النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
كتاب الأطعمة :
=
الصحابة))(١)، وإنما رواه عبد الله عن هذا الرجل، وذكر هذا الحديث ابن
أبي حاتم (٢) والدراقطني في ((العلل)) (٣) من حديث الحسن عن أنس،
ورجحا رواية من أرسله عن الحسن وعن وحشي بن حرب وابن
عباس، رواهما الطبراني في ((الكبير)) (٤).
(عن رجل أعور من ثقيف كان يقال له) أي: يقال فيه قولًا (معروفًا،
أي: يُثنَى) بضم أوله، وسكون المثلثة، وفتح النون (عليه خيرًا) أي: يثني
الثقات عليه خيرًا، ويقولون فيه قولًا معروفًا، و(إن لم يكن أسمه زهير بن
عثمان) الثقفي، نزل البصرة، وأخرجه البغوي أيضًا فيمن اسمه زهير(٥)
في ((معجم الصحابة)) فقال: لا أعلم له اسمًا غيره(٦). وأغرب ابن قانع
فغلط وذكره في ((الصحابة)) فيمن اسمه معروف(٧).
(فلا أدري ما اسمه) والظاهر أنه أسمه، فلا عبرة بما توهمه غيره،
وذكر البخاري في ((تاريخه الكبير)) هذا الحديث في ترجمة زهير بن
عثمان، وقال: لا يصح إسناده، ولا يعرف له صحبة (٨).
(١) أنظر: ((أسد الغابة)) ٣٠٨/٣-٣٠٩.
(٢) ((العلل)) ٢٤٦/٢ (١١٩٣).
(٣) في جميع النسخ: الحديث، وانظر ((علل الدار قطني)) ٧٢/١٢.
(٤) ((المعجم الكبير)) ١٣٦/٢٢-١٣٧ (٣٦٢) من حديث وحشي، وأما رواية ابن عباس
ففي ((المعجم)) ١٥١/١١ (١١٣٣١) بمعناه، قال الهيثمي في ((المجمع)) ٥٩/٤: فيه
محمد بن عبيد الله العرزمي وهو متروك.
(٥) في جميع النسخ: زهيرا. والمثبت أصح.
(٦) ((معجم الصحابة)) ٥١٣/٢ (٨٩٧).
(٧) ((معجم الصحابة)) ٣/ ١٢٤ (١٠٩٥).
(٨) ((التاريخ الكبير)) ٤٢٥/٣ (١٤١٢)

٣٠٢
(أن النبي ◌َّوَ قال: الوليمة أولَ يوم حَقٌّ) أي: واجب ثابت عند من
يقول بوجوبها، وعليه الأكثر (و) هي في (الثاني معروف) [أي: سنة
معروفة، بدليل رواية الترمذي بلفظ: ((طعام أول يوم حق، والثاني
سنة))(١)](٢) (و) هي في (اليوم الثالث رياء وسمعة) أي: ليري الناس
إطعامه ويظهر لهم كرمه، ويسمعهم ثناء الناس عليه، ويباهي به غيره؛
ليفتخر بذلك ويعظم في نفوسهم؛ فهو وبال عليه.
(قال قتادة) أحد الرواة (حدثني رجل) أثق به (أن سعيد بن المسيب
دعي) إلى وليمة في (أول يوم، فأجاب) وحضرها (ودعي) إليها في (اليوم
الثاني، فأجاب) أيضًا (ودعي) في (اليوم الثالث، فلم يجب) الداعي
(وقال:) هم (أهل سمعة ورياء) كما تقدم.
[٣٧٤٦] (ثنا مسلم بن إبراهيم) الفراهيدي (ثنا هشام) الدستوائي (عن
قتادة، عن سعيد بن المسيب بهذه القصة) المذكورة و(قال) فيه: (فدعي)
في (اليوم الثالث، فلم يجب، وحصب) بفتح الحاء والصاد المهملتين.
وقال ابن عمر وغيره: إن النبي وَلّ قال(٣): ((إذا دعي أحدكم إلى
وليمة فليجب )) (٤). ولم يخص ثلاثة أيام ولا غيرها. قال المنذري:
(١) ((سنن الترمذي)) (١٠٩٧) من حديث ابن مسعود، وقال: حديث ابن مسعود لا نعرفه
مرفوعًا إلا من حديث زياد بن عبد الله، وزياد بن عبد الله كثير الغرائب والمناكير.
قال: وسمعت محمد بن إسماعيل يذكر عن محمد بن عقبة قال: قال وكيع: زياد بن
عبد الله مع شرفه يكذب في الحديث.
(٢) ما بين المعقوفتين ساقط من (م).
(٣) ساقط من (ح)، (ل).
(٤) ((صحيح البخاري)) (٥١٧٣)، ((صحيح مسلم)) (١٤٢٩) من حديث ابن عمر. ورواه

٣٠٣
- كتاب الأطعمة
وهذا أصح(١)، وقال ابن سيرين عن أبيه لما بنى بأهله: أولم سبعة أيام،
ودعا في ذلك أبي بن كعب، فأجابه(٢). (الرسول) أي: رماه بالحصباء؛
تعزيرًا له، والحصباء: الحصا الصغار، وكانوا يصلون على حصا
المسجد لا حائل بين وجوههم وبينها، وفي الحديث أنه أمر بتحصيب
المسجد(٣)، وهو أن يلقى فيه الحصباء.
النسائي في ((الكبرى)) ١٤٠/٤ (٦٦١٠) من حديث جابر. ورواه ابن منيع كما في
((المطالب العالية)) ٧٧٧/٢٠ (٢٤٢٣)، و((إتحاف الخيرة المهرة)) ٥١٣/٥
(٣/٥١٥٠) من حديث أبي أيوب.
(١) ((مختصر سنن أبي داود)) ٢٩١/٥.
(٢) رواه ابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) ٧/ ١٢١.
(٣) رواه ابن أبي شيبة ٥٣٤/٢ (٨٩٢٦)، ٩٩/١٤ (٣٧٠١٢) عن عمر موقوفًا.

٣٠٤
٤ - باب الإِطْعامِ عِنْدَ القُدُومِ مِنَ السَّفَرِ
٣٧٤٧ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنا وَكِيعُ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُحارِبِ بْنِ
دِثَارٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَا قَدِمَ النَّبِيُّ ◌َلَ المَدِينَةَ نَحَرَ جَزُورًا أَوْ بَقَرَةَ(١).
باب الإطعام عند القدوم من السفر (٢)
[٣٧٤٧] (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا وكيع، عن شعبة، عن
محارب بن دثار، عن جابر) بن عبد الله رضي الله عنهما (قال: لما قدم
النبي ◌َّ المدينة) النبوية في السنة الأولى من الهجرة، وبركت ناقته
على باب مسجده (نحر جزورًا) بفتح الجيم، والجزور من الإبل خاصة
يقع على الذكر والأنثى. وفيه أن السنة في الإبل النحر، وفي البقر
والغنم الذبح، وفيه استحباب الوليمة من القادم من السفر، وتسمى
الوليمة لقدوم الغائب نقيعة، من النقع، وهو غبار السفر؛ قال الله
تعالى: ﴿فَأَتَرِّنَ بِهِ، نَفْعًا﴾(٣) (أو بقرة) ويحصل هذا الاستحباب بذبح
البعير والبقرة والشاة، وإن كانت الإبل أفضل؛ لكثرة نفعها وغلو ثمنها.
(١) رواه البخاري (٣٠٨٩).
(٢) في (ل)، (م) وحاشية (ح): نسخة: في السفر.
(٣) العاديات: ٤.

٣٠٥
- كتاب الأطعمة
٥ - باب ما جاءَ في الضِّيافَةِ
٣٧٤٨ - حَدَّثَنا القَعْنَبِيُّ، عَنْ مالِكِ، عَنْ سَعِيدِ المَقْبُريِّ، عَنْ أَبِي شُرَيْحِ الكَغبيّ،
أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّ قَالَ: «مَنْ كانَ يُؤْمِنُ باللهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْقُّهُ جَائِزَتُهُ
يَوْمُّهُ وَلَيْلَتُهُ، الضِّيافَةُ ثَلاثَةُ أيّامٍ وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَّ صَدَقَةٌ وَلا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَنْوِيَ
عِنْدَهُ حَتَّى يُحْرِجَهُ))(١).
قالَ أَبُو داوُدَ: قُرِئَ عَلَى الحارِثِ بْنِ مِسْكِينٍ وَأَنَا شاهِدٌ: أَخْبَرَكُمْ أَشْهَبُ قَالَ:
وَسُئِلَ مالِكٌ عَنْ قَوْلِ النَّبِيِّ وَه: ((جائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ)). فَقالَ: يُكْرِمُهُ وَيُتْحِفُهُ
وَيَحْفَظُهُ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَثَلاثَةُ أَيَّامٍ ضِيافَةٌ.
٣٧٤٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْماعِيلَ وَنُحَمَّدُ بْنُ مَخْبُوبٍ قالا: حَدَّثَنَا حَمّدٌ، عَنْ
عاصِمِ، عَنْ أَبي صالِحٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ قالَ: ((الضِّيافَةُ ثَلاثَةُ أيّامٍ فَما
سِوىّ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ))(٢).
٣٧٥٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَخَلَفُ بْنُ هِشام قالا: حَدَّثَنا أَبُو عَوانَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ
عامٍِ، عَنْ أَبِي كَرِيمَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَةِ: ((لَيْلَةُ الضَّيْفِ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ
فَمَنْ أَصْبَحَ بِفِنَائِهِ فَهُوَ عَلَيْهِ دَيْنٌ إِنْ شاءَ أَقْتَضَى وَإِنْ شاءَ تَرَكَ ))(٣).
٣٧٥١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَخْيَى، عَنْ شُغْبَةَ، حَدَّثَنِي أَبُو الْجُودِيِّ، عَنْ سَعِيدِ
ابْنِ أَبِي المُهاجِرِ عَنِ اِقْدامِ أَبِي كَرِيمَةَ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهَ: « أيُّما رَجُلِ أَضافَ
قَوْمًا فَأَصْبَحَ الضَّيْفُ مَخْرُومًا فَإِنَّ نَصْرَهُ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ حَتَّى يَأْخُذَ بِقِرى
(١) رواه البخاري (٦٠١٩)، ومسلم بإثر حديث (١٧٢٦).
(٢) رواه البخاري في «الأدب المفرد)) (٧٤٢)، وأحمد ٣٥٤/٢.
وصححه الألباني في ((صحيح الأدب المفرد)) (٥٧٤).
(٣) رواه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٧٤٤)، وابن ماجه (٣٦٧٧)، وأحمد ١٣٠/٤.
وصححه الألباني في ((الصحيحة)) (٢٢٠٤).

٣٠٦
لَيْلَةٍ مِنْ زَرْعِهِ وَمالِهِ))(١).
٣٧٥٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَهُ بنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنا اللَّنثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبي حَبِيبٍ، عَنْ أَبي
الخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ أَنَّهُ قَالَ: قُلْنا يا رَسُولَ اللهِ إِنَّكَ تَبْعَثُنَا فَتَنْزِلُ بِقَوْم فَما
يَقْرُونَنَا فَما تَرِىْ فَقَالَ لَنا رَسُولُ اللهِ: ((إِنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فَأَمَرُوا لَكُمْ بِما يَّنْبَغِي
لِلِضَّيْفِ فاقْبَلُوا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ الذي يَنْبَغِي لَهُمْ))(٢).
قالَ أَبُو دَاوُدَ: وهذِهِ حُجَّةٌ لِلرَّجُلِ يَأْخُذُ الشَّيءِ إِذا كانَ لَهُ حَقًّا.
باب ما جاء في الضيافة
[٣٧٤٨] (حدثنا) عبد الله بن مسلمة(٣) بن قعنب (القعنبي، عن
مالك، عن سعيد) بن أبي سعيد (المقبري، عن أبي شريح) بضم الشين
المعجمة، أسمه خويلد بن عمرو (الكعبي) بفتح الكاف، نسبة إلى
كعب خزاعة، ولذلك يقال له: الخزاعي العدوي، أسلم يوم الفتح.
(أن رسول الله وَّير قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر) يعني: من
كان يؤمن بالله الإيمان الكامل المنجي من عذاب الله، الموصل إلى
رضوان الله، ويؤمن بيوم القيامة الآخر، أستعد له واجتهد في فعل ما
يدفع به أهواله ومكارهه، فيأتمر بما أمر به، وينتهي عما نهي عنه
(فليكرم ضيفه) والضيف هو القادم من السفر، النازل عند الآدمي،
(١) رواه أحمد ١٣١/٤، والدارِمِي (٢٠٣٧).
وقال الألباني في ((ضعيف الترغيب والترهيب)) (١٥٣٦): منكر.
(٢) رواه البخاري (٢٤٦١)، ومسلم (١٧٢٧).
(٣) في جميع النسخ: (محمد) وتكرر هذا الخطأ مرارا.

٣٠٧
- كتاب الأطعمة
فيطلق على الواحد والجمع، ويجمع أيضًا على أضياف وضيوف،
والمرأة ضيف وضيفة، والضيافة(١) من مكارم الأخلاق ومحاسن
الدين، وليست واجبة عند عامة العلماء، خلا الليث بن سعد، فإنه
أوجبها ليلة واحدة.
وحجة الجمهور قوله: (جائزته) بالنصب، زاد مسلم(٢): قالوا: يا
رسول الله، وما جائزته؟ قال: (يوم وليلة) فإن الجائزة هي العطية
والصلة التي أصلها على الندب، وقلما يستعمل مثل هذا اللفظ في
الواجب. قال العلماء: معنى الحديث الاهتمام بالضيف في اليوم
والليلة وإتحافه بما يمكن من برِّ وإلطاف، ومن إكرام الضيف تعجيل
الطعام إليه، وأحد معاني قوله تعالى: ﴿هَلْ أَنَكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَهِيَمَ
(٤﴾(٣) أنهم أكرموا بتعجيل الطعام إليهم.
اُلْمُكْرَمِينَ
(والضيافة) المشروعة (ثلاثة أيام) فاليوم الأول فرض على ما تقدم،
والثاني والثالث سنة يطعم فيهما [ما] (٤) يتيسر من الطعام، ولا يزيد فيها
على [عادته، يضيفه](٥) منها. (وما بعد ذلك) أي: بعد الأيام الثلاثة (فهو
صدقة) ومعروف، وزاد البزار بإسناد رواته ثقات: (( وكل معروف
صدقة))(٦).
(١) ساقطة من (م).
(٢) ((صحيح مسلم)) (٤٨)، وهُذِه الزيادة في البخاري أيضًا (٦٠١٩، ٦٤٧٦).
(٣) الذاريات: ٢٤.
(٤) ليست في النسخ الخطية، والمثبت ما يقتضيه السياق.
(٥) ساقطة من (م).
(٦) ((مسند البزار)) ٣١/٥ (١٥٨٩) من حديث عبد الله بن مسعود.

٣٠٨
(ولا يحل له أن يثوي) بفتح الياء وسكون المثلثة، أي: يقيم، بدليل
رواية مسلم: ((ولا يحل لرجل مسلم أن يقيم عند أخيه))(١) (حتى يحرجه)
بضم أوله وسكون الحاء المهملة. أي: يوقعه في الحرج، وهو الإثم؛
لأنه قد يغتابه فيقول: هذا الضيف ثقيل، وقد ثقل علينا بطول إقامته.
أو يتعرض له بما يؤذيه، أو يظن به ما لا يجوز، وقد قال الله تعالى:
﴿اَجْتَنِبُواْ كَثِيرًا مِّنَ الَّنِّ إِنَّ بَعْضَ اُلَّنِّ إِذْ﴾(٢).
قال النووي: وهذا كله محمول على ما إذا أقام بعد الثلاث
باستدعائه، وأما إذا استدعاه وطلب منه زيادة إقامته، أو عِلمًا أو ظن
منه محبة الزيادة على(٣) الثلاث وعدم كراهته فلا بأس بالزيادة؛ لأن
النهي إنما جاء لأجل كونه يؤثمه، وقد زال هذا المعنى والحالة هذه،
فلو شك في حال الضيف، هل يكره الزيادة ويلحقه بها حرج أم لا؟
لم تحل له الزيادة على الثلاث؛ لظاهر الحديث(٤).
وهُذِه المسألة من المسائل التي يفرق فيها عند الفقهاء بين الظن
والشك، كما في مسألة: ﴿أَوْ صَدِيقِكٌ﴾(٥).
(قال) المصنف (قرئ على الحارث بن مُسكين) بضم الميم، أبو
عمرو الأموي، مولى مروان، المصري الفقيه بمذهب مالك، قرأ على
(١) ((صحيح مسلم)) (١٥/٤٨) بعد حديث (١٧٢٦).
(٢) الحجرات: ١٢.
(٣) في (ل)، (م): بعد. والمثبت من (ح).
(٤) ((شرح مسلم)) ١٢/ ٣١.
(٥) النور: ٦١.

٣٠٩
= كتاب الأطعمة
ابن القاسم، حمله المأمون أيام المحنة إلى بغداد وسجنه؛ لأنه لم يجب
إلى القول بخلق القرآن، فلم يزل محبوسًا(١) إلى أن ولي المتوكل
فأطلقه، فحدث ببغداد، ورجع إلى مصر (٢)، وروي أن رجلًا كان
مسرفًا على نفسه، فمات فرئي في المنام فقال: إن الله وم غفر لي
بحضور الحارث بن مسكين جنازتي(٣).
(وأنا شاهد) أي: حاضر أسمع (أخبركم) رضي الله عنكم (أشهب)
بالشين المعجمة، ابن عبد العزيز المصري، أحد فقهاء مصر، عن مالك،
قال ابن عبد البر: روينا عن ابن عبد الحكم أنه سمع أشهب يدعو في
سجوده على الشافعي بالموت، فمات والله الشافعي في رجب سنة
أربع ومائتين، ومات أشهب بعده بثمانية عشر يومًا (٤).
قال محمد بن عاصم المعافري: رأيت قائلًا يقول: يا محمد. فأجبته.
فقال :
ذهب الذين يقال(٥) عند فراقهم:
ليت البلاد بأهلها تتصدع
قال: وكان أشهب مريضًا، قلت: فما أخوفني أن يموت! فمات.
(١) في (ل)، (م): مسجونًا.
(٢) أنظر: ((تاريخ بغداد)) ٢١٦/٨.
(٣) أنظر: ((طبقات الشافعية)) ١١٤/٢، ((تهذيب الكمال)) ٢٨٥/٥، ((سير أعلام النبلاء)»
٥٧/١٢.
(٤) (بهجة المجالس)) ٧٤٤/١.
(٥) ساقطة من (ل)، (م).

٣١٠
وكان مولد أشهب سنة أربعين ومائة(١).
(قال: وسئل مالك رظُبه عن قول النبي ◌َّطير:) ((فليكرم ضيفه))،
(جائزته يوم وليلة، قال: يكرمه) يومًا (٢) وليلةً (ويتحفه) بما يمكنه من
لحم وفاكهة قبل الطعام أو حلوى بعده، وقد قيل في قوله تعالى:
﴿جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيدٍ﴾ (٣) أنه جاء بعجل من لحم مشوي، وسمي
عجلًا؛ لأنه عجله ولم يلبث.
(ويحفظه) ويحفظ أمتعته بالحراسة (يومًا وليلة) وله (ثلاثة أيام ضيافة)
يطعمه مما يتيسر من الطعام مما يعتاد أكله كما تقدم، وفيها للعلماء
تأويلان آخران، أحدهما: يعطيه ما يجوز به ويكفيه في سفره في يوم
وليلة يستقبلها بعد ضيافته. والثاني: جائزته يوم وليلة إذا اجتاز به،
وثلاثة أيام إذا قصده.
[٣٧٤٩] (حدثنا موسى بن إسماعيل ومحمد بن محبوب) البناني
البصري شيخ البخاري (قالا: ثنا حماد) بن سلمة (عن عاصم) بن
بهدلة، وهو ابن أبي النجود أحد القراء السبعة (عن أبي صالح) ذكوان
السمان (عن أبي هريرة ظنه أن النبي وَلّ قال: الضيافة ثلاثة أيام) كما
تقدم (فما سوى) أي: بعد (ذلك فهو صدقة) زاد البزار: ((وكل
معروف صدقة)) (٤). كما تقدم.
(١) انظر: ((وفيات الأعيان)) ٢٣٩/١، ((تهذيب الكمال)) ٢٩٨/٣.
(٢) في جميع النسخ: يوم. والمثبت هو الأصوب.
(٣) هود: ٦٩.
(٤) ((البحر الزخار)) ٣١/٥ (١٥٨٩) من حديث عبد الله بن مسعود.

٣١١
= كتاب الأطعمة
[٣٧٥٠] (حدثنا مسدد وخلف بن هشام قالا: حدثنا أبو عوانة)
الوضاح بن عبد الله (عن منصور) بن عبد الرحمن الغداني البصري
الأشل، أخرج له مسلم (عن عامر) الشعبي (عن أبي كريمة) المقدام
ابن معدي كرب الكندي نُبه (قال رسول الله وَله: ليلة الضيف) أي:
ويومه؛ بدليل الحديث المتقدم: ((جائزته يوم وليلة)) والليلة آكد في
حق الضيف من اليوم؛ لاحتياجه في المبيت إلى غطاء ومصباح وغير
ذلك (حق على كل مسلم) قال الإمام أحمد: لما أضاف المشرك دل
على أن المسلم والمشرك يضاف. قال: وأنا أراه كذلك، فالضيافة
معناها معنى صدقة التطوع على المسلم والكافر في اليوم والليلة حق
واجب(١).
وقال الشافعي: ذلك مستحب ليس بواجب، وهو قول الجمهور،
وحملوا الحق الواجب هنا على الاستحباب، كحديث: ((غسل
الجمعة واجب على كل محتلم)) (٢) أي: متأكد الاستحباب؛
[وكحديث ابن عباس: خطب النبي ◌ُّل في حجة الوداع، ومنها: (( لا
يحل لامرئ مال أخيه](٣) إلا ما أعطاه من طيب نفس)) (٤) (فمن) بات
(١) أنظر: ((المغني)) لابن قدامة ٣٥٣/١٣.
(٢) رواه البخاري (٨٥٨)، ومسلم (٨٤٦) من حديث أبي سعيد الخدري.
(٣) ما بين المعقوفتين ساقط من (م).
(٤) رواه الدارقطني ٢٥/٣، والحاكم ٩٣/١، والبيهقي ٩٦/٦-٩٧. قال في
((التلخيص)) ٤٥/٣: رواه الحاكم من حديث عكرمة عن ابن عباس .. في حديث
طويل، ورواه الدارقطني من طريق مقسم عن ابن عباس نحوه، وفي إسناده
العرزمي، وهو ضعيف. انتهى.

٣١٢
الضيف و(أصبح بفنائه) بكسر الفاء وتخفيف النون ممدودًا، وهو (١)
المتسع أمام الدار. وقيل: ما أمتد من جوانب الدار، جمعه أفنية، وفيه
أن من إكرام الضيف إنزاله في ساحة داره، وأن ساحة الدار حرز
للأمتعة إذا كان عليها ما يحوطها (فهو) هو: ضمير يعود على غير
مذكور، بل هو معلوم من فحوى الكلام، وهو القرى؛ لأن ليلة
الضيف لا بد لها من قرى. والتقدير: فقرى من بات وأصبح بفنائه.
([عليه](٢) دين) للضيف مستحق عليه كسائر ديونه، هذا مما استدل
به الليث وأحمد على أن الضيافة واجبة يومًا وليلة. وللضيف أن يطالب
من نزل عنده بحقه الذي جعله له النبي وَيَ(٣) وروى الإمام أحمد برواة
ثقات والحاكم -وقال: صحيح الإسناد- عن أبي هريرة قال رسول الله
وَلثر: ((أيما ضيف نزل بقوم فأصبح الضيف محرومًا، فله أن يأخذ
بقدر قراه ولا حرج عليه)) (٤) (إن شاء أقتضى) أي: طلب دينه الذي
ثبت له عليه (وإن شاء ترك) ولفظ ابن ماجه: ((ليلة الضيف واجبة،
فإن أصبح بفنائه فهو دين عليه، فإن شاء أقتضاه، وإن شاء تركه))(٥)
أي: الضيف مخير بين أن يطالب بدينه وبين أن يبرئه منه.
وهذا الحديث وما بعده محمول على المضطرين، فإن ضيافتهم
(١) في (ل)، (م): ومن.
(٢) من المطبوع.
(٣) أنظر: ((المغني)) لابن قدامة ٣٥٣/١٣ - ٣٥٤.
(٤) ((المسند)) ٣٨/٢، ((المستدرك)) ١٣٢/٤.
(٥) («السنن)) (٤٦٧٧).

٣١٣
= كتاب الأطعمة
واجبة، فإذا لم يضيفوهم فلهم أن يأخذوا حاجتهم من مال الممتنعين،
وعلى ما سيأتي.
[٣٧٥١] (حدثنا مسدد، ثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن شعبة،
حدثني أبو الجودي) بضم الجيم، أسمه الحارث بن عمير الأسدي
الشامي، سكن واسط، وهو ثقة (عن سعيد بن المهاجر) ويقال: ابن
أبي المهاجر الشامي الحمصي، ذكره ابن حبان في ((الثقات))(١) وله
هذا الحديث الواحد (عن المقدام) بن معدي كرب (أبي كريمة)
الكندي ضيعته.
(قال رسول الله وَ له: أيما رجل أضاف [قومًا](٢)) قال ثعلب: ضفت
الرجل إذا نزلت به وأضفته بالألف إذا أنزلت به ضيفًا (٣) (فأصبح الضيف
محرومًا) من القرى (فإن نصره) بفتح النون، أي: نصرته وإعانته على أداء
حقه (حق على كل مسلم) قال في ((النهاية)): يشبه أن يكون هذا في
المضطر الذي لا يجد ما يأكل، ويخاف على نفسه التلف، فله أن
يأكل من مال أخيه المسلم بقدر حاجته الضرورية، وعليه الضمان (٤).
(حتى يأخذ بقرى) بكسر القاف (ليلة) واحدة، أي: له أن يأخذ بنفسه
قدر قرى ليلة فقط، كما تقدم في رواية أحمد والحاكم، وإذا أخذ
فيقتصر على ما يسد الرمق في الراجح في ((الرافعي الصغير))، وقاله
(١) ((الثقات)) ٢٩٣/٤.
(٢) من ((السنن)).
(٣) أنظر: ((الفصيح)) (ص٢٧).
(٤) ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) ٦٤/٥.

٣١٤
المزني في ((المختصر)) واختاره، والصواب إعجام الشين من شد الرمق،
فإن الرمق هو بقية الروح (من زرعه) إن كان له زرع، أو ثمره إن كان له
ثمر نخل ونحوه (و) يأخذ من (ماله) إن لم يكن له زرع، وليس له إذا
اشتدت ضرورته من الزرع أن يتجاوز إلى شيء من ماله؛ لأنه محل
ضرورة، وسيأتي له بقية في الحديث بعده.
[٣٧٥٢] (حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: ثنا الليث، عن يزيد بن أبي
حبيب، عن أبي الخير) مرثد، بفتح الميم والمثلثة ابن عبد الله اليزني
(عن عقبة بن عامر) الجهني، كان من أحسن الناس صوتا بالقرآن
رضى عنه .
(أنه قال: قلنا: يا رسول الله، إنك تبعثنا) في أمر (فننزل بقوم لا
يقروننا) بفتح أوله ونونين من القرى، ويروى بنون واحدة - كما في
البخاري(١) - أي: لا يضيفوننا (فما ترى؟) في هذا، قد يؤخذ منه أن
النبي # كان يجتهد برأيه في الأحكام (فقال لنا رسول الله وَله: إن
نزلتم بقوم فأمروا لكم) أي: أمر الذين نزلتم عندهم خدمهم، وفيه أن
المسافر إذا نزل عند أحد ضيفًا، فلا ينزل إلا عند أعيان تلك الناحية
الذين لهم خدم وأعوان؛ فإنهم قادرون(٢) على إكرام الضيف، بخلاف
الصعاليك الذين يتكلفون للضيف إذا نزل عليهم (بما ينبغي للضيف)
من الإكرام (فاقبلوا) منهم (فإن لم يفعلوا) ذلك (فخذوا منهم) عند
الاضطرار؛ أخذًا بالضمان، أو خذوا من القوم الذين هم من أهل
الجزية، وشرطٌ عليهم الضيافة لمن يمر بهم من الضيوف.
(١) ((البخاري)) (٢٤٦١).
(٢) في النسخ: قادرين. والمثبت الصحيح والصواب لغة.

٣١٥
= كتاب الأطعمة
قال الخطابي: إنما كان يلزم ذلك في زمنه وَل حيث لم يكن بيت
مال. فأما اليوم فأرزاقهم في بيت المال، لا حق لهم في أموال
المسلمين(١). وقال ابن بطال: قال أكثرهم: إنه كان هذا في أول
الإسلام حيث كانت المواساة واجبة، وهو منسوخ بقوله: (( جائزته يوم
وليلة)). قالوا: فالجائزة تفضل لا واجب(٢).
(حق الضيف) قال أحمد في تفسير قوله وَله: ((فله أن يعقبهم بقدر
قراه))، يعني: للضيف أن يأخذ من أرضهم وزرعهم بقدر ما يكفيه بغير
إذنهم، وعنه رواية أخرى: أن الضيافة على أهل القرى دون الأمصار(٣).
(الذي ينبغي [لهم] (٤)) قال بعضهم: المراد أن لكم أن تأخذوا من
أغراض من لم يضفكم بألسنتكم وتذكروا للناس لومهم، فالعيب
عليهم، وهذا من المواضع الذي يباح فيه الغيبة، كما أن القادر
المماطل بالدين يباح عرضه وعقوبته، وحمله بعضهم على أن هذا كان
في أول الإسلام، وكانت المواساة واجبة، ولما أتسع الإسلام نسخ
ذلك. قال النووي: وهذا تأويل ضعيف أو باطل؛ لأن هذا الذي
ادعاه قائله لا يعرف(٥). انتهى.
(١) ((أعلام الحديث)) ٢/ ١٢٢٤-١٢٢٥.
(٢) ((شرح صحيح البخاري)) ٦/ ٥٨٥.
(٣) انظر: ((المغني)) ٣٥٤/١٣.
(٤) من المطبوع.
(٥) ((شرح مسلم)» ٦/ ١٦٥.

٣١٦
٦ - باب نَسْخِ الضَّيْفِ يَأْكُلُ مِنْ مالِ غَيْرِهِ
٣٧٥٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ المَزْوَزَيُّ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ واقِدٍ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيٌّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبّاسٍ قالَ: ﴿لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ
بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِّ إِلَّ أَنْ تَكُونَ نِحَرَةً عَن تَاضِ مِّنْكُمْ﴾ فَكَانَ الرَّجُلُ يُجْرَجُ أَنْ
يَأْكُلَ عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ النّاسِ بَعْدَ مَا نَزَلَتْ هذِهِ الآيَةُ فَنَسَخَ ذَلِكَ الآيَةُ التي في النُّورِ قالَ:
﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحُ أَنْ تَأْكُواْ مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَشْتَانًا﴾ كانَ
الرَّجُلُ الغَنْيُّ يَدْعُو الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِهِ إِلَى الطَّعامِ قالَ: إِنّي لأَجْنَحُ أَنْ أَكُلَ مِنْهُ.
والتَّجَنُّحُ: الحَرَجُ، وَيَقُولُ: المِسْكِينُ أَحَقُّ بِهِ مِنَّي. فَأُحِلَّ فِي ذَلِكَ أَنْ يَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ
اللهِ عَلَيْهِ وَأُحِلَّ طَعامُ أَهْلِ الكِتابِ(١).
باب نسخ الضيف يأكل من مال غيره
[٣٧٥٣] (حدثنا أحمد بن محمد) بن موسى مردويه(٢) (المروزي)
بفتح الميم والواو شيخ البخاري(٣) (قال: حدثني علي بن الحسين بن
واقد) المروزي، ضعفه أبو حاتم(٤)، وقواه غيره(٥).
(١) رواه البيهقي في ((الكبرى)) ٢٧٤/٧، والضياء في ((المختارة)) ٣٢٥/١٢ كلاهما من
طريق أبي داود. وقال الألباني: حسن الإسناد.
(٢) كذا في الأصول: بن موسى مردويه. وهو خطأ، والصواب: بن ثابت بن شبويه.
أنظر: ((تهذيب الكمال)» ٤٣٣/١، ٤٧٣.
(٣) كذا في الأصول: شيخ البخاري. وهو خطأ مبني على الخطأ في الترجمة.
(٤) ((الجرح والتعديل)) ١٧٩/٦ (٩٧٨).
(٥) ذكره ابن حبان في ((الثقات)) ٨/ ٤٦٠. وقال النسائي: ليس به بأس. ((تهذيب الكمال))
٢٠ / ٤٠٧.

٣١٧
= كتاب الأطعمة
(عن أبيه) الحسين بن واقد(١) المروزي قاضي مرو، مولى عبد الله بن
عامر.
قال ابن معين وغيره: ثقة(٢).
(عن يزيد) بن أبي سعيد (النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي
الله عنهما قال) قال الله تعالى: (﴿لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِاَلْبَطِلِّ﴾)
بغير حق، ومنه بيع العربون، وهو أن يأخذ منك السلعة أو يكتري منك
الدابة ويعطيك درهما فما فوقه، على أنه إن اشتراها أو ركب الدابة فهو
من ثمن السلعة أو كراء الدابة، وإن ترك ابتياع السلعة أو كراء الدابة فما
أعطاك فهو لك (﴿إِلَّ أَنْ تَكُونَ تِجَرَةَ﴾) بالبيع والشراء ونحو ذلك،
والتجارة هي المعاوضة، ومنه الأجر الذي يعطيه الله للعبد عوضًا عن
الأعمال الصالحة (﴿عَنْ تَرَاضٍ﴾) أي: رضا، إلا أنها جاءت من
المفاعلة؛ لأن التجارة لا تكون إلا من أثنين والرضا منهما، فخرج
من مفهوم هذا الحصر دعاء الرجل أخاه إلى بيته ليأكل من طعامه؛
فإنه مع كونه ليس بتجارة ولا هو من أكل المال بالباطل، فهو لا بأس به.
(فكان الرجل) بعدما نزلت هذه الآية (يحرج) بضم الياء وفتح الحاء
المهملة وتشديد الراء المكسورة بعدها جيم، أي: يضيق على نفسه من
(أن يأكل عند أحد من الناس) ويرى ذلك إثما وحرامًا ويترك الأكل عند(٣)
(١) قبلها في الأصول: علي بن. ولم أجده في مصادر ترجمته، وانظر: ((تهذيب
الكمال)» ٤٩١/٦.
(٢) ((تاريخ عثمان بن سعيد عن يحيى بن معين)) (٢٩٠).
(٣) بعدها في (ل): بياض بمقدار كلمة، وقد تكون: (كل) مناسبة للسياق .

٣١٨
أحد خروجًا من الحرج وهو الإثم والضيق (بعدما نزلت هذه الآية) الناهية
عن أكل المال بالباطل إلا عند حصول التجارة.
(فنسخ) بفتح النون والسين (ذلك) أي: هذا الحكم هذِه (الآية التي
في) سورة (النور) وهي التي (قال) الله تعالى فيها (﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ
جُنَاعُ﴾) أي: إثم (﴿أَنَ تَأْكُواْ مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾) أي: من البيوت التي
فيها أزواجكم وعيالكم (إلى قوله) تعالى: ﴿لَيْسَ عَّكُمْ جُنَاعُ أَنْ
تَأْكُلُواْ جَمِيعًا أَوْ أَشْتَانًا﴾)، أي: مجتمعين أو متفرقين، والأشتات
جمع شتيت(١)، يقال: شيء شتيت، أي: متفرق.
و(كان الرجل الغني يدعو الرجل من أهله) وأقاربه (إلى) أن يأكل من
(الطعام) فإذا دعاه (قال: إني لأجنح) بفتح اللام والهمزة وسكون الجيم،
أي: لأرى جناحًا وإثمًا (أن آكل منه) شيئًا.
(والتجنح (٢): الحرج) والإثم، والأصل في اللغة هو الميل والإثم.
قال الزمخشري: هُذِه الآية نزلت في بني ليث بن عمرو [من
كنانة](٣)، كانوا يتحرجون من الاجتماع على الطعام؛ لاختلاف الناس
في كثرة الأكل وقلته وزيادة بعضهم على بعض. وقيل: كانوا يتحرجون
أن يأكل الرجل وحده، فربما قعد منتظرًا نهاره إلى الليل، فإن لم يجد
من يؤاكله أكل ضرورة. وقيل: نزلت في قوم من الأنصار إذا نزل بهم
(١) في (م)، (ح): شت.
(٢) في (ل): (الجنح) وهو خطأ.
(٣) ساقطة من (ل)، (م).

٣١٩
= كتاب الأطعمة
ضيف لا يأكلون إلا مع ضيفهم (١).
(ويقول) الفقير و(المسكين) والضيف (أحق به مني، فأحل) الله تعالى
([في ذلك أن يأكلوا](٢) مما ذكر اسم الله) للتبرك باسم الله، قال الله
تعالى: ﴿فَكُلُوْ مِمَّا ذُكِرَ أَسْمُ الَّهِ عَلَيْهِ﴾ (٣) أي: مما ذكي على أسم
الله، وقال: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ أَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَضَّلَ لَكُمْ
مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾(٤) فكلوا ما أحل(٥) واتركوا ما حرم (و) قد (أحل) الله
لكم (طعام أهل الكتاب) والطعام اسم لما يؤكل والذبائح منه، وحكى
الكيا الطبري الاتفاق على جواز أكل ذبيحة أهل الكتاب، واشتراط
التسمية من الكافر وعدمها بمثابة واحدة، إذ لم يتصور منه العبادة(٦).
ولا بأس بالأكل والشرب والطبخ في آنية أهل الكتاب وغيرهم من
الكفار بعد أن تغسل؛ لأنهم لا يتوقون النجاسة، ولا بأس بأكل طعام من
لا كتاب له كالمشركين وعبدة الأوثان، ما لم يكن من ذبائحهم، أو لم
يحتج إلى ذكاة كالسمك وغيره من الأطعمة.
ولا خلاف بين العلماء أن ما لا يحتاج إلى ذكاة كالطعام الذي لا
محاولة فيه كالفاكهة والقمح جائز أكله؛ إذ لا يضر فيه تملك أخذ
(١) ((الكشاف)) ٣٠٩/٣.
(٢) ما بين المعقوفين مستدرك من ((السنن)).
(٣) الأنعام: ١١٨.
(٤) الأنعام: ١١٩.
(٥) في (ل)، (م): حل.
(٦) ((أحكام القرآن)) ٥٨/٣.

٣٢٠
الطعام الذي يقع فيه محاولة، على ضربين، أحدهما: ما فيه محاولة
صنعة لا تعلق للدين(١) بها كخبز الدقيق وعصير الزيت وطبخ الدبس
ونحو ذلك. والثاني: هي التذكية التي يحتاج فيها إلى الدين(٢) والنية،
كما تقدم.
(١) في (م): للذنب.
(٢) في (م): الذنب.