النص المفهرس
صفحات 41-60
٤٠
أبواب الأذان والسنة فيه - باب بدء الأذان
إلى النبي وَل﴿ه، وأخبره بها، فقال النبي ◌َله لبلال: ((سبقك بها عمر))(١)، وحديث
عبد الله بن الزبير قال: أخذ الأذان من أذان إبراهيم عليه السلام في الحج: ﴿وَأَذِّن فِي
اَلنَّاسِ بِالْحَجْ يَأْتُكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامٍِ﴾، قال: فأذن رسول الله وَّل، رواه أبو
الشيخ عن كتاب علي بن سلم نا مسروق نا إبراهيم بن المنذر نا عبد العزيز بن عمران
عن ابن المؤمل عن أبي الزبير عنه (٢)، قال السهيلي: الحكمة في تخصيص الأذان
برؤيا رجل: ولم يكن بوحي؛ فلأن رسول الله ولهر قد أريه ليلة الإسراء فوق سبع
سماوات، وهذا أقوى من الوحي، فلما تأخر فرض الأذان إلى المدينة، وأراد إعلام
الناس بوقت الصلاة تلبث الوحي، حتى رأى عبد الله الرؤيا، فوافقت ما رآه عليه
السلام، فلذلك قال: ((إنها لرؤيا حق إن شاء الله تعالى))، وعلم حينئذ أن مراد الله
تعالى بما أراه في السماء أن يكون سنة في الأرض، وقوى ذلك موافقة رؤيا عمر مع
أنّ السكينة تنطق(٣) على لسان عمر، واقتضت الحكمة الإلهية أن يكون الأذان على
لسان غير النبي ® لما فيه من التنويه بعده، والرفع لذكره؛ فلأن يكون ذلك على
لسان غيره أنوه، وأفخم لشأنه، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْركَ ﴾﴾، وهو
معنى ما ذكره القاضي أبو بكر بن العربي والشيخ أبو العباس القرطبي، زاد:
ويحتمل أنهم لما تفاوضوا في الأذان كان عبد الله، وعمر غائبين، فلمّا قدما وجدا
المفاوضة، فقال عبد الله ما قال، وتلاه عمر، ولما رأى عمر قبول الرؤيا وصحتها
قال: ألا تنادون إلى الصلاة، فقال وال﴿ لبلال: ((قم)، وقال عياض: ظاهر قول عمر:
(أولا تبعثون رجلًا ينادي بالصلاة) ليس على صفة الأذان الشرعي، بل إخبار بحضور
وقتها، قال النووي: وهذا الذي قاله أبو الفضل محتمل أو متعين، فقد صحّ في
حديث ابن زيد أنه رأى الأذان في المنام، فجاء إلى النبي ◌َّ، يخبره، فجاء عمر،
فقال: (والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل الذي رأى)، فهذا ظاهره أنه كان في
(١) (بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث)) (١١٣).
(٢) أورده السيوطي في «الدر المنثور، (٣٣/٦)، وحذف إسناده، واسم أبي الزبير لیس واضحًا بـ الح"،
وقد استظهرته بالرجوع لكتب الرجال، ثم وجدته كذلك في (م))، والله أعلم.
(٣) كذا في (٥)"، وهو الصواب، وفي الأصل (ح)): تنطلق.
٤١
شواب الأذان والسنة فيه - باب بدء الأذان
مجلس آخر، فيكون الواقع الإعلام أولًا، ثم رأى ابن زيد الأذان، فشرّعه النبي ◌َل
بعد ذلك، إمّا بوحي، وإما باجتهاده على مذهب الجمهور، وليس هو عملًا بمجرد
تمنام، هذا ما لا شك فيه. انتهى(٩)، وفي هذا كله ذهول عن قول عمر: لقد رأيت
مثل ما رأى، ولكنه سبقني، ويحمل قوله: ألا تنادون إلى الصلاة على الأذان
تُشرعي؛ لأنه قال مثل ما رأى عبد الله، وعيد الله رأى الأذان مفصلاً، وأخبر به
كذلك؛ ولأنه قد وافقهما على رؤياهما سبعة من الصحابة في تلك الليلة أيضًا،
حكاه صاحب ((المبسوط))، وفي كتاب الغزالي: فأتى النبي وَلخير بضعة عشر رجلًا من
الصحابة قد رأى كلهم مثل ذلك، ولأنا قد قدمنا في صحيح أبي عوانة: فأذِّن
الصلاة؛ ولأنه لا خلاف أنهم كانوا قبل ذلك يؤذنون بها، بقولهم: الصلاة جامعة،
ذكره ابن سعد عن ابن المسيب، أو بقولهم: الصلاة، الصلاة كما قدمناه، وفي
قوله: ((قم يا بلال))، حجّة لمشروعية الأذان قائمًا، وأنه لا يجوز الأذان قاعدًا، وهو
مذهب العلماء كافة إلا أبا ثور، فإنه جوزه، ووافقه أبو الفرج المالكي فيما ذكره أبو
تفضل، واستضعفه النووي لوجهين:
أحدهما: المراد بالنداء هنا الإعلام.
الثاني: المراد قم، واذهب إلى موضع بارز، فناد فيه بالصلاة، وليس فيه تعرض
تتقيام في حال الأذان، قال: ومذهبنا المشهور أنه سنة، فلو أذّن قاعدًا بغير عذر صح
"ذانه، لكن فاتته الفضيلة، ولم يثبت في اشتراط القيام شيء(٢)، وفي كتاب
- الإشراف)»: أجمع كل من يحفظ عنه العلم: أنَّ من السنة أن يؤذن المؤذن قائمًا،
تروينا عن أبي زيد الصحابي، وكانت رجله أصيبت في سبيل الله، أنه أذّن وهو
قاعد، وفي كتاب أبي الشيخ عن عبد الجبار بن وائل بن حجر عن أبيه قال: حق
وسنة مسنونة، ألا يؤذن إلا وهو قائم طاهر (٣)، وقول الصحابي: وهو من السنة
٢٠) (صحيح مسلم شرح النووي)) (٧٦/٤).
٣٠) المصدر السابق (٤/ ٧٧).
٣٠) رواه عنه البيهقي (٣٩٧/١).
٤٢
أبواب الأذان والسنة فيه - باب بدء الأذان
يدخل في المسند، وأما قول أبي عمير: لولا أن ابن زيد كان مريضًا لأمره النبي وَّ
بالأذان(١)، فيرده ما ذكره الدار قطني، قال عبد الله: أنا رأيته وأنا كنت أريده، قال له
النبي ◌َ﴾: ((فأقم أنت))(١)، وسيأتي ذكره أيضًا، وفي كتاب ((المحيط)): وإن أذِّن
لنفسه فلا بأس بأن يؤذن قاعدًا من غير الناس، فإن أذّن قاعداً من غير عذر مراعاة
لسنة الأذان وعدم الحاجة إلى إعلام الناس فإن أذن قاعداً لغير عذر صح أذانه،
وفاتته الفضيلة، وكذا لو أذن قاعدًا مع قدرته على القيام صحّ أذانه، فأمّا إذا أذن
على غير وضوء، فقد جوزه إبراهيم، قال: لا بأس أن يؤذن على غير وضوء، ثم
ينزل، فيتوضأ، وعن قتادة أنه كان لا يرى بأسًا أن يؤذن الرجل وهو على غير وضوء،
فإذا أراد أن يقيم توضأ، وعن عبد الرحمن بن الأسود: أنه كان يؤذن على غير
وضوء، وعن الحسن: لا بأس أن يؤذن غير طاهر، ويقيم وهو طاهر، وعن حماد:
أنه كان لا يرى بأسًا أن يؤذن الرجل وهو على غير وضوء(٣)، وكره ذلك جماعة قال
عطاء: الوضوء فرض وسنة، وفي حديث الزهري قال أبو هريرة: (لا يؤذن إلا
متوضئ)، ولما رواه الترمذي عن يونس عن الزهري مرسلًا قال: هذا أصح (٤)،
ورواه البيهقي من حديث الزهري عن سعيد عن أبي هريرة مرفوعًا(٥)، وفي كتاب
شرح الآثار للطبري عن عبد الله بن عباس قال الرجل: لا تؤذن إلا وأنت طاهر،
ورفعه عن أبيه عن النبي وَلّ.
وفي ((المصنف)) عن مجاهد: لا أؤذن حتى أتوضاً(٦)، واختلف في آخر الأذان،
(١) البيهقي (٣٩٩/١ -٤٠٠).
(٢) (سنن الدار قطني)) (٢٤٥/١).
(٣) (مصنف ابن أبي شيبة)) (٢٣٩/١ - ٢٤٠).
(٤) رواه الترمذي (٢٠٠) من حديث أبي هريرة مرفوعًا، ورواه أيضًا رقم (٢٠١) عنه موقوفًا، وليس
مرسلاً كما قال الشارح، ثم قال: وهذا أصح من الحديث الأول، يعني الموقوف أصح.
(٥) ((السنن الكبرى)» للبيهقي (٣٩٧/١).
(٦) ((مصنف ابن أبي شيبة)) (٢٤٠/١).
٤٣
حواب الأذان والسنة فيه - باب بدء الأذان ..
فالصحيح ما تقدم، وفي ((المصنف)) نا محمد بن فضيل عن يزيد(١) عن أبي صادق
أنه كان يجعل آخر أذانه - لا إله إلا الله - والله أكبر - وقال: هكذا كان آخر أذان
بلال، وكذا روى ابن علية عن ابن عون (٢) عن محمد قال: كان الأذان للنبي ول
فذكره، وفي آخره: لا إله إلا الله، والله أكبر (٣).
وفي كتاب البيهقي من طريق مؤذن عليّ أنه كان إذا أذن ختمه بقوله: والله أكبر الله
أكبر، وكذا فعله أبو يوسف صاحب أبي حنيفة.
وفي کتاب الصلاة لأبي نعيم: ثنا إسرائيل حدثني ثوير قال: صحبت ابن عمر من
مكة إلى المدينة، فكان مؤذننا، وكان يجعل آخر أذانه: لا إله إلا الله، والله أكبر،
وثنا إسرائيل حدثني ثوير قال: سألت أبا جعفر عن آخر الأذان، فقال: لا إله
إلا الله، والله أكبر، وثنا زهير عن عمران بن مسلم أرسلني سويد بن غفلة إلى مؤذننا
رباح، فقال: قل له يختم أذانه بالله أكبر (٤)، فإنه أذان بلال، وعن إبراهيم قال: كان
"بو محذورة يقول: لا إله إلا الله، والله أكبر، وكان بلال يقول: الله أكبر، الله أكبر،
لا إله إلا الله: بلال في السفر، وأبو محذورة في الحضر، يعني في آخر الأذان،
رواه عن عيسى بن المسيب عنه(٥).
وأما الناقوس فذكر الجواليقي في كتاب ((المعرب)) أنه ينظر فيه: أعربي هو أم لا؟
وقال القزاز: ولا أراه عربيًّا محضًا، قال: وهو خشبة طويلة تضرب بخشبة أصغر
منها، وأما قول ابن المثنى: وفي الصحاح: كانوا ينقسون، قال: وهي رواية
{(١) كذا بالأصل، وفي ((المصنف)»: زيد، وفيه: محمد بن فضالة، وقد أثبت ما في ((المصنف» (١/
٢٣٥).
(٢) سقطت: (عن) من الأصل.
(٣) ((المصنف» (٢٣٢/١).
(٤) كذا بالأصل، وفي الصلاة لأبي نعيم ص (١٨٠): قل له يختم أذانه بلا إله إلا الله، والله أكبر، وهو
الأصوب.
(٥) (الصلاة» لأبي نعيم ص(١٥٢) رقم (١٨١).
٤٤
أبواب الأذان والسنة فيه - باب بدء الأذان
منكرة؛ لأن ظاهرها يقتضي ضربهم به، فليس صحيحًا؛ لأن الذي في غير ما نسخة
في الصحاح: الناقوس: الذي تضرب به النصارى لأوقات الصلوات، قال جرير:
لما تذكرت بالدَّيْرَين أرقني صوت الدجاج وقوع بالنواقيس
والنقس: ضرب الناقوس، وفي الحديث: كادوا ينقسون حتى رأى عبد الله بن
زيد الأذان في المنام، زاد أبن سيده في محكمه: والنقس: ضرب من النواقيس:
وهو الخشبة الطويلة، والوبيلة القصيرة، وقول الأسود بن يعفر:
وقد سبأت لفتيان ذوي كرم قبل الصباح ولما تُقْرَعُ النُّقُس
يجوز أن يكون جمع ناقوس على توهم حذف الألف، وأن يكون جمع نّفْس الذي
هو ضرب منها، كرهن ورُهُن، وسقف وسُقف، وقد نقس الناقوس بالوبيل نقسًا،
وزعم أبو زكريا يحيى بن علي الخطيب التبريزي في كتاب ((العروض الكبير)) أن عليًّا
لافتة سمع صوت الناقوس، فقال لمن معه من أصحابه: أتدرون ما يقول هذا
الناقوس؟
قالوا: الله ورسوله أعلم، وابن عمه أعلم.
فقال: إن علمي من علم رسول الله قطر، هذا الناقوس يقول:
صدقًا صدقًا صدقًا صدقا
حقًّا حقًّا حقًّا حقًّا
إن الدنيا قد غرتنا
يا ابن الدنيا جمعًا جمعا
لسنا ندري ما فرطنا
يا ابن الدنيا مهلًا مهلا
إلا أَوْهَى منا ركناً
ما من يوم يمضي عنا
منا قرنا
أمضی
إلا
ما من يوم يمضي عنا
قال أبو زكريا: وهذا البحر يسمى الغريب، والمتسق، وركض الخيل، وقطر
الميزاب.
وفي رواية :
واستهوتنا واستلهتنا
إن الدنيا قد غرتنا
زن ما تأتي وزنًا وزنًا
يا ابن الدنيا مهلًا مهلًا
٤٥
أبواب الأذان والسنة فيه - باب بدء الأذان
وعبد الله بن زيد لم أر أحدًا ذكره في الشعراء، ولا ألم بذكره، والله تعالى أعلم.
تم الجزء بحمد الله وعونه، يتلوه -
إن شاء الله - في الجزء الذي بعده قوله
- رحمه الله تعالى - ونفع بعلومه:
باب الترجيع في الأذان وصلى الله - تعالى - على
سيدنا محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم
تسليمًا كثيرًا، وحسبنا الله، ونعم الوكيل،
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
آمین
٤٦
الترجيع في الأذان
بسم الله الرحمن الرحيم، وبه أكتفي
٥- الترجيع في الأذان
١١ - حدثنا محمد بن بشار، ومحمد بن يحيى ثنا أبو عاصم ثنا ابن جريج
قال أخبرني عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة عن عبد الله بن محیریز،
وكان يتيمًا في حجر أبي محذورة بن مِعْيَر حين جهزه إلى الشام، فقلت لأبي
محذورة أي عم، إني خارج إلى الشام، وإني أسأل عن تأذينك، فأخبرني أن أبا
محذورة: قال: خرجت في نفر، فكنا ببعض الطريق، فأذن مؤذن رسول الله وال
بالصلاة عند رسول الله ﴿﴿، فسمعنا صوت المؤذن، ونحن عنده متنکبون،
فصرخنا نحكيه تَهَزًُّا(١)، فسمع رسول الله وَّهِ، فأرسل إلينا قومنا (٢)، فأقعدونا
بین یدیه، فقال: «أیکم الذي سمعت صوته قد ارتفع؟»، فأشار إليّ القوم كلهم،
وصدقوا، فأرسل كلهم، وحبسني، وقال لي: ((قم، فأذن))، فقمت ولا شيء أكره
إليَّ من رسول الله ◌ِ ﴾، ولا مما يأمرني به، فقمت بين يدي رسول الله ولار، فألقى
عليّ رسول الله وَلي التأذين هو بنفسه، فقال: ((قل: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر الله
أكبر، أشهد ألا إله إلا الله، أشهد ألا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد
أن محمد رسول الله))، ثم قال لي: ((ارجع فمد من صوتك (٣): أشهد ألا إله إلا الله،
أشهد ألا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حيَّ
على الصلاة، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، حيَّ على الفلاح. الله أكبر، الله
أكبر. لا إله إلا الله))، ثم دعاني حين قضيت التأذين، فأعطاني صرة فيها شيء من
(١) في النسخة المطبوعة: نهزأ به.
(٢) في المطبوعة: قومًا.
(٣) في المطبوعة: ارفع صوتك.
٤٧
شترجيع في الأذان
قضة، ثم وضع يده على ناصية أبي محذورة، ثم أمرها على وجهه من بين يديه
على كبده(١)، ثم بلغت يد رسول الله وَ ليل سرة أبي محذورة، ثم قال رسول الله
: ((بارك الله لك، وبارك عليك))، فقلت: يا رسول الله أمرتني بالتأذين بمكة،
قال: ((نعم قد أمرتك،» فذهب كل شيء كان لرسول الله صل* من كراهية، وعاد
ذلك كله محبة لرسول الله و9، فقدمت على عتاب بن أبي أسيد عامل رسول الله
* بمكة، فأذنت معه بالصلاة على أمر رسول الله وَ﴾.
قال: وأخبرني ذلك من أدرك أبا محذورة على ما أخبرني عبد الله بن محيريز.
١٢ - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عفان حدثنا همام بن يحيى عن عامر
لأحول أن مكحولًا حدثه أن ابن محيريز(٢) حدثه أن أبا محذورة حدثه، قال:
علمني رسول الله صل* الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبعة(٣) عشر كلمة
فذكره .
هذا الحديث خرجه مسلم مختصرًا من حديث الأحول عن مكحول عن ابن
محيريز فذكر: الله أكبر في أوله مثنى مثنى(٤)، وأبو عوانة من حديث ابن المديني
عن معاذ بن هشام عن أبيه(٥)، وابن منده من حديث عبيد الله بن عمر عنه، وأما
تخريج الحاكم له من جهة عبد الله بن سعيد عن معاذ ففيه نظر لكونه في مسلم (٦)،
قال ابن القطان: والصحيح عن عامر في هذا الحديث إنما هو تربيع التكبير في
أوله، كذلك رواه عن عامر جماعة منهم عفان(٧)، وسعيد بن عامر، وحجاج، ورواه
(1) في المطبوعة: ثم أمرها على وجهه، ثم على ثدييه، ثم على كبده.
(٢) في المطبوعة: عبد الله بن محيريز.
(٣) في المطبوعة: سبع عشرة.
(٤) مسلم رقم (٣٧٩).
{٥) (صحيح أبي عوانة)) (٣٣٠/١-٣٣١).
(٦) لم أقف عليه عند الحاكم.
{٧) في (ح)): عفان بن سعيد، وصوابه: عفان، وسعيد بن عامر كما في سائر المصادر.
٤٨
الترجيع في الأذان
عن هؤلاء الحسن بن علي، ذكر ذلك أبو داود عنه(١)، وبذلك يصح، فيكون الأذان
تسع عشرة كلمة، وقد قيده بذلك في نفس الحديث، وقيد الإقامة بسبع عشرة
كلمة، وقد وقع في بعض روايات مسلم لهذا الحديث مربعًا، وهي التي ينبغي أن
تعد فيه صحيحة، ذكره البيهقي في كتابه(٢). انتهى كلامه.
وفيه نظر، وذلك أنه يسقط منه هكذا رجل، وبيانه هو أن أبا داود إنما رواه عن
الحسن بن علي عن عفان، وسعيد بن عامر، وحجاج عن همام عن عامر(٣)، وكذا
رواه أبو عيسى(٤)، وسيأتي، ورواه ابن سعد في كتاب الطبقات عن سعيد بن عامر،
وعفان عن همام بن يحيى عن عامر، والله أعلم، ولهذا فإن أبا عمر حكى عن ابن
السكن تفرد همام بروايته، ورواه أبو عيسى من حديث إبراهيم بن عبد العزيز بن
عبد الملك بن أبي محذورة قال: أخبرني أبي، وجدي جميعًا عن أبي محذورة(٥)،
وعن أبي موسى عن عفان عن همام عن عامر عن مكحول به مختصرًا، وقال: حسن
صحيح(٦)، وكذا قاله في ((العلل)) حين ذكره بكماله، ولفظ ابن خزيمة، وخرجه من
حديث مكحول أن رسول الله ولي أمر نحواً من عشرين رجلًا، فأذنوا، فأعجبه
صوت أبي محذورة، فعلمه الأذان، وعلمه الإقامة، مثنى مثنى (٧)، وعن إبراهيم
ابن عبد العزيز بن عبد الملك مؤذن المسجد الحرام قال: حدثني أبي وجدي جميعًا
عن أبي محذورة أن النبي وَلهر أقعده، فألقى عليه الأذان حرفًا حرفًا، قال بشر بن
معاذ: قال لي إبراهيم: هو مثل أذاننا هذا، فقلت له: أعد عليّ، قال أبو بكر بن
خزيمة: عبد العزيز لم يسمع هذا الخبر من أبي محذورة، وإنما رواه عن ابن
(١) أبو داود (٥٠٢).
(٢) (بيان الوهم والإيهام" (٦٠٢/٥) رقم (٢٨٢٠).
(٣) «سنن أبي داود» (٥٠٢).
(٤) ((سنن الترمذي، رقم (١٩٢).
(٥) ((سنن الترمذي)) رقم (١٩١).
(٦) (سنن الترمذي)) رقم (١٩٢).
(٧) ابن خزيمة (٣٧٧).
٤٩
الترجيع في الأذان
محيريز عن أبي محذورة (١).
وقال الدورقي في أول الأذان: الله أكبر، الله أكبر، وباقي حديثه مثل لفظ حديث
بتدار عن أبي عاصم، وهكذا رواه روح عن ابن جريج عن عثمان بن السائب عن أم
عبد الملك بن أبي محذورة عنه، قال في أول الأذان: الله أكبر، الله أكبر، لم يقله
أربعًا، ورواه أبو عاصم وعبد الرزاق عن ابن جريج، وقالا في أول الأذان: الله أكبر
أربعًا(٢).
قال الحافظ أبوبكر: خبر أبي محذورة ثابت صحيح من جهة النقل، وفي
سؤالات الأثرم: قيل لأبي عبد الله: حديث أبي محذورة صحيح؟ قال: أما أنا فلا
أدفعه، وذكره بن الجارود في منتقاه(٣)، وحكى أبو عمر عن الشافعي أنه يقول في
أول الأذان: الله أكبر أربعًا، وزعم أن ذلك محفوظًا من رواية الحفاظ الثقات في
حديث ابن زيد وأبي محذورة، وهذه زيادة يجب قبولها، والعمل بها عندهم بمكة
في آل أبي محذورة إلى زمانه(٤)، وفي كتاب ((الإقناع)) لابن المنذر: والأذان الذي
علم النبي ◌َّ أبا محذورة ولم يزل عليه أهل الحرمين قديمًا وحديثًا إلى يومنا هذا
التربيع(٥)، وقال الحافظ أبو علي الطوسي(٦) في كتاب ((الأحكام)) وذكره، فقال:
هذا حديث حسن صحيح، وقال أحمد بن سنان: هذا الحديث أصل في هذا الباب،
فأما الإقامة فلا يختلف على واحدة واحدة إذ علمها النبي عليه السلام أبا محذورة،
وأمر بها بلالًا، وقد روي حديث أبي محذورة من غير وجه، وعليه العمل بمكة،
وقال البغوي في ((شرح السنة)): هذا حديث صحيح(٧)، ولفظ النسائي: خرجت
(١) (صحيح ابن خزيمة)). (٣٧٨).
(٢) ((صحيح ابن خزيمة)) (٣٧٩).
(٣) ((المنتقى)» لابن الجارود (١٦٢).
(٤) ((التمهيد)» (٢٨/٢٤).
(٥) (الإقناع)) لابن المنذر (٨٧/١-٨٨).
(٦) «سير أعلام النبلاء)» (٢٨٧/١٤) رقم (١٨٢).
(٧) ((شرح السنة)) (٤٠٨).
٥٠
الترجيع في الأذان
عاشر عشرة، فسمعناهم يؤذنون للصلاة، فأرسل إلينا فأذّنّا رجلًا رجلًا(١)، فكنت
آخرهم، زاد الكجي: وكان ذلك في الحجرة، وقد تقدم من عند أبي داود، وابن
خزيمة(٢) ما يرده، والله أعلم، ورواه أبو حاتم في صحيحه بلفظ: فكنا في بعض
طريق حنين، وفي آخره: قال ابن جريج: وأخبرني غير واحد من أهلي خبر ابن
محيريز هذا(٣)، وفي كتاب النسائي، وابن خزيمة: قال ابن جريج أخبرني هذا الخبر
كله عثمان بن السائب عن أبيه، وعن أم عبد الملك أنهما سمعا ذلك من أبي
محذورة(٤)، وزعم ابن القطان أن عثمان وأباه وأمه مجهولون، وهو مردود بما
ذكرناه، قال ابن حبان: حدثنا الفضل بن الحباب حدثنا مسدد حدثنا الحارث بن
عبيد عن محمد بن عبد الملك بن أبي محذورة عن أبيه عن جده قال: قلت: يا رسول
الله علمني سنة الأذان، قال: فمسح مقدم رأسي، وقال: ((تقول))، فذكره مرجعًا، ثم
قال: ((فإن كانت صلاة الصبح، قلت: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، الله
أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله))، واعترض أبو محمد الإشبيلي على هذا الحديث
بقوله: هذا يرويه الحارث بن عبيد عن محمد بن عبد الملك عن أبيه عن جده، ولا
يحتج بهذا الإسناد(٥)، وقال في ((الكبرى)): الحارث بن عبيد يضعف، وقد روى عنه
ابن مهدي، وقال: هو من شيوخنا، وهو كلام جيد، واعترض ابن القطان على
الأول ذهولًا عن الثاني، وأصاب؛ لأن كلامه على الوسطى، لا الكبرى، ولكنه غالبًا
يبين الصواب وعدمه منها، قال: لأنه لم يبين علته، قال: وهي الجهل بحال محمد
بن عبد الملك، ولا نعلم روى عنه إلا الحارث، وهو أيضًا ضعيف، قاله ابن معين،
(١) في المطبوعة من (سنن النسائي)) (٧/٢): رجل، رجل، وفي ((السنن الكبرى)) (١٥٩٧): رجلًا،
رجلًا كما في الأصلين، وهو منصوب على الحالية.
(٢) ابن خزيمة (٣٨٥)، وفيه: أن ذلك كان في رجوعه 18 من حنين وقد أخرجه أبو داود (٥٠٠ -
٥٠٥).
(٣) ((الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان)) (١٦٨٠).
(٤) النسائي (٨/٢)، وابن خزيمة (٢٠١/١) رقم (٣٨٥).
(٥) ((الأحكام الوسطى)» (٣٠١/١).
٥١
الترجيع في الأذان
وقال فيه أيضًا: مضطرب الحديث، وكذا قاله ابن حنبل، وقال أبو حاتم: يكتب
حديثه، ولا يحتج به، وقال عمرو بن علي: سمعت ابن مهدي یحدث عنه، وقال:
كان من شيوخنا، وما رأيت إلا خيرًا، فأما عبد الملك بن أبي محذورة فقد روى عنه
جماعة، منهم ابنه محمد، والنعمان بن راشد، وابنا ابنيه: إبراهيم بن عبد العزيز بن
عبد الملك، وإبراهيم بن إسماعيل بن عبد الملك، انتهى كلامه، وفيه نظر من حيث
إن الحارث خرج له مسلم في صحيحه على طريق الاحتجاج، وقال الساجي: كان
صدوقًا، وذكره ابن حبان في كتاب ((الثقات))، واستشهد به البخاري في موضعين من
کتابه، وأما ما ذكره عن أحمد فقد جاء عنه خلافه، قال أحمد بن حميد: سألت أبا
عبد الله عنه، فقال: لا أعرفه، قلت: يروي عن هود بن شهاب؟ قال: لا أعرفه،
قلت: روى عن هود عن ابن عباد عن أبيه عن جده: مر عمر على أبيات بعرفات؟
فقال: نعم هذا يروى عن عباد من غير هذا الوجه(١)، وقد جاء هذا الحديث بهذا
اللفظ من حديث غيره، رواه ابن خزيمة في صحيحه عن يزيد ابن سنان ثنا أبو
عاصم(٢)، وأشار الطحاوي في ((المشكل)) إلى ثبوته(٣)، ورواه أبو داود عن الحسن
بن علي حدثنا أبو عاصم، وعبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني عثمان بن السائب
أخبرني أبي وأم عبد الملك بن أبي محذورة عن أبي محذورة عن النبي والقر بنحو هذا
الحديث، يعنى حديث الحارث بن عبيد، وفيه: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير
من النوم في الأول(٤) من الصبح، وقال: أبو داود: ثنا النفيلي ثنا إبراهيم بن
إسماعيل بن عبد الملك بن أبي محذورة سمعت جدي عبد الملك يذكر أنه سمع أبا
محذورة يقول: ألقى عليّ النبي ◌َلغير الأذان، فذكره، وفيه: كان يقول في الفجر:
(الصلاة خير من النوم)»(٥)، وهو أيضًا إسناد صحيح.
(١) ((الكامل)) لابن عدي (١٨٩/٢)، في ترجمة الحارث بن عبيد الإيادي.
(٢) (صحيح ابن خزيمة)) (٣٨٥).
(٣) (مشكل الآثار» (٣٦٧/١٥).
(٤) في المطبوعة من (سنن أبي داود» رقم (٥٠١): في الأولى من الصبح
(٥) (سنن أبي داود» (٥٠٤).
٥٢
الترجيع في الأذان
قال: ثنا محمد بن داود حدثنا زياد يعني ابن يونس عن نافع بن عمر الجمحي عن
عبد الملك بن أبي محذورة عن عبد الله بن محيريز عنه فذكر مثل حديث ابن جريج
عن عبد العزيز بن عبد الملك ومعناه(١).
ورواه النسائي عن عمرو بن علي حدثنا يحيى، وعبد الرحمن قالا حدثنا سفيان
عن أبي جعفر عن أبي سلمان عن أبي محذورة قال: كنت أؤذن لرسول الله وَالقر في
صلاة الفجر، فأقول إذا كنت في الأذان الأول: حي على الفلاح، الصلاة خير من
النوم، الصلاة خير من النوم(٢)، ثنا عمرو بن علي حدثنا يحيى، وعبد الرحمن قالا:
ثنا سفيان بهذا الإسناد نحوه، قال عبد الرحمن بن مهدي، وليس بأبي جعفر
الفراء (٣)، وأما ابن حزم فذكره في كتابه مصححًا له، وقال عن أبي جعفر المؤذن
عن أبي سليمان(٤)، كذا رأيته بالياء بعد اللام، وكأنه تصحيف من النسخة، وصوابه
سلمان، واسمه همام، وزعم المزي أن أبا جعفر هذا هو الفراء، وأنت ترى ابن
مهدي نص على أنه ليس به، ولو كان الفراء لكان سندًا صحيحًا، والله أعلم.
ورواه أبو الشيخ عن إبراهيم بن محمد بن الحارث، ومحمود بن أحمد بن
الفرج، ومحمد بن نصر قالوا: حدثنا إسماعيل بن عمرو البجلي أنبأ الثوري، وفي
آخره: فدعاني عليه السلام، فمسح يده على رأسي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن
الحسن ثنا سلمة بن الخليل الكلاعي ثنا مروان ثنا النعمان عن عبد الملك بن أبي
محذورة عن ابن محيريز الشامي عن أبي محذورة أن النبي وقال علمه الأذان، وأمره
أن يقول في الأذان الأول من الصبح: الصلاة خير من النوم مرتين، وثنا الوليد بن
أبان(٥) حدثنا يعقوب بن سفيان حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا محمد بن راشد
(١) ((سنن أبي داود)) (٥٠٥).
(٢) ((السنن الكبرى للنسائي» (١٦١١).
(٣) ((السنن الكبرى)) (١٦١٢).
(٤) ((المحلى)) (١٥١/٣ - ١٥٢).
(٥) الوليد بن أبان هو ابن بونة، ترجمته في (سير أعلام النبلاء؟ (٢٨٨/١٤).
٥٣
الترجيع في الأذان
حدثني النعمان بن راشد عن عبد الملك عن ابن محيريز عن أبي محذورة أن النبي
أمره أن يؤذن لأهل مكة، وأن يدخل في أذانه في الغداة: الصلاة خير من النوم.
انتهى، وفي هذا أيضًا رد لما تقدم من قول البيهقي في ((المعرفة)): حديث أبي
محذورة منقطع(١)، ولما يفهم أيضًا من قول أبي الشيخ في موضع آخر: إن
الحرشى سأل ابن أبي محذورة عن التثويب، فقال: كان في أذان بلال، وفي سنن
الدار قطني بسند صحيح: حدثنا أحمد بن العباس حدثنا عباد بن الوليد أبو بدر ثنا
الحماني ثنا أبو بكر بن عياش ثنا عبد العزيز بن رفيع قال سمعت أبا محذورة يقول:
كنت غلامًا صيتًا، فأذنت بين يدي رسول الله وَ له يوم حنين الفجر، فلما بلغت: حي
على الفلاح قال النبي ويلجر: «ألحق فيها: الصلاة خير من النوم(٢))، وقال ابن المنذر:
جاء الحديث عن أبي محذورة أنه قال: قال لي النبي ◌َ﴾: ((إذا أذنت الصبح فقل:
الصلاة خير من النوم.»، وأما قول الشيخ في «المهذب)): لم يحك أبو محذورة
الترجيع فمردود بما قدمناه، والله أعلم.
وفي كتاب النسائي بسند صحيح: آخر أذان أبي محذورة: لا إله إلا الله (٣)، ولما
ذكره في ((الأوسط)) قال: لم يروه عن هشام إلا ابنه، تفرد به أبن راهويه (٤)، قال ابن
عبد البر: والتثويب في أذان أبي محذورة محفوظ معروف مشهور عند العلماء،
وذهب مالك وأصحابه إلى أن التكبير في أول الأذان مرتين، قال: وقد روي ذلك
من وجوه صحاح في أذان أبي محذورة، وفي أذان عبد الله بن زيد، والعمل عندهم
بالمدينة على ذلك في آل سعد القرظ إلى زمانهم(٥).
ويؤيده ما أسلفناه من عند الترمذي وأبي داود، وروى أبو بكر بن الجهم المالكي
(١) (المعرفة)) (٢٦٣/٢) رقم (٢٦٣٨).
(٢) (سنن الدارقطني)» (٢٣٧/١).
(٣) ((النسائي» (١٤/٢).
(٤) ((المعجم الأوسط» (١٦٦٠).
(٥) «التمهيد)» لابن عبد البر (٢٨/٢٤).
٥٤
الترجيع في الأذان
من طريق عمار بن سعد القرظ عن أبيه أنه سمعه يقول: إن هذا الأذان أذان بلال،
فذكره مثنى، قال: والإقامة واحدة، واحدة، ويقول: قد قامت الصلاة واحدة (١).
وكذا حديث أبي أمامة بن سهل قال: سمعت معاوية يقول: إذا كبر المؤذن اثنين،
كبر اثنين، وإذا تشهد اثنين، تشهد اثنين، ثم التفت، فقال: هكذا سمعت رسول الله
* يقول عند الأذان(٢)، وسيأتي له مزيد بيان إن شاء الله تعالى، قال ابن المنذر في
الإشراف: لم يختلف مالك، والشافعي إلا في أول الأذان، وقال سفيان وأصحاب
الرأي: الأذان على حديث عبد الله بن زيد مربعًا من غير ترجيع، وقالت طائفة:
الاختلاف في هذا من جهة المباح، وقال أحمد بن حنبل: إن رجّع فلا بأس، وإن لم
پرجع فلا بأس، و کذلك قال إسحاق.
((غريبه)): قوله: الله أكبر، ذكر ثعلب أن أهل العربية اختلفوا في معنى أكبر، فقال
أهل اللغة: معناه كبير، وقالوا: أكبر بمعنى كبير، واحتجوا بقول الفرزدق :-
إن الذي سمك السماء بنى لنا بيتا دعائمه أعز وأطول
أراد: دعائمه عزيزة، طويلة، واحتجوا بقول الآخر:
تمنى رجال أن أموت وإن أمت فتلك سبيل لست فيها بأوحد
أراد لست فيها بواحد، واحتجوا بقول معن بن أوس:
لعمرك ما أدري وإني لأوجل على أينا تعدو المنية أول
أراد: وإني لوجل.
واحتجوا بقول الأحوص:
حذر العِدا وبه الفؤاد موكل
يا بيت عائكة الذي أتعزل
قسمًا إليك مع الصدود لأميل
إني لأمنحك الصدود وإنني
أراد: لمائل، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَهْوَثُ عَلَيَّةٍ﴾، قالوا: فمعناه: وهو
(١) سيأتي عند ابن ماجه، وهو في المطبوعة برقم (٧٣١).
(٢) أخرجه البخاري (٩١٤)، وغيره بمعناه.
۵۵
الترجيع في الأذان
هين عليه، قال ابن الأنباري في ((الكتاب الزاهر)): قال أبو العباس: وقال النحويون
يعني الكسائي والفراء وهشامًا: الله أكبر معناه: أكبر من كل شيء، فحذفت ((من))
لأن أفعل خبر، كما تقول: أبوك أفضل، وأخوك أعقل، فمعناه أفضل، وأعقل من
غيره، واحتجوا بقول الشاعر:
إذا ما ستور البيت أُرخين لم يكن سراج لنا إلا ووجهك أنور
أراد: أنور من غيره، وقال معين بن أوس:
المجد إلا حيث ما نلت أطول
فما بلغت کف امرئ متناول بها
صدقوا إلا الذي فيك أفضل ( !! )
ولا بلغ المهدون في القول مِدْحةٌ ولو
أراد أفضل من قولهم، قال: وأجاز أبو العباس: الله أكبر، الله أكبر، واحتج بأن
الأذان سُمع وقفًّا، لا إعراب فيه، لقولهم: حي على الصلاة، حي على الفلاح، ولم
يُسمع على الصلاة والفلاح، فكان الأصل فيه: الله أكبر بتسكين الراء فألقوا على
الراء فتحة الألف من اسم الله تعالى، وانفتحت الراء، وسقطت الألف، كما قال
تعالى: ﴿الّ ﴿ اللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ كان الأصل فيه والله أعلم: الم الله، بتسكين
الميم، فألقيت فتحة الألف على الميم، وسقطت الألف، قال: وسمعت أبا العباس
يقول: (من) تحذف في مواضع الأخبار، ولا تحذف في مواضع الأسماء، من قال:
أخوك أفضل لم يقل: إن أفضل أخوك، وإنما حذفت في مواضع الأخبار؛ لأن
الخبر يدل على أشياء غير موجودة في اللفظ، واعترض أبو إسحاق الزجاجي على
أبي بكر، بأن هذا الذي حكاه عن ثعلب غير صحيح، واعتلاله غير مستقيم، وذكر
كلامًا طويلًا أغفل فيه التنبيه على البيتين الأخيرين، وأنهما ليسا في ديوان معن،
وإنماهما ثابتان في ديوان الخنساء تمدح أخاها في غير ما نسخة، حتى لقد استشهد
العلماء بذلك في كلامهم قال ابن معطٍ في كتاب ((البديع المنظوم)) تصنيفه: براعة
الاستهلال أن تبتدئ بما يدل على المقصود بالنظم أولًا، كما قالت الخنساء تطري
أخاها: ولا مدحة إلا وذا المدح أجمل
(١) هذان البيتان من ديوان الخنساء.
٥٦
الترجيع في الأذان
و: ما بلغت كف امرئ ... البيتين(١)
وقوله: أشهد ألا إله إلا الله، قال أبو بكر: معناه عند أهل العربية أعلم أنه، وأبين
ألا إله إلا الله، الدليل على هذا قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَجِدَ الَّهِ
شَهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ﴾، وذلك أنهم لما جحدوا نبوة النبي ولو كانوا قد تبينوا
على أنفسهم الضلالة والكفر، قال حسان رسالته:
فنشهد أنك عبد المليك أرسلت نورًا بدين قيم
ومن ذلك قولهم: شهد الشاهد عند الحاكم، معناه قد بين له، وأعلمه الخبر
الذي عنده، وقال أبو عبيدة: معناه: قضى الله تعالى، قال ابن الأنباري: وقول أبي
العباس أحسن مشاكلة لكلام العرب، قال الزجاجي: ليس حقيقة الشهادة ما ذكره،
ولو كان معنى الشهادة البيان والإعلام لما أكذب تعالى المنافقين في قوله: ﴿قَالُوا
نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾؛ لأن البيان والإعلام إنما هو باللسان، لا بالقلب، فقد قالوا
بلسانهم، وأعلموا فكذبهم الله تعالى؛ لأن الشهادة في هذا الموضع إنما هي تحقق
الشيء وتيقنه، فكذبهم تعالى؛ لأنهم أبطنوا خلاف ما أظهروا، فقد تكون الشهادة
على ضروب، وأصلها تحقق الشيء وتيقنه، من شهادة الشيء أي حضوره، لأن من
شاهد شيئًا فقد تيقنه علمًا، فاستعملت هذه اللفظة في تحقق الأشياء، ثم اتسع فيها
بعد ذلك، فاستعملت في موضعين آخرين، أحدهما الإقرار بالشيء، والآخر البيان
والإظهار، فمن البيان والإظهار ما ذكر في قوله تعالى: ﴿شَهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِم
بِالْكُفْرِّ﴾، فأما شهادة الشاهد في الحقوق فإنما هي إخبار منه عما شاهده وتيقنه،
وأحضر للوقوف عليه معاينة وسماعًا، وأما الإقرار فما كان يؤخذ به المشركون في
صدر الإسلام من الدعاء إليه، وهو أنهم كانوا يقاتلون حتى يتشهدوا، فيحصن ماله،
ويحقن دمه، وإنما كان يراد منهم الإقرار بهذا، ألا ترى أن المنافقين كانوا على
(١) هذا البيت قاله أوس بن مغراء في سعيد بن العاص، وهو بتمامه:
مابلغت كف امرئ متناول
وقيل للخنساء.
من المجد إلا والذي نلت أفضل
٥٧
الترجيع في الأذان
عهده عليه السلام يقولون هذا، ويقرون به في الظاهر، فيصير لهم حكم المسلمين،
ويبطنون خلافه.
وأما الرسول فمعناه في اللغة: الذي يتابع أخبار الذي بعثه، أخذ من قول
العرب: قد جاءت الإبل رسّلًا، إذا جاءت متتابعة، قال الأعشى:
يسقي ديارًا (١) لنا قد أصبحت غرضًا زورًا أجنف عنها القَوْد والرَّسَل
القود: الخيل، والرسل: الإبل المتتابعة، ويقال في تثنيته: رسولان، وفي
جمعه: رسل، ومن العرب من يوحده في موضع التثنية والجمع، فيقول: الرجلان
رسولك، والرجال رسولك، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا رَسُولَا رَيِّكَ﴾، وفي موضع آخر:
﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾، فالأول خرج الكلام فيه على الظاهر، لأنه إخبار عن
موسى وهارون عليهما السلام، والثاني قال يونس وأبو عبيدة: وحّده؛ لأنه في معنى
الرسالة، كأنه قال: إنا رسالة رب العالمين، واحتج يونس بقول الشاعر:
فأبلغ أبا بكر رسولًا سريعة فما لك يا ابن الحضرمي وما ليّا
ويقول الآخر:
رسولا بيت أهلك منتهاها
ألا من مبلغ عني خُفانا
أراد رسالة سريعة، واحتج أبو عبيدة بقول الشاعر:
لقد كذب الواشون ما بُحت عندهم برِّ ولا أرسلتهم برسول
وقال الفراء: إنما وحد لأنه اكتفى بالرسول من الرسولين، واحتج بقول الشاعر:
ألِكني إليها وخير الرسول أعلمهم بنواحي الخبر
أراد: وخبر الرسل، فاكتفى بالواحد من الجمع، قال أبو بكر: وفصحاء العرب
أهل الحجاز ومن والاهم يقولون: أشهد أن محمدًا رسول الله، وجماعة من العرب
يبدلون من الألف عينًا، فيقولون: أشهد عنَّ محمدًا رسول الله، قال أبو بكر: أنشد
أبو العباس: قال: أنشدنا الزبير بن بكار:
قال الوشاة لهند عن تصارمنا ولست أنسى هوى هند وتنساني
(١) في «اللسان»: رياضًا، وقوله: أَجنف في اللسان: تجانف.
٥٨
الترجيع في الأذان
وقال قيس بن الملوح المجنون:
لك اليوم من وحشية لصديق
أيا شبه ليلى لا تُراعي فإنني
سوى عن عظم الساق منك دقيق
فعيناك عيناها وجيدك جيدها
أراد: سوى أن، فأبدل من الهاء عينًا، وقال أيضًا:
قَلَتْه ولا عن قل منك نصيبها
فما هجرتك النفس يا ليلى عن قلى
وما ذنب ليلى عن طوى الأرض ذيبها
أتضرب ليلى عن ألم بأرضها
قال أبو بكر: وفي قولهم: أشهد أن محمدًا رسول الله ثلاثة أوجه: الوجه
المجتمع عليه أن محمدًا، ويجوز: إن محمدًا لرسول الله، وإن محمدًا رسول الله
على معنى أقول، ولا يجوز أن تبدل من الألف إذا انكسرت عينًا، إنما يفعل ذلك بها
إذا انفتحت، قال أبو إسحاق الزجاجي: ليس ما ذكره في اشتقاق الرسول صحيحًا،
ولو كان كذلك ما جاز لهم في أول مجيئه إليهم أن يقول: إني رسول الله إليكم؛ لأنه
لم يتابع إليهم بعد بإخبار، ولا يُدرى ما يكون بعد، بل كان لا يقع عليه في الحال
الأولى اسم رسول، ولا تجب له حجة على تأويله هذا، ولكان من أرسل إنسانًا في
حاجة واحدة إلى آخر لم ينفذه قط في غيرها لم يجز للمرسَل أن يقول لصاحبه
· المنفَّذ إليه: إني رسول فلان إليك، وهذا غلط بيّن، يدفعه استعمال الكافة ذلك غير
منكرين له، وإنما الرسول بمعنى المرسَل المنفَّذِ: من أرسلت، أي: أنفذت،
وبعثت، وكذلك قال تعالى: ﴿هُوَ اَلَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى﴾ وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا
مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِسَانِ قَوْمِهِ﴾، ولذلك قيل في معناه: مبعوث، وإنما غلط أبو بكر
لأنه رآه على فعول، فتوهمه مما جاء على فعول، للمبالغة، ولا يكون ذلك إلا
لتكرار الفعل نحو ضروب وشبهه من الأسماء المبنية من الأفعال للمبالغة، وليس
كذلك، وإنما هو اسم لغير تكثير الفعل بمنزلة عمود، وعتود، وعجوز، فهو وإن
كان مشتقًّا فإنه يجري مجرى الأسماء المحضة في الاستعمال، والدليل على صحة
ما قلنا قول سيبويه وجميع النحويين من البصريين والكوفيين أزيد أتت إليه رسول؟
قالوا برفع زيد، لأن رسولا اسم لا يجري مجرى الفعل، فكأنك قلت: أزيدٌ أتت له
عجوز؟ ولو كان من تلك الأسماء الجارية مجرى الفعل للمبالغة لنصبت، وأزيداً
٥٩
الترجيع في الأذان
أتت له ضروب؟ وأزيداً أتت له شكور؟ وكذلك ما أشبهه وهذا بين واضح انتهى،
أنشد المبرد في ((كامله)) [وحبيب] (١) في حماسته الوسطى لبعضهم:
قلتك ولا أن قل منك نصيبها
وما هجرتك النفس يامَيُّ أنها
بقولٍ إذا ما جئت هذا حبيبها.
ولكنهم يا أملح الناس أولعوا
وعزاهما الشنتمري لنصيب(٢)، قال: ويقال: هما لمعاذ.
وأما قوله: (حي على الصلاة) فذكر الفراء أن (حيَّ) في كلام العرب معناها
هلم، وأقبل، وفتحت الياء من (حي) لسكونها وسكون الياء التي قبلها، كما قالوا
ليت، ولعل، قال أبو بكر: ومنه قول ابن مسعود: إذا ذكر الصالحون فحي هلا
بعمر، معناه: أقبلوا على ذكر عمر، وفيه ست لغات: حي هلاً بالتنوين.
الثاني: فتح اللام بغير تنوين.
الثالث: تسكين الهاء، وفتح اللام بغير تنوين.
الرابع: فتح الهاء وسكون اللام.
الخامس : حي هَلَنْ.
السادس: حي هَلِين على عمر، قال الزجاجي: أما الوجه الخامس بالنون فهو
الأول بعينه؛ لأن التنوين والنون سواء.
وأما الفلاح فذكر جماعة من أهل اللغة معناه: هلموا إلى الفوز، قال أبو بكر:
وقالوا: يقال: قد أفلح الرجل إذا فاز، وأصاب خيرًا، من ذلك الحديث الذي
یروی: «استغلحي برأيك»(٣)، أي: فوزي برأيك، قال لبيد:
اعقلي إن كنت لمَّا تعقلي ولقد أفلح من كان عَقَّل
(١) هو أبو تمام الشاعر المشهور.
(٢) هو نصيب بن رباح أبو محجن الأسود - ترجمته في ((السير" (٢٦٦/٥) وغيرها.
(٣) رواه الطبراني في «الأوسط)) (١٦١٨) من طريق شريك عن إبراهيم بن مهاجر بن مصعب الزهري عن
عائشة قالت: طَلّقت امرأة على عهد رسول الله ◌َ ◌ّر، فمكثت عشرين ليلة، ثم وضعت حملها، فأتت
النبي *، فأخبرته، فقال: ((استفلحي بأمرك)): أي تزوجي، ورواه أيضًا في «الأوسط)) (٥٨٠٠)،
والعقيلي (٣٨٨/٣) من طريق أبي جعفر الرازي عن إبراهيم بن مهاجر عن عامر عن عائشة به، =