النص المفهرس

صفحات 661-680

٦٦١
= كتاب الفتن
ناره) فيما يبدو للناس (وجب أجره) على الله تعالى (وحط) عنه (وزره،
ومن وقع في نهره) الذي يظهر للناس أنه جنته ونعيمه (وجب وزره، وحط)
أي: سقط ثواب (أجره) الذي كان عمله (قال: قلت: ثم ماذا؟) يكون بعد
ذلك (قال: هي قيام الساعة) كما سيأتي.
[٤٢٤٥] (ثنا محمد بن يحيى) بن عبد الله بن خالد (بن فارس)
الذهلي (حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن نصر بن عاصم)
الليثي النحوي، نقط المصاحف، أخرج له مسلم.
(عن خالد بن خالد) الصحيح أنه سبيع بن خالد، ويحتمل أن يكون
اسمه خالدًا، ولقبه سبيعًا، فذكره المصنف قبل هذا بلقبه، وذكره في هذِه
الرواية باسمه، وهو بصري، روى عنه جماعة، وهو مقبول كما تقدم في
سبيع (اليشكري) بفتح المثناة تحت وسكون المعجمة وضم الكاف، نسبة
إلى يشكر بن وائل، وهو أخو بكر وتغلب ابني وائل (بهذا الحديث)
المذكور.
وزاد: (قال: قلت: بعد) أن ذكر (السيف) ثم ماذا؟ (قال: تقية) أي
يتقي بعضهم بعضًا ويظهرون الصلح وباطنهم خلافه، وفي رواية لغير
المصنف: قلت: يا رسول الله، وهل للسيف من تقية؟ قال: ((نعم،
تقية)) (على أقذاء) بسكون القاف وتخفيف الذال المعجمة، والتقاة
والتقية بمعنى، يريد أنهم يتقون بعضهم بعضًا، ويظهر الصلح
والاتفاق، وباطنهم بخلاف ذلك.
قال القرطبي في ((التذكرة)): الأقذاء جمع القذى، والقذى جمع
قذاة، وهي ما يقع في العين من الأذى، وفي الشراب والطعام من

٦٦٢
تراب أو تبن أو غير ذلك. قال: والمراد به في الحديث: الفساد الذي
يكون في القلوب [يعني: أنهم يتقون بعضهم بعضا، ويظهرون خلاف
ذلك(١) (وهدنة) بضم الهاء وسكون الدال، أي: صلح (على دخن)
بفتح الدال والخاء المعجمة، أي: على بقايا في القلوب](٢) من
الضغائن والحقد ونحو ذلك كما سيأتي.
(ثم ساق الحديث) المذكور و(قال) في هذه الرواية (كان قتادة) أحد
رواة الحديث (يضعه) أي: يحمل الدخن (على الردة التي) وقعت (في
زمن أبي بكر) الصديق، يعني لما توفي رسول الله وَّل وارتد ناس،
فكانوا صنفين: صنف أرتدوا عن الدين ونابذوا الملة، وصنف ارتدوا
عن الدين وأنكروا الشرائع وتركوا الصلاة والزكاة وغيرهما من أمور
الدين، وعادوا إلى ما كانوا عليه في الجاهلية، وصنف فرقوا بين
الصلاة والزكاة، فأقروا بالصلاة وأنكروا الزكاة ووجوب أدائها إلى
الإمام، وهؤلاء في الحقيقة أهل بغي، وفي أمر هؤلاء وقع الخلاف
ووقعت الشبهة لهؤلاء الذين ذكر الدخن فيهم، ثم فسر الراوي قوله:
(على أقذاء) جمع قذى (يقول:) معناه على (قذى) جمع قذاة، وهو
ما يقع في العين والماء والشراب من تراب أو تبن، والمعنى أن
اجتماعهم يقع على فساد في قلوبهم.
قذى مقصور، وأصله الوسخ يقع في العين أو غيرها (وهدنة) وأصله
السكون عن القتال بكلام أو إعطاء عهد ونحوه، من هدنت الصبي:
(١) ((التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة)) (ص١١٠٣).
(٢) ما بين المعقوفتين ساقط من (م).

٦٦٣
= كتاب الفتن
سكنته بكلام (يقول: دخن) أي (على ضغائن) وحقد باقية في قلوبهم.
[٤٢٤٦] (ثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي (ثنا سليمان (١) بن المغيرة)
البصري الجليل (عن حميد) بن هلال العبدي البصري.
(عن نصر بن عاصم الليثي قال: أتينا) سبيعًا -خالد بن خالد-
(اليشكري رظُبه في رهط من بني ليث) بن كنانة، أو ليث بن بكر بن
عبد مناة (فقال: من القوم؟ فقلنا: أتيناك نسألك عن حديث حذيفة) بن
اليمان في الفتنة، فذكر الحديث كما تقدم ثم (قال: قلت: يا رسول
هل بعد هذا الخير) من (شر؟ قال) نعم (فتنة وشر) يجتمعان.
(قلت: يا رسول الله هل بعد هذا الشر) من (خير؟) يعقبه (قال: تعلم
كتاب الله) تعالى، أي: تعلم ألفاظه وأحكامه واتبع ما فيه، هو موافق
لقوله تعالى: ﴿الَّعْ مَآ أُوحِىَ إِلَيْكَ مِن رَّيِّكْ﴾(٢)، ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ
فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَةٌ﴾(٣) والمعنى: أجعله إماما لك تقتدي به وتهتدي به،
قال الحسن: يا ابن آدم أمرت باتباع كتاب الله، والله ما أنزلت آية إلا
ويجب أن تعلم فيما أنزلت وما معناها.
وفيه دليل على تعلم كتاب الله تعالى عند فساد الزمان والتمسك بما
فيه وتفهم معانيه للعمل به، ومن لم يعلم فليسأل أهل العلم عما لم يفهمه
(ثلاث مرات) فيه إعادة الكلمة ثلاث مرات على المتعلم ليحفظها.
(قال: قلت: يا رسول الله بعد هذا الشر خير؟ قال: هدنة) أي: صلح
(١) فوقها في (ل): (ع).
(٢) الأنعام: ١٠٦.
(٣) الزمر: ١٨.

٦٦٤
على بقايا من الضغن (على دخن) لأن الهدنة: الصلح، والدخان أثر من
النار، يدل على بقايا من الضغن فيها (وجماعة) يصطلحون (على أقذاء)
جمع قذى، كما تقدم (فيها، أو) قال (فيهم) شك من الراوي، صلح
ضغن (قلت: يا رسول الله الهدنة على الدخن ما هي؟ قال: لا ترجع
قلوب أقوام على) أي إلى الهدى والخير (الذي كانت عليه) قبل ذلك؛
لعدم وجود من يهتدى به من المرشدين الذين مضوا من السلف
الصالح (قال: قلت: يا رسول الله، هل بعد الخير) من (شر؟ قال)
نعم، تقع بعد ذلك (فتنة عمياء صماء) بالمد فيهما تأنيث الأعمى
والأصم، وقيل: هي التي لا يبصر فيها الحق ولا يسمع، وقيل: من
الحية العمياء الصماء التي لا تقبل الدعاء(١) (عليها(٢) دعاة على أبواب
النار) زاد مسلم ولفظه: ((دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها
قذفوه فيها))(٣). قال العلماء: هؤلاء من كان من الأمراء يدعو إلى
بدعة أو ضلال آخر، كالخوارج والقرامطة وأصحاب المحنة.
(فإن مت يا حذيفة وأنت عاض على جذل) شجرة تمتصها فهو (خير
لك من أن تتبع) بالتشديد والتخفيف لغتان، والجذل بفتح الجيم
وكسرها: أصل الشجرة إذا قطعت أغصانها، ففيه العزلة والصبر على
نغص الزمان وتحمل مشاقه [(أحدًا منهم)](٤) فيفتنك في دينك، فنسأل
(١) في ((النهاية)) لابن الأثير ٥٤/٣: الرقى.
(٢) ساقطة من النسخ.
(٣) مسلم (١٨٤٧) وهو أيضًا عند البخاري (٧٠٨٤).
(٤) ساقطة من النسخ.

٦٦٥
= كتاب الفتن
الله العافية.
[٤٢٤٧] (ثنا مسدد، ثنا عبد الوارث، ثنا أبو التياح) يزيد بن حميد
(عن صخر بن بدر العجلي) بكسر العين وسكون الجيم، نسبة إلى
عجل بن لجيم بن نزار، ذكره ابن حبان في ((الثقات))(١).
(عن سبيع بن خالد) اليشكري (بهذا الحديث) المذكور (عن حذيفة)
ابن اليمان ظپئه.
(عن النبي وَّ قال: فإن لم تجد يومئذ خليفة فاهرب) توضحه رواية
مسلم: ((فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام فاعتزل تلك الفرق كلها))(٢).
(حتى تموت وأنت عاض) على جذل شجرة حتى يدركك الموت
(وقال في آخره: قال: قلت: يا رسول الله فما يكون بعد ذلك؟) أي:
ثم ما يحدث بعد ذلك الذي ذكرته؟
(قال: لو أن رجلاً نتج) بفتح النون والمثناة المخففة (٣) (فرسًا) أي:
تولى ولادتها عند الوضع، والناتج الإبل والخيل كالقابلة للنساء عند
الطلق (لم تنتج) بفتح أوله وكسر ثالثه، أي: لم تلد ولدها، لفظ رواية
الحاكم: ((لم تنتج المهر فلا يركب حتى تقوم الساعة))، والمهر: ولد
الفرس، فلا ترتكب بكسر الكاف من: أركب المهر يرتكب، بكسر
الكاف: حان(٤) وقت ولا دته.
(١) ((الثقات)) ٦/ ٤٧٣.
(٢) مسلم (١٨٤٧) وهو أيضًا عند البخاري (٣٦٠٦، ٧٠٨٤).
(٣) بعدها في (ل)، (م): خـ: المشددة.
(٤) في (م): جاء.

٦٦٦
وقيل: المراد به نزول عيسى الكليّة، ووقوع عدله، فلا يركب المهر؛
لضيق الزمان عن المحاربة.
(حتى تقوم الساعة) فإذا ولي الإنسان (١) فرسًا أو ناقة أو شاة ماخضًا
حتى تضع، قيل: نتجها ينتجها نتجًا، مثل: ضرب يضرب ضربًا.
[٤٢٤٨] (ثنا مسدد، ثنا عيسى بن يونس) ابن أبي إسحاق، أحد
الأعلام (ثنا الأعمش، عن زيد بن وهب) الجهني، هاجر ففاتته رؤية
رسول الله وَّالر بأيام (عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة) الصائدي،
أخرج له مسلم في الصلاة وغيرها (عن عبد الله بن عمرو بن العاص
رضي الله عنهما.
(أن رسول الله وَّه قال: من بايع إمامًا) على الإنفاذ له. هذا بعض
حديث ذكره مسلم وغيره، ولفظه: عن عبد الرحمن بن عبد رب
الكعبة قال: دخلت المسجد فإذا عبد الله بن عمرو بن العاص جالس
في ظل الكعبة والناس مجتمعون عليه، فأتيته فجلست إليه، فقال: كنا
مع رسول الله وَّ في سفر فنزلنا منزلًا، فمنا من يصلح خباءه، ومنا
من ينتضل، ومنا من هو في جَشَرِه، إذ نادى منادي رسول الله وَلة :
الصلاة جامعة. فاجتمعنا إلى رسول الله وَله فقال: ((إنه لم يكن نبي
قبلُ إلا كان حقًّا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم
شر ما يعلمه لهم، وإن أمتكم هذِه جعل عافيتها في أولها، وسيصيب
آخرها بلاء وأمور تنكرونها، وتجيء فتنة فيرقق بعضها(٢) بعضًا،
(١) ساقطة من (م).
(٢) في جميع النسخ: (بعضهم)، والمثبت من ((الصحيح)).

٦٦٧
= كتاب الفتن
وتجيء فتنة فيقول المؤمن: هذِه تهلكني. ثم تنكشف، وتجيء الفتنة،
فيقول المؤمن: هذِه هذِه. فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة
فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس ما يحب أن
يؤتى إليه، ومن بايع إمامًا))(١).
(فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه) قال القرطبي: يدل على أن البيعة لا
يكتفى فيها بمجرد عقد اللسان فقط، بل لا بد من الضرب باليد، كما قال
تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَابِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾(٢) ولكن
ذلك للرجال فقط كما سيأتي إن شاء الله تعالى، ولا بد من التزام البيعة
بالقلب وترك الغش والخديعة؛ فإنها من أعظم العبادات، ولا بد فيها من
النية والنصيحة، والصفقة أصلها الضرب بالكف على الكف، أو
بأصبعين على الكف، وهو الكف(٣) كما تقدم في الصلاة (٤).
(فليطعه ما استطاع) أي: على قدر استطاعته وطاقته (فإن جاء) إمام
(آخر ينازعه فاضربوا رقبة) لفظ مسلم: ((فاضربوا عنق))(٥) (الآخر) قال
النووي: معناه: أدفعوا الثاني فإنه خارج على الإمام، فإن لم يندفع
إلا بحرب وقتال فقاتلوه، فإن دعت المقاتلة إلى قتله جاز قتله ولا
ضمان فيه؛ فإنه ظالم متعد في قتاله(٦).
(١) مسلم (١٨٤٤).
(٢) الفتح: ١٠.
(٣) هكذا في النسخ، وفي ((المفهم)): التصفيق.
(٤) ((المفهم)) ٤/ ٥٢-٥٣.
(٥) مسلم (١٨٤٤).
(٦) ((مسلم بشرح النووي)) ٢٣٤/١٢.

٦٦٨
(قلت) أ (أنت) لفظ مسلم: فقلت: أنشدك الله أأنت(١) (سمعت هذا
من رسول الله وَ﴾؟ قال: سمعته أذناي ووعاه قلبي) استحلاف عبد الرحمن
له زيادة في الاستيثاق لا أنه كذبه ولا أتهمه.
(قلت) له (ابن عمك معاوية) ووجهه أن عبد الله بن عمرو قرشي
سهمي، ومعاوية بن أبي سفيان قرشي أموي، فلهذا قال (ابن عمك)
(يأمرنا أن نفعل ونفعل) أوضحه في رواية مسلم، ولفظه: يأمرنا أن
نأكل أموالنا بيننا بالباطل ونقتل أنفسنا، والله يقول: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِلْبَطِلِّ إِلَّ أَنْ تَكُونَ تِجَرَةً عَن
تَرَاضِ مِّنْكُمْ وَلَا نَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾(٢) فسكت
ساعة ثم(٣) (قال: أطعه في طاعة الله واعصه في معصية الله) هذا كقوله
وَالحجر: ((فإن أمر بمعصية الله فلا سمع ولا طاعة)) (٤) وهذا فيه دليل
على طاعة المتولين بالقهر من غير إجماع ولا عهد، والأحاديث
الصحيحة فيها حجة على منع الخروج على أمراء الجور ولزوم
طاعتهم كما سيأتي.
[٤٢٤٩] (ثنا محمد بن يحيى) بن عبد الله (بن فارس) الذهلي (ثنا
عبيد(٥) الله) بالتصغير (ابن موسى) العنسي أحد الأعلام (عن شيبان،
عن الأعمش، عن أبي صالح) السمان.
(١) مسلم (١٨٤٤).
(٢) النساء: ٢٩.
(٣) مسلم (١٨٤٤).
(٤) رواه البخاري (٢٩٥٥، ٧١٤٤)، ومسلم (١٨٣٩) من حديث ابن عمر.
(٥) فوقها في (ل): (ع).

٦٦٩
كتاب الفتن
(عن أبي هريرة ◌َظُه عن النبي وَّل قال: ويل للعرب) زاد مسلم:
فقال: خرج رسول الله وَ﴿ يومًا فزعًا محمرًّا وجهه يقول: ((لا إله إلا
الله، ويل للعرب))(١) (من شر قد اقترب) هذا سنة على الاختلاف في
الفتن والهرج الواقع في العرب، وأول ذلك قتل عثمان؛ ولذلك أخبر
عنه بالعرب، وقد (أفلح من كف يده) عن القتال ولسانه عن الكلام في
الفتن؛ لكثرة خطر ذلك، ووقوع نكاله في اختلاف الفرق، لأن قتل
المسلمين غير جائز(٢).
[٤٢٥٢] (ثنا سليمان(٣) بن حرب) الواشحي البصري، قاضي مكة
(ومحمد بن عيسى) الطباع (٤) (قالا: ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن
أبي قلابة) الجرمي، واسمه: عبد الله بن زيد (عن أبي أسماء)(٥) عمرو
ابن مرثد(٦) الرحبي (عن ثوبان) مولى رسول الله وَلايهمه
(قال رسول الله: إن الله تعالى زوى) بفتح الزاي والواو المخففة (لي
الأرض -أو قال)(٧) شك من الراوي.
(إن ربي زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها) أي: جمعها لي
(١) مسلم (٢/٢٨٨٠)، وهو أيضًا عند البخاري (٧١٣٥).
(٢) الحديثان رقم (٤٢٥٠، ٤٢٥١) سيأتي شرحهما ص٥١٩- ٥٢١.
(٣) فوقها في (ل): (ع).
(٤) في (ل)، (م): سورة. وهو خطأ. فابن سورة هو الإمام الترمذي لم يرو عنه أبو داود
إنما الثابت عكس ذلك، والمثبت من ترجمة الإمام أبي داود.
(٥) فوقها في (ل): (ع).
(٦) ساقطة من (م).
(٧) من هنا يبدأ سقط في (م) سنشير إليه عند نهايته.

٦٧٠
حتى أبصرت ما تملكه أمتي من أقصى المشارق والمغارب منها، وظاهر
هذا اللفظ يقتضي أن الله تعالى قوى إدراك بصره، ورفع عنه الموانع
المعتادة، فأدرك البعيد من موضعه الذي هو فيه كما أدرك بيت
المقدس من مكة، وجعل يخبرهم عن آياته وهو ينظر إليه، ويحتمل أن
يكون قربها الله له فرآها، قال القرطبي: والأول أولى.
(وإن ملك) بضم الميم (أمتي سيبلغ ما زوي) أي: جمع (لي منها)
هذا الخبر قد وجد مخبره كما قال، وكان ذلك من دلائل نبوته،
وذلك أن ملك أمته أتسع إلى أن بلغ أقصى بحر طنجة الذي هو منتهى
عمارة المغرب إلى أقصى المشرق وما وراء خراسان والنهر وكثير من
بلاد السند والهند ولم يتسع ذلك الاتساع من جهة الجنوب والشمال،
ولذلك لم يذكر التَّه أنه أريه، ولا أخبر أن ملك أمته سيبلغه.
(وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض) يعني بهما: كنز كسرى وقيصر
ملكي العراق والشام، وقصورهما وبلادهما، والمراد بالأحمر
الذهب، وبالأبيض الفضة، وعبر بالأحمر عن كنز قيصر ملك الروم؛
لأن الغالب كان عندهم الذهب، وبالأبيض عن كنز كسرى؛ لأن
الغالب كان عندهم الفضة والجوهر، وقد وجد ذلك في زمن الفتوح
في خلافة عمر، فإنه سيق إليه تاج كسرى وحليته وما كان في بيوت
أمواله وما حوته مملكته مع سعتها وعظمها، وكذلك فعل الله بقيصر
لما فتح بلاده.
(وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة بعامة) الباء زائدة والتقدير
بسنة عامة كما في مسلم. قال القرطبي: صحت الرواية في مسلم ((بعامة))

٦٧١
= كتاب الفتن
قال: وكأنها زائدة؛ لأن ((عامة)) صفة لـ ((سنة)) فكأنه قال: سنة عامة.
ويعني بالسنة الجدب العام الذي يكون به الهلاك العام ويكون قد أبدل
عامة من سنة بإعادة العامل، تقول: مررت بأخيك بعمرو، ومنه قوله
تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ أُسْتَكْبَرُواْ مِنْ قَوْمِهِ، لِلَّذِينَ أُسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ ءَامَنَ
مِنْهُمْ﴾(١) ويسمى الجدب والقحط سنة، ويجمع سنين كما قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ بِاَلْسِنِينَ﴾ (٢) أي: بالجدب المتوالي(٣).
والمعنى: لا تهلك أمتي بقحط عام، بل إن وقع قحط فيكون في
ناحية يسيرة بالنسبة إلى باقي بلاد الإسلام لتمتاز بلاد الجدب من بلاد
الخصب.
(وأن لا يسلط عليهم عدوًّا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم) وبيضة.
المسلمين جماعتهم ومعظمهم، وبيضة القوم ساحتهم، وعلى هذا فيكون
معنى الحديث أن الله تعالى لا يسلط العدو على كافة المسلمين حتى
يستبيح جميع ما عندهم وما حازوه من البلاد والأرض ولو اجتمع
عليهم كل من بين أقطار الأرض وجوانبها.
(وإن ربي) رحمهم و (قال لي: يا محمد) لعمرك (إني إذا قضيت) في
سابق علمي (قضاء) حكمت فيه بوعد أو وعيد ([فإنه] (٤) لا يرد) قضاؤه
ولا يخلف وعده (ولا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم) أي: من
(١) الأعراف: ٧٥.
(٢) الأعراف: ١٣٠.
(٣) ((المفهم)) ٢١٧/٧.
(٤) ما بين المعقوفتين ساقط من (ل)، والمثبت من ((السنن)).

٦٧٢
غيرهم (فيستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من) بفتح الميم، أي: جميع
الذين (بين أقطارها، أو قال) شك الراوي، اجتمع عليهم (بأقطارها) أي:
جوانب الأرض ونواحيها من البلاد والأماكن (حتى يكون بعضهم يهلك)
بضم الياء (بعضا، وحتى يكون بعضهم يسبي) بفتح أوله (بعضا).
قال القرطبي: ظاهر (حتى) الغاية، فيقتضي ظاهر هذا الكلام أنه لا
يسلط عليهم عدوهم فيستبيحهم إلا إذا كان منهم إهلاك بعضهم لبعض،
وسبي بعضهم لبعض، وحاصل هذا أنه إذا كان من المسلمين ذلك تفرقت
جماعتهم واشتغل بعضهم ببعض عن جهاد العدو، فقويت شوكة العدو
واستولى كما شاهدنا في زماننا هذا في المشرق والمغرب، وذلك أنه
لما اختلفت ملوك المشرق وتجادلوا أستولى كفار الترك على جميع
عراق العجم، ولما اختلفت ملوك المغرب وتجادلوا استولت الإفرنج
على جميع بلاد الأندلس والجزر القريبة منها، وهاهم قد طمعوا في
بلاد الإسلام، فنسأل الله أن يدرك المسلمين باللطف والنصر.
ولا يصح أن تكون (حتى) بمعنى (كي) لفساد المعنى، فتدبره(١).
(وإنما أخاف على أمتي) من (الأئمة) الأئمة جمع إمام، وهو الذي
يدعو الناس إلى ضلالة بالقول أو الفعل أو اعتقاد يعتقده (المضلين)
الذين تولوا الولايات بغير علم، فحكموا بغير علم فضلوا وأضلوا،
فهم ضالون عن الحق [مضلون](٢) لغيرهم، وقد يدخل فيهم العلماء
الذين لا يعملون بعلمهم، وجهلاء الصوفية الذين صاروا مشايخ يقتدى
(١) ((المفهم)) ٢١٨/٧.
(٢) في (ل): مضلين. والمثبت هو الصواب.

٦٧٣
= كتاب الفتن
بهم، فيلعب بهم الشيطان وبمن يقتدي بهم، إلا من وفقه الله تعالى (فإذا
وضع) بضم الواو وكسر الضاد (السيف في أمتي) بالقتل (لم يرفع عنها)
لفظ ابن ماجه: ((عنهم)) (١).
(إلى يوم القيامة) هل يتسلسل فيهم وإن قل؟ أو كان في بعض
الجهات دون بعض لم ينقطع؟ (ولا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من
أمتي) لفظ ابن ماجه: ((ستلحق قبائل من أمتي))(٢) وواحد القبائل
قبيلة، وهم بنو أب أو جد وإن علا (بالمشركين) أي: ينزلون بهم
فيصيرون منهم بالردة ونحوها (وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان) كما
كانت تعبدها في الجاهلية، وقد أرتد قبائل في خلافة أبي بكر، حتى
لم يكن يسجد لله تعالى في بسيط الأرض إلا في ثلاثة مساجد:
مسجد مكة، ومسجد المدينة، ومسجد عبد القيس في البحرين.
(وإنه سيكون في أمتي) لفظ ابن ماجه: (( وإن بين يدي الساعة
دجالين)) (٣) (كذابون ثلاثون) لفظ ابن ماجه: ((قريب من ثلاثين))(٤)
(كلهم يزعم أنه نبي) مرسل، قال القرطبي: وقد جاء عددهم معينا في
حديث حذيفة: قال رسول الله وَلفيروس ((يكون في أمتي كذابون دجالون
سبع وعشرون، منهم أربع نسوة)) أخرجه الحافظ أبو نعيم، وقال:
هذا حديث غريب تفرد به معاوية بن هشام(٥).
(١) ابن ماجه (٣٩٥٢).
(٢) السابق.
(٣) في ((ل)): دجالون، والمثبت من ((سنن ابن ماجه)) (٣٩٥٢).
(٤) ابن ماجه (٣٩٥٢).
(٥) ((التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة)) (ص١٢٢٦)، ((حلية الأولياء)) ١٧٩/٤.

٦٧٤
قال القاضي عياض: عد من تنبأ من زمن النبي وَلّ إلى الآن ممن
أستشهر بذلك وعرف، واتبعه جماعة على ضلالته فوجد هذا العدد
فيهم، ومن طالع كتب الأخبار والتواريخ عرف صحة هذا(١).
(وأنا خاتم النبيين) أي: آخر الأنبياء (لا نبي بعدي) وإنما ينزل عيسى
الَّ في آخر الزمان داعيًا إلى شريعة محمد وَطّر، والإجماع على ذلك،
ولم يخالف إلا من لا يعتد بقوله من الزنادقة والفلاسفة، وأما ما رواه ابن
جرير الطبري في ((تهذيب الآثار)): ((غير إنه لا نبي بعدي إن شاء الله)).
فهذِه الزيادة قال الحاكم في ((الإكليل)): وضعها محمد بن سعيد
المصلوب، ولو صحت فهي محمولة على عيسى الَّه. وتأولها ابن
عبد البر على الرؤيا؛ لأنه لم يبق بعده من أجزاء النبوة غيرها. من هنا
إلى آخره في ((صحيح مسلم)) (ولا تزال طائفة من أمتي) الطائفة:
الجماعة، وهم العصابة كما في الحديث الآخر (على الحق. قال)
محمد (ابن عيسى) في رواية (ظاهرين) على الحق. (ثم اتفقا) بعد ذلك
(لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله) وهم الذين قال الله فيهم:
﴿وَمِمَنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ، يَعْدِلُونَ ﴾﴾(٢) ومعنى (ظاهرين)
منصورين غالبين لمن خالفهم، وأمر الله: قيام الساعة، وقد اختلف:
فيمن هذِه الطائفة؟ وأين هم؟ فقال علي بن المديني: هم الغرب.
استدل برواية من روى: هم أهل المغرب، وشبه الغرب بالدلو العظيمة.
وروى الدارقطني في ((فوائده)) حديث سعد بن أبي وقاص وقال فيه:
((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق في المغرب حتى تقوم
(١) ((إكمال المعلم)) ٢٣٢/٨.
(٢) الأعراف: ١٨١.

٦٧٥
- كتاب الفتن :
الساعة ويأتي أمر الله)) ورواه الطبري وقال: هم أهل بيت المقدس.
قال القرطبي: في هذا الحديث دلالة على صحة الإجماع؛ لأن
الأمة إذا اجتمعت فقد دخلت فيهم العصابة، ولا تعارض بين هذا
الحديث وبين قوله وقال: ((لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق))(١)
وبين قوله: (( لا تقوم الساعة وفي الأرض من يقول: الله))(٢) كما في
حديث عقبة بن عامر(٣).
[٤٢٥٣] (ثنا محمد بن عوف الطائي) الحمصي، ثقة حافظ (ثنا محمد
ابن إسماعيل) بن عياش بالتحتانية، ثم المعجمة، العنسي، عابوا عليه أنه
حدث عن أبيه بغير سماع (حدثني أبي) إسماعيل بن عياش، عالم
الشاميين، قال البخاري: إذا حدث عن أهل حمص فصحيح(٤)، وهنا
حدث (عن ضمضم) الحمصي (قال) محمد (ابن عوف:) في روايته.
(وقرأت في أصل إسماعيل) بن عياش (حدثني ضمضم بن زرعة)
الحمصي. قال عثمان بن سعيد الدارمي، عن يحيى بن معين: ثقة(٥).
وذكره ابن حبان في ((الثقات)»(٦). (عن شريح) بن عبيد الحضرمي
بحمص، صدوق (عن أبي مالك الأشعري) [سعد بن طارق](٧)
· diese
(١) رواه مسلم (١٩٢٤) عن عبد الله بن عمرو بن العاص موقوفًا.
(٢) رواه مسلم (١٤٨) من حديث أنس.
(٣) ((المفهم)) ٧٦٤/٣.
(٤) ((التاريخ الكبير)) ٣٦٩/١.
(٥) ((تاريخ ابن معين)) رواية الدارمي (ص ١٣٥) (٤٤٣).
(٦) ((الثقات)) ٤٨٥/٦.
(٧) كذا في الأصول، وهو خطأ؛ وإنما أبو مالك الأشعري، مختلف في أسمه فقيل:
الحارث بن الحارث، وقيل: عبيد، وقيل: عبيد الله، وقيل: عمرو. وغير ذلك،

٦٧٦
(قال رسول الله وَير: إن الله تعالى أجاركم من ثلاث خلال) أي:
خصال (لا يدعو عليكم نبيكم ◌َّة) دعوة (فتهلكوا) بكسر اللام
(جميعًا) كما دعا نوح على قومه فهلكوا جميعهم، بل كان كثير الدعاء
لهم، واختبأ دعوته المستجابة لأمته يوم القيامة، ونهى عن الدعاء
فقال: (( لا تدعوا على أهاليكم))(١).
(وأن لا يظهر) بضم أوله، وكسر ثالثه، أي: لا يعلي (أهل) دين
(الباطل) وهو الكفر (على) دين (أهل الحق) يعني: أهل الإسلام
بالغلبة والقهر، بل يعلي دين الإسلام على جميع الأديان. قيل: ذلك
عند نزول عيسى العَفيها، فلا يبقى أهل دين إلا دخل في الإسلام. وقال
السدي: ذلك عند خروج المهدي، لا يبقى أحد إلا دخل في
الإسلام، إما بعز عزيز أو بذل ذليل. وقيل: المراد بإظهار أهل الحق
بالحجج الواضحة والبراهين اللائحة؛ لأن حجج دين الإسلام أقوى
الحجج وبراهينه أقطع الدلائل، فما تحاج مؤمن وكافر إلا ظهرت
حجة المسلم على الكافر، وكبت(٢) الله الكافر وأدحض حجته.
(وألا تجتمعوا على ضلالة) لفظ الترمذي: (( لا تجتمع هذِه الأمة
على ضلالة))(٣) وزاد ابن ماجه: ((فإذا وقع الاختلاف فعليك بالسواد
وانظر ترجمته في ((تهذيب الكمال)) ٢٤٥/٣٤. وانظر ترجمة سعد بن طارق أبي
مالك الأشجعي في ((تهذيب الكمال)) ٢٦٩/١٠.
(١) سبق برقم (١٥٣٢) من حديث جابر بمعناه.
(٢) في (ل): ويكبت. والمثبت هو الصواب.
(٣) ((سنن الترمذي)) (٢١٦٧) بلفظ: ((إن الله لا يجمع أمتي -أو قال: أمة محمد ريال - على
ضلالة)».

٦٧٧
- كتاب الفتن
الأعظم)) (١) مع الحق وأهله، وقد استدل به الغزالي وغيره من الأصوليين
على كون الإجماع حجة.
[٤٢٥٤] (ثنا محمد بن سليمان الأنباري) بتقديم النون على
الموحدة، وثقه الخطيب(٢) (ثنا عبد(٣) الرحمن) بن مهدي البصري
(عن سفيان) الثوري (عن منصور) بن المعتمر (عن ربعي بن حراش)
بكسر الحاء المهملة (عن البراء (٤) بن ناجية) الكاهلي، ثقة (عن عبد الله
ابن مسعود نَظُّه، عن النبي ◌َّ- قال: تدور) قال الحربي: ويروى: تزول.
قال القرطبي: كأن (يزول) أقرب؛ لأن (رحى الإسلام) تزول عن
ثبوتها واستقرارها، ودوران الرحى كناية عن الحرب والقتال، شبهها
بالرحى الدوارة التي تطحن الحب؛ لما يكون فيها من قبض الأرواح
وهلاك الأنفس و(تدور) تكون بما يحبون ويكرهون، قال في
((الفائق)): دارت رحى الحرب إذا قامت على ساقها(٥).
(لخمس وثلاثين) من الهجرة، وفي هذه السنة قام أهل مصر
وحصروا عثمان رضيُه (أو ست وثلاثين) وفيها خرج سبعة أشهر.
قال الخطابي: يريد - والله أعلم - أن هذه المدة إذا انقضت حدث في
الإسلام أمر عظيم يخاف على أهله بذاك الهلاك، يقال للأمر إذا تغير
واستحال: دارت رحاه. وهذا إشارة إلى أنقضاء مدة الخلافة.
(فإن يهلكوا) بكسر اللام، أي: إن هلك المسلمون في المحاربة في
(١) ((سنن ابن ماجه)) (٣٩٥٠).
(٢) («تاريخ بغداد)) ٢٩٢/٥.
(٣) فوقها في (ل): (ع).
(٤) فوقها في (ل): (د).
(٥) ((الفائق في غريب الحديث)) ٤٩/٢.

٦٧٨
هذا القدر من الزمان (فسبيل) بالرفع خبر مبتدأ محذوف، أي: فهي سبيل
(من هلك) أي: فالهلاك سبيل كل الخلائق، كما هلك من الأمم السالفة
(وإن يقم لهم دينهم) أي: وإن لم يهلكوا بل بقوا واستقام دينهم، أي: ملة
الإسلام وسلطانه؛ كقوله تعالى: ﴿لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ اَلْمَلِكِ﴾(١) أي: في
سلطانه وملكه، وذلك من لدن بايع الحسن معاوية إلى أنقضاء بني أمية
من المشرق بنحو (سبعين عامًا) وبعد انقضاء مدة بني أمية (يقم لهم)
أنتقلت الخلافة إلى بني العباس. (قال: قلت: أَمِمَّا) يعني: هل مدة
السبعين من الزمن الذي (بقي) بكسر القاف (أو) هي (مما مضى؟ قال)
بل هي (مما مضى) وسلف من الزمان المتقدم.
[٤٢٥٥] (ثنا أحمد بن صالح) المصري (ثنا عنبسة) بن خالد الأيلي،
أخرج له مسلم في باب وفود الأنصار (قال: حدثني) عمي (يونس(٢)) بن
يزيد الأيلي (عن ابن شهاب، قال: حدثني حميد بن عبد الرحمن) بن
عوف، وأمه أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، من المهاجرات (أن أبا
هريرة رضيه قال رسول الله وَليقول: يتقارب الزمان) قيل: معناه: قصر
الأعمار وقلة البركة فيها، وقيل: هو دنو زمان الساعة. وقيل: هو
قصر مدة الأيام على ما روي: ((إن الزمان يتقارب، حتى تكون السنة
كالشهر، والشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، واليوم كالساعة،
والساعة كاحتراق السعفة)). وأخرجه الترمذي(٣). وقال حماد بن
سلمة: سألت أبا سنان عن قوله: ((يتقارب الزمان تكون السنة
(١) يوسف: ٧٦.
(٢) فوقها في (ل): (ع).
(٣) (٢٣٣٢) من حديث أنس. وصححه الألباني في ((صحيح الجامع)) (٧٤٢٢).

٦٧٩
= كتاب الفتن
كالشهر؟)) قال: ذاك من استلذاذ العيش(١).
قال الخطابي: يريد - والله أعلم- زمان خروج المهدي ووقوع الأمنة
في الأرض بما يبسطه من العدل فيها، كما سيأتي، فيستلذ العيش عند
ذلك، وتستقصر مدته، ولا يزال الناس يستقصرون مدة أيام الرخاء
وإن طالت وامتدت ويستطيلون أيام المكروه وإن قصرت وقلت.
(وينقص) بفتح أوله (العلم) أي: يقل. وفي رواية للبخاري: ((يرفع
فيها العلم))(٢) ورفع العلم وقلته ترك العمل به، كما قال عبد الله بن
مسعود: ليس حفظ القرآن بحفظ الحروف ولكن إقامة حدوده. ذكره
ابن المبارك(٣)، وخرج الترمذي عن سالم بن أبي الجعد، عن زياد بن
لبيد قال: ذكر النبي صل﴾ شيئًا، فقال: ((ذلك عند أول ذهاب العلم))
قلت: يا رسول الله، وكيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن ونقرئه
أبناءنا؟ قال: ((ثكلتك أمك، أوليس هؤلاء اليهود والنصارى يقرؤون
التوراة والإنجيل لا يعملون بشيء منها))(٤). وفي رواية له: ((إن شئت
لأحدثنك بأول علم يرفع من الناس: الخشوع، يوشك أن تدخل
مسجد جماعة فلا ترى فيه رجلا خاشعًا)) (٥) وفي مسند زياد بن لبيد
(١) ذكره البغوي في ((شرح السنة)) ٢٨/١٥.
(٢) البخاري (٧٠٦٢-٧٠٦٤) من حديث ابن مسعود وأبي موسى. ورواه مسلم (٢٦٧٢).
(٣) ((الزهد)) ٢/ ٥٧.
(٤) بل رواه ابن ماجه (٤٠٤٨). قال البوصيري في ((مصباح الزجاجة)) ١٩٣/٤-١٩٤:
ليس لزياد عند ابن ماجه سوى هذا الحديث، وليس له رواية في شيء من الخمسة
الأصول ورجال إسناده ثقات: لا أنه منقطع. قلت: وهو بنحوه في ((سنن الترمذي))
(٢٦٥٣) من حديث أبي الدرداء، وفيه ذکر زياد بن لبيد.
(٥) (سنن الترمذي)) (٢٦٥٣) من حديث أبي الدرداء.

٦٨٠
بإسناد صحيح على ما ذكره ابن ماجه(١)، وهو يبين أن المقصود برفع
العلم العمل به.
وروى الطبراني: ((تعلموا الفرائض وعلموه الناس فإنه أول شيء
ينزع من أمتي))(٢) ولا يعارض هذا ما تقدم؛ فإن الخشوع من علم
القلوب، والفرائض من علم الظاهر، فافترقا (وتظهر الفتن) وفي
البخاري: ((لا تقوم الساعة حتى يقتتل فئتان عظيمتان دعواهما
واحدة)»(٣) يريد فتنة معاوية وعلي رضي الله عنهما بصفين، قال أبو
بكر ابن العربي: وهذا أول خطب طرق الإسلام.
(ويلقى الشح) والبخل في قلوب الناس عن إخراج ما وجب عليهم
من الحقوق، فإن قيل: الحرص والبخل ثابت في القلوب في جميع
الأوقات؟ قلت: المراد غلبته وكثرته بحيث يراه جميع الناس، ومعنى
(يلقى) يتلقى ويتعلم ويتراضى به، كقوله تعالى: ﴿فَلَقَّقَ ءَادَمُ مِن ◌َِّّهِ
كَلِمَتٍ﴾(٤) (ويكثر الهرج) والهرج بلسان الحبشة القتل.
(قيل: يا رسول الله، أيه) هي (أي) الاستفهامية، أتصلت بها هاء
السكت، ويحتمل أن يكون الأصل (أيها) ثم حذفت الألف كما
حذفت الألف في: (أيما) في رواية البخاري، فإن روايته: قالوا: يا
(١) ((سنن ابن ماجه)) (٤٠٤٨).
(٢) ((المعجم الأوسط)) ٢٧٢/٥ (٥٢٩٣) من حديث أبي هريرة. ورواه أيضًا ابن ماجه
(٢٧١٩)، والحاكم ٣٣٢/٤. وضعفه الألباني في ((الإرواء)) (١٦٦٥).
(٣) البخاري (٣٦٠٨، ٦٩٣٥) من حديث أبي هريرة. وهو أيضًا عند مسلم (١٥٧).
(٤) البقرة: ٣٧.