النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
- كتاب الحدود
(فقالوا: يا أبا القاسم، إن رجلاً منا زنى بامرأة، فاحكم (١)) قال ابن
عطية: الأمة مجمعة على أن حاكم المسلمين يحكم بينهم أي: إذا جاؤوا
إليه في التظالم، وأما نوازل الأحكام التي لا تظالم فيها فهي التي يتخير
فيها الحاكم(٢).
(فوضعوا لرسول الله وَله وسادة) ليجلس عليها (فجلس عليها) فيه أن
من أكرم بالوسادة لا يردها ولو كانت من كافر، وفي الحديث: ((ثلاثة لا
ترد: [الوسائد](٣)) (٤) (ثم قال: أئتوا(٥) بالتوراة) فيه الدليل على المطالبة
بإقامة الحجج على الأحكام الشرعية (فأتي بها، فنزع الوسادة) قد يحتج به
من لا يرى القيام بكتب الله المنزلة [(من تحته فوضع التوراة عليها) فيه:
تعظيم كتب الله المنزلة](٦).
(ثم قال: آمنت بك وبمن أنزلك) امتثالا لأمر الله تعالى في غير آية
من الآيات الدالات على الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، لكن
لمؤمن أهل الكتاب خصوصية، وذلك أنهم مؤمنون بما [في أيديهم](٧)
(١) بعدها في (ل): بينهم. وفوقها: خـ
(٢) ((المحرر الوجيز)) ٤٥١/٤.
(٣) ساقطة من (م)، وموضعها في (ل) بياض، والمثبت من ((سنن الترمذي)).
(٤) رواه الترمذي (٢٧٩٠)، ومن طريقه البغوي في ((شرح السنة)) ٨٨/١٢ (٣١٧٣)،
من حديث ابن عمر.
قال الحافظ في ((الفتح)) ٢٠٩/٥: إسناده حسن، إلا أنه ليس على شرط البخاري.
وصححه الألباني في ((الصحيحة)) (٦١٩).
(٥) بعدها في (ل) وهامش (م): أنتوني، وفوقها: خـ
(٦) ما بين المعقوفتين ساقط من (م).
(٧) في (ل): بأيديهم.

٤٤٢
مفصلًا، وأما غيرهم فإنما يحصل له الإيمان بما تقدم مجملًا كما جاء في
((الصحيح)): (( لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالذي
أنزل إلينا، وأنزل إليكم))(١).
(ثم قال: ائتوني بأعلمكم) وفي الرواية الآتية: ((ائتوني بأعلم رجلين
منكم)) (فأتي بفتى شاب) وفي رواية الطبراني: فأتي بشاب فصيح(٢). كما
سيأتي (ثم ذكر قصة الرجم) على (نحو حديث مالك، عن نافع).
[٤٤٥٠] (حدثنا محمد بن يحيى) بن عبد الله الذهلي شيخ البخاري
(قال: ثنا عبد الرزاق قال: أنا معمر، عن الزهري قال: ثنا رجل من مزينة،
وحدثنا أحمد بن صالح قال: ثنا عنبسة قال: ثنا يونس قال محمد بن
مسلم:) الزهري (سمعت رجلاً من مزينة ممن يتبع العلم) أي: أهل
العلم فيحفظه (ويعيه) سبق في الأقضية في باب: كيف يحلف الذمي(٣).
(ثم أتفقا و) قال كل منهما: (نحن عند سعيد بن المسيب عن أبي
هريرة رضيُه وهذا حديث معمر، وهو أتم، قال: زنى رجل من اليهود
وامرأة، فقال بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى هذا (٤) النبي) الذي بعث
(فإنه نبي(٥) بعث بالتخفيف) والتيسير؛ لقوله: ((يسروا ولا تعسروا)) (٦).
(١) رواه البخاري (٧٣٦٢) من حديث أبي هريرة.
(٢) ((المعجم الكبير)) ٣٢١/١١ (١١٨٧٥).
(٣) (٣٦٢٤، ٣٦٢٥).
(٤) ساقطة من (م).
(٥) ساقطة من (م).
(٦) رواه البخاري (٦٩)، ومسلم (١٧٣٤) من حديث أنس.

٤٤٣
كتاب الحدود
-
(فإن أفتانا بفتيا) يقال: فتوى وفتيا بالضم في الأولى، والفتح في
الثانية (دون الرجم) الذي فيه إزهاق النفس (قبلناها واحتججنا بها عند
الله) فيه ذم من كانت بينه وبين شخص خصومة في مالٍ أو دم وذهب
إلى العالم ليسأله؛ لعل أن يكون عنده حيلة يبطل بها حق من بينه وبينه
الخصومة، فإن دله على حيلة أخذ منه فتواه بذلك؛ ليدفع بها خصمه
عند الحاكم إذا أُدعى عليه، ويقول: هذِه فتيا فلان العالم. كما في
الحديث (قلنا:) هذِه (فتيا (١) نبي من أنبيائك) الذي أرسلته إلينا.
(قال: فأتوا النبي ◌َّ وهو جالس في المسجد) فيه فضيلة ملازمة
المساجد وكثرة الجلوس فيها والتردد إليها، وفيه الجلوس في المسجد
للإفتاء والتعليم، وأما القضاء في المسجد فقال بعض أصحابنا: لا
يكره الجلوس في المسجد له، كما لا يكره للإفتاء والتعليم. والصحيح
أنه يكره اتخاذه مجلسًا للحكم؛ لأنه ينزه عن رفع الأصوات وحضور
الحيَّض والكفار والمجانين.
(في أصحابه، فقالوا: يا أبا القاسم) فيه جواز دخول الكفار المسجد
إذا أذن له (ما ترى في رجل وامرأة) منهم (زنيا؟ فلم يكلمهم كلمة) في
المسجد (حتى أتى بيت مدراسهم) بكسر الميم كما تقدم (فقام على
الباب) ولم يدخل (فقال: أنشدكم) بفتح الهمزة وضم الشين، أي:
أسألكم (بالله الذي أنزل التوراة على موسى) وفي رواية أبي بكر عبد
الله بن الزبير الحميدي في ((مسنده)): ((أنشدكم بالذي فلق البحر لبني
(١) ساقطة من (م)، (ل).

٤٤٤
إسرائيل، وظلل علكيم الغمام، وأنجاكم من آل فرعون، وأنزل المن
والسلوى على بني إسرائيل)) (١) (ما تجدون في التوراة على من زنى إذا
أحصن؟) بضم الهمزة وكسر الصاد، وبفتح الهمزة والصاد قراءتان،
وهي قراءة أكثر القراء السبعة في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾(٢) وفيه
دلالة لمذهب الشافعي على الإحصان في الكفر خلافًا للمالكية كما تقدم.
(قالوا: يحمم) بضم الياء (ويجبه) بفتح الجيم وتشديد الباء
المكسورة (ويجلد) بكسر اللام (والتجبيه أن يحمل الزانيان على حمار
ويقابل) بضم الياء المثناة تحت أوله وفتح الموحدة قبل اللام
(أقفيتهما) يوضحه رواية مسلم: ويخالف بين وجوههما(٣).
(ويطاف بهما) وهيئة هذا الفعل إنما كان مما اخترعه اليهود وابتدعوه
وجعلوه عوضًا عن حكم الرجم، وذلك لم يقل به أحد في أهل الإسلام
في الزنا، وإنما عمل به بعض أهل العلم في شاهد الزور، فرأى أن يسود
وجهه ويجلد ويحلق رأسه ويطاف به.
قال القرطبي: وروي ذلك عن عمر بن الخطاب (٤)، وقد روي ذلك
عن بعض قضاة البصرة، ولم يره مالك رحمه الله(٥).
(قال: وسكت شاب منهم، فلما رآه النبي ◌َّ) قد (سكت ألظً) بفتح
(١) ((مسند الحميدي)) ٣٥٢/٢ (١٣٣١).
(٢) أنظر: ((الحجة للقراء السبعة)) ١٥١/٣.
(٣) ((صحيح مسلم)) (١٦٩٩).
(٤) رواه عبد الرزاق ٨/ ٣٢٧ (١٥٣٩٤)، وابن أبي شيبة ١٤/ ٥١٠ (٢٩٣٠٦).
(٥) ((المفهم)) ١١٥/٥.

٤٤٥
- كتاب الحدود
الهمزة واللام وبالظاء المعجمة المشددة، أي: ألزمه القسم وألح عليه،
ومنه الحديث: ((ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام))(١) أي: الزموه وأكثروا
من قوله، يقال: هو ملظ بفلان. أي: لا يفارقه. وقيل: الإلظاظ :
الإلحاح (به النشدة) بكسر النون وسكون الشين المعجمة، أي:
السؤال، من نشدته بالله أنشده إذا سألته بالله، كأنك ذكرته بالله ليرجع
إليه، والنشدة بالكسر يراد به الهيئة التي أنشده عليها، فإن فِعلة
يستعمل للهيئة والحال، بخلاف فَعلة بفتح الفاء، فإنه يراد بها المرة
الواحدة. قال أبو حيان: فإن كان المصدر قد وضع على فِعلة بكسر
الفاء، نحو: نشدتُ الضالة نشدة، بكسر النون إذا طلبتها، فإن فِعلة لا
تدل على الهيئة منه بفعلة، بل يفهم ذلك من قرينة حال أو من نعت
ینعت به.
(فقال: اللهم إذ نشدتنا فإنا نجد في التوراة الرجم) فيه معجزة ظاهرة
للنبي ◌َله؛ لأنه أمي لا يقرأ أخبار الأمم المتقدمة، ومع ذلك حاجهم
على ما في كتابهم واعترفوا بما أخبر به.
(فقال النبي ◌َّلر: فما أول ما أرتخصتم) بفتح الخاء المعجمة وإسكان
الصاد المهملة (به) افتعلتم، من الرخصة، بمعنى: أتخذها، نحو:
استوى: أتخذ سواء، ومنه: أطبخ واذبح واكتال واتزن، و(ما) الداخلة
(١) رواه الترمذي (٣٥٢٥)، والبزار فى ((البحر الزخار)) ١٨٠/١٣ (٦٦٢٥)، وأبو يعلى
فى ((المسند)) ٤٤٥/٦ (٣٨٣٣)، والطبرانى فى ((الدعاء)) (٩٣ - ٩٤) من حديث
أنس.
وصححه الألباني في ((صحيح الجامع)) (١٢٥٠)، وفي الباب عن ربيعة بن عامر.

٤٤٦
على (ارتخصتم) يحتمل أن تكون زمانية أي: ما أول زمان أتخذتم فيه
هُذِهِ الرخصة التي تركتم فيها (أمر الله تعالى قال: زنى ذو قرابة من
ملك من ملوكنا فأخر) بفتح الهمزة والخاء الملك (عنه) أي: عن قرابته
(الرجم، ثم زنى رجل في أسرة) بضم الهمزة، وسكون السين المهملة.
(من الناس) ليس له قرابة من الملك. قال ابن الأثير: أسرة الرجل:
قومه الذي يتقوى بهم، من الأسر، وهو القوة(١). قال المبرد: الأسر:
القوى كلها، وأصله عند العرب القد الذي يشد به الأقتاب. يقال: شد
الله أسيرة فلان أي: قوته، قال الله تعالى: ﴿وَشَدَدْنَآَ أَسْرَهُمَّ﴾(٢)
(فأراد رجمه) لعدم قرابته منه (فحال قومه) الذين يتقوى بهم (دونه (٣)،
وقالوا: لا يرجم (٤) صاحبنا حتى تجيء بصاحبك فترجمه، فاصلحوا
على(٥) هذه العقوبة (٦) بينهم) وهي: التحميم والتجبيه.
(فقال النبي رَّ: فإني أحكم بما في التوراة) فيه دليل لما ذهب إليه
مالك أن النبي ول حكم بالرجم عملًا بالتوراة(٧) (فأمر بهما فرجما)
فيه أن الصلح الذي أحل حرامًا أو حرم حلالًا غير جائز، ولهذا أبطل
النبي ◌َ* ما كانوا أصطلحوا، فأمر بهما فرجما الذكر والأنثى، فيه
(١) ((جامع الأصول)) ٥٤٥/٣.
(٢) الإنسان: ٢٨.
(٣) ساقطة من (م).
(٤) بعدها في (ل)، (م): لا ترجم، ولعله يعني أنها نسخة.
(٥) ساقطة من (م).
(٦) بعدها في (ل)، (م): فاصطلحوا علىُ هُذِه العقوبة، ولعله يعني أنها نسخة.
(٧) انظر: ((الذخيرة)) ٧١/١٢.

٤٤٧
= كتاب الحدود
دليل على رجم الفاعل والمفعول.
(قال الزهري: فبلغنا أن هذِه الآية أنزلت(١) فيهم: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا
التَّوْرَنَةَ﴾) قال قتادة: ذكر لنا أن النبي ◌َّ و كان يقول لما نزلت هذه
الآية: ((نحن اليوم نحكم على اليهود، وعلى من سواهم من أهل
الأديان))(٢). وفي الآية ترغيب لليهود أن يكونوا كمتقدمتهم من مسلمي
أحبارهم، وتنبيه للمنكرين لوجوب الرجم.
(﴿فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾) قال جماعة: الهدى والنور سواء وكرر للتأكید.
وقال قوم: ليسا سواء، فالهدى محمول على بيان الأحكام، والنور بيان
التوحيد والنبوة والمعاد (﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُونَ﴾) ظاهر قوله:
(﴿النَّبِتُّونَ﴾) الجمع. قالوا: وهم من لدن موسى إلى عيسى. وقال
الحسن والسدي: هو محمد ◌َ﴾(٣)، وذلك حين حكم على اليهود
بالرجم، وذكره بلفظ الجمع كقوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾(٤)
(﴿الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾) ونبه بهذا الوصف على أن اليهود والنصارى بعداء
من هذا الوصف الذي هو الإسلام، وإن كان دين الأنبياء كلهم قديمًا
وحديثًا (كان النبي بَِّ منهم) من هُذِه الأنبياء الذين أسلموا.
(١) بعدها في (ل)، (م): نزلت. وفوقها (خ).
(٢) رواه الحارث بن أبي أسامة في ((المسند)) كما في ((بغية الباحث)) (٧٠٩)، وكما في
((إتحاف الخيرة المهرة)) ٢٠٥/٦ (٥٦٨٧)، وكما في ((المطالب العالية)) ١٤/ ٦١٣
(٢٥٨٨)، والطبري في ((جامع البيان)) ٤٥٠/٨ (١٢٠١٢).
(٣) أنظر: ((تفسير الطبري)) ٤٤٩/٨، ٤٥١.
(٤) النساء: ٥٤.

٤٤٨
[٤٤٥١] (ثنا عبد العزيز بن يحيى أبو الأصبع(١) ) بالعين المهملة
(الحراني) ثقة، توفي سنة (٢٣٥) (قال: حدثني [محمد بن](٢) سلمة،
عن محمد بن إسحاق، عن الزهري قال: سمعت رجلاً من مزينة
يحدث سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: زنى رجل وامرأة من
اليهود وقد أحصنا) بفتح الهمزة والصاد أي: وطئا في عقد صحيح عندهم.
(حين قدم رسول الله وَّر المدينة، وكان الرجم مكتوبًا عليهم في
التوراة فتركوه) لما تقدم (وأخذوا بالتجبية) يحتمل أن يكون أصله الهمز
كما قال الخطابي(٣)، من جبأته عن الأمر كععت، فانجبأ أي: كع عنه
وانزجر، والتجبيه أن (يضرب مئة) ضربة (بحبل مطلي) أصله مطلوي،
فالتقى الواو والياء في كلمة واحدة وسبقت إحداهما سكونًا عند
عارض، فقلبت الواو ياءً، وأدغمت إحداهما في الأخرى، كما في
هين وميت، الأصل: هيون وميوت (بقار) نوع من الزفت، قيل: هو
القطران.
(ويحمل على حمار، ووجهه مما يلي دبر الحمار) تقدم أنَّ هذا مما
اخترعته اليهود فيما بينهم (فاجتمع أحبار من أحبارهم) أي: علماء من
علمائهم.
(فبعثوا قومًا آخرين) منهم (إلى رسول الله وَّر فقالوا: سلوه) واسألوه
لغتان، والثانية هي الأصل (عن حد الزنا، وساق الحديث) المتقدم، وزاد
(١) في مصادر ترجمته: (الأصبغ) بالغين المعجمة.
(٢) ساقطة من الأصول، والمثبت من ((سنن أبي داود)).
(٣) ((معالم السنن)) ٢٨٢/٣.

٤٤٩
= كتاب الحدود
فيه (قال فيه: وقال: ولم يكونوا من أهل دينه، فيحكم) بشريعته (بينهم،
فخير في ذلك، وقال: ﴿فَإِنْ جَاؤُوكَ﴾) أي: يتحاكمون إليك (﴿فَأَحْكُم
بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضَّ عَنْهُمَّ﴾) ﴿وَ إِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ﴾، ﴿فَلَنْ يَضُرُوَكَ شَيْئًا﴾
أي: فلا عليك أن لا تحكم بينهم؛ لأنهم لا يقصدون بتحاكمهم إليك
اتباع الحق، بل ما وافق هواهم. قال ابن عباس وجماعة: هي
منسوخة بقوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ﴾ ﴿فَأَحْكُمْ بَيْنَهُمْ
بِالْقِسْطِ﴾(١).
[٤٤٥٢] (ثنا يحيى بن موسى البلخي) السختياني شيخ البخاري
(قال: ثنا أبو أسامة، أنا مجالد) بن سعيد الهمداني (عن عامر) الشعبي
(عن جابر بن عبد الله قال: جاءت اليهود برجل منهم وامرأة زنيا) ذكر
الطبري وغيره أنَّ الزانيين كانا من فدك وخيبر، وكانوا حربًا لرسول الله
* -واسم المرأة الزانية: بسرة، وكانوا بعثوا إلى يهود المدينة
ليسألوا النبي وَّر، فقال لهم: سلوا. وكذا رواه أبو بكر عبد الله بن
الزبير الحميدي في ((مسنده)) عن جابر بن عبد الله، ثم قالوا: سلوا
محمدًا عن ذلك، فإن أمركم بالجلد فخذوا عنه، وإن أمركم بالرجم
فلا تأخذوه عنه.
فسألوه(٢) (فقال: أنتوني بأعلم رجلين منكم) فيه أن البلد إذا تعدد
فيها المفتون(٣) يسأل أعلمهم وأكثرهم صلاحًا وزهدًا.
(١) أنظر: ((تفسير البغوي)) ٥٩/٣.
(٢) ((المسند)) ٣٥٢/٢ (١٣٣١).
(٣) في (ل): المفتيين. وفي (م): المفتيون. وهما خطأ، والصواب لغة ما أثبتناه.

٤٥٠
(فأتوه بابن صوريا) رواية الحميدي: فجاؤوا برجل أعور يقال له:
ابن صوريا (١). وفي رواية الطبراني عن ابن عباس: فأتوه برجلين
أحدهما شاب فصيح والآخر شيخ قد سقط حاجباه على عينيه حتى
يرفعهما بعصابة(٢). (فنشدهما كيف يجدان أمر هذين في التوراة؟) رواية
البزار: في توراة الله تعالى(٣).
(قالا: نجد في التوراة: إذا شهد أربعة) أي: أربعة رجال (أنهم رأوا
ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة) كذا رواه البزار من طريق مجالد
أيضًا (٤)، وصححهما ابن عدي (رجما) رواية البزار: رجموه(٥).
(قال: ((فما يمنعكما أن ترجموهما؟)). قالا: ذهب سلطاننا، فكرهنا
القتل) لئلا تذهب قوتنا (فدعا رسول الله وَ له بالشهود) الأربعة (فجاؤوا
أربعة فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة) بضم
الميم والحاء، فيه دلالة لما قاله أصحابنا وغيرهم: إنه يشترط في
شهود الزنا أن يذكروا مفسرًا، فيقولون: رأيناه أدخل ذكره أو قدر
الحشفة في فرج فلانة على سبيل الزنا. ولا يكفي إطلاق الزنا، فقد
يظنون المفاخذة زنا، وقد تكون الموطوءة جارية ابنه أو مشتركة بينه
وبين غيره، بخلاف ما لو أدعت وطء شبهة وطلبت المهر، فإنه يكفي
(١) السابق.
(٢) ((المعجم الكبير)) ٣٢١/١١ (١١٨٧٥).
(٣) ((كشف الأستار)) ٢١٩/٢ (١٥٥٨).
(٤) السابق.
(٥) ((كشف الأستار)) ٢١٩/٢ (١٥٥٨).

٤٥١
- كتاب الحدود
شهادتهم على الوطء، ولا يشترط قولهم: رأينا ذاك منه في ذاك منها؛
لأن المقصود هنا المال. وقد وقع في كلام الغزالي وغيره أنَّ الشاهد
يقول: رأينا ذكره في فرجها كالميل في المكحلة(١). لهذا الحديث،
وهذا التشبيه زيادة بيان وليس بشرط، صرح به القاضي أبو سعيد،
كما نقله الرافعي(٢) والنووي(٣) وأقراه على ذلك.
(فأمر رسول الله وَل برجمهما) فيه أنه يجب على المرأة المحصنة
الرجم، كما يجب على الرجل.
[٤٤٥٣] (ثنا وهب بن بقية، عن هشيم) بن بشير، حافظ بغداد، متفق
عليه (عن المغيرة) بن مسلم القسملي، صالح الحديث صدوق (عن
إبراهيم) النخعي (والشعبي، عن النبي ◌َّ) مرسلًا؛ إذ لم يذكرا جابرًا
(نحوه) و (لم يذكر) فيه (فدعا بالشهود فشهدوا).
[٤٤٥٤] (ثنا وهب بن بقية، عن هشيم، عن ابن شبرمة، عن الشعبي
بنحو منه).
(١) أنظر: ((الحاوي)) ١٧/ ٦٢.
(٢) ((الشرح الكبير)» ٤٧/١٣.
(٣) ((الروضة)) ٢٥٣/١١.

٤٥٢
٢٧ - باب فِي الرَّجُلِ يَزْني بِحَرِيمِهِ
٤٤٥٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ، حَدَّثَنا خالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا مُطَرِّفُ، عَنْ أَبي الَجَهْمِ،
عَنِ البَرَاءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: بَيْنا أَنَا أَطُوفُ عَلَى إِبِلِ لِي ضَلَّتْ إِذْ أَقْبَلَ رَكْبٌ أَوْ فَوَارِسُ
مَعَهُمْ لِواءٌ، فَجَعَلَ الأَغْرابُ يُطِيفُونَ بِي ◌َنْزِلَتِي مِنَ النَّبِي وَ إِذْ أَتَوْا قُبَّةً، فَاسْتَخْرَجُوا
مِنْها رَجُلاً فَضَرَبُوا عُنُقَهُ، فَسَأَلْتُ عَنْهُ، فَذَكَرُوا أَنَّهُ أَعْرَسَ بِامْرَأَةِ أَبِيهِ(١).
٤٤٥٧ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ قُسَيْطِ الرَّقْي، حَدَّثَنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو، عَنْ زَئِدِ بْنِ
أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ عَدي بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ البَراءِ، عَنْ أَبِيهِ قالَ: لَقِيتُ عَمّي وَمَعَهُ
رايَةٌ فَقُلْتُ لَهُ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ وَ إِلَى رَجُلٍ نَكَحَ أَمْرَأَةَ أَبِيهِ
فَأَمَرَنِي أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَهُ وَآَخُذَ مالَهُ(٢).
باب في الرجل يزني بحريمه
[٤٤٥٦] (ثنا مسدد قال: ثنا خالد بن عبد الله) الواسطي الطحان
(قال: ثنا مطرف، عن أبي الجهم) بفتح الجيم وسكون الهاء، واسمه:
سليمان بن الجهم مولى البراء بن عازب (عن البراء بن عازب رضي
الله عنهما قال: بينما أنا أطوف يومًا على إبل لي ضلت إذ أقبل ركب)
الركب: أصحاب الإبل في السفر، دون الدواب، وهم العشرة فما
(١) رواه أحمد ٢٩٥/٤، والنسائي في ((الكبرى)) (٥٤٩٠)، والحاكم ١٩٢/٢.
وصححه الألباني في ((الإرواء)) ٢١/٨.
(٢) رواه الترمذي (١٣٦٢)، والنسائي ١٠٩/٦، وابن ماجه (٢٦٠٧)، وأحمد
٤/ ٢٩٢، والحاكم ١٩١/٢.
وصححه الألباني في ((الإرواء)) (٢٣٥١).

٤٥٣
= كتاب الحدود
فوقها (أو فوارس) غير منصرف جمع فارس، وهو شاذ في القياس؛ لأن
فواعل إنما هو جمع فاعلة مثل: ضاربة(١) وضوارب، أو جمع فاعل إذا
كان صفة للمؤنث مثل: حائض وحوائض، أو لغير الآدميين مثل: حائط
وحوائط، والفارس راكب الفرس مثل: لابن صاحب لبن.
(معهم لواء) جمعه: ألوية. قال الجوهري: الألوية دون الأعلام
والبنود(٢) (فجعل الأعراب يطيفون) بضم الياء وكسر الطاء (بي) قال
في ((الجمهرة)): طاف بالشيء: دار حوله، وأطاف به أي: ألم به(٣)
(المنزلتي من النبي (80# إذ أتوا قبة) بضم القاف وتشديد الموحدة
(واستخرجوا منها رجلاً) رواية(٤) دخلوا بيت رجل من العرب (فضربوا
عنقه، فسألت عنه) وفي رواية: فسألت عن دينه.
(فذكروا أنه أعرس) كناية عن الجماع، ومنه المعرس (بامرأة أبيه) فيه
حجة على أنَّ من زنى بامرأة أبيه وجب(٥) عليه الحد، وكذا كل من زنى
بمحرم من محارمه بغير عقد ولا شبهة عقد بلا خلاف، وفي كلام
الغزالي(٦) يقتضي أن خلاف أبي حنيفة (٧) يطرده. وحجتنا على إقامة
(١) في (ل)، (م): ضارب، والمثبت هو الصواب في الوزن الصرفي.
(٢) ((الصحاح)) ٢٤٨٦/٦.
(٣) ((جمهرة اللغة)) ٩٢١/٢.
(٤) بياض في (ل)، و(م) بمقدار كلمة.
(٥) ساقطة من (م).
(٦) ((الوسيط)) ٤٤٥/٦.
(٧) مذهب أبي حنيفة أن من تزوج أمرأة لا يحل له نكاحها فدخل بها لا حد عليه سواء
كان عالمًا بالتحريم أم لا، وعليه العقوبة، وخالفه الصاحبان فيما إذا كان عالمًا

٤٥٤
الحد على من نكح محرمًا بنسب أو رضاع أو مصاهرة قوله تعالى: ﴿وَلَا
نَنْكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ
فَاحِشَةَ﴾ (١) فإنَّ الفاحشة في عرف الشرع الزنا، وإذا كان زنا دخل في
قوله تعالى: ﴿الَّانِيَةُ وَالَِّ فَأَجْلِدُوا﴾ (٢) وكذا فيما وردت به السنة كهذا
الحدیث.
[٤٤٥٧] (ثنا عمرو بن قسيط) أو قسط (الرقي) مات (٢٣٣).
(قال: ثنا عبيد(٣) الله) بالتصغير (بن عمرو) الرقي، لم يكن أحد
ينازعه في الفتوى (عن زيد بن أبي أنيسة، عن عدي(٤) بن ثابت) بن
قيس الأنصاري قاص الشيعة وإمام مسجدهم بالكوفة (عن جده) لأمه
(عبد الله بن يزيد) الخطمي(٥)، شهد الحديبية وهو ابن سبع عشرة(٦) سنة.
(عن البراء) بن عازب رضي الله عنهما (قال: لقيت عمي) الحارث بن
عمير (ومعه) لواء قد عقده له النبي وَالل كذا لأحمد (٧) (راية فقلت: أين
تريد؟ قال: بعثني رسول الله وَّلهو إلى رجل نكح امرأة أبيه، فأمرني)
بالتحريم فعليه الحد.
انظر: ((المبسوط)) ٩/ ٨٥.
(١) النساء: ٢٢.
(٢) النور: ٢.
(٣) فوقها في (ل): (ع).
(٤) فوقها في (ل): (ع).
(٥) ساقطة من (م).
(٦) في (ل)، (م): سبعة عشر. وهو خطأ، والمثبت هو الصواب.
(٧) ((المسند)» ٤/ ٢٩٢.

٤٥٥
= كتاب الحدود
رواية الترمذي عن البراء: مرَّ بي خالي أبو بردة بن نيار ومعه لواء(١).
(أن أضرب عنقه) زعم السهيلي أن نكاح نساء الآباء كان معمولاً به
في الجاهلية؛ ولهذا قال: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ قال: وقد فعل ذلك كنانة
بن خزيمة: تزوج بامرأة أبيه فأولدها ابنه النضر بن كنانة (٢)، وعلى كل
تقدير فهو (٣) حرام في هذه الأمة شنيع غاية التشنيع؛ ولهذا قال
تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا﴾ أي: بغضًا، أي: يؤدي إلى
مقت الابن أباه، بعد أن يتزوج بامرأته، فإن الغالب أن من تزوج امرأة
يبغض من كان تزوجها قبله، ولهذا حرمت أمهات المؤمنين، فإن حقه
وَل* كالأب، بل أعظم من حق الآباء بالإجماع، بل حبه مقدم على
حب النفوس (وآخذ ماله).
(١) في (ل)، و(م) الحارث والمثبت من ((سنن الترمذي)) (١٣٦٢).
(٢) ((الروض الأنف)) ٢٢٩/٢.
(٣) من هنا يبدأ سقط من نسخة (م) سنشير إلى نهايته بعد صفحات.

٤٥٦
٢٨ - باب فِي الرَّجُلِ يَزْنِي بِجَارِيَةِ أَمْرَأَتِهِ
٤٤٥٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنا أَبَانُ، حَدَّثَنَا قَتادَةُ، عَنْ خالِدِ بْنِ
عُزْقُطَةَ، عَنْ حَبِيبٍ بْنِ سالم أَنَّ رَجُلاً يُقالُ لَهُ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حُنَيْنٍ وَقَعَ عَلَى
جارِيَةِ امْرَأَتِهِ، فَرُفِعَ إِلَى النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى الكُوفَةِ، فَقَالَ: لأَقَضِيَنَّ فِيكَ
بِقَضِيَّةِ رَسُولِ اللهِ وَ لَهَ إِنْ كَانَتْ أَحَلَّتْها لَكَ جَلَدْتُكَ مِائَةً، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَحَلَّتْها لَكَ
رَجَمْتُكَ بِالِحِجارَةِ. فَوَجَدُوهُ قَدْ أَحَلَّتْها لَهُ فَجَلَدَهُ مِائَةً.
قالَ قَتادَةُ: كَتَبْتُ إِلَى حَبِيبٍ بْنِ سالم فَكَتَبَ إِلَى بهذا(١).
٤٤٥٩ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، حَدَّثَنا نُحَمَّدُ بْنُ جَعْفٍَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبي بِشْرِ
عَنْ خالِدِ بْنِ عُزْقُطَةَ، عَنْ حَبِيبٍ بْنِ سالمٍ، عَنِ النُّغْمانِ بْنِ بَشِيٍ، عَنِ النَّبِي ◌ََّ في
الرَّجُلِ يَأْتِي جارِيَةَ أَمْرَأَتِهِ قالَ: ((إِنْ كانَّتْ أَحَلَّتْها لَهُ جُلِدَ مِائَةً وَإِنْ لَمْ تَكُنْ
أَحَلَّتْها لَهُ رَجَمْتُهُ))(٢).
٤٤٦٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صالِحٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزَاقِ أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ
الحَسَنِ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ حُرَيْثٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبَّقِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وََّلِ قَضَى في
رَجُلٍ وَقَعَ عَلَى جَارِيَةِ أَمْرَأَتِهِ إِنْ كَانَ أَسْتَكْرَهَها فَهِي حُرَّةٌ، وَعَلَيْهِ لِسَيِّدَتِها مِثْلُها،
فَإِنْ كَانَتْ طاوَعَتْهُ فَهِي لَهُ، وَعَلَيْهِ لِسَيِّدَتِهَا مِثْلُها.
قالَ أَبُو دَاوُدَ: رَواهُ يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ وَعَمْرُو بْنُ دِينارٍ وَمَنْصُورُ بْنُ زاذانَ وَسَلاَّمٌ
عَنِ الحَسَنِ هذا الحَدِيثَ بِمَعْناهُ لَمْ يَذْكُرْ يُونُسُ وَمَنْصُورٌ قَبِيصَةَ(٣).
(١) رواه الترمذي (١٤٥١)، والنسائي ١٢٣/٦-١٢٤، وابن ماجه (٢٥٥١)، وأحمد
٢٧٥/٤-٢٧٦.
وضعفه الألباني في ((ضعيف أبي داود)).
(٢) رواه أصحاب السنن، وضعفه الألباني، وسبق برقم (٤٤٥٨).
(٣) رواه النسائي ١٢٤/٦، وأحمد ٤٧٦/٣، ٦/٥، والبيهقي ٢٤٠/٨.
وضعفه الألباني في ((ضعيف أبي داود)).

٤٥٧
- كتاب الحدود
(٤٤٦ - حَدَّثَنا عَلِي بْنُ الَحَسَنِ الدِّزهَمي، حَدَّثَنا عَبْدُ الأَغْلَى، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ
قَتَادَةَ، عَنِ الَحَسَنِ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ المُحَبَّقِ، عَنِ النَّبِيِنَّ نَحْوَهُ إِلاَّ أَنَّهُ قالَ: وَإِنْ كانَتْ
طاوَعَتْهُ فَهِي حُزَّةٌ وَمِثْلُها مِنْ مالِهِ لِسَيِّدَتِها(١).
باب في الرجل يزني بجارية امرأته
[٤٤٥٨] (ثنا موسى بن إسماعيل قال: ثنا أبان، قال: ثنا قتادة، عن
خالد بن عرفطة) بضم العين والفاء، وأصله واحدة العرفط، وهو شجر،
وثق.
(عن حبيب بن سالم) روى عن مولاه النعمان بن بشير وغيره، وهو
تابعي.
(أن رجلاً يقال له: عبد الرحمن بن حنين) بضم الحاء المهملة وفتح
النون الأولى مصغر، الكلبي، يلقب بقرقور بضم القافين (وقع على جارية
امرأته، فرفع أمره إلى النعمان بن بشير، وهو أمير على الكوفة) زمن معاوية
بن أبي سفيان، ثم ولي حمص (فقال: لأقضين فيك بقضية رسول الله
وَلّه، إن كانت أحلتها لك) أي: جعلتها لك حلالًا ثم وقعت عليها
(جلدتك مئة) جلدة (وإن لم تكن أحلتها لك رجمتك بالحجارة) أتفق
العلماء على أنه لا يجوز للرجل أن يطأ جارية زوجته وإن أذنت.
واختلفوا هل يجب عليه الحد مع التحريم؟
فقال أبو حنيفة: إن قال: ظننت أنها تحل لي. فلا حد عليه، وإن
(١) رواه النسائي ٦/ ١٢٥.
وضعفه الألباني في ((ضعيف أبي داود)».

٤٥٨
قال: علمت أنها حرام. حُدَّ(١).
وقال مالك(٢) والشافعي(٣): يجلد مئة، وإن كان محصنًا رجم،
وأخذ أحمد بهذا الحديث(٤). وقال: فإن علقت من هذا الوطء، فهل
يلحقه النسب؟ روايتان، إحدهما(٥): يلحق به؛ لأنه وطء لا يجب به
الحد، فلحق به النسب، كوطء الجارية المشتركة. والأخرى كمذهب
الشافعي: لا يلحق به(٦)، واستدل الشافعي بهذا الحديث على إيجاب
الحد في الحالين، وصرف هذا التفصيل المذكور لصرائح الأدلة
الصحيحة بخلافه، فإن هذا الحديث مضطرب لا حجة في تفصيله.
(فوجدوه أحلتها له فجلد مئة) وسكتوا عما إذا أحلتها لغير زوجها أو
أحلت نفسها. والظاهر أنه لا أعتبار به، وقد جزم الغزالي(٧) بإيجاب
الحد فيما إذا أباحت المرأة للواطئ نفسها أو أمتها.
وقال في كتاب الرهن: إذا أذن الراهن في وطء الجارية المرهونة،
وعلم بالتحريم، فهو زان والمرأة لا يجوز لها أن تنكح نفسها ولا أمتها
(١) أنظر: ((المبسوط)) ٥٣/٩.
(٢) انظر: ((الكافي)) ١٠٧٤/٢، ((بداية المجتهد)» ١٧١٧/٤.
(٣) ((الأم)) ٨/ ٤٦٩. إلا أن يكون جاهلًا، فعذره الشافعي بجهله. وانظر: ((الأوسط))
٤٩٥/١٢.
(٤) ((مسائل أحمد)) برواية ابنه صالح (٢٤٥).
(٥) في (ل)، و(م) أحدهما. والجادة ما أثبتناه.
(٦) انظر: ((المغني)) ٣٤٧/١٢.
ومذهب الأحناف أنه لا يثبت بحال. أنظر: ((المبسوط)» ٧/ ١٧٧.
(٧) ((الوسيط)) ٤٤٥/٦.

٤٥٩
= كتاب الحدود
حتى تختص بإباحة الجواري؛ لفساد عبادتهن في النكاح، وإن صح
المنقول عن عطاء في المرهونة، فلا فرق في سقوط الحد بين أن
تكون الإباحة من رجل أو امرأة لنفسها أو أمتها (١).
(قال قتادة: كتبت إلى حبيب بن سالم) مولى النعمان بن بشير (فكتب
إليَّ بهذا) الحديث.
[٤٤٥٩] (ثنا محمد بن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر) غندر (عن
شعبة، عن أبي بشر) جعفر بن إياس(٢).
(عن خالد بن عرفطة، عن حبيب ابن سالم، عن النعمان بن بشير،
عن النبي ◌َّ في الرجل يأتي جارية أمرأته قال: إن كانت أحلتها له)
وعلم بالتحريم (جلد مئة جلدة، وإن لم تكن أحلتها له رجمته) لأنها
لما أحلتها له أوقع ذلك شبهة في الوطء تسقط الرجم وزيد في تعزيره
حتى بلغ حد الزاني البكر؛ ردعًا له، نحو مذهب مالك.
[٤٤٦٠] (ثنا أحمد بن صالح، قال: ثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، عن
قتادة، عن الحسن، عن قبيصة بن حريث) بضم الحاء المهملة وآخرها ثاء
مثلثة مصغر، وعند الترمذي حريث بن قبيصة، مات ٦٧هـ.
(عن سلمة بن المحبق) بضم الميم وفتح الحاء المهملة وتشديد الباء
الموحدة المكسورة ثم قاف، ويقال: ابن ربيعة بن المحبق، واسم
المحبق: صخر بن عتبة الصحابي (أن رسول الله وَّ قضى في رجل
وقع على جارية امرأته إن كان استكرهها فهي حرة، وعليه لسيدتها مثلها).
(١) ((الوجيز)) ٣٣٣/١.
(٢) في الأصول: بيان بن بشر المؤدب، وهو خطأ، انظر: ((تهذيب الكمال)) ٧٦/٣٣.

٤٦٠
أخذ به ابن مسعود والحسن فقالا : إن كان استكرهها فعليه غرم مثلها
(١)
وتعتق(١).
(وإن كانت طاوعته فهي) ملك (له وعليه لسيدتها) غرم (مثلها)
واستدلا بهذا الحديث، قال ابن المنذر: اختلف في الرجل يطأ جارية
زوجته. قال مالك والشافعي: يرجم إن كان محصنا. وقال الزهري
والأوزاعي: يحد ولا يرجم. وروينا عن ابن مسعود: إن كان
أستكرهها عتقت وغرم لسيدتها مثلها، وإن كانت طاوعته أمسكها
وغرم لها مثلها(٢). وبه قال الحسن البصري، ولا يثبت خبر سلمة بن
المحبق.
وقال أصحاب الرأي: إن أقر بذلك نحده، وإن قال: ظننتها تحل لي
لم نحده. وروى أبو عمر ابن عبد البر(٣) هذا الحديث وصححه وذكر
شهرته عن الحسن. لكن قال النسائي: ليس في هذا الباب شيء
صحیح يحتج به (٤).
(ورواه يونس بن عبيد وعمرو بن دينار ومنصور بن زاذان وسلام)
بتشديد اللام ابن مسكين الأزدي روى له الشيخان، كان من أعبد أهل
زمانه (عن الحسن هذا الحديث بمعناه) و(لم يذكر يونس ومنصور
قبیصة) بن حریث.
(١) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) ٣٤٣/٧ (١٣٤١٩)، والطبراني ٣٣٩/٩ (٩٦٨٧)
عن ابن مسعود.
(٢) تقدم. وانظر: ((الأوسط))
(٣) ((الاستذكار)) ١٤٩/٢٤ - ١٥٠.
(٤) ((السنن الكبرى)) ٢٩٨/٤.