النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
= كتاب الأدب
٢ - باب فِي الوقارِ
٤٧٧٦ - حَدَّثَنا النُّفَيْلِي، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا قابُوسُ بْنُ أَبِي ظَبْيانَ أَنَّ أَبَاهُ
حَدَّثَهُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبّاسِ أَنَّ نَبِي اللّهِ وََِّّ قَالَ: ((إِنَّ الهَدى الصّالِحَ
والسَّمْتَ الصّالِحَ والإِقْتِصادَ جُزْءٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ))(١).
باب في الوقار
بفتح الواو، وهو الحلم والرزانة، ومنه الحديث: (( ما سبقكم أبو
بكر بصوم ولا صلاة ولكن بشيء وقر في قلبه))(٢) أي: تمكن فيه وثبت.
[٤٧٧٦] (حدثنا) عبد الله بن محمد (النفيلي، ثنا زهير، ثنا قابوس بن
أبي ظبيان) بفتح الظاء المعجمة، ويجوز الكسر، وسكون الموحدة،
وتخفيف المثناة تحت. قال شيخنا ابن حجر: فيه لين(٣).
(أن أباه(٤)) حصين، بضم الحاء وفتح الصاد، مصغر، بن جندب بن
الحارث الجنبي بضم الجيم وسكون النون ثم موحدة، وجنب بطن من
مذحج.
(١) رواه أحمد ٢٩٦/١، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (٤٦٨)، والطبراني في
((الكبير)) ١٠٦/١٢ (١٢٦٠٩)، وأبو نعيم في («الحلية)) ٢٦٣/٧ والبيهقي ١٠/ ١٩٤.
وحسنه الألباني في ((صحيح الجامع)) (١٩٩٢).
(٢) أورده الملا علي القاري في ((الأسرار المرفوعة)) (١٣٠٧) وقال: وهذا من كلام أبي
بكر بن عياش.
(٣) (تقريب التهذيب)) (٥٤٤٥).
(٤) فوقها في (ل): (ع).

٤٢٢
(حدثه قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: إن نبي الله وَلا- قال: إن
الهدي) بفتح الهاء، مثل الفلس هو السيرة والهيئة والطريقة (الصالح) في
الدين، وكذا في الجمال (والسمت) بفتح السين، وهو حسن الهيئة
والمنظر (الصالح) في الدين والجمال (والاقتصاد) الاعتدال في الأمور
من الأقوال والأعمال.
(جزء من خمسة وعشرين جزءًا من النبوة) قال في ((النهاية)): معنى
الحديث أن هذِه الخلال من شمائل الأنبياء ومن جملة خصالهم
فاقتدوا بهم، وإنها جزء معلوم(١) من أجزاء أفعالهم، وليس المعنى أن
النبوة تتجزأ، ولا أن من جمع هذِه الخلال كان فيه جزء من النبوة،
فإن النبوة غير مكتسبة ولا مجتلبة بالأسباب، وإنما هي كرامة من الله
تعالى، ويجوز أن يكون أراد بالنبوة ما جاءت به النبوة ودعت إليه
الأنبياء(٢). رواية الترمذي: ((من أربعة(٣) وعشرين جزءًا))(٤).
قال في ((شرح السنة)) ما معناه: يجوز أن يكون أحدهما باعتبار توفر
الخصال، والآخر عند عدم توفرها، وتخصيص هذا العدد مما يستأثر
النبيِ وَّه بمعرفته، انتهى(٥).
وأن هذه الخصال -كما مر- خمسة وعشرون جزءًا مما جاءت به
النبوات، وأن من جمع هذه الخصال تلقته الناس بالتعظيم، وألبسه الله
(١) ساقطة من (م).
(٢) ((النهاية في غريب الحديث)) ٢٥٣/٥.
(٣) في (ل)، (م): أربع. والمثبت من ((سنن الترمذي)).
(٤) ((سنن الترمذي)) (٢٠١٠).
(٥) ((شرح السنة)) ١٣ / ١٧٧.

٤٢٣
- كتاب الأدب
لباس التقوى الذي أَلْبِسَهُ أنبياؤه. وتخصيص هذا العدد مما أستأثر النبي
وَلّ بمعرفته، وقد يطلع عليه بعض أصفيائه، وهذا العدد قيل: إنه مدة
الوحي إلى النبي وَلّ، فإنه نُبِّئ على رأس الأربعين، ومات وعمره
خمس وستون سنة على قول.

٤٢٤
٣ - باب مَنْ كَظَمَ غَيْظًا
٤٧٧٧ - حَدَّثَنا ابن السَّرْحِ، حَدَّثَنا ابن وَهْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ -یغني: ابن أَبِي
أَيُّوبَ-، عَنْ أَبي مَرْحُومٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعاذٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ لَّمَ قَالَ: «مَنْ
كَظَمَ غَيْظًا -وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ- دَعَاهُ اللهُ رَى عَلَى رُؤُوسِ الخَلائِقِ يَوْمَ
القِيامَةِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ اللهُ مِنَ الخُورِ ما شاءَ)).
قالَ أَبُو دَاوُدَ: اسْمُ أَبي مَرْحُومٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَيْمُونٍ(١).
٤٧٧٨ - حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ -يَعْني: ابن مَهْدي-، عَنْ
بِشْرٍ - يَغْني: ابن مَنْصُورٍ -، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلانَ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ
أَبْنَاءِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ عَنْ أَبِيِهِ قالَ - قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ نَحْوَهُ قَالَ: ((مَلأَهُ اللهُ
أَمْنَا وَإِيمانًا)). لَمْ يَذْكُرْ قِصَّةَ: ((دَعاهُ اللهُ)). زادَ: (( وَمَنْ تَرَكَ لُبْسَ ثَوْبٍ جَمالٍ
وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ)). قالَ بِشْرٌ: أَحْسِبُهُ قَالَ: ((تَواضُعًا كَسَاهُ اللهُ حُلَّةَ الكَرَامَةِ وَمَنْ
زَوَّجَ الله تَعالَى تَوَّجَهُ اللهُ تَاجَ المُلْكِ))(٢).
٤٧٧٩ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعاوِيَةَ، عَنِ الأَغْمَشِ، عَنْ
إِنْراهِيمَ التَّيْمي، عَنِ الحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَةِ: (( ما
تَعُدُّونَ الصُّرَعَةَ فِيكُمْ )). قالُوا: الذي لا يَصْرَعُهُ الرِّجالُ. قالَ: (( لا وَلَكِنَّهُ الذي
يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ))(٣).
(١) رواه الترمذي (٢٠٢١) وابن ماجه (٤١٨٦)، وأحمد ٤٣٨/٣.
وحسنه الألباني في ((صحيح الجامع)) (٦٥٢٢).
(٢) رواه القضاعي في ((مسند الشهاب)) (٤٣٧)، والبيهقي في ((الشعب)) (٨٣٠٤).
وضعفه الألباني.
(٣) رواه مسلم (٢٦٠٨)، والنسائي ٢٧٣/٦، وأحمد ٣٨٢/١.

٤٢٥
- كتاب الأدب
باب من كظم غيظا
[٤٧٧٧] (ثنا) أحمد بن عمرو (ابن السرح، ثنا) عبد الله (ابن وهب،
عن سعيد(١) بن أبي أيوب) مقلاص الخزاعي المصري (عن أبي مرحوم)
عبد الرحيم بن ميمون الليثي مولاهم المصري، فيه لين (عن سهل بن
معاذ) الجهني، ضعف (عن أبيه) معاذ بن أنس الجهني الصحابي نظرياته
(أن رسول الله وَّر قال: من كظم غيظًا) أي: تجرعه، واحتمل سببه،
وصبر عليه (وهو قادر على أن ينفذه) بضم الياء، وسكون النون،
وكسر الفاء، من أنفذ حكمه إذا أمضاه، وفي حديث بر الوالدين:
((الاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما))(٢) أي: إمضاء وصيتهما بعد
موتهما، والمراد أن من أمسك عن إمضاء غيظه وهو قادر على إمضائه
وإيقاع ما يشفي غيظه بعدوه. وقال ابن عرفة: الكاظم: الممسك على
ما في قلبه عن إمضائه.
(دعاه الله رَق على رؤوس الخلائق يوم القيامة) أي: ناداه مناد من قبل
الله تعالى على رؤوس الخلائق مرتفعًا بالدخول إلى الجنة (حتى يخيره
[الله](٣)) في الجنة (من) أنواع (الحور العين ما شاء) منها حين تعرض
عليه.
[(قال أبو داود: اسم أبي مرحوم: عبد الرحمن بن ميمون)](٤).
(١) فوقها في (ل): (ع).
(٢) سيأتي برقم (٥١٤٢) من حديث أبي أسيد مالك بن ربيعة.
(٣)، (٤) من ((السنن)).

٤٢٦
[٤٧٧٨] (ثنا عقبة بن مكرم) بضم الميم، وسكون الكاف، وفتح
الراء العمي، بفتح المهملة، وتشديد الميم البصري، شيخ مسلم (ثنا
عبد الرحمن بن مهدي، عن بشر) بكسر الموحدة، وسكون المعجمة،
السليمي العابد الثقة، كان يصلي كل يوم خمسمائة ركعة (عن محمد
ابن عجلان) المدني، أخرج له مسلم في مواضع.
(عن سويد بن وهب) ليس له في الكتب الستة غير هذا الحديث (عن
رجل من أبناء أصحاب النبي ◌َّ) هو مجهول (عن أبيه) الصحابي ولا
يضر جهله؛ لأن الصحابة كلهم عدول، ورواه البيهقي من طريق
زياد بن فائد، عن سهل بن معاذ يريد ذه (نحوه) أي: بنحو ما تقدم.
و(قال:) في هُذِه الرواية (ملأه الله) تعالى، أي: ملأ قلبه، ويحتمل
الامتلاء حقيقة في جميع جسمه (أمنًا) أي: أمانًا من مخاوف الدنيا
والآخرة (وإيمانًا) ومحل الإيمان القلب، ويحتمل أن يراد بالإيمان
الأعمال الصالحة الناشئة عن كمال الإيمان (لم يذكر) في هذه الرواية
(قصة: دعاه الله تعالى) إلى آخره.
و(زاد) في هُذِه الرواية (ومن ترك لبس ثوب جمال) يشمل القميص
وما فوقه والعمامة والنعل ونحو ذلك (وهو يقدر عليه) أي: وهو قادر
على لبسه والتجمل (قال بشر) بن منصور (أحسبه قال: تواضعًا) لله
تعالى(١) (كساه الله) يوم القيامة (حلة الكرامة) أي: ألبسه من ملابس
من أكرمه الله في الجنة مما اختصه به من ملابس التعظيم.
(ومن زوج) أخاه المسلم كريمته لاحتياجه إلى الزواج، وليعفه
(١) بعدها في (ل): تواضعًا لله تعالى.

٤٢٧
= كتاب الأدب
ويصون فرجه وبصره عن الحرام وتنكسر شهوته الجالبة لكل مفسدة (الله)
أي: لأجل ثواب الله، ولا يحصل كمال هذا الثواب إلا بأن يساعده على
مؤن الزواج وما يحتاج إليه.
(توجه الله) تعالى في الجنة (تاج الملك) أي: ألبسه تاج الملوك الذي
يصنع من الذهب، ويرصع(١) باللآلئ والجواهر النفيسة.
[٤٧٧٩] (ثنا أبو بكر [بن أبي شيبة](٢)، ثنا أبو معاوية) محمد بن
خازم الضرير (عن) سليمان (الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن
الحارث(٣) بن سويد) التيمي (عن (٤) عبد الله) بن مسعود رظ ◌ُبه.
(قال رسول الله وَ طهور، ما تعدون الصرعة) بضم الصاد، وفتح الراء
(فيكم؟) وهو الذي يصرع الناس كثيرًا، وبالسكون هو الذي يصرعه
الناس كثيرًا، وكذلك سُخَرَة وسُخْرَة.
(قالوا: الذي لا يصرعه الرجال) أي: لا يصرعه أحد من الرجال.
(قال: لا ولكنه الذي) ولمسلم: ((ليس بذلك ولكنه الذي)) وفي لفظ:
((ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي))(٥) (يملك نفسه عند الغضب)
أي: الشديد كل الشديد هو الذي يملك نفسه عند الغضب ويقهرها، فإنه
إذا ملكها كان قد قهر أقوى أعدائه، وشر خصومه، وهي النفس، ولذلك
(١) ساقطة من (م).
(٢) من ((السنن)).
(٣) فوقها في (ل): (ع).
(٤) من ((السنن)).
(٥) ((صحيح البخاري)) (٦١١٤)، ((صحيح مسلم)) (٢٦٠٩) من حديث أبي هريرة.

٤٢٨
قال: ((أعدى عدوِّ لك نفسك التي بين جنبيك)) (١). وهذا من الألفاظ التي
نقلها عن وضعها اللغوي لضرب من التوسع والمجاز، وهو من فصيح
الكلام؛ لأنه لما كان الغضبان بحالة شديدة من الغيظ، وقد ثارت
عليه شهوة الغضب فقهرها بحلمه و[صرعها بثباته](٢) كان كالصرعة
الذي يصرع الرجال ولا يصرعونه.
(١) رواه البيهقي في ((الزهد الكبير)) (٣٥٥) من حديث ابن عباس. قال الألباني في
((الضعيفة)) (١١٦٤): موضوع.
(٢) مكانها بياض في (م).

٤٢٩
- كتاب الأدب
٤ - باب ما يُقالُ عِنْدَ الغَضَبٍ
٤٧٨٠ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بنُ مُوسَى، حَدَّثَنا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الحَمِيدِ، عَنْ عَبْدِ
الَلِكِ بْنِ عُمَيٍْ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ مُعاذٍ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: أَسْتَبَّ رَجُلانِ
عِنْدَ النَّبِيِ وَِّ فَغَضِبَ أَحَدُهُما غَضَبًا شَدِيدًا حَتَّى خُيِّلَ إِلَى أَنَّ أَنْفَهُ يَتَمَزَّعُ مِنْ
شِدَّةٍ غَضَبِهِ فَقالَ النَّبِي ◌ََّ: ((إِنّي لأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قالَها لَذَهَبَ عَنْهُ ما يَجِدُهُ مِنَ
الغَضَبِ)). فَقالَ: ما هي يا رَسُولَ اللهِ؟ قالَ: «يَقُولُ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ
الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ)). قالَ: فَجَعَلَ مُعاذٌ يَأْمُرُهُ فَأَبَى وَيَجِكَ وَجَعَلَ يَزْدادُ غَضَبًا(١).
٤٧٨١ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعاوِيَةَ، عَنِ الأَغْمَشِ، عَنْ
عَدي بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ صُرَدَ قالَ: أَسْتَبَّ رَجُلانِ عِنْدَ النَّبِي ◌ََِّّ فَجَعَلَ
أَحَدُهُمَا تَحْمَرُّ عَيْناهُ وَتَنْتَفِخُ أَوْدَاجُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَ: ((إِنّي لأَعْرِفُ كَلِمَةً لَوْ
قالَها هُذا لَذَهَبَ عَنْهُ الذي يَجِدُ أَعُوذُ باللهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ)). فَقالَ
الرَّجُلُ: هَلْ تَرىْ بِي مِنْ جُنُونٍ(٢).
٤٧٨٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا داوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ،
عَنْ أَبي حَرْبٍ بِ الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِي ذَرِّ قالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَ قَالَ لَنا: ((إِذا غَضِبَ
أَحَدُكُمْ وَهُوَ قَائِمٌ فَلْيَجْلِسْ، فَإِنْ ذَهَبَ عَنْهُ الغَضَبُ، وَإِلَّ فَلْيَضْطَجِعْ)) (٣).
(١) رواه الترمذي (٣٤٥٢)، وأحمد ٢٤٠/٥، والطيالسي (٥٧١)، وعبد بن حميد
(١١١)، والنسائي في ((الكبرى)) (١٠١٤٩).
وضعفه الألباني.
(٢) رواه البخاري (٣٢٨٢)، ومسلم (٢٦١٠).
(٣) رواه أحمد ١٥٢/٥، وأبو يعلى في ((مسنده الكبير)) كما في ((إتحاف الخيرة))
(٧١٥٨)، وابن حبان (٥٦٨٨)، والبيهقي في ((الشعب)) (٨٢٨٤) والبغوي في
((شرح السنة)) (٣٥٨٤).
وصححه الألباني.

٤٣٠
صَلىالله
وسلم
٤٧٨٣ - حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، عَنْ خالِدٍ، عَنْ داوُدَ، عَنْ بَكْرٍ أَنَّ النَّبي
بَعَثَ أَبَا ذَرِّ بهذا الحَدِيثِ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وهذا أَصَحُ الحَدِيثَيْنِ(١).
٤٧٨٤ - حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ خَلَفٍ والَحَسَنُ بنُ عَلي - المعنَى - قالا: حَدَّثَنَا إِبْراهِيمُ
ابْنُ خالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو وائِلِ القاصُ، قَالَ: دَخَلْنا عَلَى عُزْوَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ السَّغْدي
فَكَلَّمَهُ رَجُلٌ فَأَغْضَبَهُ فَقامَ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ رَجَعَ وَقَدْ تَوَضَّأَ فَقالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدّي
عَطِيَّةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ الغَضَبَ مِنَ الشَّيْطَانِ وَإِنَّ الشَّيْطَانَ خُلِقَ
مِنَ النّارِ، وَإِنَّمَا تُطْفَأُ النّارُ بِالماءِ فَإِذا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأُ))(٢).
[٤٧٨٠] (حدثنا يوسف بن موسى) بن راشد القطان الكوفي،
نجراني، وحدث (عن جرير(٣) بن عبد الحميد) الضبي القاضي (عن
عبد الملك بن عمير) الكوفي، رأى عليًّا (عن عبد الرحمن بن أبي
ليلى) الأنصاري، عالم الكوفة.
(عن معاذ بن جبل رضّته قال: أستب رجلان عند النبي ◌َّ﴾ أي:
تسابا، وسب كل واحد منهما الآخر، والسب: الشتم (فغضب
أحدهما غضبًا شديدًا) ولفظ الترمذي: حتى عرف الغضب في وجه
(١) رواه ابن أبي شيبة في ((مسنده)) كما في ((الإتحاف)) (٧١٥٧).
وصححه الألباني.
(٢) رواه أحمد ٢٢٦/٤، والبخاري في ((التاريخ الكبير)) ٨/٧، وابن أبي عاصم في
((الآحاد والمثاني)) (١٢٦٧)، والخرائطي في ((مساوئ الأخلاق)) (٣٣٦) وابن حبان
في ((المجروحين)) ٢٥/٢، والطبراني في ((الكبير)) ١٦٧/١٧ (٤٤٣) والبيهقي في
((شعب الإيمان)) (٨٢٩١).
وضعفه الألباني في «الضعيفة» (٥٨٢).
(٣) فوقها في (ل): (ع).

٤٣١
= كتاب الأدب
أحدهما. وقال في آخر الحديث: هذا حديث مرسل، وعبد الرحمن(١) بن
أبي ليلى لم يسمع من معاذ بن جبل؛ مات معاذ في خلافة عمر بن
الخطاب. وقتل عمر وعبد الرحمن بن أبي ليلى غلام ابن ست سنين.
قال: وأبو ليلى أسمه يسار (٢) (حتى خُيّل) بضم الخاء المعجمة، مبني
للمفعول من الوهم والظن (إليَّ أن أنفه يتمزع) بفتح الميم والزاي
المشددة والعين المهملة، أي: يتشقق ويتقطع غضبًا.
(من شدة غضبه) والمزعة بفتح الميم: القطعة من اللحم وغيره،
وذكر أبو عبيد أن الصواب يتزمع بفتح الزاء، والميم المشددة، وهو
الذي تراه كأنه يرعد من الغضب، والمشهور في الرواية، كما قال
الأزهري وغيره: يتمزع كما تقدم، من قولهم: مزعت الشيء إذا
قسمته(٣)، وفيه حديث جابر: فقال لهم: ((تمزعوا)) أي: تقاسموه
وفرقوه بينكم.
(فقال النبي ◌ُّر: إني) والله (لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجده)
(من الغضب) الشديد (فقال: ما هي) الكلمة (يا رسول الله؟ قال) هي أن
(يقول: اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم) أي: إني أستجير بك،
وألتجئ إليك من الشيطان الرجيم أن تنجيني (٤) منه، فإنه استولى علي
وتمكن مني حيث اشتد غضبي.
(١) في الأصول: عبد الله. وهو خطأ، والمثبت الصواب كما مر.
(٢) (سنن الترمذي)) (٣٤٥٢).
(٣) ((تهذيب اللغة)) ٣٩٣/٢.
(٤) في (م): تنجدني.

٤٣٢
وفي الحديث دليل على أن الشيطان له تأثير في تهييج الغضب
وزيادته حتى يحمله على البطش بالمغضوب عليه أو إتلافه، فإذا تعوذ
الغضبان بالله من الشيطان الرجيم وصح قصده بذلك، وعلم الله صدق
نيته، فهو أكرم من أن يخذل من أستجار به.
(قال) الراوي (فجعل معاذ) بن جبل (يأمره) بذلك (فأبى) أن يستعيذ
من الشيطان؛ لعدم توفيقه (ومحك) بفتح الميم والحاء المهملة والكاف،
ومضارعه يمحك بفتح الحاء كذا في ((ديوان الأدب)) والمحك:
اللجاج(١). وقد محك یمحك وأمحکه غيره، ومنه حديث علي
٠
لضمعنه .
لا تضيق به الأمور ولا تمحكه الخصوم.
(وجعل يزداد غضبًا) لجهله فهم معنى الاستعاذة، وفائدة التلفظ بها،
فامتنع منه؛ لأنه من جفاة الأعراب الذين قلوبهم من الفقه والفهم خراب،
ولهذا جاء في رواية الصحيحين والرواية الآتية. فقال الرجل: أمجنونًا
تراني؟(٢) ظنًّا منه أن الذي يحتاج إلى التعوذ إنما هو المجنون.
[٤٧٨١] (ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم
(عن الأعمش، عن عدي بن ثابت) الأنصاري (عن سليمان بن صرد) بن
الجون الخزاعي، كان أسمه في الجاهلية يسارًا، فسماه النبي
صَلَى اللّه
وسيلة
سلیمان، وکان خیِّرا، عابدًا.
(قال: أستب رجلان عند النبي ◌َّر فجعل أحدهما) يغضب و(تحمر
عيناه) لفظ البخاري: أحمر وجهه(٣). وسبب أحمرار العينين والوجه
(١) «دیوان الأدب)) ص ١٧٩.
(٣) ((صحيح البخاري)) (٦١١٥).
(٢) ((صحيح مسلم)) (١١٠/٢٦١٠).

٤٣٣
= كتاب الأدب
أن الغضب هو غليان دم القلب، لإرادة الانتقام ممن أغضبه، فإذا غلى
الدم ظهر أثر حمرته في الوجه والعينين وظاهر البدن (وتنتفخ أوداجه) هو
من إطلاق صيغة الجمع على الأثنين مجازًا؛ لأنه ليس للإنسان غير
ودجين فقط، وهما عرقان يحيطان بالحلقوم أو بالمريء.
(فقال رسول الله وَله: إني لأعرف كلمة لو قالها هذا لذهب عنه الذي
يجد)؛ لأن الشيطان هو الذي يزين للناس الغضب ويحثهم على سرعة
الانتقام، فالاستعاذة بالله مع صدق الالتجاء من أقوى السلاح على
رفع كيده (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) تقدم (فقال الرجل) و(هل
ترى بي من جنون؟!) ظنا منه أنه لا يستعاذ إلا من الجنون، لأنه
جاهل لم يفقه في دين الله، وهو من جفاة الأعراب المنافقين الذين لم
یخلص إيمانهم.
[٤٧٨٢] (ثنا أحمد بن حنبل، ثنا أبو معاوية) محمد بن خازم (ثنا
داود(١) بن أبي هند) دينار البصري، رأى أنسًا، وله نحو مائتي
حديث، وكان صائم الدهر (عن أبي حرب) ذكره ابن عبد البر فيمن لم
يذكر له أسم سوى كنيته(٢) (ابن) أبي (الأسود) ظالم الديلي أخرج له
مسلم (عن أبي ذر) جندب بن جنادة نقپته.
(قال: إن رسول الله وَل قال لنا: إذا غضب أحدكم وهو قائم
فليجلس) لأن القائم متهيئ للحركة بالبطش ممن أغضبه، والقاعد دونه
في هذا المعنى (فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع) لأن المضطجع
(١) فوقها في (ل): (ع).
(٢) ((الاستغنا في معرفة المشهورين من حملة العلم بالكنى)) ٢/ ١١٣١.

٤٣٤
أقل حركة من الجالس. ويشبه أن يكون النبي وَّلو إنما أمره بالقعود
والاضطجاع؛ لئلا يبدو منه في حال قيامه وقعوده بادرة بالانتقام من
عدوّه، فيندم عليها فيما بعد، والله أعلم.
[٤٧٨٣] (ثنا وهب بن بقية) الواسطي، شيخ مسلم (عن خالد) بن
عبد الله الواسطي اشترى نفسه من الله ثلاث مرات، بوزنه فضة (عن
داود) بن أبي هند روى (عن بكر) بن عبد الله المزني أبي عبد الله
البصري، تابعي، ثقة ثبت جليل (أن النبي وَلّ بعث أبا ذر رَضُه بهذا
الحدیث) المذكور.
(قال [أبو داود](١)) المصنف (وهذا) السند (أصح الحديثين) يريد
المرسل أصح من غيره. وقال غيره: إنما يروي أبو حرب بن أبي
الأسود، عن عمه، عن أبي ذر، ولا يحفظ سماعه من أبي ذر (٢).
[٤٧٨٤] (ثنا بكر بن خلف) البصري ختن أبي عبد الرحمن المقرئ،
قال أبو حاتم: ثقة (٣). وابن معين: صدوق (٤).
(والحسن بن علي، المعنى، قالا: ثنا إبراهيم بن خالد) الصنعاني
المؤذن، ثقة (ثنا أبو وائل) عبد الله بن بجير بفتح الموحدة، وكسر
الجيم، المرادي الصنعاني، وثق (القاص) بتشديد الصاد المهملة،
نسبة إلى القصص والمواعظ.
(١) من ((السنن)).
(٢) أنظر: ((تهذيب الكمال)) ٢٣١/٣٣.
(٣) ((الجرح والتعديل)) ٣٨٥/٢.
(٤) ((تهذيب الكمال)) ٢٠١/٤.

٤٣٥
= كتاب الأدب
(قال: دخلنا على عروة بن محمد بن) عطية (السعدي) والي اليمن،
عامل عمر بن عبد العزيز عليها، وعزل، فخرج وما معه إلا مصحفه
ورمحه وسيفه، وهو مقبول (فكلمه رجل) في أمر (فأغضبه، فقام
فتوضأ [ثم رجع وقد توضأ] (١)) وضوءه للصلاة (فقال: حدثني أبي)
محمد (عن جدي عطية) بن سعد، ويقال: عطية بن عروة السعدي
سعد بن بكر بن هوازن، نزل الشام، وكان مولده بالبلقاء، وهو
صحابي، قدم على رسول الله وَّر في أناس من بني سعد بن بكر،
وكان أصغر القوم، فخلفوه في رحالهم، ثم أتوا رسول الله وَطلقة فقضى
حوائجهم، ثم قال: ((هل بقي منكم أحد؟)) قالوا: يا رسول الله،
غلام منا خلفناه في رحالنا، فأمرهم أن يبعثوا به إليه، فأتوه فقالوا :
أجب رسول الله وَله. فأتاه، فلما رآه قال له: (( ما أغناك الله فلا تسأل
الناس، فإن اليد العليا هي المنطية وإن اليد السفلى هي المنطاة، وإن
مال الله لمسؤول ومنطئ)) قال عطية: فكلمني رسول الله وقلي بلغتي (٢).
انتهى. وکان یکلم كل أحد بلغته.
([قال: قال رسول الله: ](٣) إن الغضب من الشيطان) وروي في غير
هذا الحديث الأمر بالاغتسال مكان الوضوء، فيحمل أمر الاغتسال
على الحالة الشديدة التي يكون الغضب فيها أقوى وأغلب من حالة
(١) من ((السنن)).
(٢) رواه الطبري في ((تهذيب الآثار)) السفر الأول (٥١)، والطبراني في ((مسند الشاميين))
٣٤٧/١ (٦٠٣).
(٣) ما بين المعقوفتين ساقط من النسخ الخطية، والمثبت من ((السنن)).

٤٣٦
من أمره بالوضوء، فالأقوى للإثم الأكمل، والوضوء للأضعف، ويشبه
أن يكون أمر الاغتسال لمن كان عليه حدث أكبر، كالجنابة ونحوها،
وأمر الوضوء لمن به حدث أصغر، ويحتمل غير ذلك، وإنما كان
الغضب من الشيطان؛ لأنه السبب المحرك له بوسوسته في القلب.
(وإن الشيطان خلق) مبني للمفعول (من النار) لأنه من الجان الذين
قال الله فيهم: ﴿وَخَلَقَ الْجَاَنَّ مِن ◌َارِجٍ مِّن ثَارٍ ﴾﴾(١) وكانوا سكان
الأرض قبل آدم التَّه، وكان إبليس أعبدهم، فلما عصى الله تعالى في
ترك السجود لآدم لعنه الله وجعله شيطانًا (وإنما تطفأ) بهمزة آخره
(النار) أي: تخمد (بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ) وضوءه
للصلاة، وإن كان على وضوء.
ويشبه أن يحصل له فضيلة تجديد الوضوء الذي رواه الترمذي
مرفوعًا: ((من توضأ على طهر كتب الله له عشر حسنات))(٢) وخرجه
ابن السكن في ((صحاحه)) لكن يفرق بينهما بأن تجديد الوضوء إنما
يشرع لمن صلى بالأول فرضًا أو نفلًا، ووضوء الغضبان يجدده وإن
لم يكن صلى به، وهل يقوم التيمم مقام الوضوء عند فقد الماء عند
الغضب، أو في التجديد؟ لم أجده مسطورًا.
(١) الرحمن: ١٥.
(٢) ((سنن الترمذي)) بعد حديث (٦١) من حديث ابن عمر.

٤٣٧
= كتاب الأدب
=
=
٥ - باب فِي العَفْوِ والتَّجاؤُزِ في الأَمْرِ
٤٧٨٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مالِكِ، عَنِ ابن شِهابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ
الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّها قالَتْ: ما خُيِّرَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ فِي أَمْرَيْنِ إِلاَ
اخْتَارَ أَيْسَرَهُما ما لَمْ يَكُنْ إِنَا، فَإِنْ كَانَ إِنَّا كَانَ أَبْعَدَ النّاسِ مِنْهُ، وَمَا أَنْتَقَمَ رَسُولُ
اللهِ وَ لِنَفْسِهِ إِلاَّ أَنْ تُنْتَهَكَ حُزْمَةُ اللهِ تَعالَى فَيَنْتَقِمَ الله بِها(١).
٤٧٨٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَبْعِ، حَدَّثَنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْري، عَنْ
عُزْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ عَلَيْها السَّلامُ قالَتْ: ما ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ وَل﴿ِ خادِمًا وَلا أَمْرَأَةً
قَطُّ(٢).
٤٧٨٧ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْراهِيمَ، حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطَّفاوي، عَنْ
هِشَامِ بْنِ عُزْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ - يَعْني: ابن الزُّبَيْرِ - في قَوْلِهِ (خُذِ العَقْوَ) قالَ:
أُمِرَ نَبِيِ اللهِ وَ أَنْ يَأْخُذَ العَقْوَ مِنْ أَخْلاقِ النّاسِ(٣).
باب التجاوز في الأمر
[٤٧٨٥] (حدثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي.
(عن مالك، عن) محمد (ابن شهاب) الزهري (عن عروة بن الزبير،
عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ما خير رسول الله وَّ في) لفظ
الصحيحين: بين(٤) (أمرين) يجوز له فعل كل واحد منهما، أو عرضت
(١) رواه البخاري (٣٥٦٠)، ومسلم (٢٣٢٧).
(٢) رواه مسلم (٢٣٢٧)، وابن ماجه (١٩٨٤)، وأحمد ٣١/٦ .
(٣) رواه البخاري (٤٦٤٣).
(٤) ((صحيح البخاري)) (٣٥٦٠)، ((صحيح مسلم)) (٢٣٢٧).

٤٣٨
له حاجتان (إلا أختار) أي: مال إلى (أيسرهما) أي: أهونهما، وترك
الأثقل أخذًا بالسهولة لنفسه، وتعليمًا لأمته، ففي هذا استحباب
الأخذ بالأيسر والأرفق (ما لم يكن إثمًا) فإن كان في المخير فيه إثم
لفعل حرام أو مكروه فإنه لا يميل إليه ولا يفعله أصلًا (فإن كان)
المخير فيه (إثما كان هو أبعد الناس) أي: أشدهم بعدًا (منه) من ذلك
الإثم، وترك ما فيه إثم(١) وأخذ بالآخر، وإن كان أثقل من الآخر
وأكثر مؤنة وكلفة عليه.
قال عياض: يحتمل أن يكون تخييره 38 هنا من الله تعالى، فيخيره
فيما فيه عقوبتان، أو فيما بينه وبين الكفار من القتل وأخذ الجزية، أو في
حق أمته من المجاهدة في العبادة والاقتصار، فكان يختار الأيسر في كل
هذا.
قال: وأما قولها: (ما لم يكن إثمًا) فيتصور إذا خيره الكفار
والمنافقون، فأما إذا كان التخيير من الله تعالى أو من المسلمين فيكون
الاستثناء منقطعًا(٢).
(وما أنتقم رسول الله وَ لير لنفسه) أي: ما عاقب أحدًا على مكروه أتاه
من قبله، بل كان يصبر على جهل من جهل عليه، ويحتمل جفاءه،
ويصفح عمن آذاه في خاصة نفسه، كصفحه عمن قال: أعدل فإن هذه
قسمة ما أريد بها وجه الله وما عدلت منذ اليوم. وكصفحه عن
الأعرابي الذي جبذ رداءه كما تقدم.
(١) في (ل)، (م): إثمًا. والمثبت هو الصواب.
(٢) ((إكمال المعلم)) ٢٩١/٧.

٤٣٩
= كتاب الأدب
(إلا أن تنتهك حرمة الله (١) تعالى) أي: ترتكب محارم الله في شرعه
ويبالغ في خرقها وإتيانها (فينتقم) أي: يعاقب فاعلها انتصارًا (لله بها)
أي: بسببها، والاستثناء فيه منقطع، يعني: إذا انتهكت حرمة الله
انتصر لله وانتقم ممن أرتكب ذلك، فإن قيل: فأذاه ◌ُ ◌ّ هو أنتهاك
حرمة من حرم الله، فكيف ترك الانتقام ممن آذاه استئلافًا وتركًا لمن
ينفر في دينه كما قال القَّ: ((لئلا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل
أصحابه))(٢).
وقد قال مالك: كان رسول الله وَلو يعفو عمن شتمه. وإذا تقرر هذا
فالمراد بانتهاك حرمه التي لا ترجع بحق النبي ◌ّ بل بحرمة الله وحرمة
محارمه، فإنه كان يقيم حدود الله على من أنتهك شيئًا منها فلا يعفو عنها،
كما قال في حديث السارقة: (( ولو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت
يدها )) قال القرطبي: لكن ينبغي أن يفهم أن صفحه عمن آذاه كان
مخصوصًا به وبزمانه، وأما بعده فلا يعفى عنه(٣).
وقال عياض: أجمع العلماء على أن من سب النبي وَّ كفر،
واختلفوا هل حكمه حكم المرتد فيستتاب، أو حكم الزنديق لا
يستتاب؟ وهل قتله للكفر أو للجهر؟ وجمهورهم على أن حكمه حكم
الزنديق لا تقبل توبته، وهو مشهور مذهب مالك وقول الشافعي
وأحمد، وقال أبو حنيفة: هي كفر ورِدة، وتقبل توبته إذا تاب (٤).
(١) بعدها في (ل)، (م): نسخة: تنتهك حرم الله.
(٢) رواه البخاري (٣٥١٨)، ومسلم (١٠٦٣) من حديث جابر.
(٣) ((المفهم)) ١١٩/٦.
(٤) ((إكمال المعلم)) ٧/ ٢٩٣.

٤٤
[٤٧٨٦] (ثنا مسدد، ثنا يزيد(١) بن زريع) البصري.
(حدثنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها
قالت: ما ضرب رسول الله ﴿ خادمًا) ولمسلم زيادة على هذا في أول
الحديث ولفظه: ((ما ضرب رسول الله وَ ل﴿ شيئًا قط بيده، ولا أمرأة
ولا خادمًا ))(٢) وهو نكرة في معرض النفي؛ فتعم كل ذي روح من ابن
آدم(٣) ودابة وهرة ونحو ذلك.
قال النووي: فيه أن من ضرب الزوجة والخادم والدابة وإن كان
مباحًا للأدب فتركه أفضل (٤)، أنتهى. أما ضرب الزوجة فهو مباح في
حق نفسه كنشوز المرأة ونحوه. أما ضربها لحق الله تعالى كترك
الصلاة وشرب الخمر ونحو ذلك فليس له ذلك بل هو للإمام، وأما
ضرب السيد فله التعزير به من مملوكه في حق نفسه، وكذا في حق الله
تعالى؛ لأن ملكه وسلطنته فوق سلطنة الزوج على زوجته (ولا) ضرب
النبي وَل بيده (امرأة قط) لا لحق نفسه ولا لحق الله تعالى، ولأزواجه
أكرم على الله من أن يصدر منهن ما يوجب حقًّا لله تعالى.
[٤٧٨٧] (حدثنا يعقوب بن إبراهيم) الدورقي البغدادي.
(ثنا محمد بن عبد الرحمن الطفاوي) بضم الطاء المهملة وتخفيف
الفاء نسبة إلى طفاوة موضع بالبصرة، وكان من أكابر أئمة البصرة،
(١) فوقها في (ل): (ع).
(٢) ((صحيح مسلم)) (٢٣٢٨).
(٣) من (م).
(٤) ((شرح مسلم)) ٣٩/٨.