النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
- كتاب السنة
خلق على الفطرة شبيهًا بالبهيمة التي جدعت بعد سلامتها، وإما صفة
مصدر محذوف. أي: يغيرانه تغييرًا مثل تغييرهم البهيمة السليمة(١).
(هل تحس) بضم التاء. أي: هل ترى فيها من جدعاء. يعني: أن
البهيمة تولد كاملة الأعضاء سليمة من الآفات، فلو تركت على أصل
خلقتها لبقيت كاملة الأعضاء سليمة من العيوب، ليس بها جدع ولا
غيره، لكن يتصرف فيها بجدع الأنف ووسم الأذن، ونحو ذلك،
فتطرأ عليها الآفات والنقائص، فتخرج عن الأصل، وكذلك ولد
الآدمي يولد سليم الفطرة، ثم يطرأ عليه النقص كما يطرأ على البهيمة.
(قالوا: يا رسول الله، أفرأيت من يموت وهو صغير؟) أي: قبل أن
يهود أو يمجس أو ينصر (قال: الله أعلم بما كانوا عاملين) قيل: على أي
دين كان يميتهم لو عاشوا فبلغوا العمل، فأما إذ عدم منهم العمل، فهم
في رحمة الله التي ينالها من لا ذنب له، وقيل: يحتمل تفسيره الآية
المتقدمة ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتهمْ وَأَشْهَدَهُمْ
عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾ فهذا إقرار عام يدخل فيه أولاد
المشركين والمسلمين، فمن مات قبل دخول الحنث ممن أقر بهذا
الإقرار من أولاد الناس كلهم، فهو على إقراره المتقدم لا يقضى له
بغيره؛ لأنه لم يدخل عليه ما ينقضه.
[٤٧١٥] (ثنا) المصنف (قال: قرئ) بضم القاف (على الحارث بن
مسكين) الأموي، وكان فقيهًا على مذهب مالك، حمله المأمون أيام
(١) ((شرح الكرماني على البخاري)) ٧/ ١٣٣.

٢٨٢
المحنة إلى بغداد وسجنه؛ لأنه لم يجب إلى القول بخلق القرآن، فلم يزل
محبوسًا إلى أن ولي المتوكل فأطلقه. قال النسائي: ثقة مأمون(١). (وأنا
أسمع) شاهد، فقيل له (أخبرك يوسف بن عمرو) المصري، تلميذ مالك
والليث وغيرهما (قال: أنا) عبد الله (ابن وهب قال: [سمعت مالكا) وقد
(قيل له: إن أهل الأهواء) جمع هوى، وهو ميل النفس وانحرافها، ثم](٢)
أستعمل في الانحراف عن الحق و(أهل الأهواء) المذمومة كالخوارج
(يحتجون علينا) أي: على أهل السنة بهذا الحديث المذكور. يعني
بأوله: ((فأبواه يهودانه ويمجسانه)). (قال مالك) بن أنس (احتج عليهم
بآخره) بمد الهمزة. أي: بآخر الحديث، حيث (قالوا: أرأيت من
يموت وهو صغير) لم يهود ولم يمجس ولم يعمل (قال: الله أعلم بما
كانوا عاملين) حيث لم يعلق الحكم إلا بما سبق في علم الله في
الأزل، فهو العالم بما كان وما يكون لو كان كيف كان يكون.
[٤٧١٦] (ثنا الحسن بن علي) الخلال (ثنا حجاج بن منهال)
الأنماطي شيخ البخاري (قال: سمعت حماد بن سلمة نظُه يفسر
حديث) أبي هريرة (كل مولود) رفع على الحكاية (يولد على الفطرة)
إلى آخره (قال: هذا عندنا) تفسيره (حيث أخذ الله عليهم العهد) وهم
(في أصلاب آبائهم) كالذر (حيث قال) الله لهم (﴿أَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ
بَى﴾) فإنه إقرار منهم عام يدخل فيه أولاد المسلمين والمشركين كما
تقدم قريبًا.
(١) انظر: ((تاريخ بغداد)) ٢١٧/٨، ((تهذيب الكمال)) ٢٨١/٥ (١٠٤٤).
(٢) ما بين المعقوفتين ساقط من (م).

٢٨٣
كتاب السنة
-
[٤٧١٧] (حدثنا إبراهيم بن موسى) بن يزيد الفراء الحافظ. قال أبو
زرعة: كتبت عنه مائة ألف حديث. وعن أبي بكر بن أبي شيبة مائة
ألف (١)، وهو شيخ الشيخين (ثنا يحيى بن أبي زائدة، حدثني أبي(٢)
زكريا بن أبي زائدة، صاحب الشعبي (عن عامر) بن شراحيل الشعبي.
(قال: قال رسول الله وَ ل(3) وهذا مثال للمعضل، فإنه سقط منه راويان
من موضع واحد، وهو التابعي والصحابي كما سيأتي في الرواية بعده
(الوائدة) بهمزة مكسورة قبل الدال، وهي الأم التي تئد ولدها. أي:
تدفنه حيًّا، وكان الرجل إذا ولد له بنت فأراد أن يستحييها ألبسها جبة
من صوف أو شعر ترعى له الإبل والغنم في البادية، وإن أراد قتلها
تركها حتى إذا كانت سداسية أو آن وقت زواجها فيقول لأمها: طيبيها
وزينيها حتى أذهب بها إلى أحمائها، وقد حفر لها بئرًا في الصحراء،
فيبلغ بها البئر، فيقول لها: أنظري فيها، ثم يدفعها من خلفها ويهيل
عليها التراب حتى يستوي البئر بالأرض، وذلك قوله تعالى: ﴿أَيُمْسِكُمُ
عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُهُ فِ اُلتَُّابِ﴾ (٣).
وسبب ذلك الخوفُ من لحوق العار بهنَّ أو الخوف من الإملاق،
كما قال تعالى: ﴿وَلَ نَقْتُلُواْ أَوْلَدَكُمْ خَشَْةَ إِمْلَقٍ﴾ (٤) وكانوا يقولون: إن
الملائكة بنات الله، فألحقوا البنات به، فهو أحق بهن، (والموؤودة)
(١) أنظر: ((تهذيب الكمال)) ٢١٩/٢ (٢٥٤).
(٢) فوقها في (ل)، (م): (ع).
(٣) النحل: ٥٩.
(٤) الإسراء: ٣١.

٢٨٤
هي البنت المدفونة حية، سميت بذلك لما يطرح عليها من التراب فيوئدها
أي: يثقلها حتى تموت، من قولهم: وأد البنت يئدها، وهو مقلوب من
أأد يوئد إذا أثقل. قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾(١) (في النار) هذا
الحديث له سبب، وهو أن ابني مليكة الجعفيين، واسم أحدهما سلمة بن
يزيد بن مشجعة لما أسلما وفدا على النبي وَ ل﴿ وقالا له: إن أمنا وأدت
بنتًا لها. فقال رسول الله وَّة: ((الوائدة والموؤودة في النار)) (٢) أما الأم
فلأنها كانت كافرة وأما البنت فلاحتمال كونها بالغة كافرة أو غير بالغة
لكن النبي ولو أخبر أنها من أهل النار إما بوحي أو غيره، فلا يجوز
الحكم على أطفال الكفار بأن يكونوا من أهل النار بهذا الحديث؛
لأن هذِه واقعة عين في شخص معين، فلا يجوز إجراؤه في جميع
الموؤدين، بل حكمهم على المشيئة بما سبق في علم الله تعالى، وقد
يحتج بهذا الحديث من يقول: إن أولاد المشركين في النار فيأخذ
بعمومه، والصحيح لا حجة فيه لوروده على سبب كما تقدم.
(قال يحيى) بن أبي زائدة (قال أبي) زكريا بن أبي زائدة (فحدثني أبو
إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي الهمداني (أن عامرًا) بن شراحيل
الشعبي (حدثه بذلك) ووصله (عن علقمة) بن قيس (عن) عبد الله (ابن
مسعود عن النبي مَّ) بهذا الحديث.
(١) البقرة: ٢٥٥.
(٢) رواه أحمد ٤٧٨/٣، والنسائي في ((السنن الكبرى)) ٥٠٧/٦، وابن أبي عاصم في
((الآحاد والمثاني)) ٤٢١/٤ (٢٤٧٤)، وابن بشران في ((الأمالي)) (١٤٧٠)،
والبيهقي في ((القضاء والقدر)) (٦٢٠)، وابن عساكر في ((المعجم)) ٢/ ٩٠٢.
وصححه الألباني في ((صحيح الجامع)) (٢٤٤٧).

٢٨٥
- كتاب السنة
[٤٧١٨] (ثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي (ثنا حماد) بن سلمة (عن
ثابت) البناني (عن أنس) بن مالك نظُبه (أن رجلا) وهو حصين بن عبيد بن
خلف الخزاعي والد عمران بن حصين، وقيل: هو أبو رزين لقيط بن
عامر العقيلي.
(قال: يا رسول الله، أين أبي؟ قال: أبوك في النار) كان النبي ◌َّ نهى
أصحابه عن كثرة السؤال، والابتداء بسؤال ما لا حاجة إليه، وما لم يقع؛
لمعان منها : أنه ربما كان في الجواب ما يكرهه السائل ويسوؤه كما في
الحديث، ولهذا نزل قوله تعالى: ﴿لَا تَسْشَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ
تَسُؤَّكُمْ﴾(١).
(فلما قَفَّى) بفتح الفاء المشددة، أي: ولى بقفاه منصرفًا، قيل: هذا
من أعظم حسن خلقه وَّ الكريم الذي مدحه الله تعالى به، وذلك أنه لما
رآه ولى منصرفًا وقد شق ذلك عليه وعظم عليه ما أخبره لاطفه وسلاه
تطييبًا لقلبه (وقال: إن أبي وأباك في النار) ولعل هذا قبل أن يحيي الله
تعالى والديه ويسلما على يديه على ما خرجه أبو بكر الخطيب وأبو
حفص عمر بن الشاهين في ((الناسخ والمنسوخ))(٢) بإسناديهما عن
(١) المائدة: ١٠١.
(٢) ((ناسخ الحديث ومنسوخه)) (ص٤٨٩) وقال الحافظ ابن كثير في («البداية والنهاية))
٤٢٩/٣: وأما الحديث الذي رواه السهيلي وذكر أن في إسناده مجهولين إلى أبي
الزناد عن عروة عن عائشة ... فإنه حديث منكر جدًّا، وإن كان ممكنا بالنظر إلى
قدرة الله تعالى، لكن الذي ثبت في الصحيح يعارضه.
وقال القاري في ((مرقاة المفاتيح)) ١٢٥٦/٤: الجمهور على أن والديه ◌َّلقي ماتا
كافرين، وهذا الحديث أصح ما ورد في حقهما -أي: حديث ((أستأذنت ربي في

٢٨٦
عائشة قالت: حج رسول الله وَي حجة الوداع. وقال فيه عن والدته:
((فسألت الله أن يحييها فأحياها فآمنت به)) وذكر السهيلي(١) بإسناده أن
الله تعالى أحيا له أباه وأمه وآمنا به. وجعله ابن شاهين ناسخًا لما قبله.
قال القرطبي: وليس إحياؤهما وإيمانهما به ممتنعا (٢) عقلا ولا
شرعًا، فقد ورد في الكتاب إحياء قتيل بني إسرائيل، وكان عيسى التَّي
يحيي الموتى، وكذلك ◌ّليوم أحيا الله على يديه جماعة من الموتى(٣).
[٤٧١٩] (حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد، عن ثابت، عن
أنس بن مالك رَلَّه قال رسول الله وَطير: إن الشيطان يجري من) أي:
في عروق (ابن آدم) ف(من) بمعنى (في) كقوله تعالى: ﴿أَرُونِ مَاذَا خَلَقُواْ
مِنَ الْأَرْضِ﴾(٤) وقوله: ﴿مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾(٥)، ويجوز أن تكون لبيان
الجنس وهو الأكثر.
(مجرى) اسم مكان من جرى يجري، يعني: أنه يجري في أمكنة
(الدم) وقيل: أراد أن كيد الشيطان ووساوسه تجري في عروق ابن آدم
مثل مجرى الدم من غير إحساس له بجريان، وذكر الدم لأن الآدمي
لا يبقى بدونه فكذلك وساوسه قل أن يسلم منها آدمي، فيجري
أن أزور قبر أمي فلم يأذن لي ... ))، ولا يصح حديث إحياؤهما، وعلى تقدير صحته
لا يصلح أن يكون معارضًا لحديث مسلم، مع أن الحفاظ طعنوا فيه ....
(١) أنظر: ((الروض الأنف)) ١٩٥/١.
(٢) في (ل)، (م): ممتنع. والمثبت هو الصواب.
(٣) ((التذكرة)) للقرطبي ١٤١/١.
(٤) فاطر: ٤٠.
(٥) الجمعة: ٩.

٢٨٧
كتاب السنة
=
الشيطان في عروق ابن آدم كما يجري الدم فيها، وقد تقدم هذا الحديث
مبسوطا في الاعتكاف، وفي رواية: ((فضيقوا مسالكه بالصوم)) لينقمع
الشيطان بسد مسالكه وتضييق مجاريه؛ لئلا يحوم حول القلب ويقرب
منه فيفسده، ويقذف في القلوب أنواع الشرور وأسباب المهالك.
[٤٧٢٠] (حدثنا أحمد(١) بن سعيد) بن بشر (الهمداني) المصري
صدوق (حدثنا) عبد الله (ابن وهب أخبرني) عبد الله (ابن لهيعة)
الحضرمي، قاضي مصر (وعمرو (٢) بن الحارث) المصري أحد الأعلام
(وسعيد(٣) بن أبي أيوب، عن عطاء بن دينار، عن حكيم بن شريك
الهذلي، عن يحيى بن ميمون، عن ربيعة الجرشي) بضم الجيم.
(عن أبي هريرة، عن عمر بن الخطاب نصُله أن رسول الله وَله قال:
ولا تجالسوا أهل القدر ولا تفاتحوهم) وقد تقدم (الحديث) إلى آخره في
حديث في كتاب القدر قبله من طريق أحمد بن حنبل، عن عبد الله أبو عبد
الرحمن، عن سعيد بن أبي أيوب [إلى آخره(٤)](٥).
(١) فوقها في (ل): (د).
(٢) فوقها في (ل): (ع).
(٣) فوقها في (ل): (ع).
(٤) سلف قريبًا برقم (٤٧١٠).
(٥) ساقطة من (م).

٢٨٨
١٩ - باب فِي الجَهْمِيَّةِ
٤٧٢١ - حَذَّثَنا هارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنا سُفْیانُ، عَنْ هِشام عَنْ أَبِیهِ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: (( لا يَزالُ النّاسُ يَتَساءَلُونَ خَتَّى يُقالَ هُذا:
خَلَقَ اللهُ الخَلْقَ فَمَنْ خَلَقَ اللهَ، فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ: آمَنْتُ
باللهِ))(١).
٤٧٢٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ - يَعْني: ابن الفَضْلِ-، قالَ:
حَدَّثَني ◌ُحَمَّدٌ - يَغْني: ابن إِسْحاقَ-، قالَ: حَدَّثَنِي عُثْبَةُ بْنُ مُسْلِم مَوْلَى بَنِي تَيْمِ،
عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَلَهِ يَقُولُ: فَذَكَّرَ
نَحْوَهُ قالَ: ((فَإِذَا قالُوا ذَلِكَ فَقُولُوا (الله أَحَدُ الله الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ
يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) ثُمَّ لْيَتْقُلْ عَنْ يَسارِهِ ثَلاثًا وَلْيَسْتَعِذْ مِنَ الشَّيْطَانِ))(٢).
٤٧٢٣ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّاحِ البَزّازُ، حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بْنُ أَبِي ثَوْرٍ، عَنْ سِماكٍ،
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنِ الأَحْتَفِ بْنِ قَيْسٍ، عَنِ العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ قالَ:
كُنْتُ فِي البَطْحَاءِ فِي ◌ِصابَةٍ فِيهِمْ رَسُولُ اللهِوَّهِ فَمَرَّتْ بِهِمْ سَحَابَةٌ فَنَظَرَ إِلَيْها فَقالَ:
(( ما تُسَمُّونَ هُذِه)). قالُوا: الشَّحابَ. قالَ: ((والمُزْنَ؟ )). قالُوا: والمزْنَ. قالَ:
(( والعَنانَ؟ )). قالُوا: والعَنانَ.
قالَ أَبُو دَاوُدَ: لَمْ أُتْقِنِ العَنانَ جَيِّدًا. قَالَ: ((هَلْ تَدْرُونَ ما بُعْدُ ما بَيْنَ السَّماءِ
والأَرْضِ )). قالُوا: لا نَذْرِي. قالَ: ((إِنَّ بُعْدَ ما بَيْنَهُما إِمّا واحِدَةٌ أَوِ أَثْتَتَانِ أَوْ
ثَلاثٌ وَسَبْعُونَ سَنَّةً، ثُمَّ السَّماءُ فَوْقَها كَذَلِكَ)). حَتَّى عَدَّ سَبْعَ سَمَواتٍ: ((ثُمَّ
فَوْقَ السّابِعَةِ بَحْرٌ بَيْنَ أَسْفَلِهِ وَأَعْلاهُ مِثْلُ ما بَيْنَ سَماءٍ إِلَى سَماءٍ، ثُمَّ فَوْقَ
ذَلِكَ ثَمَانِيَةُ أَوْعالٍ بَيْنَ أَظْلافِهِمْ وَرُكَبِهِمْ مِثْلُ ما بَيْنَ سَماءٍ إِلَى سَماءٍ ثُمَّ عَلَى
ظُهُورِهِمُ العَرْشُ بَيْنَ أَسْفَلِهِ وَأَعْلاهُ مِثْلُ ما بَيْنَ سَماءٍ إِلَى سَماءٍ ثُمَّ اللهُ تَبَارَكَ
(١) رواه مسلم (١٣٤).
(٢) رواه النسائي في ((الكبرى)) (١٠٤٩٧). وصححه الألباني في ((الصحيحة)) (١١٨).

٢٨٩
= كتاب السنة
وَتَعالَىْ فَوْقَ ذَلِكَ ))(١).
٤٧٢٤ - حَذَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي سُرَيْج، أَخْبَرَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعْدٍ
وَنُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ قالا: أَخْبَرَنا عَمْرُو بْنُ أَبِي قَيْسٍ، عَنْ سِماكٍ بِإِسْنادِهِ وَمَعْناهُ(٢).
٤٧٢٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَقْصٍ، قالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا إِبْراهِيمُ بْنُ طَهْمانَ،
عَنْ سِماكٍ بِإِسْنادِهِ وَمَغْنَى هذا الحَدِيثِ الطَِّيلِ(٣).
٤٧٢٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ وَنُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشّارٍ وَأَحْمَدُ بْنُ
سَعِيدِ الرِّباطي قالُوا: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، قَالَ أَحْمَدُ: كَتَبْناهُ مِنْ نُسْخَتِهِ وهذا لَفْظُهُ
قالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ يُحَدِّثُ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عُثْبَةَ، عَنْ جُبَيْرٍ
ابْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: أَتَّى رَسُولَ اللهِ وَ أَغْرابي
فَقالَ: يَا رَسُولَ اللهِ جُهِدَتِ الأَنَّفُسُ وَضاعَتِ العِيالُ وَنُهِكَتِ الأَمْوالُ وَهَلَكَتِ الأَنَّعامُ
فاسْتَسْقِ اللهَ لَنا فَإِنّا نَسْتَشْفِعُ بِكَ عَلَى اللهِ وَنَسْتَشْفِعُ بِاللهِ عَلَيْكَ. قالَ رَسُولُ اللهِ
وَالَ: ((وَيْحَكَ أَتَدْري ما تَقُولُ؟ )) وَسَبَّحَ رَسُولُ اللهِ وَّفَما زالَ يُسَبِّحُ حَتَّى عُرِفَ
ذَلِكَ فِي وُجُوهِ أَصْحَابِهِ، ثُمَّ قالَ: ((وَيْحَكَ! إِنَّهُ لا يُسْتَشْفَعُ باللهِ عَلَى أَحَدٍ مِنْ
خَلْقِهِ شَأْنُ اللهِ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ وَيْحَكَ أَتَدْري ما اللهُ؟ إِنَّ عَرْشَهُ عَلَى سَمَواتِهِ
لَهَكَذا)». وقالَ بِأَصابِعِهِ مِثْلَ القُبَّةِ عَلَيْهِ: (( وَإِنَّهُ لَيَتِظُ بِهِ أَطِيطَ الرَّحْلِ بِالرّاكِبِ)).
قالَ ابن بَشّارٍ في حَدِيثِهِ: ((إِنَّ اللهَ فَوْقَ عَرْشِهِ وَعَرْشُهُ فَوْقَ سَمَواتِهِ )). وَساقَ
الحَدِيثَ. وقالَ عَبْدُ الأَغَلَى وابْنُ المُثَنَّى وابْنُ بَشّارٍ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عُثْبَةَ وَجُبَئِرِ بْنِ
مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ.
قالَ أَبُو دَاوُدَ: والحَدِيثُ بِإِسْنادِ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ هُوَ الصَّحِيحُ وافَقَهُ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ
مِنْهُمْ يَخْيَى بْنُ مَعِينٍ وَعَلي بْنُ المَدِينِي وَرَواهُ جَمَاعَةٌ عَنِ ابن إِسْحاقَ كَمَا قَالَ أَحْمَدُ
(١) رواه الترمذي (٣٣٢٠)، وابن ماجه (١٩٣).
وضعفه الألباني في ((الضعيفة)) (١٢٤٧).
(٢) أنظر السابق.
(٣) أنظر سابقيه.

٢٩٠
أَيْضًا، وَكَانَ سَماعُ عَبْدِ الأَغْلَى وابْنِ المُثَنَّى وابْنِ بَشّارٍ مِنْ نُشْخَةٍ واحِدَةٍ فِيما
بَلَغَتَي(١).
٤٧٢٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَقْصِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قالَ: حَدَّثَني
إِنْراهِيمُ بْنُ طَهْمانَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ
عَنِ النَّبِيِ وَيَ قَالَ: ((أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلائِكَةِ اللهِ مِنْ حَمَلَةٍ
العَرْشِ: إِنَّ ما بَيْنَ شَحْمَةٍ أُذُنِهِ إِلَى عاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِمِائَةٍ عامٍ))(٢).
٤٧٢٨ - حَدَّثَنا عَلي بْنُ نَصْرٍ وَنُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ النَّسائي -المغْنَىِّ- قالا: حَدَّثَنَا
عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ المُقْرِئُ، حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ - يَغْني: ابن عِمْرانَ - حَدَّثَنِي أَبُو يُونُسَ سُلَئِمُ
ابْنُ جُبَيْرٍ مَوْلَى أَبي هُرَيْرَةَ قالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقْرَأُ هذِه الآيَةَ: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ
تُؤَدُّوا الأَماناتِ إِلَى أَهْلِها﴾ إِلَى قَوْلِهِ تَعالَى: ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ
وَّرْ يَضَعُ إِنْهامَهُ عَلَى أُذُنِهِ والَّتِي تَلِيها عَلَى عَيْنِهِ. قالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ
وَهِ يَقْرَؤُها وَيَضَعُ إِصْبَعَيْهِ قالَ ابن يُونُسَ قالَ المُقْرِئُ يَغْني ﴿إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾
يَغْني: أَنَّ لله سَمْعًا وَبَصَرًا.
قالَ أَبُو دَاوُدَ: وهذا رَدُّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ(٣).
(١) رواه الدارمي في ((الرد على الجهمية)) (٧١)، وابن أبي عاصم في ((السنة)) (٥٧٥)،
والبزار ٣٥٤/٨ (٣٤٣٢)، وابن خزيمة في ((التوحيد)) ٢٣٩/١، وأبو عوانة في
((المستخرج)) (٢٥١٧)، والآجري في ((الشريعة)) (٦٦٧)، والطبراني في ((الكبير))
٥٥٤/٢. وضعفه الألباني في ((المشكاة)) (٥٧٢٧).
(٢) رواه ابن طهمان في ((مشيخته)) (٢١)، وأبو الشيخ في ((العظمة)) ٧٣١/٢، والبيهقي
في ((الأسماء والصفات)) ٢٨٤/٢. وصححه الألباني في ((الصحيحة)) (١٥١).
(٣) رواه ابن خزيمة في ((التوحيد)) ٩٧/١، وابن حبان (٢٦٥)، والطبراني في
((الأوسط)» ٩/ ١٣٢ (٩٣٣٤).
وصححه الألباني في ((قصة المسيح الدجال)) (ص٦٤).

٢٩١
- كتاب السنة
باب في الجهمية
بفتح الجيم نسبة إلى جهم بن صفوان(١)، وله مذهب في الأصول
معروف ينتسب إليه خلق كثير. ومن قوله: إن الله تعالى لا يوصف
بشيء ولا أنه حي عالم. وزعم أن وصفه بذلك يقتضي التشبيه، والله
متعالٍ عن التشبيه. تعالى الله عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا.
[٤٧٢١] (ثنا هارون بن معروف) الخزاز الضرير شيخ مسلم (ثنا
سفيان) بن عيينة (عن هشام) بن عروة القرشي (عن أبيه) عروة بن
الزبير، كان صائم الدهر ومات وهو صائم.
(عن أبي هريرة رَظُعنه قال رسول الله وَله: لا يزال الناس يتساءلون)
أي: يسأل بعضهم بعضا (حتى يقال:) ولمسلم: (( لا يزال الناس
يسألونكم عن العلم حتى يقولوا: )) (٢) وله في رواية: (( لا يزالون
يسألونك يا أبا هريرة)) (٣) وذكره البخاري في بدء الخلق في صفة
إبليس، ولفظه: (( هُذا الله خلق كل شيء فمن خلق الله؟!))(٤).
(هذا) الله خلق كل شيء وقد (خلق) بفتح اللام فعل ماضٍ (الله
الخلق) يعني: المخلوقات جميعها (فمن خلق الله؟!) زاد مسلم في
رواية: قال -يعني: أبا هريرة- فبينا أنا في المسجد إذ جاءني ناس من
(١) ترجم له الذهبي في ((السير)) ٢٦/٦، والصفدي في ((الوافي بالوفيات)) ١٦٠/١١
وغيرهما.
(٢) مسلم (١٣٥).
(٣) السابق.
(٤) البخاري (٣٢٧٦).

٢٩٢
الأعراب فقالوا: يا أبا هريرة، هذا الله فمن خلق الله؟ قال: فأخذ حصَّى
بكفه فرماهم ثم قال: قوموا، صدق خليلي ◌َّ(١).
(فمن وجد من ذلك) الوسواس (شيئا فليقل: آمنت بالله) أمر بتذكر
الإيمان الشرعي والإعراض عن هذا الخاطر الباطل واشتغال القلب
بالإيمان الحقيقي؛ لتمحى تلك الشبهات وتضمحل تلك الترهات،
وهُذِه كلها أدوية للقلوب السليمة الصحيحة المستقيمة التي تعرض
الشبهات لها ولا تمكث فيها، فإذا استعملت هذه الأدوية على نحو ما
أمر الشارع به بقيت القلوب على صحتها وانحفظت سلامتها، فأما
القلوب التي تمكنت منها أمراض الشبه ولم تقدر على دفع ما حصل
بها بهذِه الأدوية المذكورة فلابد من مشافهتها بالدليل العقلي والبرهان
القطعي، كما فعل النبي ◌َله [حين](٢) خالطته شبهة الإبل الجرب حين
قال له: ((لا عدوى)) فقال أعرابي: فما بال الإبل تكون في الرمل
كالظباء فإذا دخل فيها البعير الأجرب أجربها؟! فقال له النبي وَبِّه :
((فمن أعدى الأول))(٣) فاستأصل (٤) الشبهة من أصلها، وموضع هذا
أصول الدين.
[٤٧٢٢] (حدثنا محمد بن عمرو) بن زنيج بزاي ونون وجيم،
مصغر، الرازي، أخرج له مسلم (ثنا سلمة بن الفضل) الأبرش
(١) مسلم (١٣٥).
(٢) زيادة يقتضيها السياق.
(٣) رواه البخاري (٥٧١٧، ٥٧٧٠، ٥٧٧٥)، ومسلم (٢٢٢٠) من حديث أبي هريرة.
(٤) بعدها في الأصول قطع ولا وجه لها.

٢٩٣
- كتاب السنة
الأنصاري، ذكره ابن حبان في ((الثقات)) (١)، وأخرج له الترمذي وابن
ماجه في التفسير (حدثني محمد بن إسحاق) بن يسار رأى أنسًا
رضيعنه
(عن عتبة بن مسلم) التجيبي (٢) (مولى بني تيم) إمام جامع مصر، ثقة
(عن أبي سلمة) عبد الله (بن عبد الرحمن) بن عتبة(٣).
(عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ◌َ الله يقول: فذكر نحوه) وزاد:
(فإذا قالوا ذلك فقولوا) عند الوسوسة: هو (﴿اللهُ أَحَدٌ﴾) أي: لا ثاني له،
وفي قراءة النبي ◌َّر: (الله أحد) بغير: ﴿قُلْ هُوَ﴾ كما في هذا الحديث،
ورواية هذا الحديث تدل على هذا ﴿الله الصمد﴾ هو فعل بمعنى مفعول
من صمد إليه إذا قصده، والمعنى هو السيد الذي يصمد إليه كل الخلائق
في جميع حوائجهم.
(﴿لَمْ يَلِدْ﴾) لأنه لا يجانس حتى يكون له من جنسه صاحبة
فيتوالدا، ودل على هذا المعنى قوله تعالى: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ، وَلَدٌ وَلَمْـ
تَكُنْ لَّهُ صَحِبَةٌ﴾(٤) (﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾) لأن كل مولود محدث (﴿وَلَمْ
يَكُن لَّمُ كُفُوَّا أَحَدٌ ﴾﴾) أي: لم يكافئه أحد، أي: لم يماثله
ولم يشابهه (ثم ليتفل) التفل بالمثناة والفاء: نفخ معه أدنى بزاق، وهو
أكثر من النفث، وهو عبارة عن كراهية هذا الخاطر ونفور(٥) طبعه
(١) ((الثقات)) ٢٨٧/٨.
(٢) كذا في النسخ، وهو خطأ، والصواب: (التيمي)، أنظر: ((تهذيب الكمال)) ١٩/
٣٢٣ (٣٧٨٥)، ٢٢٢/٢٠ (٣٩٨٧).
(٣) كذا في (ل)، (م)، والصواب: (عوف).
(٤) الأنعام: ١٠١.
(٥) كلمة غير واضحة.

٢٩٤
عنه، كمن وجد ريح جيفة منتنة فكره ريحها وتفل من نتنها، وجاء التفل
هنا ثلاثًا أوله البزق، ثم التفل، ثم النفث، ثم النفخ (عن يساره) لأنها
جهة الشيطان التي يأتي منها، أو لإكرام اليمين (ثلاثا) أي: يتفل ثلاث
مرات ليكون أبلغ؛ ليطرد الشيطان ويعلمه أنه كره وسوسته وليس
مطيعًا له (ويستعيذ) بالله (من الشيطان) أي: ليلتجئ بصدق النية إلى
الله تعالی لیعینه علیه، ويدفع شر وسوسته عنه.
[٤٧٢٣] (ثنا محمد بن الصباح) التاجر البزاز، مصنف ((السنن)) شيخ
الشيخين (ثنا الوليد) بن عبد الله (بن أبي ثور) الهمداني الكوفي، لا يحتج
بحديثه؛ لأنهم ضعفوه (عن سماك) بن حرب، استشهد به البخاري، في
((الجامع)) وروى له في ((القراءة خلف الإمام)) (١) (عن عبد الله بن عميرة)
بفتح العين وكسر الميم، الكوفي.
قال البخاري: لا يحكم له بسماع من الأحنف (٢). لكن الترمذي
حسن حديثه(٣)، وذكره ابن حبان في ((الثقات))(٤)، ورواه أبو بكر بن
خزيمة في كتاب ((التوحيد))(٥) وهو قد التزم أنه لا يذكر فيه إلا ما صح
من الأحاديث(٦)، وفي سنده الوليد ابن أبي ثور. قال البخاري: عبد
الله بن عميرة لا يعرف له سماع من الأحنف.
(١) في حديث رقم (١٨٥).
(٢) ((التاريخ الكبير)) ١٥٩/٥.
(٣) انظر حديث رقم (٣٣٢٠).
(٤) ((الثقات)) ٣٣٩/٤.
(٥) ((التوحيد)) ٢٣٤/١.
(٦) أنظر ((مقدمة التوحيد)) ١١/١.

٢٩٥
= كتاب السنة
(عن الأحنف بن قيس، عن العباس بن عبد المطلب) بن هاشم عم
النبي ◌ّر، وكان أسن منه بسنتين، حضر بدرًا مكرها فأسر ثم أسلم،
وقيل: كان يكتم إسلامه. (قال: كنت) جالسًا (في البطحاء) بالمد،
وهو موضع بين مكة ومنى، وهو إلى منى أقرب، وهو الأبطح، وهو
بطحاء مكة، وهو المحصب، وهو خيف بني كنانة وأصل البطحاء:
المسيل المتسع فيه دقاق الحصا (في عصابة) وهي الجماعة من الناس
من العشرة إلى الأربعين و(فيهم رسول الله وَّ) جالس (فمرت بهم
سحابة) ابن ماجه: فمرت به (١) (فنظر إليها) لفظ الترمذي: إذ مرت
عليهم سحابة فنظروا إليها فقال: ((هل تدرون ما اسم هذِه؟))(٢).
(فقال: ما تسمون هذِه؟ قالوا: السحاب. قال: و) يسمى (المزن.
قالوا: والمزن) والمزن جمع، واحده: مزنة، تصغيرها: مزينة، وبها
سميت القبيلة، والنسبة إليها مزني بحذف ياء التصغير. وقيل: المزنة
السحابة البيضاء، والبرد حب المزن.
(قال: والعنان) بفتح العين المهملة، والنون المخففة (قالوا: والعنان)
ومنه حديث: ((لو بلغت خطيئتك عنان السماء))(٣) مشتق من قولهم: عنَّ
لك الشيء: أعترض، وفي هذا فضيلة علم اللغة وتعلم الأسماء الكثيرة
(١) ((سنن ابن ماجه)) (١٩٣).
(٢) (سنن الترمذي)) (٣٣٢٠).
(٣) جزء من حديث رواه الترمذي (٣٥٤٠)، والطبراني في ((الأوسط)) ٣١٥/٤
(٤٣٠٥)، وأبو نعيم في ((حلية الأولياء)) ٢٣١/٢، والضياء في ((الأحاديث
المختارة)) ٣٩٩/٤ (١٥٧١) من حديث أنس بن مالك، وصححه الألباني في
((الصحيحة)) (١٢٧).

٢٩٦
للشيء الواحد مترادفة أو مع اختلاف المعاني. وفيه تعليم ذلك لمن لم
يسأل عنه.
(قال) المصنف (لم أتقن) بضم الهمزة، وكسر القاف من الإتقان،
يعني: رواية قوله: و(العنان) إتقانا (جيدًا) وقد أتقنها الترمذي وابن
ماجه وابن خزيمة(١) ثم (قال: هل تدرون) كم (بُعد) بضم الموحدة (ما
بين السماء والأرض؟ قالوا: لا ندري) في رواية ابن ماجه: قال أبو
بكر(٢). (قال: إن بعد ما بينهما) لفظ ابن ماجه: قال: ((بينكم
وبينها)) (٣) (قال: إما) بكسر الهمزة (واحدة أو ثنتان أو ثلاث وسبعون
سنة، ثم السماء) التي (فوقها كذلك حتى عد) هن (سبع سموات)
كذلك، وعلى تقدير صحة هذا الحديث فليس هذا القدر الذي ذكره
ولو للتحديد، وعلى تقدير كونه تحديدًا فإن المشهور الذي رواه
الترمذي في تفسير سورة الحديد عن أبي هريرة: بينما نبي الله حَالله
جالس وأصحابه إذا أتى عليهم سحاب فقال رسول الله وَل: ((أتدرون
ما هذا؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ((هذا العنان هذا زوايا
الأرض يسوقه الله تعالى إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه )) ثم قال:
((هل تدرون ما فوقكم؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ((فإنها الرقيع
سقف محفوظ وموج مكفوف)) ثم قال: ((هل تدرون كم بينكم
(١) أنظر: ((سنن الترمذي)) (٣٣٢٠)، ((سنن ابن ماجه)) (١٩٣)، ((التوحيد)) لابن خزيمة
٢٣٤/١.
(٢) ((سنن ابن ماجه)) (١٩٣).
(٣) السابق.

٢٩٧
- كتاب السنة
وبينها؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: (( بينكم وبينها خمسمائة سنة )) ثم
قال: ((هل تدرون ما فوق ذلك)) قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ((فإن بين
كل سماءين خمسمائة سنة)) حتى عدَّ سبع سموات بين كل سماءين كما
بين السماء والأرض(١).
وعلى تقدير صحة الحديثين فيمكن أن يكون مسير الخمسمائة بطيئا
ومسيرة الثلاث والسبعين سريعًا بأن يكون الخمسمائة بسير الإبل،
والثلاث وسبعون بسير أجاويد الخيل، ونحو ذلك، ويحتمل غير
ذلك، وقيل: ليس هذا القدر المذكور في الحديث تحديدا بل تقريبًا
(ثم فوق) السماء (السابعة بحر بين أسفله وأعلاه مثل) بالرفع،
وللترمذي: ((كما)) (٢) (بين سماء إلى سماء) والظاهر أن هذا بحر
ماء، ويحتمل أن يكون من برد أو غيره.
(ثم فوق ذلك ثمانية أوعال) والأوعال بالعين المهملة تيوس الجبال،
واحدها وعِل بكسر العين، وهو العنز الوحشي. وفي الحديث: (( في
الوعل شاة))(٣) يعني: إذا قتله المحرم، وهُذِه الثمانية أوعال هي
تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَجْلُ عَرَشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَيِذٍ ثَمَنِيَةُ﴾ (٤) قيل: ثمانية
أوعال، أي: ملائكة على صورة الأوعال.
(١) ((سنن الترمذي)) (٣٢٩٨)، ورواه أيضًا أحمد ٢/ ٣٧٠.
قال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه وفيه الحسن لم يسمع عن أبي
هريرة.
(٢) ((سنن الترمذي)) (٣٣٢٠).
(٣) ذكره ابن الأثير في ((النهاية)) ٢٠٧/٥، وغيره.
(٤) الحاقة: ١٧.

٢٩٨
(بين أظلافهم) أي: بين ظلف أحدهم بكسر الظاء المعجمة، وسكون
اللام، وهو للبقر والغنم والظباء، بمنزلة الحافر للدابة (وركبهم مثل)
بالرفع مبتدأ مؤخر (ما بين سماء إلى سماء، [ثم على ظهورهم (١) )
أي: الأوعال (العرش) عرش الرحمن، وهذا الحديث رواه أبو بكر
ابن خزيمة(٢)، وهو ملتزم ألا يذكر إلا ما صح من الأحاديث(٣).
وأوله رواية ابن ماجه: ((العرش بين أعلاه وأسفله كما بين سماء إلى
سماء، ثم الله فوق ذلك تبارك وتعالى))(٤).
(بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء](6) ثم الله تعالى) أي:
حكمه وعظمته وقدرته فوق ذلك العرش، لا بحسب المكان تعالى الله
عما يقول الجاهلون علوًّا كبيرًا.
[٤٧٢٤] (ثنا أحمد بن أبي سريج) بالسين المهملة وبعد الياء جيم،
وهو ابن الصباح شيخ البخاري (أنا عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد)
الدشتكي الرازي صدوق (ومحمد بن سعيد قالا: أبنا عمرو بن أبي
قيس، عن سماك) بن حرب (بإسناده ومعناه) المذكورين.
[٤٧٢٥] (ثنا أحمد بن حفص، حدثني أبي) عبد الله السلمي(٦) (ثنا
(١) بعدها في (ل): ظهورهن. ولعلها نسخة.
(٢) («التوحيد)) ٢٥١/١.
(٣) أنظر مقدمة ((التوحيد)) ١/ ١١.
(٤) ((التوحيد)) ٢٣٤/١، ((سنن ابن ماجه)) (١٩٣).
(٥) ما بين المعقوفتين ساقط من (م).
(٦) كذا في النسخ، وفيه سقط، والصواب: (حفص بن عبد الله السلمي) كما في مصادر
ترجمة ابنه.

٢٩٩
- كتاب السنة
إبراهيم بن طهمان، عن سماك بإسناده ومعناه) في (هذا الحديث الطويل)
المذكور.
[٤٧٢٦] (ثنا عبد الأعلى بن حماد) الباهلي مولاهم النرسي، شيخ
الشيخين (ومحمد بن المثنى، ومحمد بن بشار، وأحمد بن سعيد
الرباطي) المروزي (قالوا: ثنا وهب(١) بن جرير) بفتح الجيم، الأزدي
الحافظ (قال أحمد) بن سعيد (كتبناه من نسخته وهذا لفظه قال: حدثني
أبي(٢)) جرير بن حازم الأزدي، رأى جنازة أبي الطفيل (قال: سمعت
محمد بن إسحاق) بن يسار صاحب ((المغازي)) (يحدث عن يعقوب بن
عتبة) بن المغيرة بن الأخنس، الثقفي، ثقة، من العلماء (عن جبير بن
محمد بن جبير بن مطعم) مقبول، وليس له في الكتب الستة غير هذا
الحديث (عن أبيه(٣)) محمد النوفلي، عاش إلى سنة مائة (عن جده)
جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل أحد أشراف قريش وحكمائها، كان
يؤخذ عنه النسب وأخذه عن أبي بكر، أسلم بعد الحديبية.
(قال: أتى رسول الله وَلل أعرابي فقال: يا رسول الله جُهدت) بضم
الجيم، وكسر الهاء، مبني للمجهول (الأنفس) أي: حصل لها المشقة
الشديدة، يقال: جهد الرجل إذا وجد مشقة وجهد الناس فهم
مجهودون، إذا أجدبوا، وفي حديث الدعاء: ((أعوذ بك من جهد
البلاء)) (٤) أي: الحالة الشاقة (وضاعت) بفتح الضاد المعجمة أي:
(١)، (٢)، (٣)، فوقها في (ل): (ع).
(٤) رواه البخاري (٦٣٤٧)، ومسلم (٢٧٠٧) من حديث أبي هريرة: كان رسول الله وَله
يتعوذ من جهد البلاء ودرك الشقاء ...

٣٠٠
تلِفت من الجوع، وفي رواية: جاعت (العيال، ونهكت) بضم النون،
وكسر الهاء، أي: نقصت (الأموال) من الجدب (وهلكت) بفتح اللام
(الأنعام) وهي الإبل والبقر والغنم، وأصلها الإبل لنعومة جسمها،
(فاستسق الله تعالى لنا) والاستسقاء طلب السقيا والسقي من السماء
(فإنا نستشفع بك على الله) والاستشفاع طلب الشفاعة، أي: نطلب
الشفاعة بك لحرمتك على الله تعالى ([ونستشفع](١) بالله عليك) فتكون
(على) بمعنى (إلى) أي: نجعلك شفيعنا إلى الله تعالى؛ ليحصل
مقصودنا، وينجح أملنا.
(قال رسول الله وَله: ويحك) بالنصب، كلمة ترحم (أتدري ما
تقول؟!) استفهام إنكار عليه لكثرة مبالغة في وصفه (وسبح رسول الله
(وَله) أي: قال: سبحان الله سبحان الله (فما زال يسبح الله تعالى) أي:
يكرر التسبيح (حتى عرف) بضم العين، وكسر الراء، مبني للمجهول،
(ذلك) الذي كرهه منهم (في وجوه أصحابه) أي: ما زال يكرر التسبيح
حتى عرف التغير في وجوه أصحابه كأنهم توسموا منه أنه غضب من
هذا السؤال فخافوا من غضب رسول الله وَّ﴾، حتى رق لهم وأشفق
عليهم، فقطع التسبيح وبين عظمة الرب سبحانه (ثم قال) للأعرابي
(ويحك إنه لا يستشفع) بضم أوله، وفتح ثالثه (بالله تعالى على أحد
من خلقه) فإنه أعظم من ذلك؛ بل يستشفع بخلقه عليه؛ لأن الشافع
في الغالب دون المشفوع إليه، والشفاعة فيما يتعلق بأمور الدنيا
والآخرة هي سؤال الشافع المشفوع إليه في تجاوزه وصفحه عن
(١) ساقطة من (ل)، (م)، والمثبت من ((السنن)).