النص المفهرس
صفحات 541-560
٥٤١ - كتاب الأدب ٢٣ - باب فِي تَنْزِيلِ النّاسِ مَنازِلَهُمْ ٤٨٤٢ - حَدَّثَنا يَجْيَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ وابْنُ أَبِي خَلَفٍ، أَنَّ يَخْيَى بْنَ اليَمانِ أَخْبَرَهُمْ عَنْ سُفْيانَ، عَنْ حَبِيبٍ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ أَبِي شَبِيبٍ أَنَّ عَائِشَةَ عَلَيْهَا السَّلامُ مَرَّ بِها سائِلٌ فَأَعْطَتْهُ كِسْرَةً، وَمَرَّ بِها رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيابٌ وَهَيْئَةٌ فَأَقْعَدَتْهُ فَأَكَلَ، فَقِيلَ لَها فِي ذَلِكَ، فَقَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّيهِ: (( أَنْزِلُوا النّاسَ مَنازِلَهُمْ)). قالَ أَبُو دَاوُدَ: وَحَدِيثُ يَخْيَى مُخْتَصَرٌ. قالَ أَبُو دَاوُدَ: مَيْمُونٌ لَمْ يُدْرِكْ عائِشَةَ(١). ٤٨٤٣ - حَدَّثَنَا إِسْحاقُ بْنُ إِبْراهِيمَ الصَّوّافُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ ◌ُمْرَانَ، أَخْبَرَنا عَوْفُ بْنُ أَبِي جَمِيلَةَ، عَنْ زِيادِ بْنِ مِخْراقٍ، عَنْ أَبِي كِنانَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَري قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ وَّهَ: ((إِنَّ مِنْ إِجْلالِ اللهِ إِكْرامَ ذي الشَّيْبَةِ المُسْلِمِ وَحامِلٍ القُرْآنِ غَيْرِ الغالي فِيهِ والجافي عَنْهُ، وَإِكْرامَ ذي السُّلْطانِ المُقْسِطِ))(٢). باب في تنزيل الناس منازلهم [٤٨٤٢] (ثنا يحيى بن إسماعيل و) محمد بن أحمد (ابن أبي خلف) محمد البغدادي، شيخ مسلم. (أن يحيى بن اليمان) الكوفي، صدوق (أخبرهم عن سفيان) الثوري (عن حبيب(٣) بن أبي ثابت) قيس بن دينار (١) رواه أبو يعلى في («مسنده)) (٤٨٢٦)، وأبو نعيم في ((الحلية)) ٣٧٩/٤، والبيهقي في «شعب الإيمان)) (١٠٤٨٩). (٢) رواه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٣٥٧)، والبزار ٧٤/٨ (٣٠٧٠)، والبيهقي ٨/ ١٦٣ من طريق أبي داود. وحسنه الألباني في ((المشكاة)) (٤٩٧٢). (٣) فوقها في (ل): (ع). ٥٤٢ الأسدي الكاهلي. (عن ميمون بن أبي شبيب) الربعي، أبو نصر الكوفي، صدوق. (أن عائشة رضي الله عنها مر بها سائل) حمل بعضهم السائل على طالب العلم، ولهذا قيل (مر بها سائل) (فأعطته (١)) فيه مشروعية إطعام المار بالطريق وإن لم يسأل، لا سيما إذا كان الممرور به يأكل (كسرة) بكسر الكاف، وهي القطعة المكسورة من الخبز، والجمع كسر بكسر الكاف، مثل سدرة وسدر. وفيه فضيلة إطعام الفقير وغيره الكسرة من الخبز ولو بغير أدم إذا لم يتيسر غيرها، وكذا التمرة الواحدة والزبيبة والبصلة ونحو ذلك، ولا يمتنع من إعطاء شيء من ذلك احتقارًا له، فقد ورد ذم ذلك وحصول الإثم عليه. (ومر بها رجل عليه ثياب) فاخرة (وهيئة) بزة في حسن صورته وتنظيف ثيابه وسمته في المشي والحركة ونحو ذلك. (فأقعدته) فيه أن من سنة الضيافة أن يقعد الضيف للأكل ولا يدعه يأكل قائمًا، وكذا الأفضل إقعاده للأكل دون إعطائه ما يأكله في بيته، فإن الأكل في بيت صاحب الطعام فيه فضيلة وبركة لصاحبه. (فأكل) فيه طواعية الضيف لصاحب الطعام في جلوسه إذا أمره بالجلوس، وأكله إذا أمره، وقد يؤخذ منه أن وضع الطعام كاف في الإذن، إذ ليس في الحديث أنها أذنت له في الأكل، وفيه أن الضيف يأكل وإن كان ممتلئا من الطعام، وفيه جواز الأكل للرجل من بيت المرأة وإن كان صاحب المنزل غائبًا إذا لم تكن ريبة ولا خوف (٢) من (١) بعدها في (ل)، (م): فأطعمته. وعليها: خـ (٢) في (ل)، (م): خوفا. ولعل المثبت هو الصواب. ٥٤٣ --- كتاب الأدب مفسدة في الدين والدنيا، وفيه الأكل من طعام أهل الخير للتبرك؛ إذ كانت عائشة ممن يتبرك بها. وفيه أكل الرئيس من طعام الفقراء وإن كان دون حقه ودون ما يليق به تواضعًا لله تعالى؛ إذ قد مر الحسن بن علي بقوم من المساكين الذين يسألون الناس على قارعة الطريق، وقد نثروا كسرًا على الأرض في الرمل وهم يأكلون، وكان على بغلته فسلم عليهم، فقالوا له: هلم الغداء يا ابن رسول الله. فقال: نعم، إن الله لا يحب المتكبرين. فنزل وقعد معهم على الأرض وأكل، ثم سلم عليهم فركب، وقال: قد أجبتكم فأجيبوني(١). (فقيل لها في ذلك) أي: في إطعامها الأول كسرة ولم تجلسه، وأكرمت الثاني بالجلوس عندها وتقديم الطعام له، ولم تسو بينهما في الإكرام كما في الخصمين عند الحاكم. (فقالت: قال رسول الله (وَ له) فيه أن العالم إذا فعل شيئًا يخفى أمره وسئل عن ذلك أن يستدل بالحديث النبوي؛ إذ هو من أقوى الحجج الشرعية، وهو أبلغ من ذكر الحكم (٢) دون دليل. (أنزلوا الناس) هذه الرواية تدل على أن الأرجح في رواية مسلم: أمرنا رسول الله و لو أن ننزل الناس منازلهم(٣). أن يقرأ: (نُنْزِل) بضم النون الأولى وسكون الثانية، مضارع أنزل، والرواية المشهورة: نُنَزِّل بضم الأولى وفتح الثانية وتشديد الزاي، ويدل على هذا تبويب المصنف: (باب تنزيل الناس) فإنه مصدر نزَّل (١) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) ١٤/ ١٨١. (٢) في (م): الحكمة. (٣) ((مقدمة مسلم)) ص٥ من رواية عائشة، قال: ذكر عن عائشة .. ٥٤٤ بالتشديد، وهما لغتان نزل وأنزل(١) (منازلهم) والمراد بالحديث الحض على مراعاة مقادير الناس ومراتبهم ومناصبهم وتفضيل بعضهم على بعض في الإكرام في المجالس وفي القيام والمخاطبة والمكاتبة وغير ذلك من الحقوق. قال النووي: وهذا في بعض الأحكام أو أكثرها، وقد سوى الشرع بينهم في القصاص والحدود وأسبابها(٢). انتهى. وفي التعازير يعزر كل أحد بما يليق به، وقد ميز الشرع بينهم بقوله: ((ليلني منكم ذوو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم))(٣) فيقدم في القرب منه الأفضل فالأفضل من البالغين والعقلاء إكرامًا لهم، فيعامل الإمام كل أحد بما يلائم منصبه في الدين والعلم والشرف والمرتبة، فإن الله أعطى (٤) کل ذي حق حقه. قال الإمام مسلم قبل هذا الحديث(٥): فلا يقصر بالرجل العالي القدر عن درجته، ولا يرفع متضع القدر في العلم فوق منزلته، ويعطى كل ذي حق حقه، من قول الله تعالى: ﴿وَفَوْقَ ككُلّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (٦) وقد أخذ المحدثون من هذا أن عليهم أن يبدلوا وسعهم في تبيين رجال الأسانيد ونقد رجالهم وتمييز صالحهم من طالحهم. (قال:) المصنف (وحديث يحيى) بن إسماعيل كذا صوابه، وعند اللؤلؤي: ابن اليمان. (مختصر) كان أقتصر فيها على قوله: (أنزلوا (١) مكانها بياض في (م). (٢) ((شرح مسلم)) ٥٥/١. (٣) رواه مسلم (٤٣٢، ٤٣٢ م) من حديث أبي مسعود وعبد الله بن مسعود مرفوعا. (٤) ، (٥) ساقطة من (م). (٦) مقدمة ((صحيح مسلم)) ص ٤-٥. ٥٤٥ - كتاب الأدب الناس منازلهم) دون ما قبله من القصة. و(قال:) المصنف (ميمون) بن أبي شبيب (لم يدرك) زمن (عائشة رضي الله عنها) وعلى هذا فالحديث منقطع، وقد ظهر للمصنف من هذا الحديث ما لم يظهر لمسلم، ولو ظهر له ذلك لما استدل به، إلا أن يكون يرى العمل بالمراسيل، ولفظ مسلم: ذكر عن عائشة(١)، وهو مشعر بضعفه، ولفظه ليس جازمًا بصحته، وبالنظر إلى أنه أورده إيراد الأصول لا إيراد الشواهد، ومع ذلك فقد حكم الحاكم في كتاب ((علوم الحديث)) بصحته (٢)، ورواه البزار في ((مسنده)) وقال: هذا الحديث لا يعلم عن النبي و ◌َل﴿ إلا من هذا الوجه، وقد روي عن عائشة من غير هذا الوجه موقوفًا. قال النووي: وقوله (ميمون لم يدرك عائشة) فيه نظر، فإنه كوفي متقدم قد أدرك المغيرة بن شعبة، ومات المغيرة قبل عائشة. وعند التعاصر مع إمكان التلاقي كان في ثبوت الإدراك، فلو ورد عن ميمون أنه قال: لم ألق عائشة استقام لأبي داود الحديث بعدم إدراكه، وهيهات ذلك. هذا كلام ابن الصلاح(٣). قال شيخنا ابن حجر (٤): مات سنة ثلاث وثمانين في وقعة الجماجم(٥). [٤٨٤٣] (ثنا إسحاق بن إبراهيم) بن محمد الباهلي (الصواف) شيخ (١) السابق. (٢) ((معرفة علوم الحديث)) ص٩٥. (٣) أنظر: ((الشذا الفياح)) ٢/ ٥٣٧. (٤) ورد في هامش (ل): حش: هو كلام ابن حبان نقله عنه المزي في (تهذيبه)) وتبعه. (٥) ((تقريب التهذيب)) (٧٠٤٦). ٥٤٦ البخاري (حدثنا عبد الله بن حمران) بن عبد الله بن حمران الأموي البصري، أخرج له مسلم. (ثنا عوف بن أبي جميلة (١)) يقال: أسمه معاوية بن قرة ولم يثبت، بل ثبت أنه القرشي، قال المنذري: ذكر غير واحد أنه سمع من أبي موسى(٢) (عن أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري مصرعنه. (قال رسول الله وَله: إن من إجلال الله تعالى) أي: من تعظيمه وتبجيله (إكرام ذي الشيبة) البيضاء (المسلم) أي: تعظيم الشيخ الكبير الذي عمره في الإسلام والإيمان، وطعمه في طفوليته وغذيه واستمر عليه حتى طعن في السن [حتى أبيضت شيبته](٣) في الإيمان، فتعظيمه وتوقيره في المجالس وتقديمه في الصلاة على غيره وفي اللحد في القبر والرفق به والشفقة عليه من كمال تعظيم الله لحرمته عند الله تعالى. (وحامل القرآن) أي: قارئه، سماه حاملًا له لما يحمل عليه (٤) في حفظه من الدرس والمشقة، وفي تفهمه وتدبره والعمل بما فيه، فهو حامل لمشاق كثيرة تزيد على الأحمال الثقيلة (غير الغالي فيه) يعني: المتجاوز للحد في التشدد في العمل به وتتبع ما خفي منه واشتبه من معانيه وانكشف عن علله الدقيقة التي لا يصل إليها عقله بما يبتدعه في الدین ليضل ويضل غيره، ويجاوز حدود قراءته ومخارج حروفه ومدوده. (و) لا (الجافي عنه) والجافي أي: التارك له البعيد عن تلاوته (١) كذا في النسخ، وبعدها في ((سنن أبي داود)): (عن زياد بن مخراق، عن أبي كنانة). (٢) ((مختصر سنن أبي داود)) ٧/ ١٩١. (٣) ما بين المعقوفتين ساقط من (م). (٤) من (م). ٥٤٧ - كتاب الأدب والعمل بما فيه من الجفاء، وهو البعد عن الشيء، فجفاه إذا بعد عنه، وفي الحديث: ((اقرؤوا القرآن، ولا تجفوا عنه)) (١) أي: تعاهدوه ولا تبعدوا عن تلاوته حتى تنسوه، لا سيما من أعرض عنه بكثرة النوم والبطالة والإقبال على الدنيا والشهوات، بل ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذ الناس نائمون، وبنهاره إذ الناس مفطرون، وببكائه إذ الناس يضحكون، وبصمته إذ الناس يخوضون، فما أقبح بحامل القرآن أن يتلفظ(٢) بأحكامه وهو لا يفهم ما يقول! فما حال مثل هذا إلا كمثل الحمار يحمل أسفارًا. (وإكرام ذي السلطان المقسط) بضم الميم(٣). أي: العادل في حكمه بين رعيته، وروى أبو عبيد بسنده في ((فضائل القرآن)) عن طلحة بن عبيد الله بن كريز: قال رسول الله وَله: ((إن الله يحب معالي الأخلاق، وإن من إعظام جلال الله إكرام ثلاثة: الإمام المقسط، وذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير المغالي فيه ولا الجافي عنه))(٤). (١) رواه أحمد ٣٢٨/٣ وأبو يعلى ٨٨/٣ (١٥١٨) والطبراني في ((الأوسط)) ٨٦/٣ (٢٥٧٤) من حديث عبد الرحمن بن شبل. ورواه الطبراني في ((الكبير)) ١٩/ ٤٠٧ (٩٨٥) من حديث أبي هريرة. وضعف الدارقطني في ((العلل)) ٢٧٨/٩ حديث أبي هريرة، وصحح حديث عبد الرحمن بن شبل. وقال الهيثمي ٤/ ١٧٠ : رواه أحمد وأبو يعلى باختصار، والطبراني في ((الكبير)) و((الأوسط)) ورجاله ثقات. وصححه الألباني في ((الصحيحة)) (٢٦٠). (٢) في (م): يتغلظ. (٤) ((فضائل القرآن)) (٥٢). (٣) في (م): أوله. ٥٤٨ ٢٤ - باب فِي الرَّجُلِ يَجْلِسُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ بِغَيْرِ إِذْنِهِما ٤٨٤٤ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ -المغْنَى- قالا: حَدَّثَنَا حَمّادٌ، حَدَّثَنَا عَامِرُ الأَخْوَلُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ -قالَ ابن عَبْدَةَ-، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّ قالَ: ((لا يُجْلَسُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ إِلاَّ بِإِذْنِهِما))(١). ٤٨٤٥ - حَدَّثَنا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ المَهْري، أَخْبَرَنا ابن وَهْبٍ، قالَ: أَخْبَرَنِي أُسامَةُ ابْنُ زَيْدِ اللَّيْثِي، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ رَسُولٍ اللهِ وََّ قالَ: ((لا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ أَثْنَيْنِ إِلَّ بِإِذْنِهِما))(٢). باب في الرجل يجلس بين الرجلين بغير إذنهما [٤٨٤٤] (ثنا محمد بن عبيد) بن حساب الغبري البصري، شيخ مسلم (وأحمد بن عبدة الضبي، قالا: ثنا حماد) بن زيد (ثنا عامر) بن عبد الواحد (الأحول) أخرج له مسلم (عن عمرو بن شعيب قال) أحمد (ابن عبدة: عن أبيه، عن جده) تقدم. (أن رسول الله وَّه قال: لا يُجلَس) بضم أوله، مبني للمجهول (بين رجلين) وكذا المرأة بين المرأتين، والصبي بين صبيين (إلا بإذنهما) الظاهر أن النهي عن الجلوس بين الاثنين بغير إذنهما يوقع في أنفسهما انتقاصهما واحتقارهما؛ تفاؤلا بحصول الفرقة بينهما؛ إذ فرق بينهما (١) رواه الترمذي (٤٩٥٢)، وأحمد ٢١٣/٢، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (١١٤٢). وحسنه الألباني في ((الصحيحة)) (٢٣٨٥). (٢) رواه الترمذي (٤٩٥٢)، وأحمد ٢١٣/٢، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (١١٤٢). وحسنه الألباني في «الصحيحة» (٢٣٨٥). ٥٤٩ = كتاب الأدب في الجلوس، وربما أحتاجا إلى كلام فيسمع كلامهما والسر الذي بينهما، ويؤدي ذلك إلى التنافر والتهاجر، فنهي عن ذلك إلا بإذنهما، ويحتمل أن يكون ذلك كان في أول الإسلام حين كان المنافقون يجالسونهم ويخشى منهم الاطلاع على أحوال المؤمنين. [٤٨٤٥] (ثنا سليمان بن داود المهري) بفتح الميم، أبو الربيع المصري، ثقة فقيه (ثنا) عبد الله (ابن وهب، أخبرني أسامة بن زيد الليثي) و(أخر له)(١) مسلم (عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن) جده محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، فروايته هنا عن جده المجازي (عبد الله بن عمرو) بن العاص صار السند متصلا، وارتفع أحتمال الإرسال بأن يروي عن جده الحقيقي محمد بن عبد الله. (عن رسول الله وَلي قال: لا يحل لرجل) ولا لامرأة (أن يفرق بين أثنين) هذا الحديث أعم مما قبله؛ فإنه يدخل فيه الفرقة الحقيقية بين الجسدين، والمعنوية بأن ينقل بينهما كلاما يوجب التهاجر بينهما والمعاداة بما نقل بينهما من النميمة، وتدخل فيه التفرقة بين الجالسين والقائمين والمضطجعين، وكذا إذا اختلف في القيام والجلوس والاضطجاع (إلا بإذنهما) بصريح اللفظ والإشارة المفهمة، والظاهر أنه إذا علم أو غلب على ظنه رضاهما كان حكمه حكم الإذن، فإن شك فلا. (١) في الأصول: أخرجه. ٥٥٠ ٢٥ - باب فِي جُلُوسِ الرَّجُلِ ٤٨٤٦ - حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِبْراهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَني إِسْحاقُ بنُ مُحَمَّدٍ الأَنَّصاري، عَنْ رُبَيْحِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِي أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ كَانَ إِذا جَلَسَ أَخْتَبَى بِيَدِهِ. قالَ أَبُو دَاوُدَ: عَبْدُ اللهِ بْنُ إِبْراهِيمَ شَيْخٌ مُنْكَرُ الحَدِيثِ(١). ٤٨٤٧ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قالا: حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْنُ حَسَّانَ العَنْبَرَي قالَ: حَدَّثَتْنِي جَدَّتاي صَفِيَّةُ وَدُحَيْبَةُ ابنتا عُلَيْبَةَ - قَالَ مُوسَى: بِنْتُ حَرْمَلَةَ - وَكانَتا رَبِيبَتَي قَيْلَةَ بِنْتِ مَخْرَمَةَ، وَكَانَتْ جَدَّةَ أَبِيهِمَا أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُما أَنَّهَا رَأَتِ النَّبِيِ نَّهِ وَهُوَ قَاعِدٌ القُرْفُصَاءَ: فَلَمَّا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَ المُخْتَشِعَ - وقالَ مُوسَى: المُتَخَشِّعَ في الجِلْسَةِ - أُزْعِدْتُ مِنَ الفَرَقِ(٢). باب في جلوس الرجل [٤٨٤٦] (ثنا سلمة بن شبيب) روى عنه الجماعة سوى البخاري (حدثنا عبد الله بن إبراهيم) الغفاري المدني (حدثني إسحاق بن محمد الأنصاري) مجهول، تفرد عنه الغفاري. (عن رُبيح) بضم الراء المهملة وفتح الباء الموحدة وسكون المثناة (١) رواه الترمذي في ((الشمائل المحمدية)) (١٣٠)، وأبو الشيخ في ((أخلاق النبي وَّ)) (٧٨٢)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) ٣٣٤/٣ . وصححه لغيره الألباني في ((السلسلة الصحيحة)) (٨٢٧). (٢) رواه البخاري في ((الأدب المفرد)) (١١٧٨)، والترمذي في ((الشمائل)) (١٢٧)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) ٣٣٣/٣. وصححه الألباني في ((صحيح الأدب المفرد)) (٩٠٢). ٥٥١ = كتاب الأدب تحت(١) بعدها حاء مهملة (بن عبد الرحمن) بن أبي سعيد الخدري، قال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به(٢). قال المنذري: قال محمد بن عبد الله بن عمار: ثقة(٣). (عن أبيه) عبد الرحمن (عن جده أبي سعيد الخدري رضيالله أن رسول الله وَليو كان إذا جلس) مع أصحابه في غير الصلاة (احتبى) والاحتباء أن يضم الإنسان رجليه إلى بطنه يجمعهما بثوب يحيط بذلك مع ظهره ليشد ساقيه إلى بطنه، وهي جلسة الأعراب، ومنه الحديث: ((الاحتباء حيطان العرب)) (٤) أي: ليس في البراري حيطان يستندون إليها، فإذا أرادوا أن يستندوا أحتبوا؛ لأن الأحتباء يمنعهم من السقوط ويصير لهم كالجدار، والثوب الذي يحتبون(٥) به يسمى الحبوة، وهذه الحبوة تستعملها الصوفية؛ لأنها تمنعهم من النوم على الأرض مضطجعين؛ فإنهم ينامون محتبين؛ ليكون نومهم خفيفًا لا يستغرقون فيه ولا ينتقض وضوؤهم إذا ناموا مع الاحتباء؛ لتمكن مقعدهم من الأرض. (بيده) أي: بيديه جميعًا عوضًا عن الثوب، كما جاء في البخاري عن ابن عمر: رأيت رسول الله وَ له بفناء الكعبة محتبيًا بيديه(٦). وفي هذا بيان تقلله ◌َّ و من الدنيا وشدة عيشه وتخشنه، وتعوضه عن (٢) ((الكامل)) ٤/ ١١٢. (١) ساقطة من (م). (٣) الذي في ((مختصر سنن أبي داود)) ٧/ ١٩٢: قال الإمام أحمد: ربيح ليس بالمعروف. (٤) رواه الرامهرمزي (١١٧)، والقضاعي في ((الشهاب)) ١/ ٧٥ (٦٨) عن معاذ بن جبل مرفوعا. (٥) في (ل، م): يحتبوا. والمثبت هو الصواب. (٦) ((صحيح البخاري)) (٦٢٧٢). ٥٥٢ الحبوة التي تصنع في هذا الزمان بأنواع النقوش والتحاريم والمغالاة في حسنها بيديه الكريمتين، كما كان عيسى التقليئا يتعوض عن المشط بأصابع يديه يخلل بهما لحيته، وكانت الصحابة ﴿ يستعملون الآلة الواحدة بمنافع كثيرة، فيستغنون بها عن آلات كثيرة، وكل هذا تقلل من الدنيا، ((كن في الدنيا كأنك غريب)) [كما في الحديث] (١)؛ إذ الغريب المسافر يتقلل من الآلات ما أمكنه؛ لثقل حمله على الدواب، والله الموفق. (قال) المصنف (عبد الله بن إبراهيم) بن أبي عمرو (منكر الحديث). وقال ابن حبان: يضع الحديث(٢). وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه(٣). [٤٨٤٧] (حدثنا حفص بن عمر) الحوضي، شيخ البخاري (وموسى ابن إسماعيل، قالا: ثنا عبد الله بن حسان) أبو الجنيد (العنبري) البصري، أخرج له البخاري في كتاب ((الأدب)). (حدثني جدتاي صفية ودحيبة) بضم الدال وفتح الحاء المهملتين وسكون ياء التصغير ثم موحدة (ابنتا عليبة) بضم العين المهملة وبعد ياء التصغير باء موحدة، العنبرية، مقبولة (قال موسى) بن إسماعيل: هي (بنت حرملة) قال الذهبي: جدها حرملة(٤). لا أبوها، وهو حرملة ابن عبد الله بن إياس التميمي، ذكره البخاري في كتاب ((الأدب))(٥)، (١) ساقط من (م)، والحديث رواه البخاري (٦٤١٦) من حديث ابن عمر. (٢) نسبه في ((المجروحين)) ٣٧/٢ إلى الوضع، وانظر: ((تهذيب الكمال)) ٢٧٥/١٤. (٤) ((الكاشف)) ٢/ ٥٠٧ (٦٩٩٠). (٣) ((الكامل)) ٣١٩/٥. (٥) ((الأدب المفرد)» (٢٢٢). ٥٥٣ - كتاب الأدب وهو صحابي (وكانتا ربيبتي قيلة) بفتح القاف وسكون التحتانية (بنت مخرمة) العنبرية، وقيل: (وكانت جدة أبيهما) وربتهما وحضنتهما. (أنها أخبرتهما أنها رأت النبي وَّر) وقد مر طرف من هذا الحديث في إقطاع الأرضين من كتاب الخراج والإمارة، بلفظ: أنها أخبرتهما قالت: قدمنا على رسول الله وَ له ... الحديث بطوله(١)، قال في ((الاستيعاب)): قد شرح حديثها أهل العلم بالغريب، وهو حديث حسن (٢). (وهو قاعد القرفصاء) بضم القاف والفاء، قال الفراء: إذا ضممت مددت، وإذا كسرت قصرت، وهي جلسة المحتبي بيديه، قال البخاري في باب الاحتباء باليد: وهو القرفصاء(٣). وهي جلسة المستوفز، وهي أن يجلس على أليتيه ويلصق فخذيه ببطنه، ويحتبي بيديه يضعهما على ساقيه كما يحتبي بالثوب، تكون [يداه مكان](٤) الثوب. قالت: (فلما رأيت رسول الله وملي المختشع) بضم الميم وسكون الخاء، وهو معرفة في معنى النكرة، أي: رأيته مختشعًا. (وقال موسى) بن إسماعيل (المتخشع) بتقديم التاء على الخاء، وهما بمعنى واحد، يقال: خشع واختشع وتخشع، والخشوع أثر الخوف والسكون والخضوع لله، وأصله النظر إلى الأرض وخفض الصوت. قال الليث: الخشوع قريب المعنى من الخضوع، إلا أن الخضوع في البدن، والخشوع في القلب والبصر والصوت(٥). (١) تقدم برقم (٣٠٧٠). (٣) ((البخاري)) قبل حديث (٦٢٧٢). (٥) أنظر: ((إكمال المعلم)) ٥٦٣/٨. (٢) ((الاستيعاب)) ٤٥٩/٤. (٤) مكانها في (م) بياض بمقدار كلمة. ٥٥٤ (في الجلسة) بكسر الجيم هي الهيئة، والجلسة بالفتح: المرة الواحدة من الجلوس (أرعدت) بضم الهمزة مبني لما لم يسمَّ فاعله يعني: فرائصي، أي: أرجفت واضطربت (من الفرق) بفتح الفاء والراء، أي: من شدة الخوف والفزع، وفيه ما كان عليه رسول الله وَلّر، وجمع فيه من حسن السمت وكثرة الخشوع والخضوع والأخلاق الجميلة، حتى كان يخافه ويرتجف منه من رآه من شدة المهابة التي أعطيها وأوقعها الله في قلوب من شاهده، حتى كان يسكِّنهم، فلقد قال للذي أرعدت [فرائصه](١) عند رؤيته: ((إني ابن أمرأة تأكل القديد)) (٢) إلى غير ذلك، وكذا مهابته إذا ذكر، فقد كان جعفر بن محمد كثير الدعاء والتبسم، فإذا ذُكر عنده النبي ◌َّ أصفر لونه [وتغير لونه](٣)، وما كان يتحدث عن رسول الله وَّه إلا على طهارة. وكان عبد الرحمن بن القاسم إذا ذكر عنده النبي وَّ يُنظر إلى لونه كأنه ينزف منه الدم، ويجف لسانه في فمه (٤). (١) زيادة يقتضيها السياق. (٢) رواه الطبرانى فى ((الأوسط)) ٦٤/٢ (١٢٦٠)، والحاكم ٢/ ٤٦٧ من حديث جرير ابن عبد الله. قال الهيثمي في ((المجمع)) ٩/ ٢٠: رواه الطبراني في ((الأوسط))، وفيه من لم أعرفهم. ورواه ابن ماجه (٣٣١٢)، وأبو الشيخ في ((أخلاق النبي (١٣٢)، والحاكم ٤٨/٣ من حديث أبي مسعود. قال البوصيري في «زوائده)) (١٠٨٤): هُذا إسناد صحيح رجاله ثقات. وانظر: ((السلسلة الصحيحة)) (١٨٧٦). (٣) ساقطة من (م). (٤) انظر: ((الشفا بتعريف حقوق المصطفى وَالٍ)) ٤٢/٢. ٥٥٥ = كتاب الأدب ٢٦ - باب فِي الجِلْسَةِ المَكْرُوهَةِ ٤٨٤٨ - حَدَّثَنا عَلِي بْنُ بَحْرٍ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنا ابن جُرَيْجٍ، عَنْ إِبْراهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ، عَنْ أَبِيهِ الشَّرِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ: مَرَّ بي رَسُولُ اللهِ وَلّهِ وَأَنَا جالِسُ هَكَذَا وَقَدْ وَضَعْتُ يَدِي اليُسرىُ خَلْفَ ظَهْري واتَّكَأْتُ عَلَى أَلْيَةِ يَدِي فَقالَ: ((أَتَقْعُدُ قِعْدَةَ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ))(١). باب [الجلسة المكروهة](٢) [٤٨٤٨] (حدثنا علي بن بحر) بفتح الموحدة وسكون الحاء المهملة، ابن البَرِّي بفتح الموحدة وتشديد الراء المهملة المكسورة، حافظ، ثقة، فارسي الأصل (حدثنا عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق، أحد الأعلام. (ثنا) عبد الملك (ابن جريج، عن إبراهيم بن ميسرة) المكي (عن عمرو بن الشريد) بفتح الشين المعجمة وكسر الراء المخففة، أخرج له الشيخان (عن أبيه الشريد بن سويد) الثقفي، قيل: إنه من حضرموت، فخالف ثقيفًا، وشهد الحديبية. روى عمرو بن الشريد [عن أبيه](٣) قال: أستنشدني النبي ◌َّ من شعر أمية بن أبي الصلت(٤). (قال: مر بي النبي ◌َّ وأنا جالس هكذا) ثم بَيَّن جلسته التي كان (١) رواه أحمد ٣٨٨/٤، وابن حبان (٥٦٧٤). وصححه الألباني في (صحيح الترغيب والترهيب)) (٣٠٦٦). (٢) بياض في (م). (٣) ما بين المعقوفتين ليس في الأصول، وأثبتناه من ((صحيح مسلم)). (٤) رواه مسلم (٢٢٥٥). ٥٥٦ عليها (وقد وضعت يدي) بسكون ياء المتكلم، ويجوز تحريكها بالفتح (اليسرى خلف ظهري واتكأت) بهمزة ساكنة بعد الكاف (على ألية) بفتح الهمزة وسكون اللام (يدي) بكسر الدال، وألية اليد هي اللحمة التي في أصل الإبهام، والصرة هي اللحمة التي في أصل الخنصر ومنه الحديث: فتفل في عين علي ومسحها بألية إبهامه(١). وحديث البراء: السجود على أليتي الكف(٢). أراد ألية الإبهام وصرة الخنصر فغلب، کالقمرين والعمرين. (قال: أتقعد) استفهام إنكار وتوبيخ (قعدة) بكسر القاف الهيئة والحالة، وأما فتح القاف فللمرة الواحدة من القعود (المغضوب عليهم؟) يحتمل أن يكون الألف واللام للعهد المذكور في قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ (٣)، وهم اليهود، فلعل هذِه القعدة من عادتهم، ويحتمل أن يكون المغضوب عليهم هم الغاضبين لله تعالى، ويحتمل أن تكون هذه القعدة قعدة المتكبرين أو المبتدعين، ويحتمل غير ذلك. (١) انظر: ((الغريبين)) ٩٩/١، ((الفائق في غريب الحديث والأثر)) ٥٣/١، ((غريب الحديث)) لابن الجوزي ٣٩/١، ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) ٦٤/١. (٢) رواه أحمد ٢٩٤/٤، وابن خزيمة ٣٢٣/١ (٦٣٩) والحاكم ٢٢٧/١، والبيهقي ١٠٧/٢ مرفوعا. قال الهيثمي في ((المجمع)) ١٢٥/٢: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح. وانظر: ((الصحيحة)) (٢٩٦٦). (٣) الفاتحة: ٧. ٥٥٧ - كتاب الأدب ٢٧ - باب النَّهِي عَنِ السَّمَرِ بَعدَ العِشاءِ ٤٨٤٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عَوْفٍ، قالَ: حَدَّثَنِي أَبُو اِنْهالِ، عَنْ أَبِي بَرْزَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهَ يَنْهَى عَنِ النَّوْمِ قَبْلَها والَحَدِيثِ بَعْدَها(١). باب النهي عن السمر بعد العشاء [٤٨٤٩] (حدثنا مسدد، حدثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن عوف) الأعرابي (حدثني أبو (٢) المنهال) (عبد الرحمن بن مطعم المكي)(٣) (عن أبي برزة) نضلة بن عبيد الأسلمي. (قال: كان رسول الله وَلقر ينهى عن النوم قبلها) قال ابن الصلاح: كراهة النوم تعم سائر الأوقات(٤). وكأن مراده بعد دخول الوقت كما يشعر به كلامهم في العشاء، ويحتمل أن يكره بعد المغرب وإن لم يدخل وقت العشاء؛ لخوف الاستغراق أو التكاسل، وكذا قبيل الغروب لا سيما على الجديد، فيظهر تحريمه بعد الغروب، ويستثنى من الكراهة إذا غلبه النوم أو النعاس مع امتداد الوقت. (والحديث بعدها) أي: بعد فعل العشاء؛ لأن الحديث بعدها قد (١) رواه البخاري (٥٤٧)، ومسلم (٦٤٧). (٢) فوقها في (ل): (ع). (٣) كذا في النسخ، وهو خطأ، والصواب: (سيار بن سلامة الرياحي)؛ ذاك رجل آخر يكنى أبا المنهال أيضًا. أنظر: ((تهذيب الكمال)) ٤٣٧/٢٢ (٤٥٤٥)، ٣٠٨/١٢ (٢٦٦٧)، ٤٠٧/٢٩ (٦٤٣٧). (٤) ((فتاوى ابن الصلاح)) ص٢٢٩. ٥٥٨ يستغرق ويطول، فيشتغل عن قيام الليل وصلاة الصبح أو غيره من مصالح الآخرة، وقيل: الكراهة لئلا يلغو في الكلام فيختم عمله بسيئ، والنوم أخو الموت. قال القرطبي: ويظهر في كراهته أن الله جعل الليل سكنًا أي: يسكن فيه، فإذا تحدث الإنسان فيه فقد جعله كالنهار، وخالف حكمة الله تعالى(١). وقيد أصحابنا الكراهة بحديث لا خير فيه، أما ما فيه خير كمذاكرة العلم وأحاديث الصالحين والحديث مع الضيف للمؤانسة ونحو ذلك. قال النووي: والمراد بالحديث الذي يكره بعدها ما كان مباحًا في غير هذا الوقت، أما المكروه في غيرها فهو هنا أشد كراهة(٢). (١) ((المفهم)) ٢٧١/٢. (٢) ((المجموع)) ٤٤/٣. ٥٥٩ - كتاب الأدب ٢٩ - باب في التَّناجي (٤٨٥ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعاوِيَةَ -يَعْني: ابن سَلَمَةَ-، عَنِ الأَغْمَشِ، ح وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا الأَغْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّه: (( لا يَنْتَجِي أَثْنَانِ دُونَ الثّالِثِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ))(١). ٤٨٥٢ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا الأَغْمَشُ، عَنْ أَبِي صالِحٍ، عَنِ ابن عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ مِثْلَهُ. قَالَ أَبُو صالِحٍ: فَقُلْتُ لائِنِ عُمَرَ: فَأَزْبَعَةُ؟ قالَ: لا يَضُرُّكَ(٢). باب في التناجي [٤٨٥١] (ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير (عن الأعمش، ح، وحدثنا مسدد، ثنا عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق أحد الأعلام (ثنا الأعمش، عن) أبي وائل (شقيق) بن سلمة الأسدي (عن عبد الله) بن مسعود رضيپبه. (قال رسول الله ويليه: ألا لا ينتجي) بسكون النون وكسر الجيم على وزن يفتعل، وبها قرأ حمزة في قوله: (وينتجون)(٣)، ورواية الصحيحين: (١) رواه البخاري (٦٢٩٠)، ومسلم (٢١٨٤). (٢) رواه أحمد ٤٣/٢، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (١١٧٠)، وابن حبان (٥٨٤). وصححه الألباني في ((الصحيحة)) (١٤٠٢). (٣) أنظر: ((السبعة)) ص٦٢٨، ((الحجة للقراء السبعة)) ٢٧٨/٦. ٥٦٠ ((لا يتناجى)) (١)، وبها قرأ جمهور القراء في ﴿وَيََّجُوْنَ﴾(٢)، وأصل الروايتين من النجوى، وهي السِّرُّ. (اثنان دون الثالث) خصَّ الثلاثة بالذكر؛ لأنه أقل عدد يتأتى فيه ذلك المعنى، وقد نبه في آخر الحديث على التعليل بقوله: (فإن ذلك يحزنه) كما قال في الآية: ﴿إِنََّا النَّجْرَى مِنَ الشَّيْطَنِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيْسَ بِضَآرِهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِذْنِ اللّهِ﴾(٣)، والمراد أن الثالث يقع في نفسه ما يحزن لأجل ذلك بأن يقدر في نفسه أن الحديث عنه بما يكره، أو أنهم لم يروه أهلا لأن يشركوه في حديثهم، إلى غير ذلك من وساوس الشيطان وحديث النفس، وحصل ذلك كله من بقائه وحده، فإذا كان غيره أمن ذلك. وفي معنى مناجاة الأثنين كلامهما بلسان لا يعرفه الثالث، كالتركي والعجمي، فإنه لا يفهم ما يتحدثون به، ويحزنه سماع ذلك، وهذا الحديث يعم جميع الأزمان والأحوال. وإليه ذهب ابن عمر ومالك وغيرهما من الجمهور، وذهب بعض الناس إلى أن ذلك كان في أول الإسلام؛ لأن ذلك كان حال المنافقين، يتناجى المنافقون دون المؤمنين، فلما فشا الإسلام سقط ذلك. وقال بعضهم: ذلك خاص بالسفر وفي المواضع التي لا يأمن الرجل فيها صاحبه، فأما في الحضر وبين العمارة فلا. قال القرطبي: وكل ذلك تحكم وتخصيص لا دليل عليه، والصحيح (١) ((صحيح البخاري)) (٦٢٩٠)، ((صحيح مسلم)) (٢١٨٤). (٢) المجادلة: ٨. (٣) المجادلة: ١٠.