رواه ابن أبي شيبة (١٤٧/١).
(٦) ((كشف الأستار)) (٢٤٦).

٢٣١
كتاب الطهارة/ التشديد في البول
تقبر يعذب صاحبه في غير كبير»، ذكره الطبراني وابن أبي شيبة الحديث(١)،
وحديث أبي أمامة الباهلي وأبي رافع ذكرهما أبو موسى المديني في كتاب
الترغيب والترهيب))، وحديث ميمونة ذكره أبو القاسم في ((الأوسط)) (٢)، وحديث
جابر بن عبد الله ذكره بحْشّل في تاريخه من حديث الأعمش عن أبي سفيان عنه:
دخل النبي ◌َّ حائطًا لأمه ميسرة، وإذا بقبرين، فدعا بجريدة رطبة، فشقها نصفين،
ثم وضع واحدة على أحد القبرين، والأخرى على الآخر، ثم قال: ((لا يرفعان(٣)
عنهما حتى يجفا، قيل: يا رسول الله في أي شيء يعذبان؟ فقال: أما أحدهما فكان
يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يتنزه من البول».
رواه عن موسى بن شبيب ثنا عبد الله بن موسى(٤) ثنا أبو إسرائيل عن
(٥) .
"أعمش
وحديث أنس بن مالك: مر النبي ◌َّه بقبرين من بني النجار يعذبان في النميمة
والبول، فأخذ سعفة رطبة، فشقها بنصفين، فجعل على ذا القبر نصفًا، وعلى ذا
تقبر شقًّا، وقال: لا يزال يخفف عنهما العذاب ما دامتا رطبتين، أنا به المسند المعمر
حسن بن عمر بن خليل قراءة علينا من لفظه، أنا ابن شاذان قراءة عليه أنا أبو عمرو
عثمان بن أحمد الدقاق قراءة عليه، نا حسين بن حميد بن الربيع ثنا عبيد بن
عبد الرحمن ثنا عيسى بن طهمان عن أنس فذكره(٦)، وحديث ميمونة راويه ليس
بثقة: أشد عذاب القبر في الغيبة، والبول، ذكره ابن منده، وحديث عائشة: ((مر النبي
(١) مسند ابن أبي شيبة (٥٩٥)، والطبراني في ((الكبير) ج (٢٢) رقم (٧٠٥)،
(٢) رواه الطبراني في «الكبير» ج (٢٥) رقم (٦٨) من حديث ميمونة بنت سعد خادمة النبي قصير.
· ولم أقف عليه في الأوسط، وعزاه الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٢٠٩/١) الطبراني في الكبير،
ولم يذكر الأوسط.
(٣) في المطبوع من («تاريخ واسط)»: ترفّه، ولعل ما عندنا هو الصواب.
(٤) كذا بالأصلى والمطبوع من تاريخ بحشل، والظاهر أنه عبيد الله بن موسى العبسي، والله أعلم.
(٥) ((تاريخ واسطة لبحشل ص (٢٥٠).
(٦) ((المعجم الأوسط)) للطبراني (٧٦٨٠)، وعزاه في («مجمع الزوائد» (٢٠٨/١) لأحمد، ولم
يذكره الحافظ ابن حجر في أطراف المسند المعتلي.

٢٣٢
كتاب الطهارة/ التشديد في : .
﴿4﴾ بقبرين يعذبان، فقال: إنهما يعذبان، ما يعذبان في كبير(١) كان أحدهما لا يست
عن البول، وكان الآخر بمشي بالنميمة، فدعا بجريدة رطبة)) الحديث، ذكره ".
القاسم في ((الأوسط)) من حديث عبيدة بن حميد عن منصور عن أبي وائل عن
مسروق عنها، وقال: لم يروه عن منصور إلا عبيدة، تفرد به علي بن جعفر الأحمر
يعني شيخ شيخه محمد بن أحمد الوكيعي (٢)، وحديث عبد الله بن عمر أن النبي ◌ّهـ
مرّ يومًا بين قبور، ومعه جريدة رطبة، فشقها باثنتين، ووضع واحدة على قير.
والأخرى على قبر آخر، ثم مضى، قلنا: يا رسول الله لم فعلت ذلك؟ فقال: ـ
أحدهما فكان يعذب في النميمة، وأما الآخر فكان لا يتقي البول، ولن يعذبا ما داءت
هذه رطبة، ذكره أبو القاسم في ((الأوسط)) من حديث غسان بن الربيع ثنا جعفر ...
ميسرة عن أبيه عنه، قال: لا يروى هذا الحديث عن ابن عمر إلا بهذا الإسناد(".
والقبر: جمعه قبور في الكثرة، وفي القلة: أقبرة، واستعمل مصدرًا، قالت
قبرته أقبره قبرًّا، وفي الغريبين: قبرته: دفنته، وأقبرته: جعلت له قبرًّا، وقــ
القزاز: موضع قبر، ومن أسمائه أيضًا فيما ذكره ابن السكيت في كتاب الألفاظ والعر
هلال العسكري في التلخيص الجَدث، والمنهال، والجدف، والرَّمس، والدَّمر
والجبان، والضريح، واللحد، وفي هذه الأحاديث وغيرها إثبات عذاب القبر عنى
ما هو المعروف عند أهل السنة، واشتهرت به الأخبار، ولم يخالف في ذلك إذا
المعتزلة، كذا رأيت جماعة من العلماء ذكروا ذلك عند كلامهم على هذا الحديث
وشبهه، ويشبه أن يكون ذلك وهما منهم على المعتزلة، لما ذكره القاضي عبد الجبار
رئيس المعتزلة، ومصنفهم في كتاب الطبقات من تأليفه: إن قيل: إن مذهبكم أدَّاكم
إلى إنكار عذاب القبر، وهو قد أطبقت عليه الأمة، وظهر فيه الآثار والدلائل، قيل:
(١) كذا بالأصل، وفي ((مجمع البحرين))، وأما طبعة الحرمين للمعجم الأوسط ففيها: كثير، ولعثر
ما عندنا هو الصواب، لموافقته سائر الروايات.
(٢) كذا في (ف))، وفي ((المعجم الأوسط)) و(مجمع البحرين)). وهو شيخ الطبراني المعروف، وفي
الأصل: موسى بن أحمد الكوكبي.
(٣) المعجم الأوسط للطبراني (٤٣٩٤).

٢٣٣
كتب الطهارة/ التشديد في البول
- هذا الأمر إنما أنكره أولا ضرار بن عمرو، ولما كان من أصحاب واصل ظنوا أن
ـث مما أنكرته المعتزلة، وليس الأمر كذلك، بل المعتزلة رجلان: أحدهما يجوز
ــث كما وردت به الأخبار، والثاني: يقطع بذلك، وأكثر شيوخنا يقطعون بذلك،
ونما ينكرون قول طائفة من الجهلة: إنهم يعذبون وهم موتى، ودليل العقل يمنع
من ذلك، وبنحوه قاله أبو عبد الله المرزباني في كتاب الطبقات أيضًا(١).
واختلف في فتنة القبر: هل هي للمسلمين، والكافرین؟
فذهب أبو عمر بن عبد البر إلى: أنه لا تكون إلا لمؤمن أو منافق من أهل القبلة
معن حقن الإسلام دمه، وبنحوه قال الحكيم أبو عبد الله الترمذي في ((نوادر
الأصول))، وخالفهما أبو محمد الإشبيلي، فزعم أنها تعم المؤمنين والمنافقين
كافرين، واختاره القرطبي في ((التذكرة))، قال: وقد اختلف في هذين المعذبين،
تني اللذين في حديث ابن عباس، هل كانا من أهل القبلة أم لا؟ فقال: إن كان منها
مَعَرجو لهما بذلك تخفيف العذاب عنهما مطلقًا، وإن كانا كافرين فالمرجو
تخفيف العذاب المطلق بهذين الذنبين المذكورين. أما قوله: إن كانا كافرين إلى
آخره فهو من طريق الشك فهو قول مستنده فيما أظن والله أعلم حديث رواه أبو
موسى المديني في كتاب ((الترغيب والترهيب)) من حديث ابن لهيعة عن أسامة بن
ـيث عن أبي الزبير عن جابر قال: مر نبي الله و 9 على قبرين من بني النجار هلكا في
جاهلية، فسمعهما يعذبان في البول والنميمة. وقال(٢): هذا حديث حسن، وإن
كان إسناده ليس بالقوي، لأنهما لو كانا مسلمين لما كان لشفاعته لهما إلى أن ييسا
معنى، ولكنه لما رآهما يعذبان لم يستجز من عطفه ولطفه وَ* حُرمهما من ذلك،
) هكذا نقل الشارح رحمه الله إجماع أهل السنة على إثبات عذاب القبر، وخطّاً من نسب إلى
المعتزلة إنكاره، فبذلك يكون إجماعًا للمسلمين على إثباته، ومع ذلك فقد ظهرت طائفة في
عصرنا ممن ينتسبون إلى الإسلام، ينكرون عذاب القبر غير مبالين بإجماع المسلمين استهانة
بالدين وتلاعبًا بعقائد المسلمين مع جرأة ووقاحة وعدم حياء من الله ولا من عباده المؤمنين،
فنسأل الله أن يكفي المسلمين شرهم، وأن يقطع دابرهم وأمثالهم.
(*) كذا في (ف))، وهو الصواب، وفي الأصل: كذا قال.

٢٣٤
كتاب الطهارة/ التشديد في البو
فشفع لهما إلى المدة المذكورة، والله أعلم، وقد أنا بحديث أبي الزبير هذا المستـ
المعمر فتح الدين بن حسن الهروي الكناني عن أبي الحسن البغدادي أنبأتنا شُهنة
قراءة عليها وأنا أسمع أنا الحسين بن طلحة الثعالبي قراءة عليه ونحن نسمع أنا أيض
القاسم الحسن بن الحسن بن المنذر(١) أنا أبو علي البرذعي ثنا أبو بكر بن أبي الدي
أنا محمد بن علي ثنا النضر بن شميل أنا أبو الغرام واسمه عبد العزيز بن ربيع
الباهلي ثنا أبو الزبير عن جابر، ولفظه غير اللفظ الذي ساقه أبو موسى، قال: كتـ
مع النبي ◌َّله في مسيرنا، فأتى على قبرين يعذبان صاحباهما، فقال: إنهما لا يعذبان
في كبير، أما أحدهما فكان يغتاب الناس، وأما الآخر فكان لا يتأذى من بوله، ودع
بجريدة ... الحديث، ولفظ أبي القاسم في الأوسط وقد خرجه من حديث ابن
لهيعة عن أسامة بن زيد عن أبي الزبير عن جابر: مر النبي ◌َّز على قبور نساء من بني
النجار، هلكن في الجاهلية، فسمعهن يعذبن في النميمة، فأتى بجريدة لم يروه عن
أسامة إلا ابن لهيعة(٢)، فلئن کان ذلك فهو تصریح لا شك فيه، ولکن یعکر علیہ ہ
جاء في بعض ألفاظ حديث ابن عباس في مر بقبرين من قبور الأنصار، وبنو النجار
من الأنصار، فيحتمل أن يكون الراوي قاله بالمعنى الأول، والأنصار لفظة إسلامية
لم يعرف بها مسمى في الجاهلية، ولذلك قال النعمان بن بشير الأنصاري ﴾
يخاطب عمرو بن العاص:
نسب نجيب به سوى الأنصار
يا عمرو لا تعد الدعاء فما لنا
أثقل به نسبًا على الكفار
نسبٌ تخيره الإله لصحبنا
وحديث الباب: بقبرين جديدين، وفي حديث مسلم: فأحببت بشفاعتي أن
يخفف ذلك عنهما، والشفاعة لا تكون إلا لمؤمن، وبضمیمة کونهما جدیدین، وأما
رواية من روى (المدينة أو مكة) وهو البخاري في الصحيح، فيحتمل أن يكون سهوًّا
من أحد الرواة، وقد استدرك ذلك أبو عبد الله، فذكره في كتاب الأدب على
(١) ترجمته في تاريخ بغداد (٣٠٤/٧)، وشيخه الحسين بن صفوان ترجمته في تاريخ بغداد (٨/
٥٤).
(٢) سقط فيه من الأصل: لم يروه، والحديث في ((المعجم الأوسط)) للطبراني (٤٦٢٨).

٢٣٥
كتاب الطهارة/ التشديد في البول
صواب: (المدينة)، وقوله: ((وما يعذبان في كبير)): يحتمل معنيين، والذي يجب
"ت يحمل عليه منهما أنهما لا يعذبان في كبير إزالته، أو دفعه، أو الاحتراز عنه، وأنه
سهل يسير على من يريد التوقي منه، ولا يراد بذلك أنه صغير من الذنوب، لأنه ورد
في الصحيح: وإنه لكبير، قال المازري: والنميمة قد تكون من الكبائر، فيحمل
عنى أنه يريد به في كبير علمهم تركه، وإن كان كبيرًا عند الله تعالى، ولا شك أن
لتميمة كبيرة، قال:
والمنهي عنه على ثلاثة أنحاء: منه ما يشق تركه على الطباع كالملاذ المنهي
عنها، ومنه ما ينبو عنه الطبع، ولا يدعو إليه كالنهي عن قتل نفسه وغيره، ومنه ما لا
عشقة فيه على النفس في تركه، فهذا القسم مما يقال فيه: ليس بكبير على الإنسان
تركه، وقال عياض: قوله: (وما يعذبان في كبير) أي كبير عندهم كقوله تعالى:
﴿ وَتَحْسَبُونَهُ هَيْنَا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾، وسبب ذلك أن عدم النثرة من البول يلزم منه
جلان الصلاة، وتركها كبيرة، وأما النميمة فقد تكون كبيرة، ولا سيما إذا تكررت،
تیذلك أشعر قوله (كان يمشي بالنميمة)، وفي کتاب الإحياء للشيخ أبي حامد نتكلم
تعالى: اعلم أن النميمة إنما تطلق في الأكثر على من ينم قول الغير إلى المقول فيه،
كما تقول: فلان يتكلم فيك بكذا، وليس النميمة مخصوصة بهذا، بل حد النميمة
كشف ما يكره كشفه، سواء كرهه المنقول عنه أو المنقول إليه، وسواء أكان ذلك
- كناية(١) أو الرمز، أو الإيماء، فحقيقة النميمة إفشاء السر، وهتك الستر عما يكره
كشفه، فلو رآه يخبأ مالًا لنفسه، فذكره فهو نميمة، فكل من حملت إليه نميمة،
قيل له فلان يقول فيك، أو يفعل فيك كذا، فعليه ستة أمور:
الأول: أن لا يصدقه لأن النمام فاسق.
الثاني: ينهاه عن ذلك.
الثالث: يبغضه في الله، لأنه بغيض عند الله.
٢) في نسختي من الإحياء: بالكتابة، وما عندنا فبالنون الموحدة، وهو الأنسب للسياق.

٢٣٦
كتاب الطهارة/ التشديد في البوم
الرابع: لا يظن بأخيه الغائب سوءًا.
الخامس: لا يحمله ما حكاه على التجسس، والبحث عن ذلك.
السادس: أن لا يرضى لنفسه ما نهى عنه النمام، فلا يحكي نميمته عنه، فيقول:
فلان حكى كذا، فيصير نمامًا(١).
لا تنه عن خلق وتأتي مثله
عار عليك إذا فعلت عظيم
فإن كانت النميمة في مصلحة فلا منع منها، وذلك كما إذا أخبره أن إنسانًا يريد
الفتك به، أو بأهله، أو بماله، أو أخبر الإمام أو من له ولاية أن إنسانًا يسعى بما فيه
مفسدة، فيجب على صاحب الولاية الكشف عن ذلك وإزالته، فكل هذا وشبهه ليس
بحرام، وقد يكون بعضه واجبًا، وبعضه مستحبًّا على حسب المواطن. انتهى.
(و)(٢) أهل اللغة يفرقون بين نّمَيت مخففة، ونَمَّيت مشددة.
فالأول: إذا بلغته على وجه الإصلاح والخير.
والثاني: على وجه الإفساد، ولم يبين الشيخ أبو حامد ذلك في كلامه، فيلبس
على من لا يعرف اشتقاق النميمة، والله أعلم.
وأما حديث أبي بكرة: (فيعذب في الغيبة) فالغيبة مخالفة للنميمة، إذ هي ذكر
المرء بسوء فيه من ورائه، وفي قول الشيخ أبي حامد: النميمة: هتك الستر، معنى
من معاني الغيبة، لأنك إذا ذكرته بسوء فيه، فقد هتكت ستره بذكرك ذلك، وإذا كان
كذلك، كانا بمعنى واحد، ويكون الراوي لمح في هذا المعنى، وقوله: (من البول)
يؤخذ منه نجاسة الأبوال مطلقًا، قليلها وكثيرها، إلا ما عفا عنه الشارع صلوات الله
عليه وسلامه، وأما (لعل) فهو حرف لتوقع مرجو أو مخوف، وفيها لغات أنها:
لعلّ، وعلَّ، وعنّ، ولعنَّ، وأن، ولأنَّ، وفيه دليل على انتفاع الميت بتلاوة القرآن
العظيم أخذًا من غرز العسيب، فإذا انتفع بتسبيح النبات، فقراءة القرآن من الإنسان
(١) ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (١٥٢/٣) بتصرف، والكلام الأخير لم أقف عليه.
(٢) الواو ليست بالأصول، والسياق بحاجتها.

٢٣٧
كتب الطهارة/ التشديد في البول
ـئ، وفي الصحيح للبخاري: أوصى بريدة أن يجعل في قبره جريدتان(١) تبرئًا
معَع النبي وسر ذلك(٢)، واختلف في وصول ثواب القرآن العظيم للميت، فمذهبنا
-مذهب أحمد وصول ذلك إليه، وأبى ذلك جماعة من العلماء، مستدلين بقوله
نحنى: ﴿وَأَنَ لَّْسَ لِلْإِسَنِ إِلَّا مَا سَعَى ﴾ وبقولهمعلّله: ((إذا مات المرء انقطع
عنه))(٣)، والكلام في ذلك يأتي بعد في كتاب الجنائز، إن شاء الله تعالى.
وأما الدرقة: فهي ضرب من الترسة، تتخذ من جلود دواب، تكون في بلاد
حبشة، والجمع درَق، وأدراق، قاله القزاز، وفي الصحاح: هي الحَجَّفة إذا كانت
من جلود، ليس فيها خشب ولا عقب، وأما بنو إسرائيل فهم أولاد يعقوب ظلَّلا،
سعر أسم عبراني، وفيه لغات: إسرائيل بكسر أوله، والمدَّ، والياء بعد الراء
- تيمز، وقيل: كذلك إلا أنه بغير همز، وبيائين، وقيل: بفتح أوله مع الوجوه
ثلاثة، وقيل إسرال بغير مد، ولا ياء، بكسر أوله، وقد يفتح، وقيل: بكسر
معزتين، بغير ألف بعد الراء، وقيل: كذلك إلا أنه بياء من غير همز، وقيل بدلًا
تح اللام على الوجوه كلها، وقيل: غير ذلك، ولا خلاف أن إيل: هو اسم الله تعالى
مي اللغة العبرية، واختلف في إسرا، فزعم السهيلي أنه عبْد، وقيل: صفوة، وقيل:
في مركب من عربي وعجمي، معناه أسري إلى الله، وذلك أن يعقوب علا أسري به
سة في الهجرة إلى الرب سبحانه وتعالى: فسمى إسرائيل بذلك، والله أعلم.
"ز في باب الجريدة على القبر، وهو عند ابن سعد في الطبقات (٨/٧)،
) ذكره البخاري
ورجاله ثقات.
قال العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله: الصواب في هذه المسألة ما قاله الخطابي من .
استنكار الجريد ونحوه على القبور، لأن الرسول {9 لم يفعله إلا في قبور مخصوصة، اطلع
على تعذيب أهلها، ولو كان مشروعًا لفعله في كل القبور، وكبار الصحابة - كالخلفاء - لم
يفعلوه، وهم أعلم بالسنة من بريدة، رضي الله عن الجميع. اهـ.
*) رواه مسلم (١٦٣١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

٢٣٨
كتاب الطهارة/ الرجل يُسَلَّمُ عليه وهو يو.
الرجل يُسَلّمُ علیه، وهو يبول
٨٦- حدثنا إسماعيل بن محمد الطلحي(١) ثنا روح بن عبادة عن سعيد عن
قتادة عن الحسن عن حضين بن المنذر بن الحارث بن وعلة أبي ساسات الرقاشي
عن المهاجر بن قُنُفذ بن عمير بن جدعان قال: أتيت النبي والغر(٢)، وهو يتوضـ
فسلمت عليه، فلم يرد عليّ، فلما فرغ من وضوئه، قال: ((إنه لم يمنعني من أن ود
عليك إلا أني كنت على غير وضوء))(٣) .
هذا حدیث قال فيه الحاكم لما خرجه في مستدركه من حديث عبد الأعلى -
عبد الأعلى، وعبد الله بن خيران قالا ثنا سعيد به: هذا حديث صحيح، على شرع
الشيخين، ولم يخرجاه بهذا اللفظ (٤).
وفيه نظر من وجهين :
الأول: حضين من أفراد مسلم، لم يخرج له البخاري شيئًا.
الثاني: ينظر في سعيد فإنه ممن اختلط اختلاطًا قبيحًا، ولا نعلم من سمع منه أوّ
ممن سمع منه أخيرًا، ولم يذكر الحديث من رواية غيره ليكون متابعًا له(٥)، وبثته
أعلم، وذكره ابن حبان في ((صحيحه)) عن ابن خزيمة ثنا محمد بن مثنى ـ
عبد الأعلى به(٦)، ورواه أبو أحمد العسكري من حديث مكي بن إبراهيم عن سعيد.
(١) في المطبوع: إسماعيل بن محمد الطلحي، وأحمد بن سعيد الدارمي.
(٢) في الأصل: فسلمت عليه، وليست في المطبوعة، والظاهر أنها زيادة، لأنها ستأتي، ولم أجدد
في ((ف».
(٣) ترك الشارح إسنادا لأبي الحسن القطان من مستخرجه على سنن ابن ماجه، وهو قوله: قال أبي
الحسن بن سلمة ثنا أبو حاتم ثنا الأنصاري عن سعيد بن أبي عروبة، فذكر نحوه.
(٤) (مستدرك الحاكم)) (١٦٧/١)، وفي هذا الموضع من حديث شعبة، وأما من حديث سعيد،
وهو ابن أبي عروبة، فأخرجه (٤٧٩/٣) من طريق يزيد بن زريع عنه.
(٥) تقدم في الطريق السابق متابعة شعبة إلا أن يكون ((شعبة)» تصحف من سعيد في نسخه مستدرك
الحاكم المطبوعة، وهو الذي يغلب على ظني، والله أعلم
(٦) الإحسان (٨٠٣)، (٨٠٦).

٢٣٩
كْب الطهارة/ الرجل يُسلّمُ علیه وهو پبول
د: ولا تسلم علي وأنا في مثل هذه الحالة، فإنك إن سلمت عليّ لم أرد عليك.
وذكر البغوي في معجمه أن معاذ بن معاذ رواه عن قتادة عن حضين من غير ذكر
حسن.
قال: ورواه الخفاف، فأثبت فيه الحسن، كذا قال، والبزار ذكر رواية معاذ بن
معذ عن ابن مثنى عنه بثبوت الحسن، وكذلك ذكره أبو القاسم في الكبير من
حديث معاذ بن هشام(١)، والله أعلم، وهذا الحديث معدود مما جوده قتادة، ورواه
نه شعبة والدستوائي كما رواه ابن أبي عروبة، فذهب ما كنا نخشاه من اختلاطه،
مكّنه غير موجود، والله أعلم.
وقد روي عن الحسن عن مهاجر مرسلًا، فيما ذكره الطبراني(٢)، قال ذلك عنه
حميد، ويونس، وعبد الله بن المختار (٣)، وزياد الأعلم، وأبو عبيدة مجاعة،
تحسن بن دينار فيما ذكره ابن قانع، ولفظه: فقمت مهمومًا، فدعا بوضوح،
توضأ، ورد عليّ، وقال: إني كرهت أن أذكر الله تعالى، وأنا على غير وضوء(٤)،
سواه أبو عبيدة الناجي، وهو لين الحديث عن الحسن عن البراء(٥) مخالفًا لرواية
جميع، وحضين هذا بضاد معجمة، اسم مفرد فيما قاله البرذعي، وقيل فيه: بصاد
مهملة، وهو قليل، كنيته أبو محمد، ولقبه أبو ساسان، فيما ذكره الحاكم، وأبو
حتّم، والسراج في مسنده، وابن حبان، وكان من أصحاب أمير المؤمنين علي،
قيه يقول، و کانت رايته معه:
عن راية سوداء يخفق ظلها
إذا قيل قدمها حضين تقدما
قوفي التاريخ الأوسط للبخاري: وقال علي بن سويد بن منجوف: تعشينا مع
زيد بن المهلب ومعنا حضين، ذكر ذلك في ترجمة من مات بين المائة إلى عشر
((المعجم الكبير)) للطبراني ج (٢٠) رقم (٧٨٠).
) المصدر السابق رقم (٧٧٩).
-) في (ف)»: عبيد الله، والصواب ما أثبت.
٤) معجم الصحابة لعبد الباقي بن قائع (١٠٠٨).
=) (المعجم الأوسط)) للطبراني (٧٧٠٦).