النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
- كتاب السنة
الأرض (قال: نعم) وجدت ذلك.
(قال: فلم(١) تلومني في شيء سبق من الله تعالى فيه القضاء) والتقدير
(قبلي)(٢). أي: قبل أن أوجد أو يوجد أحد من خلق الله (قال رسول الله
* عند ذلك: فحج آدم موسى فحج آدم موسى عليهما السلام) فيه: إعادة
الكلام؛ ليكون أبلغ في الإعلام.
[٤٧٠٣] (ثنا) عبد الله بن مسلمة بن قعنب (القعنبي، عن مالك، عن
زيد بن(٣) أبي أنيسة) الرهاوي، شيخ الجزيرة (أن عبد الحميد بن عبد
الرحمن بن زيد بن الخطاب أخبره عن مسلم بن يسار) وهو مسلم بن
أبي مريم المدني، أخرج له الشيخان (٤) (أن عمر بن الخطاب نظ ◌ُله
سئل عن هذه الآية: ((و)) أذكر (﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِىّ ءَدَمَ مِن
ظُهُورِهِمْ﴾) ﴿مِن ظُهُورِهِْ﴾ بدل من ﴿بَنِيّ ءَدَمَ﴾ المعنى: (٥) ﴿وإذ أخذ
ربك من ظهور بني آدم ذرياتهم﴾ قال سعيد بن جبير: لما خلق الله آدم
مسح ظهره فأخرج من ظهره كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة.
(١) بعدها في (ل، م): نسخة: فيم.
(٢) بعدها في (ل، م): نسخة: قبل.
(٣) فوقها في (ل): (ع).
(٤) كذا قال رحمه الله وهو خطأ؛ فمسلم بن يسار هذا رجل جهني يروي عن عمر، وابن
أبي مريم رجل آخر، أسم أبي مريم: يسار المري، مولى الأنصار، وقيل: مولى
بني سليم، وقيل: مولى بني أمية، يروي عن سعيد بن المسيب وغيره، وهو الذي
أخرجه له الشيخان، لا مسلم بن يسار الجهني المذكور في إسنادنا هذا.
انظر: ((تهذيب الكمال)) ٥٤١/٢٧ (٥٩٤٤)، ٥٥٦/٢٧ (٥٩٥١).
(٥) ساقطة من (م).

٢٦٢
(قال) المصنف (قرأ) عبد الله (القعنبي) هذِه (الآية) وقال (فقال عمر)
ابن الخطاب (سمعت رسول الله وَ﴿ سئل عنها) أي: عن هذِه الآية (فقال
رسول الله وَّله: إن الله تعالى خلق آدم الَّ ثم مسح ظهره بيمينه) في اليمين
المذهبان المتقدمان في اليد (فاستخرج منه) أي: من صلبه بدليل قوله
تعالى ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الْقُلْبِ وَالتَّآيِ ﴾﴾(١) (ذرية) قال مقاتل: إن الله
مسح صفحة ظهر آدم اليمنى، فأخرج منه ذرية بيضاء كهيئة الذر يتحركون.
(فقال: خلقت هؤلاء للجنة) أي: ليكونوا من أهل الجنة (وبعمل أهل
الجنة يعملون) أي: ييسرون لعمل أهل الجنة (ثم مسح) صفحة (ظهره)
اليسرى (فاستخرج منه ذرية) سوداء كهيئة الذر (فقال: خلقت هؤلاء
للنار) ولا أبالي (وبعمل أهل النار) وهي المعاصي (يعملون) لا يجدون
عنه محیصًا.
(فقال رجل: يا رسول الله، ففيم العمل؟) هذا السؤال هو الذي
تضمنه قوله: أفلا نمكث على كتاب ربنا وندع العمل؟ (فقال رسول
الله وَّه: إن الله تعالى إذا خلق العبد) السعيد (للجنة) كما سبق في أم
الكتاب (استعمله) أي: هيأ له أفعال الخير وخلق له قدرة على
الطاعة، فيعمل (بعمل أهل الجنة حتى يموت) وهو (على عمل من
أعمال أهل الجنة) فيه: أنه ليس للجنة عمل واحد لا يدخلها إلا من
عمل به، بل لها أعمال متعددة من صلاة، وصوم، وحج، وجهاد،
وغير ذلك، لكن الظاهر أن للجنة أبوابًا(٢) مشتركة وأبوابا(٣) مختصة
(١) الطارق: ٧.
(٢) في (ل، م): أبواب. والصواب ما أثبتناه.
(٣) في (ل، م): أبواب. والصواب ما أثبتناه.

٢٦٣
- كتاب السنة
بأعمال منها: باب يقال له: الريان لا يدخل منه (١) إلا الصائمون، وباب
لا يدخل منه إلا التائبون ونحو ذلك (فيدخل به(٢) الجنة) برحمته لا بعمله
(وإذا خلق) الله (العبد) الشقي (للنار استعمله) في دنياه (بعمل أهل النار)
لا يتعدى ما كتب له (حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار) وللنار
أعمال كثيرة كما للجنة، ولها أبواب مختصة ومشتركة كما للجنة
(فيدخله) بضم الياء ونصب اللام. أي: يدخله بعمله (النار) جزاء له.
[٤٧٠٤] (ثنا محمد بن المصفى) بن بهلول القرشي الحمصي. قال
أبو حاتم: صدوق(٣). وقال النسائي: صالح(٤).
(ثنا بقية) بن الوليد (حدثني عمر بن حفص(٥) القرشي، حدثني زيد بن
أبي أنيسة) تقدم، وما بعده (عن عبد الحميد بن عبد الرحمن) بن زيد بن
الخطاب (عن مسلم بن يسار، عن نعيم بن ربيعة) الأزدي. قال الحافظ
ابن حجر: مقبول. من كبار التابعين (٦). انتهى.
وقد وصلت هذه الرواية الانقطاع الذي في الإسناد الذي قبله بين
مسلم بن يسار وبين عمر بن الخطاب، فإنه لم يسمع منه شيئًا (قال:
كنت عند عمر بن الخطاب رضيته بهذا الحديث).
قال المصنف: (وحدیث مالك أتم) من حديث عمر بن جعثم.
(١) في (م): يدخله.
(٢) بعدها في (ل، م): نسخة: يدخله.
(٣) ((الجرح والتعديل)) ١٠٤/٨.
(٤) (تهذيب الكمال)) ٤٦٥/٢٦ (٥٦١٣).
(٥) كذا في (ل)، (م)، وهو خطأ، والصواب: (جعثم)، أنظر ((تهذيب الكمال))
٢٨٧/٢١ (٤٢٠٩).
(٦) (تقريب التهذيب)) (٧١٦٩).

٢٦٤
[٤٧٠٥] (ثنا) عبد الله (القعنبي، ثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه)
سليمان بن طرخان التيمي، نزل فيهم بالبصرة، أحد السادة، ومناقبه
جمة (عن رقبة) بقاف وموحدة مفتوحتين (ابن مصقلة) العبدي الكوفي،
أخرج له الشيخان (عن أبي إسحاق(١)) عمرو بن عبد الله السبيعي
الهمداني.
(عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب رضيالله قال
رسول الله وَر: الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرًا) قال القاضي
عياض: هذا حجة بينة لأهل السنة لصحة مذهبهم في الطبع والرين
والأكنة والأغشية والحجب، وأشباه هذه الألفاظ الواردة في الشرع
على أفعال الله بقلوب (٢) أهل الكفر والضلال، ومعنى ذلك عندهم
خلق الله تعالى ضد الإيمان وضد الهدى، هذا على أصل أهل السنة
أن العبد لا قدرة له إلا ما أراده الله تعالى، خلافًا للمعتزلة والقدرية
القائلين بأن للعبد فعلًا من قبل نفسه وقدرة على الهدى والضلال،
والخير والشر(٣). وقد يحتج بهذا من يقول: أطفال الكفار في النار،
والثاني: يتوقف عن الكلام فيه، والصحيح أنهم في الجنة، ويقولون
في جواب هذا الحديث: معناه: علم الله لو بلغ لكان كافرًا.
(ولو عاش لأرهق أبويه) أي: لو عاش حتى أدرك أبويه لأرهقهما
(طغيانًا وكفرًا) أي: حملهما عليهما وألحقهما بهما، والمراد بالطغيان
هنا الزيادة في الضلال، وهذا الحديث من دلائل أهل الحق في أن الله
(٢) مكانها بياض في (م).
(١) فوقها في (ل): (ع).
(٣) ((إكمال المعلم)) ٧/ ٣٧٤ - ٣٧٥.

٢٦٥
= كتاب السنة
تعالى عالم بما كان [وبما يكون] (١) وبما لا يكون لو كان كيف كان يكون.
[٤٧٠٦] (ثنا محمود بن خالد) بن يزيد الدمشقي السلمي. قال أبو
حاتم: ثقة رضا (٢). (ثنا) محمد بن يوسف (الفريابي) بكسر الفاء (عن
إسرائيل، ثنا أبو إسحاق) السبيعي (عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس،
ثنا أبي بن كعب رُه قال: سمعت رسول الله وَليل يقول في قوله تعالى:
﴿وَأَمَّا الْغُلَمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنٍ﴾) وكان الولد (طبع يوم طبع) أي: خلق
يوم خلق. وفي الحديث: ((كل الخلال يطبع عليها المؤمن إلا الخيانة
والكذب))(٣) والطباع ما ركب في الإنسان من جميع الأخلاق التي لا
يكاد يزاولها من الشر والخير والكفر وغيره (كافرًا) فلو عاش لحمل
أبويه على الطغيان وغيره بالعقوق وسوء صنيعه.
[٤٧٠٧] (ثنا محمد بن مهران) بكسر الميم (الرازي) أبو جعفر شيخ
الشيخين (ثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو) بن دينار (عن سعيد بن جبير
قال: قال ابن عباس: حدثني أبي بن كعب ﴾، عن رسول الله وَلَه قال:
أبصر الخضر غلاما يلعب مع الصبيان فتناول رأسه فقطعه(٤)) ظاهره أنه
(١) ساقطة من (م).
(٢) ((الجرح والتعديل)) ٢٩٢/٨ (١٣٤٢).
(٣) رواه أحمد ٢٥٢/٥، وابن أبي عاصم في ((السنة)) (١١٤) من حديث أبي أمامة.
وضعفه الألباني في ((ضعيف الترغيب)) (١٧٤٨).
ورواه أبو يعلى في ((المسند)) ٦٧/٢، وفي ((المعجم)) (١٦٧)، والبيهقي في
((السنن)) ١٩٧/١٠، وفي ((الشعب)) ٢٠٧/٤ (٤٨٠٩)، والضياء في ((المختارة))
٢٥٨/٣ (١٠٦٢) من حديث سعد بن أبي وقاص.
وهذا أصح من سابقه؛ قال الحافظ في ((الفتح)) ٥٠٨/١٠: إسناده قوي.
(٤) بعدها في (ل)، (م): نسخة: فقلعه.

٢٦٦
أقتلعه من جسده بغير حديدة ولا آلة (فقال موسى القَئيّ: ﴿أَقَلْتَ نَفْسًا
زَكِيَّةٌ﴾) قرئ: ﴿زَّكِيَّةٌ﴾ و(زاكية)، وهي الطاهرة من الذنوب؛ لأنه لم
يبلغ الحنث أو لأنه لم يره أذنب (الآية) إلى آخرها.
[٤٧٠٨] (ثنا حفص بن عمر النمري) بفتح الميم، الحوضي (ثنا
شعبة، وثنا محمد بن كثير) العبدي (ثنا سفيان) الثوري (المعنى واحد،
والإخبار) بكسر الهمزة (في حديث سفيان عن الأعمش، قال: ثنا زيد
ابن وهب) الجهني، هاجر ففاتته رؤية رسول الله و98َّ بأيام (ثنا عبد الله
ابن مسعود رضيُته، ثنا رسول الله وَّ وهو الصادق) في قوله (المصدوق)
فيما يأتي به من الوحي الكريم.
(إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يومًا) يعني: أن المني يقع
في الرحم حين أنزعاجه بالقوة الشهوانية الدافعة مبثوثا متفرقا، فيجمعه الله
في محل الولادة من الرحم في مدة أربعين يومًا، وقد جاء في حديث ابن
مسعود تفسير (يجمع في بطن أمه) أن النطفة إذا وقعت في الرحم فأراد الله
أن يخلق منها بشرًا طارت في بشر المرأة تحت كل ذي ظفر وشعر، ثم
تمكث أربعين يومًا، ثم تصير دمًا في الرحم، فذلك جمعها بعد التفرق.
(ثم يكون علقة مثل ذلك) والعلق: الدم الجامد (ثم يكون مضغة)
وهو قدر ما يمضغه الماضغ من لحم أو غيره (مثل ذلك) أي: يجتمع
حتى يصير مضغة في قدر أربعين يومًا (ثم يبعث) الله (إليه ملك) بفتح
اللام، وهو الموكل بالرحم، كما في حديث أنس أن الله قد وكل
بالرحم ملكًا (١). (فيؤمر بأربع كلمات) ظاهره أن الملك يؤمر بأن
(١) رواه البخاري (٣١٨)، ومسلم (٢٦٤٦).

٢٦٧
كتاب السنة
=
يكتب الأربع كلمات، ثم الأربع التي يكتبها.
(فيكتب) بفتح التحتانية وضمها مبني للفاعل أو المفعول (رزقه وأجله
وعمله) هُذِه ثلاثة (ثم يكتب) بفتح التحتانية وضمها مبني للفاعل أو
المفعول (شقي أو سعيد) وكتابة هذِه الأربع لا تكون إلا بعد أن يسأل
الملك عن ذلك، فيقول: يا رب ما الرزق؟ ما الأجل؟ ما العمر؟ وهل
شقي أو سعيد؟ وقد روى يحيى بن زكريا بن أبي زائدة [عن داود] (١)،
عن عامر، عن علقمة، عن ابن مسعود، وعن ابن عمر أن النطفة إذا
استقرت في الرحم أخذها ملك بكفه، فقال: أي رب أذكر أم أنثى؟
شقي أم سعيد؟ ما الأجل؟ ما الأثر؟ بأي أرض تموت؟ فيقال له:
انطلق إلى أم الكتاب فإنك تجد قصة هذِه النطفة، فينطلق فيجد قصتها
في أم الكتاب، فتلحق فتأكل رزقها، وتطأ أثرها، فإذا جاء(٢) أجلها
قبضت فدفنت في المكان الذي قدر لها.
(ثم ينفخ فيه الروح) بعد أن تتشكل المضغة بشكل ابن آدم وتتصور
بصورته كما قال تعالى: ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا اُلْعِظَمَ
◌َحْمًا﴾(٣) فنفخ الروح هو المعني بقوله: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَهُ خَلْقًا ءَاخَرَ﴾ (فإن
أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة) ظاهر الحديث أن عمله هذا يكون
صحيحًا يقرب صاحبه إلى الجنة بسبب العمل (حتى يشرف) عليها و(ما
يكون بينه وبينها إلا ذراع أو قيد) بكسر القاف. أي: قدر (ذراع فيسبق
عليه) القدر الذي في (الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها) فالأعمال
بالسوابق لكن السابقة مستورة عنا والخاتمة ظاهرة.
(١)، (٢) ساقطة من (م).
(٣) المؤمنون: ١٤.

٢٦٨
قال القرطبي: هذا العامل المذكور لم يكن عمله صحيحًا في نفسه،
وإنما كان رياءً وسمعة، ولهذا جاء في رواية البخاري في غزوة خيبر (١):
إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، وهو من أهل النار(٢).
(حتى ما يكون بينها وبينه إلا ذراع أو قيد ذراع) المراد بالذراع التمثيل
للقرب من موته ودخول عقبيه إلى تلك الدار، والمراد أن هذا
الحديث قد يقع في النادر من الناس لا أنه الغالب فيهم، ومن لطف
الله [أن](٣) انقلاب الناس من الشر إلى الخير كثير، ومن الخير إلى
الشر في غاية الندور، ويستفاد من هذا الحديث الاجتهاد في
الإخلاص والتحرز من الرياء، وترك العجب بالأعمال، والركون إليها
خوفًا من سوء الخاتمة.
(فيسبق عليه الكتاب) من اللوح المحفوظ (فيعمل بعمل أهل النار
فيدخلها) أي: فيموت وهو على عمل أهل النار فيدخلها بعمله الذي
ختم له به.
[٤٧٠٩] (ثنا مسدد، ثنا حماد بن زيد، عن يزيد) بن أبي يزيد الضبعي
(الرشك) بكسر الراء هو بالفارسية ومعناه القسام، كان يقسم الدور،
ومسح مكة قبل أيام الموسم فبلغ كذا، ومسح أيام الموسم فإذا قد زاد
كذا(٤) (أبنا مطرف، عن عمران بن حصين رضي الله عنهما قال: قيل
لرسول الله وَلّ يا رسول الله) وفي بعض النسخ بحذف: (يا رسول الله)
(١) ((صحيح البخاري)) (٤٢٠٢، ٤٢٠٧).
(٢) ((المفهم)) ٦/ ٦٥٣ - ٦٥٤.
(٣) زيادة يقتضيها السياق.
(٤) انظر: ((الجرح والتعديل)) ٩/ ٢٩٧.

٢٦٩
= كتاب السنة
(أعلم) بفتح همزة الاستفهام، وضم العين، وكسر اللام، مبني
للمجهول؛ لكونه معلومًا للسامع، وفيه حذف تقديره: أعلم الله تعالى
من هو من (أهل الجنة) ممن هو (من النار؟ قال: نعم) ولفظ مسلم
كلفظ المصنف(١)، ولفظ البخاري: قال رجل: يا رسول الله، أيعرف
أهل الجنة من أهل النار؟ وبوب عليه باب جف القلم على علم الله
وقوله تعالى: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلٍْ﴾ (٢) وقال أبو هريرة: قال لي النبي
وَ لجر: ((جف القلم بما أنت لاق)) وقال ابن عباس في قوله تعالى:
﴿وَهُمْ لَا سَبِقُونَ﴾ (٣) أي: سبقت لهم السعادة(٤).
وفي هذا الحديث وما معه من النصوص إدحاض حجة القدرية أنه قد
سبق علم الله تعالى بكل ما يعمله الآدميون من أهل الجنة الذين تمسكوا
بالطاعة، ومن أهل النار الذين تمسكوا بالكفر والمعصية، وأخبر الله أنه
قد فرغ من الحكم على كل نفس، وكتب القلم كل ما يصير إليه العبد من
خير أو شر في أم الكتاب، وجف مداده على المقدور من علم الله، فمنهم
من هداه الله على علم به، ومنهم من أضله على علم به، وعرف كل ما
يصير إليه أمره، وبين الله ذلك في كتابه حيث يقول: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ
أَنشَأَكُمُ مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِ بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ﴾ (٥) فعرفنا أنه كان بنا
عالمًا حين خلق آدم من طينة الأرض المختلفة كما تقدم، وأحاط
علمًا بما يقع من تلك الطينة لكل شخص من أشخاص أولاده إلى يوم
(١) مسلم (٢٦٤٩).
(٣) المؤمنون: ٦١.
(٥) النجم: ٣٢.
(٢) الجاثية: ٢٣.
(٤) البخاري (٦٥٩٦) وما قبله.

٢٧٠
القيامة.
(قال: ففيم) ولفظ البخاري: فلم(١). ولمسلم قال: قيل: ففيم (٢)
(يعمل العاملون؟) أي: لأي شيء يعمل العاملون؟ ولأي شيء يجتهد
المجتهدون؟ ولم لا يدعون العمل ويتكلون على ما سبق لهم؟ فرد
النبي ◌َّ عليهم هذا و(قال:) بل يعمل (كل) أحد، فكل أمرئ (ميسر
لما خلق له) من خير أو شر.
قال المهلب: فيه حجة لأهل السنة على المجبرة من أهل القدر،
وذلك قوله: ((اعملوا فكل ميسر لما خلق له)) من عمله الخير أو الشر (٣).
(١) البخاري (٦٥٩٦).
(٢) مسلم (٢٦٤٨).
(٣) انظر: ((شرح ابن بطال)) ٣٠٠/١٠.

٢٧١
كتاب السنة
=
١٨ - باب فِي ذَراري المُشْرِ كِينَ
٤٧١١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ مُبَثٍْ، عَنِ
ابن عَبّاسِ أَنَّ النَّبِي وَّرَ سُئِلَ عَنْ أَوْلادِ المُشْرِكِينَ، فَقالَ: ((اللهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا
(١)
عامِلِينَ))(١).
٤٧١٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَابِ بْنُ نَجْدَةَ، حَدَّثَنا بَقِيَّةُ ح وَحَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مَزْوانَ
الرَّقْيُّ وَكَثِيرُ بْنُ عُبَيْدِ المَذْحِجِيُّ قالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَزْبٍ - المَغْنَى-، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ
زِيادٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَيْسٍ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ ذَراري المُؤْمِنِينَ
فَقالَ: ((هُمْ مِنْ آبَائِهِمْ)). فَقُلْتُ: يا رَسُولَ الهِ بِلا عَمَلٍ؟ قالَ: ((اللهُ أَعْلَمُ بِما
كانُوا عامِلِينَ)). قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ فَذَراري المشْرِكِينَ؟ قالَ: ((مِنْ آبَائِهِمْ)). قُلْتُ:
بِلا عَمَلٍ؟ قالَ: ((اللّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا عامِلِينَ))(٢).
٤٧١٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنا سُفْيانُ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَخْيَى، عَنْ عَائِشَةَ
بِئْتِ طَلْحَةَ، عَنْ عائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ، قَالَتْ: أُتّ النَّبِيِ نَّهُ بِصَبِي مِنَ الأَنَّصارِ يُصَلّي
عَلَيْهِ قالَتْ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، طُوبَى لهذا لَمْ يَعْمَلْ شَرًا وَلَمْ يَدْرِ بِهِ. فَقالَ:
(( أَوَغَيْرَ ذَلِكِ يا عائِشَةُ إِنَّ اللهَ خَلَقَ الجَنَّةَ وَخَلَقَ لَها أَهْلاً، وَخَلَقَها لَهُمْ وَهُمْ
فِي أَصْلابِ آبَائِهِمْ، وَخَلَقَ النّارَ وَخَلَقَ لَها أَهْلاً، وَخَلَقَها لَهُمْ وَهُمْ فِي
أَضْلابٍ آبائِهِمْ»(٣).
٤٧١٤ - حَدَّثَنَا القَعْنَبِي، عَنْ مالِكِ، عَنْ أَبي الزِّنادِ، عَنِ الأَغْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَله: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ فَأَبَواهُ يُهَوِّدَانِهِ
(١) رواه البخاري (١٣٨٣)، ومسلم (٢٦٦٠).
(٢) رواه أحمد ٨٤/٦، وإسحاق بن راهويه (١٦٧١)، والفريابى فى ((القدر)) (١٧٠)،
والآجري في («الشريعة)) (٤٠٥).
وقال الألباني: صحيح الإسناد.
(٣) رواه مسلم (٢٦٦٢).

٢٧٢
وَيُنَصِّرانِهِ، كَما تَناتَجُ الإِلُ مِنْ بَهِيمَةٍ جَمْعاءَ هَلْ تُحِسُّ مِنْ جَدْعاءَ؟ )). قالُوا:
يا رَسُولَ اللهِ أَفَرَأَيْتَ مَنْ يَمُوتُ وَهُوَ صَغِيرٌ قالَ: ((اللهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا عامِلِينَ))(١).
٤٧١٥ - قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قُرِئَ عَلَى الحارِثِ بْنِ مِسْكِينٍ وَأَنَا أَسْمَعُ أَخْبَرَكَ يُوسُفُ
ابْنُ عَمْرٍو أَخْبَرَنا ابن وَهْبٍ، قالَ: سَمِعْتُ مالِكًا قِيلَ لَهُ إِنَّ أَهْلَ الأَهْواءِ يَحْتَجُونَ
عَلَيْنا بهذا الحَدِيثِ. قالَ مالِكٌ: أَخْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِآخِرِهِ.
قالُوا: أَرَأَيْتَ مَنْ يَمُوتُ وَهُوَ صَغِيرٌ؟ قالَ: ((اللهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا عامِلِينَ))(٢).
٤٧١٦ - حَدَّثَنَا الحَسَنُ بنُ عَلي، حَدَّثَنَا حَجْاجُ بْنُ اِنْهالِ، قالَ: سَمِعْتُ حَمّادَ بْنَ
سَلَمَةَ يُفَسِّرُ حَدِيثَ: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِظْرَةِ)). قالَ: هذا عِنْدَنا حَيْثُ أَخَذَ
اللهُ عَلَيْهِمُ العَهْدَ في أَضْلابِ آبَائِهِمْ حَيْثُ قالَ: ﴿ أَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾(٣).
٤٧١٧ - حَدَّثَنَا إِبْراهِيمُ بْنُ مُوسَى الرّزي، حَدَّثَنا ابن أبي زائِدَةَ، قالَ: حَدَّثَني
أَبي، عَنْ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ لَّهِ: ((الوائِدَةُ والمَوْؤُودَةُ في النّارِ)). قَالَ يَجْيَى
ابْنُ زَكَرِيّا: قالَ أَبي: فَحَدَّثَنِي أَبُو إِسْحاقَ أَنَّ عامِرًا حَدَّثَهُ بِذَلِكَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنِ ابن
مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِي وَّ(٤).
٤٧١٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمّدٌ، عَنْ ثابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلاً
قالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَيْنَ أَبي قالَ: ((أَبُوكَ فِي النّارِ)). فَلَمَّا قَفَّى قَالَ: ((إِنَّ أَبِي وَأَباكَ
في النّارِ ))(٥).
٤٧١٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْماعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمّدٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ
مالِكِ قالَ: قَالَ رَسُولُ الهِ مِّهَ: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْري مِنِ ابن آدَمَ مَجْرى
(١) رواه البخاري (١٣٥٩)، ومسلم (٢٦٥٨).
(٢) قال الألباني: صحيح الإسناد مقطوع.
(٣) قال الألباني: صحيح الإسناد مقطوع.
(٤) رواه البزار ٣٦/٥ (١٥٩٦)، وابن حبان (٧٤٨٠). وصححه الألباني.
(٥) رواه مسلم (٢٠٣).

٢٧٣
- كتاب السنة
الدَّمِ))(١).
٤٧٢٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ الهَمْداني، أَخْبَرَنا ابن وَهْبٍ، قال: أخبرني ابن
لَهِيعَةَ وَعَمْرُوِ بْنُ الحارِثِ وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ عَطاءِ بْنِ دِينارٍ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ
شَرِيكِ الهُذَلِي، عَنْ يَخْيَى بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ رَبِيعَةَ الْجُرَشي، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ
الخطّابٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وََّ قالَ: ((لا تُجالِسُوا أَهْلَ القَدَرِ وَلا تُفاتِحُوهُمُ
الحَدِيثَ ))(٢).
باب في ذراري المشركين
[٤٧١١] (ثنا مسدد، ثنا أبو عوانة) الوضاح بن عبد الله (عن أبي بشر)
جعفر بن إياس اليشكري (عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله
عنهما أن النبي وَله سئل عن أولاد) وللصحيحين وللمصنف في رواية:
عن ذراري(٣) (المشركين) ولمسلم: عن أطفال المشركين، عمن
يموت منهم صغيرًا (٤).
وفي أطفال المشركين ثلاثة أقوال، فقال الأكثرون: هم في النار تبعًا
لآبائهم، حكاه النووي(٥)، وتوقف قوم. قال القرطبي: ذهب قوم -
أحسبهم من غير أهل السنة- أنهم يكونون في برزخ(٦). قال
(١) رواه مسلم (٢١٧٤).
(٢) سبق قريبا برقم (٤٧١٠)، وهو ضعيف.
(٣) البخاري (١٣٨٤، ٦٥٩٨)، مسلم (٢٦٥٩).
(٤) مسلم (٢٦٥٩/ ٢٧).
(٥) ((مسلم بشرح النووي)) ٢٠٨/١٦.
(٦) ((المفهم)) ٦٧٨/٦.

٢٧٤
النووي(١): والصحيح الذي ذهب إليه الأكثرون أنهم في الجنة. ويستدل
له بأشياء منها حديث إبراهيم الخليل حين رآه النبي وضّ وحوله أولاد
الناس، قالوا: يا رسول، وأولاد المشركين؟ قال: ((وأولاد
المشركين)) رواه البخاري في ((صحيحه))(٢)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا
كُنَّا مُعَذِِّينَ حَّ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (٣) ولا يتوجه على المولود التكليف،
ويلزمه قول الرسول حتى يبلغ، وهذا متفق عليه.
(فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين) ليس فيه تصريح بأنهم في النار،
وحقيقة لفظه: والله أعلم بما كانوا يعملون لو بلغوا أو لم يبلغوا،
والتكليف لا يكون إلا بالبلوغ.
ولمسلم زيادة ولفظه: (( والله أعلم بما كانوا عاملين إذ خلقهم)) (٤)
ومعناه: والله أعلم بما جبلهم وطبعهم عليه، فمن خلقه الله على جبلة
المطيعين كان من أهل الجنة، ومن خلقه على جبلة الكفار من الفسقة
والمخالفة كان من أهل النار، وهذا كما تقدم في غلام الخضر: ((طبع
يوم طبع كافرًا)) (٥).
[٤٧١٢] (ثنا عبد الوهاب بن نجدة) الحوطي من جبلة الساحل، وثقه
يعقوب بن شيبة(٦) (ثنا بقية) بن الوليد (قال) المصنف (وثنا موسى بن
(١) ((مسلم بشرح النووي)) ٢٠٨/١٦.
(٢) ((صحيح البخاري)) (٧٠٤٧).
(٣) الإسراء: ١٥.
(٤) مسلم (٢٦٦٠).
(٥) تقدم قريبًا برقم (٤٧٠٥، ٤٧٠٦).
(٦) انظر: ((تهذيب الكمال)) ٥١٩/١٨.

٢٧٥
- كتاب السنة
مروان الرقي) قال ابن السمعاني: بفتح الراء، وتشديد القاف، نسبة إلى
الرقة مدينة على طرف الفرات، والرقة الأولى خربت، والذي تسمى
اليوم الرقة كانت تسمى أولًا الرافقة، لها تاريخ، ينسب إليها كثير من
العلماء، منهم أبو مروان الرقي. انتهى(١). وهو صدوق.
(وكثير بن عبيد) مصغر (المذحجي) قال ابن السمعاني: بفتح الميم،
وسكون الذال -يعني: المعجمة- وكسر الحاء المهملة بعدها جيم، نسبة
إلى مذحج قبيل كثير من اليمن(٢). واسم مذحج مالك بن أدد بن زيد، قيل
له: مذحج؛ لأنه ولد على أكمة حمراء باليمن، يقال لها: مذحج. فسمي
بها، وهو ثقة (قالا: ثنا محمد بن حرب) الأبرش، ولي قضاء دمشق
(المعنى، عن محمد بن زياد) الألهاني الحمصي (عن عبد الله بن أبي
قيس) ويقال: ابن قيس البصري الحمصي، أخرج له مسلم(٣).
(عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله، ذراري
المؤمنين؟) مبتدأ خبره محذوف تقديره: ما حكمهم؟ الذراري واحدها
ذرية بوزن فعيلة من الذر؛ لأن الله أخرج الخلق من صلب آدم القليل
كالذر حين أشهدهم على أنفسهم. وقيل: مأخوذ من ذرأ الله الخلق:
خلقهم. والذرية نسل الثقلين، قال الخليل: سموا ذرية؛ لأن الله
ذرأهما على الأرض كما ذرأ الزراع البذر، والذرية أصلها الأبناء وقد
تطلق على الآباء، كقوله تعالى: ﴿وَءَايَةٌ لَُّمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِيََّهُمْ﴾(٤) يعني:
(١) ((الأنساب)) ١٥٦/٦.
(٢) ((الأنساب)) ١٢/ ١٦١.
(٣) (٢٦/٣٠٧).
(٤) يس: ٤١.

٢٧٦
آباءهم. والمراد هنا البنون والبنات والخنائى والمجانين.
(قال) هم (من آبائهم) جار ومجرور. أي: مخلوقين من آبائهم، فيعلم
حكمهم من آبائهم، أو هم يعدون من جملة آبائهم، فيلحقون بهم في
الإيمان، كما أنهم ملحقون بمنازلهم في الجنة وإن لم يستأهلوها؛
لحديث ابن عباس: قال رسول الله وقال: ((إن الله ليرفع ذرية المؤمن
حتى يلحقهم به (١) وإن كانوا دونه في العمل؛ لتقر بهم عينه)) ثم قرأ:
(وَالَّذِينَ آمَنُوا وأتبعناهم ذرياتهم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّاتهمْ(٢))(٣)
ليجمع الله لهم أنواع السرور باجتماع أولادهم ونسلهم، وقوله تعالى:
وَيِإِيمَنٍ﴾ أي: بسبب إيمان عظيم رفيع المحل، وهو إيمان الآباء
ألحقنا بدرجتهم ذرياتهم وإن لم يستأهلوها (٤) تفضلًا عليهم وعلى
آبائهم؛ ليتم سرورهم وتكمل نعمتهم.
(فقلت: يا رسول الله) يلحقون بآبائهم (بلا عمل؟) يستحقونه به (قال:
(١) في (ل)، (م): بهم. والمثبت هو الصواب.
(٢) هي قراءة أبي عمرو البصري، أنظر ((السبعة)) لابن مجاهد ص ٦١٢.
(٣) رواه البزار في ((البحر الزخار)) كما في ((كشف الأستار)) ٧٠/٣ (٢٦٦٠)،
والطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) ١٠٦/٣ (١٠٧٥)، وابن عدي في ((الكامل))
١٦٢/٧، وأبو نعيم في ((الحلية)) ٣٠٢/٤، والبيهقي في ((القضاء والقدر)) (٦٣٧)،
والبغوي في ((معالم التنزيل)) ٣٨٩/٧.
وصححه الألباني في («الصحيحة» (٢٤٩٠).
ورواه الطبري في ((جامع البيان)) ١١/ ٤٨٧، والطحاوي في ((شرح مشكل الآثار))
١٠٧/٣، والحاكم في ((المستدرك)) ٤٦٩/٢، والبيهقي في (السنن)) ٢٦٨/١٠،
وفي ((القضاء والقدر)) (٦٣٦)، وفي ((الاعتقاد)) (ص١٦٦) عن ابن عباس، قوله.
(٤) في (ل)، (م): يستأهلونها. والمثبت هو الصواب.

٢٧٧
- كتاب السنة
الله أعلم بما كانوا عاملين) لو بلغوا، كما تقدم قريبًا (قلت: يا رسول الله
فذراري) مبتدأ مشدد الياء، ويجوز تخفيفها كما في أثافيَّ وأثافي،
وكراسيَّ وكراسي (المشركين؟ قال) هم (من آبائهم) كما في الإيمان؛
الرواية علي بن أبي طالب: قال رسول الله وَلّ: ((إن المؤمنين
وأولادهم في الجنة، والمشركين وأولادهم في النار)) ثم قرأ: (وَالَّذِينَ
آمَنُوا وأتبعناهم ذرياتهم) الآية(١).
(قلت: بلا عمل) هو نكرة في معرض النفي، فيعم كل عمل. أي:
بغير عمل أصلًا لا قليل ولا كثير.
(قال: الله أعلم) بما سبق في علمه إذ جبلهم وطبعهم في الأزل، وقد
احتج بهذا الحديث من قال: إن أولاد المشركين في النار مع آبائهم. قال
القرطبي: ولا حجة فيه، لوجهين: أحدهما: أن المسألة علمية، وهذا
خبر واحد، وليس نصًا (٢) في الفرض.
وثانيهما: سلمناه، لكنا نقول ذلك في أحكام الدنيا، وعنها سئل
وعليها خرج الحديث، وذلك أنهم قالوا: يا رسول الله، إنا نبيت أهل
الدار من المشركين وفيهم الذراري. فقال: ((هم من آبائهم)) يعني: في
جواز القتل في حال التبييت وفي غير ذلك من أحكام آبائهم الدنيوية،
والله أعلم(٣) (بما كانوا عاملين) يحتمل أن يكون قاله قبل أن يعلمه الله
أنهم في الجنة مع أولاد المؤمنين. وقيل: (بما كانوا عاملين). أي:
(١) رواه أحمد ١٣٤/١ - ١٣٥. وضعفه الألباني في ((الضعيفة)) (٥٧٩١).
(٢) في (ل، م): أيضا، والمثبت من ((المفهم)).
(٣) ((المفهم)) ٦ /٦٧٨ - ٦٧٩.

٢٧٨
على [أي](١) دين يميتهم لو عاشوا فبلغوا العمل، فأما إذ عدم منهم
العمل فهم في رحمة الله.
[٤٧١٣] (ثنا محمد بن كثير) العبدي (أبنا سفيان) بن سعيد الثوري
(عن طلحة بن يحيى) بن عبيد الله، أخرج له مسلم (عن) عمته (عائشة
بنت طلحة) بن عبيد الله، وأمها أم كلثوم بنت الصديق (عن) خالتها
(عائشة أم المؤمنين قالت: أتي النبي (وَّه بصبي من الأنصار) ولفظ
مسلم: دعي رسول الله ◌ّ إلى جنازة صبي من الأنصار (٢). وفي رواية
له: توفي صبي(٣) (أن يصلي عليه) (٤).
فيه: أن الصبي يصلى عليه كما يصلى على البالغ.
(قالت:) عائشة (قلت: يا رسول الله، طوبى) اسم الجنة. وقيل:
شجرة فيها، وأصلها فعلى من الطيب، فلما ضمت الطاء انقلبت الياء
واوًا (لهذا) الصبي (لم يعمل شرًّا) قط (ولم يدر) بفتح الياء وسكون
الدال (به) أي: لم يعلم به. ولفظ مسلم: طوبى لهذا عصفور من
عصافير الجنة لم يعمل السوء ولم يدركه(٥).
(قال: أو) بإسكان الواو للإضراب عن الأول أو التقسيم. يعني: إما
له (طوبى) أو (غير) بالرفع (ذلك) بكسر الكاف؛ لأن المخاطب مؤنث،
قبل أن ينكر عليها بأن حكمت له بطوبى، بل أنكر لمبادرتها إلى الجواب
(١) ليست في (ل)، (م)، والسياق يقتضيها.
(٢) مسلم (٢٦٦٢/ ٣١).
(٣) مسلم (٣٠/٢٦٦٢).
(٤) بعدها في (ل)، (م): نسخة: فصلى عليه.
(٥) مسلم (٣١/٢٦٦٢).

٢٧٩
= كتاب السنة
والجزم بأنه من أهل الجنة دون تعليق بالمشيئة، ولم يرض ذلك منها لما
فيه بالحكم من الغيب والقطع بإيمان أبوي الصبي أو أحدهما، إذ هو تبع
لهما، ويحتمل أنه قال ذلك قبل أن يعلم حكم أولاد المؤمنين.
ومنه إرشاد الأمة إلى التوقف عند الأمور المبهمة والسكوت عنها
إلى أن يرد الحكم.
(يا عائشة، إن الله تعالى خلق الجنة وخلق لها أهلاً، وخلقها لهم وهم
في أصلاب آبائهم) لا يعارض هذا ما تقدم أنه يكتب وهو في بطن أمه
شقي أو سعيد؛ لما تقرر من أن قضاء الله وقدره راجع إلى علمه
وقدرته، وهما أزليان لا أول لهما، ومقصود هذِه الأحاديث كلها أن
قدر الله سابق على حدوث المخلوقات، وأن الله يظهر من ذلك ما
شاء لمن شاء متى شاء قبل وجود الأشياء (وخلق النار) ظاهره أنه
خلقها والجنة قبل خلق الموجودات (وخلق لها) أي: لأجل دخولهم
فيها (أهلاً) معينين عند الله تعالى (وخلقها لهم وهم) هذِه الواو واو
الحال. أي: خلقها لهم في حال كونهم في أصلاب آبائهم وآباء آبائهم
وإن علوا.
[٤٧١٤] (ثنا) عبد الله بن مسلمة (القعنبي، عن مالك، عن أبي الزناد)
عبد الله بن ذكوان المدني (عن) عبد الرحمن (الأعرج، عن أبي هريرة څته
قال: قال رسول الله وَليقول: كل مولود) فإنه (يولد على الفطرة) وهي لغة:
الخلقة، والمراد بقوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾(١) أي: خلقة الله. بدليل
(١) الروم: ٣٠.

٢٨٠
قوله: ﴿لَا نَبْدِيَلَ لِخَلْقِ اٌللَّهِ﴾ والمراد به هاهنا ما يراد به في الآية الشريفة،
وهي الدين؛ لأنه قد أعتورها البيان من أول الآية، وهي قوله: ﴿فَأَقِمْ
وَجْهَكَ لِلِّينِ﴾ ومن آخرها، وهو ذلك الدين القيم.
(الكشاف)) ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ منصوب بالزموا مقدرًا، ومعناه أنه
خلقهم قابلين للتوحيد ودين الإسلام؛ لكونه على مقتضى العقل
والدين الصحيح حتى لو تركوا وطغيانهم لما اختاروا عليه دينًا(١).
وقوله: على مقتضى العقل. فيه دسيسة أعتزالية في تحسين العقل.
(فأبواه يهودانه وينصرانه) أي: كل مولود تلده أمه سالمًا من اليهودية
والنصرانية وليس قوله: (كل مولود يولد على الفطرة) بيانا(٢) أنه على
الإيمان العام، وإنما فيه أنه يولد على تلك الفطرة التي لم يظهر منها
إيمان ولا كفر، لكن لما حملهم آباؤهم على دينهم ظهر منهم ما
حملوهم عليه من يهودية أو نصرانية، لما أراد الله إمضاء ما علمه
وقدره في كل واحد منهم بما أجرى لهم في بدء الأمر من كفر
وإيمان، ختم لهم بما سبق عليه الكتاب الأول.
(كما تناتج) بفتح التاء والنون المخففة والتاء التي بعد الألف. أي:
كما تتوالد. أصله بتاءين ثم حذفت إحداهما تخفيفًا (الإبل من بهيمة
جمعاء) بفتح الجيم والمد. أي: مجتمعة الأعضاء سليمة من النقص
في الأطراف، سميت بذلك لاجتماع السلامة في الأعضاء.
قال الكرماني: لفظ: (كما) إما حال. أي: يهودان المولود بعد أن
(١) ((الكشاف)) ٥٠٩/٣ - ٥١٠.
(٢) في (ل)، (م): بيان. والمثبت هو الصواب.