النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨٠
باب تشييد المساجد
عباس: لتزخرفتها كما زخرفت اليهود والنصارى(١).
ورواه أبو نعيم من حديث عبد الأعلى بن حماد ثنا معتمر سمعت ليثًا عن أبي
فزارة به.
٤٤ - حدثنا جبارة ثنا عبد الكريم بن عبد الرحمن عن أبي إسحاق عن عمرو
ابن ميمون عن عمر بن الخطاب قال رسول اللهجر: ((ما ساء عمل قوم قط إلا
زخرفوا مساجدهم» .
هذا حديث تقدم الكلام على سنده قبيل، وقد وردت أحاديث من هذا الباب غير
ما تقدم، من ذلك: حديث ليث عن أيوب عن أنس قال رسول الله خير: ((ابنوا
المساجد، واتخذوها جماء، وفي لفظ: ((أمرت بالمساجد جما))، ذكره ابن أبي شيبة
في مصنفه عن مالك بن إسماعيل ثنا هريم عنه (٢)، ولما سأل الترمذي محمدًا عنه
قال: إنما يروى عن أيوب عن عبد الله بن شقيق قوله(٣)، وقال أبو الحسن وسئل
عنه: لم يتابع ليث عليه، وغيره يرويه عن أيوب عن ابن شقيق قوله(٤).
وحديث مجاهد عن ابن عمر قال: نهانا رسول الله ولو أن نصلي في مسجد
مشرف، رواه الدارقطني، وقال: رواه إسحاق بن منصور وأبو غسان عن هريم عن
ليث عنه، ورواه عبد الحميد بن صالح عن هريم عن ليث عن نافع عن ابن عمر(٥).
وحديث ابن عباس مته قال: أمرنا أن نبني المساجد جمًّا، ذكره عبد الغافر الفارسي
في كتابه ((مجمع الغرائب))، قال: ومعناه التي لا شرف لها، وفي كتاب ((غريب
الحديث)) لأبي عبيد القاسم بن سلام زيادة: والمدائن شرقًا.
(١) أبو داود (٤٤٨).
(٢) ((مصنف ابن أبي شيبة)) (١/ ٣٤٤).
(٣) كذا ذكره الحافظ ابن حجر كما في ((النكت الظراف على الأطراف)) (٩٨/١)، وقال: لعله في
كتاب ((العلل الكبير)، قلت: بحثت في ((العلل الكبير" فلم أجده.
(٤) (علل الدارقطني؟ ج (٤) ص(٢٣) ب.
(٥) ((العلل)) للدارقطني ج (٤)، ص (٤٩) أ.

١٨١
باب تشييد المساجد
وحديث علي بن أبي طالب سمعت رسول الله ◌َه يقول: «ائتوا المساجد حُسَّرا
ومقنعين، فإن ذلك سيما المسلمين)).
رواه أبو نعيم الحافظ من حديث محمد بن شعيب ثنا مبشر بن عبيد عن الحكم
عن يحيى بن الجزار عنه (١)، وحديث جابر بن عبد الله قال رسول الله وقوله: ((من زوق
بيته أو مسجده لم يمت حتى تصيبه قارعة))، رواه أيضًا من حديث موسى بن محمد
صاحب القديدي ثنا المنكدر بن محمد بن المنكدر عن أبيه عنه.
ورواه ابن الجوزي في علله من حديث أبي البختري وهب بن وهب، ورده به (٢)
وفي كتاب أبي نعيم بن دكين ثنا سفيان عن أيوب عن عبد الله بن شقيق العقيلي قال:
كانت المساجد تبنى جمًّا، والمدائن تشرف، ثنا سفيان عن أبي فزارة عن مسلم
البطين قال: كان علي بن أبي طالب إذا مر بمسجد التيم، وهو مشرف قال: هذه
بيعة التيم.
غريبه: الشرفة: ما يوضع على أعالي القصور والمدن، وشرف الحائط جعل له
شرفة، ذكره ابن سيده، وفي ((الجامع)): وقولهم: قصر مُشَرَّف: إنما معناه طويل،
وإذا أرادوا له شرف، قالوا: قصر مشروف، والبيعة: كنيسة النصارى، وقيل:
كنيسة اليهود، فيما ذكره في ((المحكم))، وفي ((الجامع)): البيعة بكسر الباء: صومعة
الراهب، وقيل: كنيسة النصارى، والجمع بيع.
وقال عياض: البيعة: كنيسة أهل الكتاب، والصلوات للصابئين كالمساجد
للمسلمين، وفي كتاب الجواليقي: البيعة، والكنيسة جعلهما بعض العلماء فارسيين
معرّبين، وأما البناء المشيد، فهو المعمول بالشيد، وكل ما أحكم من البناء فقد
شيد، قال أبو عبيد: البناء المشيد: المطول، وقال الكسائي: المشيد للواحد،
والمشيدة للجميع حكاه أبو عبيد عنه، والكسائي يچِلُّ عن هذا، قاله ابن سيده، وفي
(١) (الكامل)) (٤١٩/٦ - ٤٢٠).
(٢) (العلل المتناهية)) لابن الجوزي (٤٠١/١) رقم (٦٧٤)، وهو في الكامل (٦٦/٧).

١٨٢
باب تشييد المساجد
((الجامع)): أشدت الحائط، وشيدته فهو مشاد، ومشيد إذا طولته، وقيل: لا يكون
مشيدًا حتى يُجَصّص، ويطول.
والزخرف: الذهب هذا الأصل، ثم سمي كل زينة زخرفًّا، وزخرف البيت:
زيّنه، وأكمله، وكل ما زوق وزين فقد زخرف، والتزخرف: التزين، والزخارف،
ما زين من السفن.
والزخرف: زينة النبات، ذكره ابن سيده، وفي الجامع: كل نفيس يسمى
زخرفًا، وقال الهروي: هو كمال حسن الشيء، وقال عياض: هو التزويق بالنقش
والتلوين، قال الخطابي: المعنى: أن اليهود والنصارى إنما زخرفوا المساجد عندما
حرفوا، وتركوا العمل بما في كتبهم، نقول: فأنتم تصيرون إلى مثل حالهم إذا
طليتم الدنيا بالدين، وتركتم الإخلاص في العمل، وصار أمركم إلى المراءاة
بالمساجد، والمباهاة بتشييدها، وزينتها، وفيه دليل على أن الصلاة لا تجبر بالمال،
كما يجبر الصوم وغيره، وأما قول من قال: أراد بالتباهي في المساجد: التفاخر
بالأنساب والأحساب وشبهه فمردود بقوله: ببناء المساجد، وبكثرة المساجد.

١٨٣
باب اين يجوز بناء المساجد؟
١٣- باب أين يجوز بناء المساجد؟
٤٥- حدثنا علي بن محمد ثنا وكيع عن حماد بن سلمة عن أبي التياح
الضبعي عن أنس بن مالك قال: كان موضع مسجد النبي وَّ لبني النجار، وكان
فيه نخل ومقابر للمشركين، فقال لهم النبي ◌َله: ((ثامنوني به))، قالوا: لا نأخذ به
ثمنًا أبدًا، قال: فكان النبيِ وَلا يبنيه، وهم يناولونه، والنبي صل9 يقول: ((ألا إن
العيش عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة))، قال: وكان النبي 115 يصلي
قبل أن يبنى المسجد حيث أدركته الصلاة.
هذا حديث خرجاه في الصحيح من حديث أبي التياح مطولًا: قدم النبي الاول
المدينة، ونزل أعلاها في حي، يقال لهم: بنو عمرو بن عوف، فأقام عليه السلام
فيهم أربع عشرة ليلة، ثم أرسل إلى ملأ بني النجار، فجاءوا متقلدين السيوف،
فكأني أنظر إلى النبي والإ على راحلته، وأبو بكر ردفه، وملأ بني النجار حوله، حتى
ألقى بفناء أبي أيوب، وكان يصلي في مرابض الغنم، وفيه: فأمر بقبور المشركين،
فنشبت، ثم بالخرب فسويت، وبالنخل فقطع، فصفوا النخل قبلة المسجد، وجعلوا
عضادتيه الحجارة، وفيه: لا خير إلا خير الآخرة، وأما قول خلف: رواه مسلم أيضًا
في الهجرة عن إسحاق بن منصور عن عبد الصمد عن أبيه عن أبي التياح، فيشبه أن
يكون وهمًّا، وذلك أن مسلمًا ليس عنده كتاب هجرة، وكتاب الهجرة إنما هو عند
البخاري(١)، وكذا ذكره الطرقي(٢)، وابن أبي أحد عشر(٣) في جمعه.
ورواه الحاكم في ((دلائل النبوة)) من حديث موسى بن إسماعيل ثنا حماد بن سلمة
(١) البخاري (٤٢٨)، ومواضع أخرى، ومسلم (٥٢٤).
(٢) هو: أبو العباس أحمد بن ثابت بن محمد - ترجمته في ((السير» (٥٢٨/١٩).
(٣) هو: أبو عبد الله محمد بن الحسين بن أبي أحد عشر، لم أقف له على ترجمة، وإنما رأيته مذكورًا
في الأسانيد وحمل العلم.

١٨٤
باب اين بجوز بناء المساجد؟
عن أبي التياح بزيادة: وكان المهاجرون والأنصار ينقلون اللبن أو التراب لبناء
المسجد، وهم يقولون:
بحق الذين بايعوا محمدًا على الجهاد ما بقينا أبدا
فأجابهم النبي ◌َلغير: ((اللهم إن الخير خير الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة».
وفي حديثه شعبة عن أبي إسحاق عن البراء قال: كان رسول الله و 18 ينقل التراب
معنا، وقد وارى الغبار بياض إبطيه، وهو يقول:
اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا صمنا ولا صلينا
إن الآلي لقد بغوا علينا
فأنزلن سكينة عليـنـا
أبينا
فتنة
أرادوا
وإن
ومد بها صوته﴾(١).
وفي حديث حشرج بن نباتة عن سعيد بن جمهان عن سفينة قال: لما بنى النبي
** المسجد جاء أبو بكر بحجر، فوضعه، ثم جاء عمر بحجر، فوضعه، ثم جاء
عثمان بحجر، فوضعه، فقال: ((هؤلاء ولاة الأمر من بعدي)) (٢).
وفي كتاب موسى بن عقبة: عن ابن شهاب: كان المسجد مربدا للتمر لغلامين
سهل وسهيل ابني عمرو، وفي حجر أسعد، قال ابن شهاب: وزعموا أنه كان رجال
من المسلمين يصلون في المربد قبل قدوم النبي والتر المدينة، فأعطاه رسول الله وَل
ثمنه، ويقال: عوّض عليها أسعد نخلاً له في بني بياضة ثوابًا من مربدهما، فقالا:
بل نعطيه رسول الله وَلله، ويقال: بل اشتراه النبي وَلقل منهما، فبناه مسجدًا، فطفق
هو وأصحابه ينقلون اللبن، وهم يقولون:
(٣)
هذا أبر ربنا وأطهر
هذا الحمال لا حمال خيبر
فأجابهم رسول الله وَّر: ((اللهم إن الخير خير الآخرة)).
(١) البخاري (٢٨٣٦)، (٢٨٣٧)، ومواضع أخرى، ومسلم (١٨٠٣) وغيرهما.
(٢) رواه البيهقي في الدلائل النبوة)» (٥٥٣/٢).
(٣) ((طبقات ابن سعد)) (٢٤٠/١، ٢٤١).

١٨٥
باب ابن يجوز بناء المساجد؟
قال ابن شهاب: فتمثل رسول الله له بشعر رجل من المسلمين لم يسم لي، ولم
يبلغني في الأحاديث أن النبي ( تمثل بشعر قط غير هذه الأبيات، أنبأنا المشائخ
المعمر بقية السلف عبد القادر بن عبد العزيز بن أيوب، وأبو بكر عبد الله بن علي بن
عمر، وأبو عبد الله محمد بن عبد الحميد بن محمد رحمهم الله تعالى قراءة عليهم
وأنا أسمع، قال الأول: أنبأنا الصالح أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن أحمد بن
أبي الفتح أنبأنا القاضي صنعة الملك أبو محمد هبة الله بن يحيى بن علي بن
حيدرة(١) أنبأنا الشيخ أبو محمد عبد الله بن رفاعة أنبأنا أبو الحسن الخلعي، وقال
الآخران: أنبأ الشريف تاج الشرف بن السيد أبي القاسم عبد الرحمن بن علي
الحسيني أنبأنا أبو الطاهر محمد بن محمد بن بُنان أنبأنا والدي أنبأنا أبو إسحاق
الجبال(٢) قال هو، والخلعي أنبأنا أبو محمد عبد الرحمن بن عمر البزاز(٣)، ثنا أبو
محمد عبد الله بن جعفر بن الورد(٤) أنبأنا أبو سعد عبد الرحيم بن عبد الله البرقي ثنا
أبو محمد عبد الملك بن هشام ثنا زياد قال: قال محمد بن إسحاق فقال: أسعد بن
زرارة: يا رسول الله إني مرضيهما منه، فابنه مسجدًا، فأمر النبي و 3 بناء المسجد،
فأصيب أسعد، والمسجد يُبنى، أصابته الذُّبْحة، أو الشهقة.
وفي كتاب ابن سعد(٥): جعل قبلته للقدس، وجعل له ثلاثة أبواب: باب في
مؤخره، وباب يقال له: باب الرحمة، والباب الذي يدخل منه (٦)، وفي الإكليل من
حديث عبد الله بن عمر عن نافع عن مولاه أنه أخبره أن المسجد كان على عهده وكالة
مبنيًّا باللبن، وسقفه الجريد، وعمده خشب النخل، فلم يزد فيه أبو بكر شيئًا، وزاد
(١) له ذكر في ((السير» (٤١٥/٢١)، وفي الأصلين: صنيعة الملك.
(٢) هو إبراهيم بن سعيد بن عبد الله النعماني، ترجمته في (السير)) (٤٩٥/١٨).
(٣) ترجمته في ((السير)» (٣١٣/١٧).
(٤) في الأصلين: ((بن أبي الورد))، والصواب ما أثبت كما في المصادر الأخرى.
(٥) سقطت من الأصل: كلمة (ابن))، ثم وجدتها في ((م)).
(٦) ((طبقات ابن سعد)) (٢٤٠/١).

١٨٦
باب أين يجوز بناء المساجد؟
فيه عمر، وبناه على بنيانه في عهد النبي ول9، وقال: لولا أني سمعت رسول الله وَلـ
يقول: ((إني أريد أن أزيد في قبلتنا، ما زدت، فزاد ما بين المنبر إلى موضع
المقصورة(١)، ثم غيره عثمان، وزاد فيه زيادة كبيرة، وبنى جداره بالحجارة
المنقوشة والقصة، وجعل عمده حجارة منقوشة، وسقفه بالساج، وفي حديث مالك
ابن مغول عن رجاء قال كتب: الوليد بن عبد الملك إلى عمر بن عبد العزيز أن یکسر
مسجد النبي ◌َّه وحجراته، وكان قد اشتراها من أهلها، وأرغبهم في ثمنها، وأن
يدخلها في مسجد النبي وَّر، فجاء عمر، فقعد ناحية، وقعدت معه، ثم أمر بهدم
الحجرات، فما رأيت باكية ولا باكيًا أكثر من يومئذ، جزعًا حين كسرت، ثم بناه،
فلما أراد أن يبني البيت على القبر، وكسر البيت الأول الذي كان عليه، فظهرت
القبور الثلاثة، وكان الرمل الذي كان عليها قد انهار عنها، فأراد عمر يسويها، ثم
يضعون البناء، قال رجاء: فقلت: إن قمت قام الناس معك فوطئوا القبور، فلو
أمرت رجلًا أن يصلحها، ورجوت أن يأمرني بذلك، فقال: يا مزاحم قم فأصلحها،
قال رجاء: فأكرمه الله بها.
وفي حديث يزيد بن رومان: قال معاوية: في منبر النبي ◌َّ﴾، فجعله ست
درجات، وحوَّله عن مكانه، فكسفت الشمس يومئذ، قال أبو عبد الله: وقد أحرق
المنير الذي أحدثه معاوية، ورد منبر النبي ◌َلفر إلى مكانه.
وفي حديث علي بن زيد عن أنس عند أبي نعيم الحافظ لما بنى النبي ◌َّر المسجد
جعل سقفه جريدًا، وكان إذا بسط يده لحقت السقف.
وفي كتاب الروض لأبي زيد: كان مربد التيمي في حجر معاذ بن عفراء، وعن
الشفاء بنت عبد الرحمن قالت: كان رسول الله 153* يؤمه جبريل إلى الكعبة، ويقيم له
القبلة، وكانت من اللبن، ويقال: بل من حجارة منضودة، بعضها على بعض، ثم
إن المهدي بناه، ووسعه، وزاد فيه: وذلك في سنة ستين ومائة، ثم زاد فيه المأمون
(١) أخرجه أبو يعلى كما في ((المطالب العالية)) (٤٠٢/٢) رقم (٥٧٩)، (٥٨٠).

١٨٧
باب أين يجوز بناء المساجد؟
في سنة ثنتين وثمانين، وأتقن بنيانه، ثم لم يبلغا أن أحدًا غير منه شيئًّا، ولا أحدث
فیه عملًا.
وفي كتاب ((أخبار المدينة)) لأبي زيد بن شبة أن العباس قال للنبي ◌ّيقيل: يا
رسول الله ألا نبني لك مقصورة، حجابًا يكلمك الناس من ورائه، يكف عنك
ضغاطهم وأذاهم؟ قال: ((لا، بل أصبر لهم فُضول قدمي وبناني حتى يريحني الله
منهم))، قال ابن شهاب: فكان أول من عمل المقصورة معاوية، فأما التي في مسجد
النبي * اليوم فإن عمر بن عبد العزيز عملها حين بنى المسجد بأمر الوليد، وكانت
حين عملها مرتفعة عن الأرض ذراعين، فخفضها المهدي، فهي على حالها إلى
اليوم، وفي لفظ: أول من أحدث المقصورة مروان في عمل معاوية بحجارة
منقوشة، وجعل فيها كوى، وفي لفظ: أول من عمل مقصورة بلبن عثمان بن عفان،
وكانت فيها كوى ينظر الناس منها إلى الإمام، وإن عمر بن عبد العزيز عملها
بالساج، قال: والذي بلط حوالي المسجد بالحجارة معاوية، أمر بذاك مزْوَان،
وعمل له أسرابًا ثلاثة، تصب فيها مياه المطر، وأراد أن يبلط بقيع الزبير، فحال ابن
الزبير بينه وبين ذلك، وكان بين يدي المنبر مرمر تطرح فيه طنفسة لعبد الله بن حسن
بن حسن، فلما ولي حسن بن زيد المدينة في رمضان سنة خمسين ومائة غير ذلك
المرمر، ووسعه من جوانبه كلها، حتى ألحقه بالسواري، على ما هو عليه اليوم،
فلما قدم المهدي، قال لمالك: إني أريد أن أعيد منبر النبي ول# إلى حاله التي كانت
عليها، فقال مالك: إنه من طرفاء، وقد سمر إلى هذه العيدان، وشد، فمتى نزعته
خفت أن ينهار، ويهلك، فلا أرى أن تغيره، قال أبو زيد: فانصرف رأي المهدي عن
تغييره، (١) والله أعلم.
٤٦- حدثنا محمد بن يحيى ثنا أبو همام الدلال ثنا سعيد بن السائب عن
محمد بن عبد الله بن عياض عن عثمان بن أبي العاص أن رسول الله ولي أمره أن
يجعل مسجد الطائف حيث كان طاغيتهم.
(١) ((تاريخ المدينة)) لعمر بن شبة (١٦/١-١٨) بتصرف.

١٨٨
باب أين بجوز بناء المساجد؟
هذا حديث إسناده صحيح، لتوثيق البستي محمد بن عياض، وباقي من في
الإسناد لا يسأل عن حاله، ولفظ أبي داود: طواغيتهم(١).
٤٧- حدثنا محمد بن يحيى ثنا عمرو بن عثمان ثنا موسى بن أعين ثنا محمد
ابن إسحاق عن نافع عن ابن عمر: وسئل عن الحيطان تلقى فيها العذرات؟ فقال:
إذا سقيت مرارًا، فصلوا فيها، يرفعه إلى النبي 393.
هذا حديث إسناده صحيح، عمرو بن عثمان بن سيَّر الكلابي مذكور في ثقات
ابن حبان، ورجاله الباقون حديثهم في الصحيح.
وفي الباب: حديث طلق بن علي قال: خرجنا وفدًا إلى النبي ◌َّر، فبايعناه،
وأخبرناه أن بأرضنا بيعة لنا، فاستوهبناه من فضل طهوره، فدعا بماء، فتوضأ،
وتمضمض، ثم صبه في إداوة، وأمرنا: إذا أتيتم أرضكم فاكسروا بيعتكم،
وانضحوا مكانها بهذا الماء، واتخذوه مسجدًا، رواه النسائي من حديث ملازم بن
عمرو عن عبد الله بن بدر عن قيس بن طلق عنه(٢)، وسكت عنه عبد الحق لما
ذكره(٣)، وحديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن النبي وَ ل كان يصلي في
الموضع الذي يبول فيه الحسن والحسين، ويقول: إن ((العبد إذا سجد سجدة طهر
الله موضع سجوده))، رواه أبو القاسم في الأوسط، وقال: لم يروه عن هشام إلا بزيع
أبو الخليل(٤)، يعني المتكلم فيه بكلام فيه إقذاع(٥) .
قوله ((ثامنوني)) أي: قدروا ثمنه، لأشتريه منكم فأبوا، وفي كتاب ابن سعد أن
النبي ◌ّ اشتراه منهما بعشرة دنانير دفعها عنه أبو بكر عزالية(٦)، فيحتمل على تقدير
(١) ((سنن أبي داود» (٤٥٠).
(٢) (المجتبى من سنن النسائي)) (٣٨/٢ - ٣٩).
(٣) ((الأحكام الوسطى)) (٢٩٠/١).
(٤) ((المعجم الأوسط)) (٤٩٥١)، وآخره: إلى سبع أرضين.
(٥) أقذع القول: أساءه.
(٦) (الطبقات)) لابن سعد (٢٣٩/١).

١٨٩
باب أين يجوز بناء المساجد؟
الصحة أنه أعطاهما ذلك ثواب هبتهما إياه، فاعتقد رائي ذلك أنه ثمنه، وهذا: هو
الأليق بحاله ◌َه، ويبينه ما تقدم من قول ابن شهاب، وأما ارتجازه وَ ل*، فذكر ابن
التين أن الرجز مختلف فيه هل هو شعر أم لا؟ قال: وقالوا: إنما هو كالكلام
المسجع، وهي دائرة المشتبه سمي بذلك لأنه يقع فيه ما يكون على ثلاثة أجزاء
مأخوذ من البعير إذا شدت إحدى يديه، فبقي على ثلاث قوائم، ويقال: بل هو
مأخوذ من قولهم: ناقة رجزاء، إذا ارتعشت عند قيامها لضعف يلحقها أو داءٍ.
وفي الروض: يحتمل أن يكون من رجزت الحِمْل إذا عدلته.
قال ابن حبان: وهو شيء يعدل رجز حمل، وفي المحكم: الرجز: اضطراب
رجل البعير إذا أراد القيام ساعة، ثم ينبسط .
وقال أبو إسحاق: سمي بذلك لأنه تتوالى في أوله حركة وسكون، وقيل:
لاضطراب أجزائه، وتقاربها، وقيل: هو صدور بلا أعجاز، فلما كان هذا الوزن فيه
اضطراب سمي رجزًّا، تشبيهًا بذلك.
وفي الحديث: لما اجتمعت قريش في أمره عليه السلام، وقالوا: نقول هو
· شاعر، فقال بعضهم: قد عرفنا الشعر كله: مقبوضه، ومبسوطه، ورجزه، فذكروا
الرجز من جملة أنواع الشعر، وقد تقدم أيضًا قول الزهري في ذلك، ولعل الملجئ
له إلى ذلك هروبه من إنشاد النبي * شيئًا منه، قال: فلو كان شعرًا لما علمه النبي
﴿﴿)، قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَهُ الشِّعْرَ﴾، وما علم أن من أنشد القليل من الشعر
متمثلًا على جهة الندور لم يستحق اسم شاعر، ولا يقال فيه: إنه تعلم الشعر، ولا
ينسب إليه، ولو كان كذلك للزم أن يقال كل الناس شعراء؛ لأن كل فرد لابد أن
يتمثل بشعر، أو يتكلم به من غير قصد، إذ الشعر لا يكون إلا عن قصد، والذي قاله
الخليل هو الكلام الصحيح، لأن المنهوك عنده ليس بشعر، وهو الذي جرى على
لسانه عليه السلام.
وأما الطاغية فذكر أبو موسى المديني أنه ليس من الطواغيت يشبه أن يريد به من

١٩٠
باب أبن يجوز بناء المساجد؟
طغى في الكفر، وجاوز القدر في الشر أي عظماءهم، ويجوز أن يريد به الأديان،
وأما من رواه الطواغيت فزعم ابن سيده أن الطاغوت: ما عبد من دون الله تعالى،
وقيل: هي الأصنام، وقيل: الشيطان، وقيل: الكهنة، وقيل: مردة أهل الكتاب.
وقوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطّنُوتِ﴾ قال أبو إسحاق: قيل هاهنا: حيي بن
أخطب، وكعب بن الأشرف.
وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّغُوتِ﴾، يعني إلى الكاهن أو
الشيطان، وهو يقع على الواحد والجميع، والمذكر والمؤنث، ووزنه: فلعوت؛
لأنه من طغوت، وإنما أجريت في التقدير على طيغوت؛ لأن قلب الواو عن
موضعها أكثر من قلب الياء في كلامهم، نحو شجر شاك ولاث وهار، وقد يكسر
على طواغيت، وطواغ، الأخير عن اللحياني، وفي الجامع: العرب تسمي الكاهن
والكاهنة: طاغوتًا.
وفي كتاب أبي موسى المديني: هو ما زين لهم الشيطان أن يعبدوه، وفي
الصحاح: هو كل رأس في الضلال، ومعنى: قوله: سقيت: أي صب عليها الماء
مرة بعد أخرى، كما قال ◌َله: ((صبوا عليه سجلاً من ماء))، والله أعلم.

١٩١
باب المواضع التي يكره فيها الصلاة
١٤- باب المواضع التي يكره فيها الصلاة
٤٨- حدثنا محمد بن یحیی ثنا یزید بن هارون ثنا سفيان عن عمرو بن یحیی
عن أبيه، وحماد بن سلمة عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن أبي سعيد الخدري قال
رسول الله: ((الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام)).
هذا حدیث خرجه أبو عبد الله في مستدر كه من حديث عبد الواحد بن زياد ثنا
عمرو، وقال: تابعه عبد العزيز بن محمد عن عمرو، قال: وتابع عمارة بن غزية
عمرو بن يحيى على روايته عن أبيه يحيى بن عمارة، ثم قال: هذه الأسانيد كلها
صحيحة على شرط البخاري ومسلم ولم يخرجاه(١)، وخرجه ابن حبان في صحيحه
عن عمران بن موسى ثنا أبو كامل ثنا عبد الواحد به(٢)، ولما خرجه الدارمي في
مسنده الذي زعم الضياء أنه صحيح، ذكر آخره: قيل لأبي محمد: تجزئ الصلاة
في المقبرة؟ قال: إذا لم يكن على القبر، فنعم، قال: والحديث أكثرهم أرسله(٣)،
وذكره ابن حزم مصححًا له، ثم قال: وقال بعض من لا يتقي عاقبة كلامه في
الدين: هذا حديث أرسله الثوري، وشك في إسناده موسى بن إسماعيل عن حماد،
فكان ماذا؟ وهم يقولون: إن المسند كالمرسل ولا فرق، ثم أي منفعة لهم في شك
موسی، ولم یشك حجاج، وإن لم یکن فوق موسی فليس دونه، أو في إرسال
سفيان، وقد أسند حماد، وأبو طوالة، وعبد الواحد، وابن إسحاق، وكلهم
عدل(٤).
وفي كتاب المعرفة: قال الشافعي: وحدث(٥) هذا الحديث في كتابي في
(١) ((مستدرك الحاكم)» (٢٥١/١).
(٢) ((الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان» (٢٣٢١).
(٢) ((سنن الدارمي)) (١٣٩٠).
(٤) ((المحلى)) (٢٨/٤-٢٩).
(٥) كذا بالأصل، وفي المعرفة: ((ذكرت).

١٩٢
باب المواضع التي يكره فيها الصلاة
موضعين: أحدهما منقطع، قال أبو عبد الله: وبه نقول، ومعقول أنه كما جاء
الحديث، ولو لم يبينه، لأنه ليس لأحد أن يصلي على أرض نجسة (١).
وقال أبو عيسى: حديث أبي سعيد قد روي عن عبد العزيز بن محمد روايتين
منهم: من ذكره عن أبي سعيد، ومنهم من لم يذكره، وهذا حديث فيه اضطراب،
روی سفيان الثوري عن عمرو بن یحیی عن أبيه عن النبي # مرسلًا، ورواه حماد بن
سلمة عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن أبي سعيد عن النبي # مسندًا، ورواه محمد
ابن إسحاق عن عمرو بن يحيى عن أبيه قال: وكان عامة روايته عن أبي سعيد عن
النبي ◌َّ، ولم يذكر فيه أبا سعيد، وكأن رواية الثوري عن عمرو عن أبيه عن النبي
وزير أصح وأثبت(٢)، وقال في العلل: كان الدراوردي أحيانًا يذكر فيه أبا سعيد،
وربما لم يذكره، والصحيح رواية الثوري وغيره عن عمرو عن أبيه مرسل(٣)،
وبنحوه قاله أبو علي الطوسي في أحكامه، وفي ما قالاه نظر من حيث إن ابن ماجه
ساق رواية الثوري بسنده قبل، والله أعلم.
وقال البيهقي: حديث الثوري مرسل، وقد روي موصولًا، وليس بشيء(٤).
انتھی کلامه، وهو غیر صواب، لما قدمناه مسندًا صحيحًا، وفي قول الترمذي: إن
ابن إسحاق لم يسنده نظر لما تقدم من عند ابن حزم، ولما يأتي من عند البزار،
ورواه أبو داود عن موسى بن إسماعيل ثنا حماد، وثنا مسدد ثنا عبد الواحد عن عمرو
عن أبيه عن أبي سعيد، قال موسى في حديثه فيما يحسب أن رسول الله داخلية.
يذكره(٥)، قال أبو الحسن بن القطان: فقد أخبر حماد في روايته أن عمرًا شك في
ذكر النبي ◌َّار، ومنتهى الذين رووه مرفوعًا إلى عمرو، فإن الحديث حديثه، وعليه
(١) ((المعرفة)) (٤٠١/٣) رقم (٥٠٨٢)، (٥٠٨٣).
(٢) (سنن الترمذي)) (١٣١/٢) رقم (٣١٧).
(٣) (العلل الكبير» للترمذي ص(٧٥ -٧٦) رقم (١١٣).
(٤) («السنن الكبرى)) للبيهقي (٤٣٥/٢).
(٥) ((سنن أبي داود)) (٤٩٢).

١٩٣
باب المواضع التي يكره فيها الصلاة
يدور، فسواء شك أولًا، ثم تيقن، أو تيقن، ثم شك، فإنه لو تعين الواقع منهما أنه
الشك بعد أن حدث به متيقنًا للرفع، لكان مختلفًا فيه، فمن يرى نسيان المحدث
قادحًا لا يقبله، ومن يراه غير ضائر يقبله، وإن قدرناه حدث به شاكًّا، ثم تيقن،
فهاهنا يحتمل أن يقال: عثر بعد الشك على سبب من أسباب اليقين، مثل أن يراه في
مسموعاته أو مكتوباته، فیرتفع شکه، فلا نبالي ما تقدم من تشککه، ومع هذا فلا
ينبغي للمحدث أن يترك بمثل هذا في نقله، فإنه إذا فعل فقد أراد منا قبول رأيه في
روايته، وهذا كله إنما يكون إذا سلم أن الدراوردي وعبد الواحد الرافعين له سمعاه
منه غير مشكوك فيه، فإنه من المحتمل أن لا يكون الأمر كذلك بأن سمعاه مشکو گا
فیه، کما سمعه حماد، ولكنهما حدثا به، ولم يذكرا ذلك، اكتفاء بحسبانه، وعلى
هذا تكون علة الخبر لا شيء(١)، فاعلم ذلك(٢). انتهى كلامه، وفيه نظر، من حيث
قوله عن عمرو: والحديث حديثه، لما أسلفناه صحيحًا من عند الحاكم من أن عمارة
ابن غزية رواه عن يحيى كرواية ابنه عمرو، ورواه البزار من حديث زياد ثنا أبو
طوالة عن عمرو مرفوعًا، وقال: رواه جماعة عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن النبي
198، ولم يقولوا: عن أبي سعيد، ورواه عبد الواحد، وعبد الله بن عبد الرحمن،
ومحمد بن إسحاق مرفوعًا، وقد أسلفنا عن ابن حزم أن حجاجًا رواه عن حماد بغير
شك، وكذلك يزيد بن هارون المذكور عند ابن ماجه، وهو رد لما ذكره ابن القطان
أيضًا. وأما تعداد الرواة الذين أسندوه عند البزار فقد أغفل ما ذكره أبو القاسم إذ
رواه من حديث حجاج بن منهال، وخارجة بن مصعب عن عمرو مسندًا، وأما قول
أبي الخطاب بن دحية في كتابه المولد: حديث أبي سعيد يعني هذا لا يصح من
طريق من الطرق، بين ذلك أهل التعديل والتجريح فغير صحيح، لما قدمنا تصحيحه
في الترجيح الذي سلم به الحديث من التجريح.
٤٩- حدثنا محمد بن إبراهيم الدمشقي ثنا عبد الله بن یزید عن يحيى بن
(١) كذا بالأصلين، وفي المطبوع: أبين.
(٢) (بيان الوهم والإيهام)» (٢٨٢/١ - ٢٨٤) رقم (٢٧٨).

١٩٤
باب المواضع التي يكره فيها الصلاة
أيوب عن زيد بن جبيرة عن داود بن الحصين عن نافع عن ابن عمر قال: نهى
رسول الله أن يصلى في سبع مواطن: في المزبلة، والمجزرة، وقارعة الطرق،
والحمام، ومعاطن الإبل، وفوق الكعبة.
هذا حديث لما رواه أبو عيسى قال: حديث ابن عمر إسناده ليس بذاك القوي،
وقد تكلم في زيد بن جبيرة من قبل حفظه، وقد روى الليث بن سعد هذا الحديث
عن عبد الله بن عمر العمري عن نافع عن ابن عمر عن عمر عن النبي ◌َّلتر، وحديث
ابن عمر عن النبي وَالر أشبه وأصح من حديث الليث، وعبد الله بن عمر العُمري
ضعفه بعض أهل الحديث من قبل حفظه، قال أبو عيسى: وزيد بن جبيرة الكوفي
أثبت من هذا وأقدم، فقد سمع من ابن عمر (١)، وقال أبو محمد الإشبيلي: غير أبي
عيسى يقول في هذا الإسناد أكثر من هذا(٢)، وقال أبو علي الطوسي في كتاب
((الأحكام)): حديث ابن عمر إسناده ليس بذاك القوي، وهو أشبه، وأصح من حديث
الليث، وقال أبو الفرج في «العلل المتناهية»: هذا خبر لا يصح (٣)، وقال أبو
الخطاب بن دحية: هذا حديث باطل عندهم، أنكروه على ابن جبيرة، ولا يعرف
مسندًا إلا برواية يحيى بن أيوب عنه، ولا يجوز أن يحتج عند أهل العلم بمثله،
وقال أبو زكريا الساجي: زيد بن جبيرة الأنصاري يحدث عن داود بن حصين ثقة إلا
أنه أتى بمنكر في هذا الحديث، يعني حديث ابن عمر، وقال أبو جعفر العقيلي: زيد
ابن جبيرة منكر الحديث، من حديثه: ما حدثناه عبد الله بن أحمد بن أبي ميسرة ثنا
المقرئ ثنا يحيى بن أيوب عن زيد عن داود فذكره، وثنا يحيى ثنا عبد الله بن صالح
حدثني الليث عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن النبي عليه السلام نحوه،
ثنا محمد بن إسماعيل ثنا الحسن بن علي ثنا ابن أبي مريم (٤) ثنا الليث بن سعد:
(١) ((سنن الترمذي)) (٣٤٦)، (٣٤٧).
(٢) ((الأحكام الوسطى)) (٢٨٨/١).
(٣) ((العلل المتناهية)) (٣٩٨/١-٣٩٩) رقم (٦٧١).
(٤) في نسخة الضعفاء المطبوعة: محمد بن إسماعيل قال حدثنا ابن أبي قريم قال حدثنا الليث، وما
في الأصل عندنا هو الصواب، والله أعلم.

١٩٥
باب المواضع التي يكره فيها الصلاة
قال: هذه نسخة رسالة من عبد الله بن نافع مولى ابن عمر إلى الليث بن سعد: أما
بعد فإن نافعًا كان يحدث عن ابن عمر عن رسول الله ◌َّهى: أنه نهى أن يصلى في سبع
مواطن: مواطن الإبل(١)، والمجزرة، والمزبلة، وفي مصلى قبلته إلى مرحاض،
وقارعة الطريق، والمقبرة، وظهر بيت الله العتيق.
قال: ولا أعلم الذي حدث بهذا عن نافع إلا قد قال عليه الباطل، فأما ما ذكرت.
من مصلى قبلته إلى مرحاض، فإنما جعلت السترة لتستر من المرحاض وغيره، وقد
حدثني نافع أن دار ابن عمر التي هي وراء جدار قبلة النبي غير كان مربدا لأزواج
النبي 83* يذهبن فيه، ثم ابتاعته(٢) حفصة ﴿يا منهن، فاتخذته دارًا.
وأما ما ذكرت من معاطن الإبل فقد بلغنا أن ذلك يكره، وقد كان النبي ◌َلآم يصلي
على راحلته، وقد كان ابن عمر ومن أدركنا من خيار أهل أرضنا يعرض أحدهم ناقته
بينه وبين القبلة، فيصلي إليها، وهي تبعر وتبول، وأما ما ذكرت من الصلاة في
المقبرة، فإن أبي حدثني أن عبد الله بن عمر صلى على رافع بن خديج في المقبرة،
وهو إمام الناس يومئذ(٣).
وذكره أبو الفضل بن طاهر في كتاب ((التذكرة))، ورده بزيد، وذكره أبو أحمد في
كامله في باب ما أنكر على زيد بن جبيرة يعني أبا جبيرة الأنصاري (٤) القائل فيه
يحيى بن معين: لا شيء، وقال أبو حاتم: منكر الحديث جدًّا متروكه، وقال
النسائي: متروك الحديث، وفي التمييز: ليس بثقة.
وقال الأزدي: متروك الحديث، وقال الدارقطني: ضعيف الحديث.
وقال ابن حبان: يروي المناكير عن المشاهير، فاستحق التنكب عن روايته، وقال
(١) كذا بالأصل، وفي الضعفاء: معاطن.
(٢) كذا بالأصل، وهو الصواب، وفي نسخة الضعفاء: ثم أبت عنه حفصة.
(٣) ((الضعفاء)) للعقيلي (٧١/٢-٧٢).
(٤) ((الكامل)) لابن عدي (٢٠٢/٣ - ٢٠٣).

١٩٦
باب المواضع التي يكره فيها الصلاة
أبو أحمد الحاكم: حديثه ليس بالقائم، وقال أبو عمر في الاستغناء: أجمعوا على
أنه ضعيف الحديث. انتهى، وفيه نظر، لما تقدم من عند الساجي وغيره، ولما ذكر
له الحاکم حديثًا في مستدركه صحح إسناده.
وأما يحيى بن أيوب أبو زكريا البغدادي الزاهد المقابري(١) وداود بن الحصين
وإن كان فيهما كلام فحديثهما في الصحيح.
٥٠- حدثنا علي بن داود، ومحمد بن أبي الحسين قالا ثنا أبو صالح حدثني
الليث عن عبد الله بن عمر (٢) حدثني نافع عن ابن عمر عن عمر بن الخطاب أن
رسول الله وَ﴿ قال: ((سبع مواطن لا يجوز فيها الصلاة: ظاهر بيت الله، والمقبرة،
والمزبلة، والمجزرة، والحمام، وعطن الإبل، ومحجة الطريق)).
هذا حديث سبق الكلام عليه، ورده أبو علي الطوسي بعلي بن داود أيضًا، والله
أعلم.
وقال البزار: لا نعلمه يروى عن ابن عمر عن عمر إلا من هذا الوجه، ولا نعلم
حدث به عن عبد الله بن عمر إلا الليث بن سعد(٣).
وفي الباب حديث عائشة وذكر عند النبي ولا كنيسة بالحبشة، فقال: ((أولئك قوم
إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا، وصوروا فيه تلك الصورة، أولئك
شرار الخلق عند الله (ب))(٤)، وحديث ابن عباس قال له: «لعنة الله على اليهود
والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما صنعوا))(٥).
(١) لقد وهم الشارح رحمه الله، فإن يحيى بن أيوب ليس بالمقابري، وإنما هو الغافقي، والله أعلم.
(٢) سقط ذكر (عبد الله بن عمر)، وهو العمري الصغير، من النسخة المطبوعة من السنن ابن ماجه))،
وهو مثبت في الأصل عندنا، وقد سبق ذكر الترمذي رواية الليث عن العمري عن نافع، وكذا هو
في «تحفة الأشراف».
(٣) ((البحر الزخار» (١٦١).
(٤) رواه البخاري (٤٢٧)، ومواضع أخرى، ومسلم (٥٢٨)، وغيرهما
(٥) البخاري (٤٣٥)، (٤٣٦)، ومواضع أخرى، ومسلم (٥٣١)، غيرهما.

١٩٧
باب المواضع التي يكره فيها الصلاة
وحديث أبي هريرة أن رسول الله ﴾ قال: ((قاتل الله اليهود، اتخذوا قبور أنبيائهم
مساجد)»، خرجاه في صحيحيهما(١).
وحديث جندب: سمعت النبي ◌َ﴿ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: ((إني أبرأ
إلى الله أن يكون لي منكم خليلاً، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم
وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد»(٢)، وحديث أبي مرثد الغنوي أن
رسول الله وَالله قال: ((لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها))، رواهما مسلم(٣).
وحديث ابن عمر قال ◌َيهر: ((اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم، ولا تتخذوها قبورًا).
ذكره البخاري (٤)، وقال الإسماعيلي: إن هذا الحديث يدل على النهي عن الصلاة
في القبر، لا في المقابر.
وفي كتاب ابن المنذر: هذا يدل على أن المقبرة ليست بموضع للصلاة، وللعلماء
في معنى هذا الحديث قولان: أحدهما: أنه ورد في صلاة النافلة، وهو الظاهر.
الثاني: في الفريضة يعني بذلك من لا يقدر على الخروج، وفيه بعد.
وفي كتاب ابن التين: تأول البخاري هذا مع الصلاة في المقابر، وأخذ علیه،
وذلك أن جماعة تأولوه على أنه عليه السلام ندب إلى الصلاة في البيوت إذ الموتى لا
يصلون في قبورهم، فقال: لا تكونوا كالموتى الذين لا يصلون في بيوتهم، وهي في
القبور.
وأما جواز الصلاة في المقابر أو المنع فليس في الحديث ما يؤخذ منه ذلك.
وحديث علي تفت أنه مر ببابل، وهو يسير، فجاءه المؤذن يؤذن بصلاة العصر،
فلما برز منها أمر المؤذن، فأقام، فلما فرغ، قال: إن حبيبي عليه السلام نهاني أن
(١) البخاري (٤٣٧)، ومسلم (٥٣٠).
(٢) مسلم (٥٣٢).
(٣) مسلم (٩٧٢).
(٤) البخاري (٤٣٢).

١٩٨
باب المواضع التي يكره فيها الصلاة
أصلي في المقبرة، ونهاني أن أصلي في أرض بابل، فإنها ملعونة.
ذكره أبو داود من حديث الحجاج بن شداد عن أبي صالح الغفاري سعيد بن
عبد الرحمن عنه(١)، وذكره أبو عبد الله الجعفي في صحيحه بلفظ: ويذكر عن علي
أنه كره الصلاة بخسف بابل (٢)، وذكر ابن يونس: أبا صالح هذا، فقال: روى عن
علي، وما أظنه سمع منه، وقال الإشبيلي: هذا حديث واهي (٣)، وزعم ابن القطان
أن فيه رجالًا لا تعرف حالهم (٤)، وقال البيهقي في المعرفة: إسناده غير قوي(٥).
وقال الخطابي: إسناد هذا الحديث فيه مقال، ولا أعلم أحدًا من العلماء حرم
الصلاة في أرض بابل، وقد عارضه ما هو أصح منه، وهو قوله وميز: ((جعلت لي
الأرض مسجدًا وطهورا))، ويشبه إن ثبت الحديث أن يكون معناه أنه نهاه أن يتخذها
وطنًا ودارًا للإقامة، فتكون صلاته فيها إذا كانت إقامته بها(٦).
ويخرج النهي فيه على الخصوص، ألا ترى إلى قوله: نهاني حبيبي، أو يحتمل
أن يكون أنذره مما يلقى من المحنة بالكوفة، وهي من أرض بابل، والله أعلم.
وفي ((السنن الكبير)) للبيهقي: وروينا عن عبد الله بن أبي محل العامري قال: كنا
مع علي، فمررنا على الخسف الذي ببابل، فلم يصل حتى أجازه، وعن حجر بن
عدي الحضرمي عن علي قال: ما كنت لأصلي في أرض خسف الله بها ثلاث مرات.
وقال أبو بكر: وهذا النهي إن ثبت مرفوعًا ليس لمعنى يرجع إلى الصلاة، فلو
صلى فيها لم يعد، وإنما هو كما جاء [في حديث الحجر](٧)، وحديث ابن عمر قال
(١) لسنن أبي داود)) (٤٩٠)، (٤٩١).
(٢) صحيح البخاري (٥٣٠/١) معلقًا.
(٣) «الأحكام الوسطى (٢٨٩/١).
(٤) ((بيان الوهم والإيهام» (١٤٥/٣ - ١٤٨) رقم (٨٥٥).
(٥) ((المعرفة)) (٤٠٢/٣) رقم (٥٠٨٨).
(٦) مختصر سنن أبي داود مع معالم السنن (٢٦٧/١).
(٧) ما بين المعكوفتين ليس في ((السنن الكبرى)) المطبوعة.

١٩٩
باب المواضع التي يكره فيها الصلاة
ژله: «لا تدخلوا علی هؤلاء المعذبین إلا أن تكونوا باکین، فإن لم تكونوا باکین فلا
تدخلوا عليهم، لا يصيبكم ما أصابهم)»(١)، أدخله البخاري في باب الصلاة في
موضع الخسف والعذاب(٢)، وفي كتاب البيهقي: وروينا عن ابن عمرو بن العاص
أنه: كان يكره أن يصلي الرجل في الحمام، وروينا عن ابن عباس: أنه كره أن يصلي
إلی حش، أو حمام، أو قبر، ورأى عمر أنسًا يصلي وبين يديه قبر لا يشعر به،
فناداه: القبر القبر (٣)، وحديث أبي سعيد مولى المهري قال رسول الله إليه: ((لا
تتخذوا بيوتكم قبورًا»، أنبأنا به المسند الجودري عن أبي الحسن المحمودي أنبأ
الحافظ أبو طاهر أنبأنا أبو مسعود محمد بن عبد الله بن أحمد السوذرجاني أنبأ أبو
عبد الله محمد بن أحمد بن حمدان الحبال، قال السلفي(٤) وأنبأ أبو القاسم الفضل
ابن علي السكري أنبأنا أبو بكر محمد بن أحمد الذكواني قالا أنبأنا أبو محمد
عبد الله بن محمد بن إبراهيم ثنا جدي أبو موسى عيسى بن إبراهيم ثنا آدم بن أبي
إياس العسقلاني بجميع كتاب الثواب تأليفه، ثنا حبان عن محمد بن عجلان عنه،
وحديث الحسن قال: حدثني سبعة رهط من أصحاب النبي ◌َله، منهم أبو هريرة أن
النبي ◌َّ نهى عن الصلاة في المسجد تجاهه حش، أو حمام، أو مقبرة، ذكره أبو
أحمد من حديث عباد بن كثير الثقفي عن عثمان الأعرج عنه، ورده بضعف عباد(٥)،
وزاد ابن القطان علة أخرى، وهي الجهالة بحال عثمان، فإنها لا تعرف(٦).
وفي كتاب البزار من حديث الأشعث عنه(٧) عن أنس: نهى النبي وَلِّ عن الصلاة
(١) ((السنن الكبرى)) للبيهقي (٤٥١/٣).
(٢) البخاري (٥٣٠/١) حديث رقم (٤٣٣).
(٣) (السنن الكبرى)) للبيهقي (٤٣٥/٢).
(٤) السلفي هو أبو طاهر، الحافظ المذكور في الإسناد.
(٥) ((الكامل)) لابن عدي (٣٣٤/٤).
(٦) ((بيان الوهم والإيهام» (٢٥١/٣) رقم (٩٩١).
(٧) أي عن الحسن، وهو البصري.