النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢٠
القيمة
وحديث ابن الصمة أن النبي ◌َ* تيمم، فمسح بوجهه وذراعيه.
رواه الشافعي عن إبراهيم بن محمد عن أبي الحويرث عن عبد الرحمن بن معاوية
عن الأعرج عنه.
قال البيهقي: هو منقطع، الأعرج لم يسمعه من ابن الصمة، إنما سمعه من عمر
مولى ابن عباس(١)، وحديث ابن أبي الحمامة السلمي(٢) أنه أتى النبي ◌َاذر، وهو
في المسجد، فوضع يده على حائط المسجد، فمسح به وجهه وذراعیه، ثم دخل.
رواه أبو القاسم البغوي عن عثمان بن أبي شيبة عن جرير عن محمد بن إسحاق
عن يعقوب بن عتبة عن الحارث بن عبد الرحمن بن هشام عن أبيه قال: أتى ابن أبي
الحمامة فذكره (٣)، وحديث عمار أن رسول الله ،وَلقره قال: إلى (٤) المرفقين.
ذكره البيهقي من حديث قتادة قال حدثني محدث عن الشعبي عن عبد الرحمن بن
أبزى عنه(٥)، والله أعلم.
٧٧ - حدثنا يعقوب بن حميد بن كاسب ثنا عبد العزيز بن أبي حازم، وثنا أبو
إسحاق الهروي ثنا إسماعيل بن جعفر جميعًا عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة أنـ
رسول الله ثم قال: ((جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورا)).
= محقق المحلى الشيخ أحمد شاكر رحمه الله، لأنه تتكرر ذكره كذلك في المحلى، ولو كان مرة
واحدة، لقلنا: إنه سقط من بعض النسخ، وهو مذكور كذلك في المستدرك (١/ ١٨٠)، وستن
الدارقطني (١٨١/١)، وكشف الأستار (٣١٢)، أعني: (سليمان بن أبي داود)، وهو كذلك في
كتب الرجال، وقال ابن أبي حاتم: واسم أبي داود سالم.
(١) السنن الكبرى للبيهقي (٢٠٥/١).
(٢) في الأصل: ابن الحمامة، وقد أثبت ما في السنن.
(٣) السنن الكبرى للبيهقي، ومعجم ابن قانع (١٦٦/٢)، وذكر طرقه والاختلاف فيه ابن حجر في
الإصابة (١٥٨/٥).
(٤) مكان: (قال إلى) بياض في الأصل، وقد استدركته من السنن الكبرى.
(٥). السنن الكبرى للبيهقي (٢١٠/١).
٣٢١
التيمم
هذا حديث خرجه مسلم بلفظ: «فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع
الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا،
وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون (١))، ورواه الشافعي عن سفيان عن الزهري
عن سعيد عن أبي هريرة قال: ثم جلست إلى سفيان، فذكر هذا الحديث، فقال
الزهري: عن أبي سلمة أو سعيد عن أبي هريرة (٢)، ولفظ ابن الجارود، وخرجه من
حديث أنس بن مالك: ((جعلت لي من كل أرض طيبة مسجدًا وطهورا))، فرواه عن
محمد بن يحيى ثنا حجاج الأنماطي ثنا حماد عن ثابت وحميد عنه (٣)، وفي البخاري
من حديث جابر: «أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر،
وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا»، الحديث(٤)، أنبأنا الإمام تاج الدين أحمد بن
علي بن وهب القشيري رحمه الله أنبأنا ابن بنت الحميري قراءة عليه وأنا أسمع أنبأنا
الحافظ أبو طاهر أنبأنا أبو عبد الله الثقفي أنبأنا أبو الفتح هلال بن محمد ثنا أبو
عبد الله الحسين بن يحيى القطان ثنا أبو الأشعث أحمد بن المقدام ثنا يزيد بن زريع
ثنا سليمان التيمي عن سيار عن أبي أمامة أن النبي والفر قال: ((إن الله تعالى قد فضلني
على الأنبياء، أو قال: أمتي على الأمم بأربع: أرسلني إلى الناس كافة، وجعل الأرض
كلها لي ولأمتي طهورًا ومسجدًا، فأينما أدركت الرجل من أمتي الصلاة فعنده مسجده،
وعنده طُهوره، ونصرت بالرعب يسير بين يدي مسيرة شهر، فقذف في قلوب أعدائي،
وأحلت لي الغنائم)» (٥) .
وفي كتاب أبي نعيم الأصبهاني رحمه الله قال: كنا نحرس النبي ◌َّ في بعض
مغازيه، فجئت ذات ليلة إلى المكان الذي يكون فيه، فلم أجده في مضجعه،
(١) صحيح مسلم (٥٢٣).
(٢) المعرفة (٢٦/٢) رقم (١٦٢١).
(٢) المنتقى (١٢٤).
(٤) صحيح البخاري (٣٣٥)، ومواضع أخرى.
(٥) المسند (٢٥٦/٥)، والترمذي (١٥٥٣).
٣٢٢
التيمم
فعلمت أنه إنما أقامته الصلاة، ورميت ببصري يمينًا وشمالاً، فإذا به قائمًا يصلي إلى
شجرة، فهويت نحوه، فإذا رجل قبلي أخرجه الذي أخرجني، فقمت أنا وهو خلف
النبي 148 نصلي بصلاته، فصلی ما شاء أن يصلي، حتی إذا کان بين ظهري صلاته
سجد سجدة، فظننت أن قد قبض فيها، فابتدرناه، فجلسنا بين يديه أنا وصاحبي،
فسألنا، فقال: ((هل أنكرتم من صلاتي الليلة شيئًا؟))، قلنا: نعم، سجدت بين ظهراني
صلاتك سجدة حتى ظننا أن قد قبضت فيها، فقال: ((إني أعطيت فيها خمسًا لم يعطهن
نبي قبلي))، فذكر الحديث، وفيه: ((وأعطيت دعوة ادخرتها شفاعة لأمتي))، رواه من
حديث حازم بن خزيمة عن مجاهد عنه، قال: وتابعه على هذا مزاحم بن زفر عن
مجاهد عنه مختصرًا، ورواه أيضًا من حديث مزاحم بن زفر عن مجاهد عن أبي
سعيد بنحوه مختصرًا، وذكر أيضًا حديث حذيفة قال له: ((فضلنا على الناس بثلاث:
جعلت لنا الأرض مسجدًا، وجعلت تربتها لنا طهورا»، رواه مسلم في صحيحه(١)،
وحديث ابن عباس ولفظه: وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وأوتيت الكوثر،
رواه أبو داود(٢)، وذكر أيضًا حديث ابن عمر بنحوه، ذكره أبو نعيم.
وحديث علي قال له: «أعطيت ما لم يعط أحد من الأنبياء، فقلنا: ما هو يا
رسول الله؟ قال: نصرت بالرعب، وأعطيت مفاتيح الأرض، وسميت أحمد، وجعل لي
التراب طهورًا، وجعلت أمتي خير الأمم))، ذكره أحمد في مسنده من حديث ابن
عقيل عن محمد بن علي عنه(٣). وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أذ
رسول الله وَل﴿ عام غزوة تبوك قام من الليل يصلي، فذكر حديثًا فيه: ((لقد أعطيت
الليلة خمسّا ما أعطيهن أحد كان قبلي))، فذكر حديثًا، وفيه: ((وجعلت لي الأرض
مسجدًا وطهورًا، أينما أدركتني الصلاة تمسحت، وصليت))، ورواه أحمد بن حنبل في
(١) صحيح مسلم (٥٢٢).
(٢) بحثت عنه في سنن أبي داود، فلم أقفُ عليه، وهو في مسند أحمد (٢٥٠/١، ٣٠١)، وليس فيه
ذكر الكوثر.
(٣) مسند أحمد (٩٨/١، ١٥٨).
١
٣٢٣
التيمم
مسنده(١)، وكذلك حديث أبي موسى بنحوه أيضاً (٢)، وحديث ابن مسعود عند
البيهقي بنحوه.
وفي حديث عائشة المذكور عند ابن ماجه بعد(٣)، وهو مخرج عند الشيخين:
خرجنا مع النبي 9َّ في بعض المغازي حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع
عقد لي، وفيه: فقال أسيد بن الحضير: ما هي بأول برکتکم یا آل أبي بكر، وفي
لفظ: جزاك الله خيرًا، فوالله ما نزل بك أمر قط إلا جعل الله لك منه مخرجا، وجعل
للمسلمين فيه بركة(٤).
وفي كتاب التفرد لأبي داود: فحضرت الصلاة، فصلوا بغير وضوء، فأتوا النبي
*، فذكروا ذلك، فأنزلت آية التيمم، قال أبو داود: الذي تفرد به من هذا الحديث
أنهم لم يتركوا الصلاة حين لم يجدوا الماء، فصلوا بغير وضوء؛ لأن بعض الناس
يقول: إذا لم تجد الماء لا تصل، قال أبو عمر: وهو أصح حديث روي في هذا
الباب، قال: والسفر المذكور يقال: إنه كان في غزوة بني المصطلق(٥)، وتسمى
المريسيع، وهو ماء لخزاعة، قال الواقدي: كانت سنة خمس، وقال ابن إسحاق:
سنة ست، وقال ابن عقبة: أربع من الهجرة، وكذا ذكره ابن الجوزي عن أبي
مخنف، ورواه هشام عن أبيه عند النسائي عن عائشة أنها استعارت قلادة من أسماء،
فانسلت منها(٦)، وكان ذلك المكان يقال له: الضُلْضُل، كذا ضبطه البكري بضادين
معجمتين، قال: وهو الصحيح، وزعم الجوهري أنه بالمهملتين، فأباه أبو عبيد(٧).
(١) مسند أحمد. (٢٢٢/٢).
(٢) المصدر السابق (٤١٦/٤).
(٣) هو الحديث الآتي بعد هذا.
(٤) البخاري (٣٣٤)، ومسلم (٣٦٧).
(٥) التمهيد (٢٦٦/١٩-٢٦٧)، بتصرف.
(٦) أخرجه النسائي (١٧٢/١)، وليس بهذا اللفظ، فلعله في الكنى، والله أعلم.
(٧) أبو عبيد هو البكري، وقال الحافظ في الفتح (٤٣٢/١): ووهم مغلطاي في فهم كلامه، فزعم أنه
ضبطه بالضاد المعجمة، وقلده في ذلك بعض الشراح، وتصرف فيه، فزاده وهما على وهم.
٣٢٤
وفي رواية هشام: قلادة، وقد سبق أنه عِقْد لها، وفي كتاب الترمذي عن
الحميدي عن سفيان ثنا هشام به، وفيه: أن القلادة سقطت ليلة الأبواء(١)، وفي
معجم الطبراني بإسناد لا بأس به، بل لو حسن لم ينكر ذلك، ما يدل على أن عقده
سقط مرتين، وأن التيمم نزل بعد الإفك، وكان الأول في سنة خمس، فيترجح قو۔
من قال: كان التيمم سنة ست، وفيه بيان لقول أسيد: ما هي بأول بركتكم.
قال: ثنا القاسم بن عباد ثنا محمد بن حميد الرازي ثنا سلمة بن الفضل، وإبراهيم
ابن المختار عن محمد بن إسحاق عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن
عائشة قالت: لما كان من أمر عقدي ما كان، وقال أهل الإفك ما قالوا، خرجت مع
رسول الله ◌َ* في غزوة أخرى، فسقط أيضًا عقدي حتى حبس الناس على التماسه ..
وطلع الفجر (٢)، فلقيت من أبي بكر ما شاء الله، وقال: يا بنية في كل سفر تكوني.
عناء وبلاء، ليس مع الناس ماء، فأنزل الله تعالى الرخصة في التيمم، فقال أبو بكر.
يا بنية إنك ما علمت المباركة(٣)، وذكر الإمام أبو محمد إسحاق بن إبراهيم البستي
في تفسيره أن القائل لها ما أنزل بلاء بك النبي 3 $، وفي الباب أحاديث منه
حديث عبد الله بن أبي أوفى، ذكره ابن أبي حاتم في كتاب العلل(٤)، وحديث
سلمان عن النبي وَ ل# قال: ((تمسحوا بالأرض، فإنها بكم برة))، قال الطبراني في
الأصغر: لم يروه عن الثوري عن عوف عن أبي عثمان إلا الفريابي (٥)، وقال البيهقي
في السنن: هذا حديث غريب الإسناد والمتن، وحديث معاذ بال النبي ◌َ(3".
فتيمم بالصعيد، فلم أره يمسح يديه ووجهه إلا مرة، وأخرجه الطبراني في الكبير
(١) مسند الحميدي (١٦٥).
(٢) كذا بالأصول، وهو الأصح، وفي الطبراني: اطلع.
(٣) المعجم الكبير ج (٢٣) رقم (١٥٩).
(٤) لم أجده في علل ابن أبي حاتم.
(٥) المعجم الصغير (٤٠٨)، وطبقات المحدثين لأبي الشيخ (٤٩٢/٣) رقم (٦٤٨)، وفيه الأصفر.
فإنها منكم برية، وقد صوبتها من المصادر الأخرى، ثم وجدتها كذلك في دف».
(٦) كذا بالأصل، وفي المعجم الكبير: كان النبي {188 يتيمم، وفي ((ف)) غير واضحة.
٣٢٥
التيمم
من حديث محمد بن سعيد المصلوب(١).
التيمم في اللغة: القصد، قال القزاز: قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَيَسِّمُواْ الْخِيثَ﴾
[البقرة: الآية ٢٦٧]، معناه: لا تقصدوا، ومنه قول الشاعر يعني جندبا:
بيشرب أدنى دارها نظر عالي
تيممتها من أذرعات وأهلها
يريد: قصدتها، ويروى: تنورتها، أي نظرت إلى نارها، وهو أصوب.
وقال خفاف:
فعمدا على عيني تيممت مالكا (٢)
فإن تك خَبْلی قد أصبب صميمها
أي: قصدته، وقال تعالى: ﴿فَتَيَدَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: الآية ٤٣]، قالوا: معناه:
اقصدوا الصعيد بالتمسح، وقال الخليل: التيمم يجري مجرى التوخي يقول: تيمم
أطيب ما عندك، فأطعمنا منه، أي: توخاه، وعلى هذا فسر ما ذكرنا، وأجاز أن
يكون التيمم: التعمد، والقصد، وكثر هذا الاسم حتى صار اسمًا للتمسح بالتراب،
والعرب تقول: تيممت الشيء تيمماً، وتيممه تيمما، وأممته أمَّا، قال الفراء: ولم
أسمع فيها يممت بالتخفيف، ويقولون: يممت فلانا سيفي ورمحي: قصدته،
وتوخيته دون من سواه، وأنشد الخليل:
هذي لا لعب الزحاليق
بممت بالرمح شزرا(٣) ثم قلت له
قال: ومن أنشده: أممت، فقد أخطأ؛ لأنه قال: شزراً، والشزر لا يكون إلا من
ناحية، ولم يقصد به أمامه، وفي الصحاح: تيممتك، وتأممتك، وأنشد أبو بكر في
الكتاب الزاهر:
تيمم أهلها بلدا فساروا
وفي الأظعان آنسة لعوب
وقال أمية بن أبي الصلت:
تيمم البحر للأعداء أحوالا
ليطلب الوتر أمثال ابن ذي يزن
:٤) المعجم الكبير ج (٢٠) رقم (١٢٦).
٢٥) اللسان (٢٥٠٦/٤).
٣٤) كذا بالأصل، وفي اللسان: (١٣٢/١): صدرًا.
٣٢٦
التيده
وقال تعالى: ﴿وَلَآ ءَآتِيْنَ اَلْبَيْتَ الْخَرَامَ﴾ [المائدة: الآية ٢]، ومعناه: ولا قاصدین، قـ
الشاعر :
. إني كذاك إذا ما ساءني بلد
يممت صدر بعيري غيره بلد
بسـ
وقال غيره:
وهل عادة للربع أن يتكلم
سل الربع أني يممت أم طارق(١)
وقال الجاحظ في كتاب ((المردان)» تأليفه، ومنهم: عمرو بن الأعرج الأسلع الذي
كان يرجل النبي وَل﴾، فقال له يومًا: إني جنب، وليس عندي ماء فأنزل الله تعالى ◌ّ
التیمم. انتھی. وهو قول غريب.
وأما قول ابن الجوزي: ظاهر حديث عائشة يدل على أنهما كانا مرتين، حيث
قالت: سقط عقدي، وفي الآخر لأسماء، وليس كذلك، وهو معارض ما أسلفت:
من عند الطبراني: لما كان من أمر عقدي ما كان، وقال أهل الإفك ما قالو".
خرجت مع النبي -18 في غزوة أخرى، فسقط أيضًا عقدي ... الحديث، قلـ
القاضي أبو بكر: قول عائشة: (فنزلت آية التيمم) لا أدري أي آية أرادت؟ لأن في
المائدة آية وفي النساء آية.
وقال القرطبي: أولاها التي في النساء؛ لأن آيتها لا ذكر فيها للوضوء، والتي في
المائدة ذكر فيها الوضوء.
وفي كتاب الحميدي عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة: (فنزلت: إق
قمتم إلى الصلاة (٢)).
وقال المازري رحمه الله تعالى: قال بعض أصحابنا: يباح السفر للتجارة، وزن
أدى إلى التيمم، ويحتج له بهذا الحديث؛ لأن إقامتهم على التماس العقد ضرب من
مصلحة المال وتنميته، وقال أبو عمر في كتاب التمهيد: فيه من الفقه خروج النساء
(١) كتبت في الأصول: أم أسلما، وقد نقلته من القرطبي (١٨٠٢/٣).
(٢) لم أقف عليه في مسند الحميدي من هذا الوجه وبهذا اللفظ، وهو في الصحيحين بلفظ: فأنزل ت
آية التيمم، ثم بدا أن الظاهر أنه يعني الجمع بين الصحيحين للحميدي المتأخر، والله أعلم.
٣٢٧
التيمم
مع الرجال في الأسفار، وفي الغزوات، وذلك مباح إذا كان العسكر كثيرا (١) يؤمن
عليه الغلبة، روى أبو داود عن أنس كان النبي ول98 يخرج بأم سليم ونسوة من
الأنصار يسقين الجرحى(٢).
وأجمع علماء الأمصار بالمشرق والمغرب فيما علمت أن التيمم بالصعيد عند
عدم الماء طهور لكل مسلم مريض أو مسافر، وسواء كان جنبًا أو على غير وضوء،
لا يختلفون في ذلك، وقد كان عمر بن الخطاب، وابن مسعود يقولان: الجنب لا
يطهره إلا الماء، ولا يستبيح بالتيمم صلاة؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا
فَطَّهَرُواْ﴾ [المائدة: الآية ٦] وقوله: ﴿وَلَا جُنُبًّا إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ حَتَّى تَفْتَسِلُواْ﴾ [النساء: الآية
٤٣]، وذهبا إلى أن الجنب لم يدخل في المعنى المراد بقوله ﴿وَإِن كُم قَرْضَ أَوْ عَلَى
سَفَرٍ أَوْ جَآءُ أَحَدٌ مِّنَكُم مِّنَ الْغَّبِطِ أَوْ لَمَسْنُمُ النِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءٍ فَتَيَمِّمُوا﴾ [النساء: الآية
٤٣] (٣)، ولم يتعلق بقولهما في هذه المسألة أحد من فقهاء الأمصار من أهل الرأي
وحملة الآثار (٤)، انتهى كلامه.
وفي شرح المهذب للنووي: قد ذكروا رجوع عمر، وابن مسعود عن ذلك.
قال أبو عمر: واختلف العلماء في كيفية التيمم، فقال مالك، والشافعي، وأبو
حنيفة، وأصحابهم، والثوري، وابن أبي سلمة، والليث: ضربنان للوجه، وضربة.
يمسح بهما إلى المرفقين، يمسح اليمنى باليسرى، واليسرى باليمنى، والفرض عند
مالك إلى الكوعين، والاختيار إلى المرفقين، وسائر من ذكرنا معه يرون بلوغ
المرفقين بالتيمم فرضًا واجبًا، وقال الأوزاعي: التيمم ضربتان، ضربة للوجه،
وضربة للیدین إلی الکوعین، وهما الرسغان، وروي ذلك عن علي، وقد روي عن
(١) كذا بالأصل، وفي التمهيد: كبيرًا، وفي (ف)) غير واضح.
(٢) كذا بالأصول، وفي التمهيد: يسقين، ويداوين الجرحى، والحديث في سنن أبي داود (٢٥٣١)،
وهو في مسلم (١٨١٠) ..
(٣) في التمهيد: صعيدًا طيبًا.
(٤) التمهيد (٢٦٦/١٩، ٢٧١).
٣٢٨
التيه
الأوزاعي، وهو أشهر أن التيمم ضربة واحدة يمسح بها وجهه ويديه إلى الكوعين،
وهو قول عطاء، والشعبي في رواية، وبه قال أحمد، وإسحاق، وداود بن علي.
والطبري، وهو أثبت ما روي في ذلك عن عمار، رواه شقيق عن أبي موسى عن
عمار، ولم يختلف في حديث أبي وائل هذا.
وسائر أحاديث عمار مختلف فيها، وقال الحسن بن حي، وابن أبي ليلى: التيمم
ضربتان يمسح بكل ضربة منهما وجهه وذراعيه ومرفقيه، ولم يقل ذلك أحد من أهل
العلم غيرهما في علمي، وقال الزهري: يبلغ بالتيمم الآباط، ولم يقله غيره، وفي
بعض ألفاظ أبي داود: أن النبي ◌َّله مسح إلى أنصاف ذراعيه، قال ابن عطية: لم
يقل أحد بهذا الحديث فيما حفظت.
وفي شرح الأحكام لابن بزيزة: وقالت طائفة من العلماء: أربع ضربات: ضربتاز
للوجه، وضربتان لليدين، قال: وليس له أصل من السنة، قال: وقال بعض
العلماء: تيمم الجنب إلى المنكب، وغيره إلى الكوعين، قال: وهو قول ضعيف،
وفي كتاب ابن رشد: رواية عن مالك الاستحباب إلى المرفقين، والفرض الكفان.
قال أبو عمر: واختلفوا في الصعيد، فقال مالك وأصحابه: الصعيد وجه الأرض
قال ابن خويز بنداد: الصعيد عندنا وجه الأرض، وكل أرض جائز التيمم عليه
صحراء كانت، أو معدنا، أو ترابا. قال: وبذلك قال أبو حنيفة، والأوزاعي.
والطبري، قال: ويجوز عند مالك على الحشيش إذا كان دون الأرض، واختلفت
الرواية عنه في التيمم على الثلج، فأجازه مرة، ومنعه أخرى، قال: وكل ما صعد
على وجه الأرض فهو صعيد، والحجة في ذلك قوله تعالى: ﴿صَعِيدًا جُزَا﴾
[الكهف: الآية ٨] يعني: أرضًا غليظة لا تنبت شيئًا، وصعيدًا زلقًا، وقال ◌َله: (يحشر
الناس على صعيد واحد))، أي أرض واحدة، (١) وفي الصحاح: الصعيد: التراب.
وقال ثعلب: وجه الأرض، والجمع صُعُد وصعدات، وفي الجمهرة: هو التراب
(١) إلى هنا انتهى كلام ابن عبد البر.
٣٢٩
التيمم
الذي لا يخالطه رمل، ولا سبخ، هذا قول أبي عبيدة، وقيل: هو الظاهر من وجه
الأرض، وكذا فسر قوله: ﴿صَعِيدًا طَتِبًا﴾ [النساء: الآية ٤٣]، وفي الجامع: جمع
الصعيد: صعد، وجمع الصُعُد: صُعُدات، وفي الزاهر لمحمد بن القاسم (١):
الصعيد وجه الأرض، قال الشاعر:
قتلی حنوطهم(٢) الصعید وغسلهم
نُجَعُ الترائب والرؤوس تقطف
وقال الشافعي، وأبو يوسف، وداود فيما ذكره أبو عمر: الصعيد: التراب، ولا
يجزئ(٣) عندهم التيمم بغيره، قال الشافعي: لا يقع الصعيد إلا على تراب ذي
غبار، فأما الصحراء الغليظة، والرقيقة، والكثيب الغليظ، فلا (٤) يقع عليه اسم
صعید. انتھی، وما أسلفناه يرد هذا.
قال: وأجمع العلماء على أن التيمم بالتراب ذي الغبار جائز، وقال وجَلّ في
الأرض: ((وتربتها لنا طهور))، وهو مخرج في صحيح أبي عوانة الإسفرائيني(٥)،
وهو يقضي على قوله مسجدًا وطهورا، ويفسره، وسئل ابن عباس: أي الصعيد
أطيب؟ فقال: الحَرْث، وجماعة العلماء على إجازة التيمم بالسباخ إلا إسحاق
انتھی.
وهو محجوج بما نذكره من عند ابن خزيمة بعد (٦)، قال أبو عمر: وقال الثوري،
وأحمد: يجوز التيمم بغبار اللبد والثوب خلافًا لمالك، وفي تفسير النقاش (٧): جوز
أبن علية وابن كيسان التيمم بالمسك والزعفران، وفي حلية الشاشي: ولا يجوز
(١) هو الشهير بابن الأنباري، ترجمته في السير (٢٧٤/١٥) وغيره.
(٢) كذا بالأصول، وفي التمهيد: حنيطهم.
(٣) في الأصل: لأن يجزئ، وقد صوبته من التمهيد، ثم وجدته كذلك في (ف)).
(٤) في الأصل: لا، وفي التمھید: (فلا) کما أثبت، ثم وجدته كذلك في ((ف)».
(٥) صحيح أبي عوانة (٣٠٣/١).
(٦) صحيح ابن خزيمة (٢٦٥).
(٧) هو أبو بكر محمد بن الحسن النقاش - ترجمته في السير (٥٧٣/١٥).
٣٣٠
التيمي
التيمم بتراب خالطه دقيق أو حص، وقيل: يجوز إذا كان التراب غالبا، وأجمع
العلماء على أن التيمم لا يرفع الجنابة، ولا الحدث إذا وجد الماء، وأن المتيمم
للجنابة أو للحدث إذا وجد الماء عاد جنبا أو محدثا كما كان، واختلفوا إذا رأى
الماء بعد دخوله في الصلاة، فقال مالك: يتمادى في صلاته، وقال أبو حنيفة
وأصحابه، وأحمد والمزني وغيرهم: يقطع تلك الصلاة، ويخرج إلى استعمال
الماء، واختلفوا في التيمم في الحضر، فذهب مالك وأصحابه إلى أن التيمم في
الحضر والسفر سواء إذا عدم الماء، أو تعذر استعماله، وهو قول أبي حنيفة
ومحمد، وقال الشافعي: لا يجوز للحاضر الصحيح أن يتيمم، إلا أن يخاف التلف،
وبه قال الطبري، وقال أبو يوسف، وزفر: لا يجوز التيمم في الحضر لا لمرض ولا
لخوف خروج الوقت، وقال عطاء: لا يتيمم المريض ولا غير المريض إذا وجد
الماء، لأن الله تعالى قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ﴾ [النساء: الآية ٤٣]، فلم يبح التيمم إلا عند
فقد الماء. قال أبو عمر: ولولا قول الجمهور وما روي من الأثر لكان قوله
صحيحًا، واختلفوا أيضًا في التيمم: هل تصلى به الصلوات، أم يلزم التيمم لكل
صلاة فرض(١)؟ فقال شريك القاضي: يتيمم لكل صلاة نافلة وفريضة، ولم يختلف
قول مالك وأصحابه فيمن تيمم لصلاة فصلاها، فلما سلم منها ذكر صلاة نسيها أنه
يتيمم لها، واختلفوا فيمن صلى صلاتي فرض(٢) بتيمم واحد، فروى يحيى عن ابن
القاسم فيمن صلى صلوات كثيرة بتيمم واحد أنه يعيد الصلاة على ما زاد على
واحدة في الوقت، واستحب أن يعيد أبدًا.
وروى ابن أبي زيد عنه (٣) أنه يعيد أبدًا، وقال أصبغ: إن جمع بين صلاتين بتيمم
واحد، نظر فإن كانتا مشتركتين (في الوقت أعاد الآخرة، وإن كانتا غير
(١) كلمة: (فرض) ليست في التمهيد.
(٢) في الأصل: صلاة فرض، وقد صوبته من التمهيد، ثم وجدته على الصواب في ((ف)).
(٣) كذا بالأصول، وفي التمهيد (أبو زيد)، وهو خطأ، وهو أبو محمد عبد الله بن أبي زيد، ترجمته
في السير (١٠/١٧) وغيره.
٣٣١
التيمم
مشتركتين](١) أعاد الثانية أبدًا.
وقال أبو حنيفة، والثوري، والليث، والحسن بن حي، وداود: يصلي ما شاء
بتيمم واحد ما لم يحدث ما لم يجد الماء، وليس عليه طلب إذا يئس منه (٢)، والله
تعالى أعلم.
(١) ما بين المعكوفتين سقط من الأصل.
(٢) التمهيد (٢٨٩/١٩-٢٩٥) بتصرف.
٣٣٢
باب في المجروح تصيبه الجنابة -
باب في المجروح تصيبه الجنابة، فيخاف على نفسه إن اغتسل
٧٨- حدثنا هشام بن عمار ثنا عبد الحميد بن حبيب بن أبي العشرين
الأوزاعي عن عطاء بن أبي رباح سمعت ابن عباس یخبر أن رجلاً أصابه جرح في
رأسه على عهد رسول الله ولو، ثم أصحابه احتلام، فأَمِر بالاغتسال، فاغتسر
فكُز، فمات، فبلغ ذلك النبي نَله، فقال: ((قتلوه، قتلهم الله، أو لم يكن شفاء العي
السؤال))، قال عطاء: وبلغنا أن رسول الله وَ ل﴾ قال: ((لو غسل جسده، وترك رأسه
حيث أصابه الجراح))(١).
هذا حديث خرجه أبو داود، فبين أنه منقطع عن نصر بن عاصم ثنا محمد بن
شعيب أنبأنا الأوزاعي أنه بلغه عن عطاء أنه سمع ابن عباس به(٢).
وقال عبد الرحمن: سألت أبي وأبا زرعة عنه، فقالا: رواه ابن أبي العشرين عن
الأوزاعي عن إسماعيل بن مسلم عن عطاء، وأفسد الحديث(٣).
وخرجه أبو الحسن عن الفارسي ثنا إسحاق بن إبراهيم ثنا عبد الرزاق ثتـ
الأوزاعي عن رجل عن عطاء(٤).
وقال عبد الحق: ولا يروى من وجه قوي(٥)، وسيأتي خلاف قوله، وأما قول
الحافظ المنذري أخرجه يعني: أبا داود منقطعًا، وابن ماجة موصولًا، فلم يصنع
شيئًا، كلاهما منقطع، لكن أحدهما قال: (بلغه)، والآخر قال (عَن)، فلو كان في
ابن ماجة تحديث أو شبهه كما سنذكره بعد، لساغ له قوله، والله تعالى يغفر له،
(١) تكلم الشارح رحمه الله على الأبواب السابقة مجملة، وهي باب ما جاء في سبب التيمم، وما جاء
في التيمم ضربة واحدة، وفي التيمم ضربتين.
(٢) سنن أبي داود (٣٣٧).
(٣) علل الحديث لابن أبي حاتم (٣٧/١) رقم (٧٧).
(٤) سنن الدارقطني (١٩١/١).
(٥) الأحكام الوسطى (٢٢٢/١-٢٢٣).
٣٣٣
باب في المجروح تصيبه الجنابة .....
لكن المتصل ما ذكره الحافظان أبو بكر بن خزيمة، وابن حبان في صحيحيهما،
وابن الجارود في منتقاه(١) من حديث الذهلي ثنا عمر بن حفص بن غياث ثنا أبي
أخبرني الوليد بن عبيد الله بن أبي رباح أن عطاء حدثه عن ابن عباس بلفظ:
«قتلهم الله ثلاثًا، قد جعل الله الصعید أو التیمم طهورا)). قال: شك ابن عباس(٢)، ثم
أثبته بعد، قال أبو بكر: ثنا يوسف بن موسى ثنا جرير عن عطاء بن السائب عن سعيد
ابن جبير (٣) عن ابن عباس رفعه في قوله ﴿وَإِن كُمْ تَرْفَ أَقَ عَلَى سَفَرٍ﴾ [النساء: الآية
٤٣]. قال: إذا كان بالرجل الجراحة في سبيل الله، أو القروح أو الجدري، فيجنب،
فيخاف إن اغتسل أن يموت، فليتيمم(٤)، وخرجه ابن الجارود أيضاً (٥)، وفي ذلك
نظر لما ذكره أبو أحمد(٦) من أن جريرًا سمع من عطاء بعد الاختلاط، ولما خرج أبو
عبد الله في مستدركه حديث الوليد قال: هذا حديث صحيح، فإن الوليد بن عبيد الله
هذا ابن أخي عطاء بن أبي رباح، وهو قليل الحديث جدًّا، وقد رواه الأوزاعي عن
عطاء وخرج بعد، وله شاهد آخر عن ابن عباس، فذكر الحديث الذي أسلفناه من
عند ابن خزيمة، ثم ذكر حديث محمد بن يعقوب ثنا أبو عثمان سعيد بن عثمان
التنوخي ثنا بشر بن بكر حدثني الأوزاعي ثنا عطاء فذكره، قال: بشر بن بكر ثقة
مأمون، وقد أقام إسناده، وهو صحيح على شرط الشیخین، ولم يخرجاه، وحدثناه
أبو العباس ثنا العباس بن الوليد بن مزيد (٧) أنبأنا أبي سمعت يقول: بلغني عن
(١) صحيح ابن خزيمة (٢٧٣)، والإحسان (١٣١٤)، وابن الجارود في المنتقى (١٢٨).
(٢) كذا بالأصول، وعند ابن خزيمة: (شك في ابن عباس)، والفرق بين العبارتين واضح، والأصح ما
في الأصول، كما في الإحسان والمنتقى، لأن الشك واقع في كلام ابن عباس.
(٣) في الأصل: سعيد بن جرير، وهو خطأ، وهو على الصواب عند ابن خزيمة، ثم وجدته على
الصواب في ((ف».
(٤). صحيح ابن خزيمة (٢٧٢).
(٥) المنتقى (١٢٩).
(٦) أبو أحمد هو ابن عدي.
(٧) تحرف في الخلافيات إلى: (بن يزيد).
٣٣٤
باب في المجروح تصيبه الجنابة ....
عطاء(١) ورواه أيضًا الهفل بن زياد، وهو من أثبت أصحاب الأوزاعي، فلم يذكر
سماع الأوزاعي من عطاء، إنما قال: قال عطاء عن ابن عباس، ورواه أيضًا محمد بن
كثير المصيصي فقال: ثنا الأوراعي عن عطاء بن أبي رباح، أنبأنا بذلك الإمام ضياء
الدين موسى القطبي رحمه الله تعالى أنبأنا عبد اللطيف البغدادي قراءة عليه وأن
أسمع أنبانا الشيخان اللبان والجمال أنبأنا أبو علي أنبأنا الحافظ أبو نعيم ثنا محمد
ابن أحمد بن علي ثنا إبراهيم بن الهيثم البلدي ثنا محمد بن كثير فذكره، وقال: هذة
حديث غريب، لا تحفظ هذه اللفظة يعني: ((ألم يكن شفاء العي السؤال)) عن أحد من
الصحابة إلا من حديث ابن عباس، ولا عنه إلا من رواية عطاء، حدث به الوليد بن
مسلم والأعلام عن الأوزاعي، وقال ابن عساكر: ورواه أيوب بن سويد عن
الأوزاعي كرواية ابن أبي العشرين، ولما خرج البيهقي حديث الوليد قال: هذا
حديث موصول، وتمام هذه القصة في الحديث الذي أرسله الأوزاعي عن عطاء.
ومن أوجب الجمع بينهما يقول: لا تنافي بين الروايتين، إلا أن إحداهما
مرسلة(٢) وبنحوه ذكره قاسم في الدلائل(٣)، فكأن أبا عبد الله لم يعد هذا علة، إذ
صحت له طريقه، فكأنه يقول: سمعه أولا عنه، ثم سمعه عن آخر عنه (٤)، ورواه
أيضًا في تاريخ نيسابور بإسناد ضعيف عن أبي الفضل المسلمي ثنا محمد بن حاتم
ابن يونس ثنا أبو عبد الرحمن أحمد بن الأشعث ثنا بشر بن يحيى من ثقات أصحاب
عبد الله ثنا أبو عصمة عن إبراهيم الصائغ عن عطاء عن ابن عباس، ورواه أيضًا عن
عطاء عن جابر بن عبد الله قال: خرجنا في سفر، فأصاب رجل معنا حجر، فشجه في
رأسه، فاحتلم، فسأل أصحابه: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ قالوا: ما نجد
(١) أخرجه الحاكم (١٧٨،١٦٥/١)، وهي عند البيهقي في السنن الكبرى (٢٢٧/١)، والخلافيات
(٨٣٧) عنه.
(٢) السنن الكبرى للبيهقي (٤٢٧/١).
(٣) هو قاسم بن ثابت السرقسطى، وكتابه: الدلائل في الحديث.
(٤) في الأصل: ثم سمعه آخرًا منه، وقد عدلته ليستقيم الكلام، ثم وجدته كذلك في ((ف)).
٣٣٥
....
باب في المجروح تصيبه الجنابة .
لك رخصة، وأنت تقدر على الماء، فاغتسل، فمات، فلما قدمنا على رسول الله وَاله
أخبر بذلك، فقال: ((قتلوه، قتلهم الله، ألاسألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العي
السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم، ويعصر أو يعصب»، شك الراوي: ((على جرحه
خرقة، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده).
رواه أبو داود من جهة الزبير بن خريق(١)، وقال أبو بكر بن أبي داود: هذه سنة
تفرد بها أهل مكة، وحملها أهل الجزيرة، ولم يروه عن عطاء عن جابر غير الزبير،
وليس بالقوي، وخالفه الأوزاعي: فرواه عن عطاء عن ابن عباس، واختلف عن
الأوزاعي، فقيل: عنه عن عطاء، وقيل: عنه بلغني عن عطاء، وأرسل الأوزاعي
آخره عن عطاء عن النبي ◌َّهِ، وهو الصواب(٢).
وقال البيهقي في الخلافيات: هذا إسناد مختلف فيه، وصح عن ابن عمر أنه كان
يمسح على العصابة (٣)، وقال في السنن الكبير: هذه رواية موصولة (٤).
وفي مسند الدارمي: قال عطاء: وبلغني أن النبي 88* سئل بعد ذلك؟ فقال: (لو
غسل جسده، وترك رأسه حيث أصابه الجروح)»(٥) .
وقال عبد الحق: لم يروه عن عطاء غيره، وليس بالقوي، ورواه الأوزاعي عن
عطاء عن ابن عباس، واختلف على الأوزاعي، ولا يروى الحديث من وجه
قوي(٦)، وتتبع ذلك عليه أبو الحسن بقوله: هكذا ساقه في التيمم، وهذا لا يحتمل
إلا أن التيمم في حق المريض من رواية ابن عباس أيضًا، كما هو من رواية جابر،
وذلك باطل، وإنما اعتراه هذا من كتاب الدار قطني الذي نقله منه، فإنه أجمل القول
(١) رواه أبو داود (٣٣٦).
(٢) سنن الدارقطني (١٩٠/١).
(٣) الخلافيات (٥٠٤/٢).
(٤) السنن الكبرى (٢٢٧/١).
(٥) سنن الدارمي (٢١٠/١) رقم (٧٥٢).
(٦) الأحكام الوسطى (٢٢٢/١- ٢٢٣).
٣٣٦
بأب في المجروح تصيبه الجنابة .-.
كما ذكر، ثم فسره بإيراد الأحاديث، فتخلص، فكتب أبو محمد الإجمال، ومـ
يكتب التفسير، فوقع الخطأ، وحديث ابن عباس لا ذكر فيه للتيمم، ولا يعرف ذكر
التيمم فيها إلا من رواية ابن خريق، كما تقدم أو من رواية أبي سعيد الخدري بإستى
بالغ إلى الغاية في الضعف، رواه ابن عدي (١) عن محمد بن الحسن بن موسى
الكوفي بمصر ثنا أحمد بن عبد الرحمن بن حماد ثنا عبد الرحمن ابن أبي حماد عن
عمرو بن شمر عن عَمْرو بن أنس عن عطية عن أبي سعيد قال: أجنب رجل مريض
في يوم بارد، على عهد النبي ◌َّه، فغسله أصحابه، فمات، فبلغ ذلك النبي ﴾.
فقال: «مالهم قتلوه، قتلهم الله، إنما كان يجزئ من ذلك التيمم))(٢). انتهى كلامه.
وفيه نظر من حيث زعمه أن حديث ابن عباس لا ذكر فيه للتيمم، لما أسلفناه قبل من
كتاب ابن حبان، وابن خزيمة، ولما في كتاب العلل لعبد الرحمن: سألت أبي وأبـ
زرعة عن حديث رواه علي بن عاصم عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن
عباس عن النبي 8# المجدور أو المريض(٣) إذا خاف على نفسه تيمم؟ قال أبو
زرعة: ورواه جرير أيضًا، فقال: عن عطاء به مرفوعًا في المجدور(٤)، وهو خطأ،
أخطأ فيه علي بن عاصم، ورواه أبو عوانة وورقاء وغيرهما عن عطاء بن السائب عن
سعید عن ابن عباس موقوفًا(٥)، وهو الصحیح(٦). انتهى كلامه، وفيه نظر من حيث
إغفاله أيضًا على متابعة جرير، وإن كان سماعه منه بأخرة، فلابد من ذكره بهذين
الأمرين أو بأحدهما، وفي كتاب الدارقطني: ثنا بدر بن الهيثم ثنا أبو سعيد الأشج
ثنا عبدة بن سليمان عن عاصم الأحول عن عطاء عن سعيد عن ابن عباس قال:
(١) الكامل (١٢٩/٥).
(٢) بيان الوهم والإيهام (٢٣٧/٢-٢٣٨) رقم (٢٢٩)، (٢٣٠).
(٣) كذا بالأصول، وفي العلل: في المجدور والمريض.
(٤) في العلل: قال: هذا خطأ ... الخ.
(٥) كذا بالأصول، وفي العلل: موقوف.
(٦) علل الحديث لابن أبي حاتم (٢٥/١-٢٦) رقم (٤٠).
٣٣٧
باب في المجروح تصيبه الجنابة .....
رُخِّص للمريض التيمم بالصعيد(١)، فهذا كما ترى في كتاب الدار قطني الذي زعم
أنه بخصوصه ليس فيه ذكر التيمم في حديث ابن عباس اللهم إلا أن يحمل كلامه
على المرفوع، فيجاب بأمرين: الأول: قوله: رُخِّص بضم الراء غالبًا، إنما يعزى
لسيدنا محمد وآله، كقوله: أُمِر بلال؛ لأنه ليس لأحد أن يسن أو يرخص غيره،
وعلى تقدير المشاححة في هذه اللفظة، فيقال له: قد قال أبو الحسن بعده: رواه
علي بن عاصم عن عطاء، فرفعه إلى النبي 18، فما اعتذارك عن هذا يا أبا
الحسن(٢)، وأظن الموقع له في هذا عدم رؤيته إياه في سننه(٣) وليس بين الموضعين
إلا يسير، وقد وقع لنا حديث عبد الحميد متصلًا، فقال: ثنا الأوزاعي ثنا عطاء بن
أبي رباح قال سمعت ابن عباس، فذكره، ذكره أبو عمر في جامع بيان العلم(٤)،
والله أعلم.
وأما تيمم الجنب ففيه أحاديث منها: حديث عمران بن حصين رأى النبي وَلهة
رجلًا معتزلًا لم يصل مع القوم، قال: ((ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم؟))، قال:
أصابتني جنابة ولا ماء، قال: ((عليك بالصعيد، فإنه يكفيك»، خرجاه في .
كتابيهما(٥)، وحديث أبي ذر: كانت تصيبني الجنابة يعني: وهو بالربذة، فأمكث
الخمس والست، فأتيت النبي ◌َله، فقال: «أبو ذر؟)»، فسكت، فقال: ((ثكلتك أمك
أبا ذر»، فدعا لي بجارية سوداء، وفيه: «الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء
عشر سنین)).
خرجه أبو عيسى، وقال: حسن صحيح(٦)، وخرجه البستي في صحيحه من
(١) سنن الدارقطني (١٧٨/١).
(٢) يخاطب: أبا الحسن ابن القطان.
(٣) يعني سنن الدارقطني.
(٤) جامع بيان العلم وفضله (٣٧٥/١) رقم (٥٢٦).
(٥) صحيح البخاري (٣٤٤)، ومواضع أخرى، ومسلم (٦٨٢) مطولًا.
(٦) سنن الترمذي (١٢٤) مختصرًا.
٣٣٨
باب في المجروح تصيبه الجنابة .
حديث خالد الحذاء عن أبي قلابة عن عمرو بن بُجدان سمعت أبا ذر به(١)، ثم قال:
ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن هذا الخبر تفرد به خالد، فذكر حديث الثوري
عن أيوب وخالد به (٢)، ولما ذكره أبو عبد الله في مستدركه قال: هذا حديث
صحيح، ولم يخرجاه، إذ لم نجد لعمرو راويا غير أبي قلابة، وهذا مما شرطت فيه.
وثبت أنهما قد أخرجا مثل هذا في مواضع من الكتابين (٣)، ولما ذكره الجوزقاني
قال: هذا حديث صحيح (٤)، ولما ذكره أبو داود في كتاب التفرد قال: الذي تفرد به
من هذا الحديث أنه رخص أن يصيب أهله، ورواه حماد بن زيد فلم يذكر أبوالها(٥).
ولما ذكره الإشبيلي أتبعه قول الترمذي فيه: حسن(٦)، وتتبع ذلك عليه أبو الحسن
بقوله: فهو عنده غیر صحیح، ولم يبين لم لا يصح، وذلك لأنه لا يعرف لابن بجدات
هذا حال، وإنما روى عنه أبو قلابة، واختلف عنه فخالد الحذاء يقول: عن عمرو بن
بجدان، ولا يختلف عن خالد في ذلك، فأما أيوب فإنه رواه عن أبي قلابة، فاختلف.
عليه: فمنهم من يقول فيه: عن أبي قلابة عن رجل من بني عامر، ومنهم من يقول:
عن رجل فقط، ومنهم من يقول: عن رجاء بن عامر، ومنهم من يقول: عن عمرو بن
بجدان، كقول خالد، ومنهم من يقول: عن أبي المهلب، ومنهم من لا يجعل بينهم
أحدًا، فيجعله عن أبي قلابة عن أبي ذر، ومنهم من يقول: عن أبي قلابة أن رجلًا
من بني قشير قال: يا نبي الله، وهو حديث ضعيف، لا شك فيه لأنه لابد فيه من
عمرو بن بجدان، ولهذا المعنى إسناد صحيح من رواية أبي هريرة قال مَيّر: ((الصعيد
وضوء المؤمن، وإن لم يجد الماء عشر سنين))، رواه البزار عن مقدم بن محمد ثنا عمي
(١) الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان (١٣١١).
(٢) المصدر السابق (١٣١٣).
(٣) المستدرك (١٧٦/١-١٧٧).
(٤) الأباطيل (٣٣٥/١-٣٣٦) رقم (٣١٨).
(٥) سنن أبي داود (٢٣٨/١) رقم (٣٣٣).
(٦) الأحكام الوسطى لعبد الحق الإشبيلي (٢٢٠/١).
٣٣٩
...
باب في المجروح تصيبه الجنابة
القاسم بن يحيى بن عطاء بن مقدم ثنا هشام ابن حسان عن ابن سيرين عنه(١). انتهى
كلامه، وفيه نظر من وجوه:
الأول: تقريره قول أبي محمد عن الترمذي: (حسن)، والذي رأيت في عدة من
نسخه: (حسن صحيح)، كما قدمته أولا، وكذا ذكره ابن عساكر في الأطراف،
والشيخان ضياء الدين المقدسي في أحكامه، والمنذري في مختصره.
الثاني: عصبه الجهالة برأس ابن بجدان وهو منه أمر عجيب، وذلك أنه كثير
النظر في كتاب العجلي، وهو قد قال في تاريخه: بصري تابعي ثقة.
ولذلك ذكره أبو حاتم البستي(٢)، وأما قول الإمام أحمد فيه، وسأله عنه ابنه
عبد الله: عمرو معروف؟ قال: لا، فليس تضعيفًا له.
الثالث: ما ذكره من الاختلاف في اسمه، ونسبه كله يرجع إلى شيء واحد، والله
أعلم، وفيه أيضاً خلاف لم يذكره، وهو عمرو بن محجن أو محجن(٣)، وقيل: عن
محجن أو أبي محجن فيما ذكره الخطيب في كتاب الفصل للوصل(٤)، وأما من
قال: عن أبي المهلب فجوابه لو كان صحيحًا لكان الآتي به هو موسى بن خلف أبو
خلف العمي القائل فيه أبو حاتم: كثرت روايته للمناكير، فاستحق الترك، ولما روى
أبو القاسم حديث مقدم في الأوسط، قال: لم يرو هذا الحديث عن محمد بن
سيرين إلا هشام، ولا عن هشام إلا القاسم بن يحيى، تفرد به مقدم(٥)، وحديث
حكيم بن معاوية عن عمه أنه سأل النبي وقلقه قال: إني أعزب (٦) عن الماء، ومعي
(١) بيان الوهم والإيهام (٣٢٧/٣) رقم (١٠٧٣)، (٢٦٦/٥) رقم (٢٤٦٤)، والحديث الأخير عند
البزار كما في كشف الأستار (٣١٠).
(٢) يعني في كتابه الثقات.
(٣) كذا بالأصل، وفي الفصل: (أبو محجل).
(٤) الفصل للوصل (٩٤٦/٢-٩٤٧).
(٥) المعجم الأوسط للطبراني (١٣٣٣).
(٦) كذا بالأصل، وفي سنن البيهقي: إني أغيب عن الماء، وهما متقاربان في المعنى.