النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
- كتاب الأقضية
٣٦٤٠ - حَدَّثَنَا نَحْمُودُ بْنُ خالِدٍ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عُثْمَانَ حَدَّثَهُمْ، حَذَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ
ابْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي طُوالَةً وَعَمْرِو بْنِ يَخْيَى عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ قالَ:
اخْتَصَمَ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَ رَجُلانِ فِي حَرِيمِ نَخْلَةٍ فِي حَدِيثِ أَحَدِهِمَا فَأَمَرَ بِها
فَذُرِعَتْ فَوْجِدَتْ سَبْعَةَ أَذْرُعِ وَفِي حَدِيثِ الآخَرِ: فَوُجِدَتْ خَمْسَةَ أَذْرُعٍ فَقَضَى بِذاكَ.
قالَ عَبْدُ العَزِيزِ: فَأَمَرَ بِجَرِيدَةٍ مِنْ جَرِيدِها فَذُرِعَتْ(١).
أبواب من القضاء
[٣٦٣٣] (حدثنا مسلم(٢) بن إبراهيم) الأزدي الفراهيدي (حدثنا
المثنى(٣) بن سعيد) الضبعي القسام الذارع (حدثنا قتادة، عن بشير)
بضم الموحدة، وفتح الشين المعجمة (ابن كعب) العدوي ويقال:
العامري. وأخرجه الترمذي من حديث بشير بن نهيك أيضا (٤)، وأخرجه
مسلم من حديث عبد الله بن الحارث(٥) ختن محمد بن سيرين.
(عن أبي هريرة نظره، عن النبي ◌َّ- قال: إذا تدارأتم) بدال مهملة
بعدها ألف، وبعد الراء همزة من الدرء، وهو الدفع؛ لقوله تعالى:
(١) رواه الطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) ١٧٣/٩، والطبراني في ((الأوسط))
٢٥٢/٢، والبيهقي في (الصغرى)) ٣٣٤/٢.
وصححه الألباني في ((الضعيفة)) تحت الحديث (٣٤٨٥).
(٢) فوقها في (ل): (ع).
(٣) فوقها في (ل): (ع).
(٤) ((سنن الترمذي)) (١٣٥٥) عن بشير بن نهيك، (١٣٥٦) عن بشير بن كعب.
(٥) (صحيح مسلم)) (١٦١٣) من حديث يوسف بن عبد الله بن الحارث عن أبيه عن أبي
هريرة به.

٤٢
وَدِرَؤُّأْ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ (١) أي: يدفع. والمراد هنا إذا تدافعتم واختلفتم،
بدليل رواية مسلم: ((إذا اختلفتم))(٢) (في طريق فاجعلوه) أي: أجعلوا
عرضه (سبع أذرع) وفي رواية لمسلم: ((جُعِلَ عَرْضُه سبعة أذرع))(٣)
وهما صحيحان؛ لأن الذراع يذكر ويؤنث، والتأنيث أفصح، وهذا
الحديث محمول على أمهات الطريق التي هي ممر عامة الناس
بأحمالهم ومواشيهم، فإذا تشاح من له أرض يتصل بها مع من له فيها
حق، جعل سبع أذرع بينهما بالذراع المتعارف في ذلك، طريقًا للناس
كافة، بخلاف بنيات الطريق، فأما إذا جعل الرجل بعض أرضه
المملوكة طريقا مسبلة للمارين فقدرها إلى خيرته، والأفضل توسيعها
وليس هذِه الصورة مراد الحديث؛ لأن هذِه لا مدافعة فيها ولا
أختلاف، وإذا وجدنا طريقا مسلوكا أكثر من سبعة أذرع فلا يجوز
لأحد أن يستولي على شيء منه وإن قل.
قال أصحابنا: ومتى وجدنا جادة مستطرقة ومسلكا مشروعا نافذا
حكمنا باستحقاق الاستطراق فيه بظاهر الحال(٤). وفي الحديث الندب
إلى توسعة الطرق السالكة؛ لئلا تضيق على الحمولة دون الأزقة التي
لا تنفذ والطرق التي يدخل فيها القوم إلى بيوتهم.
(١) النور: ٨.
(٢) ((صحيح مسلم)) (١٦١٣).
(٣) ((صحيح مسلم)) (١٦١٣) وفيه: سبع على التذكير، ولعل ما ذكره المصنف في روايته
من مسلم.
(٤) ((شرح مسلم)) للنووي ١١/ ٥١.

٤٣
= كتاب الأقضية
[٣٦٣٤] (حدثنا مسدد و) محمد (ابن أبي خلف) شيخ مسلم (قالا:
حدثنا سفيان) بن عيينة (عن الزهري، عن) عبد الرحمن بن هرمز (الأعرج،
عن أبي هريرة حظوته قال رسول الله وَله: إذا استأذن أحدكم أخاه) فخرج
مخرج الغالب، فإن الذمي كذلك، فإن المراد به الجار كما في رواية
الصحيحين(١) مسلما كان أو غيره فإنه من باب الإحسان، والإحسان
إلى الجار اليهودي فيه أجر.
(أن يغرز خشبة) قال القاضي عياض: رويناه في مسلم وغيره من
الأصول ((خشبه)) بالجمع والإفراد ثم قال: وقال عبد الغني بن سعيد:
كل الناس يقوله بالجمع إلا الطحاوي، فإنه قال عن روح بن الفرج:
سألت أبا يزيد والحارث بن بكير ويونس بن عبد الأعلى عنه فقالوا
كلهم (خشبة) بالتنوين (٢).
قال القرطبي: وإنما اعتنى هؤلاء الأئمة بتحقيق الرواية في هذا
الحرف أن أمر الخشبة الواحدة يخف على الجار المسامحة به،
بخلاف الأخشاب الكثيرة (٣). ووضع الخشبة على الحائط في معنى
الغرز، بل هو أخف ضررا منه. وفي رواية ابن عباس: (( وللرجل أن
يضع خشبة في حائط جاره))(٤).
(في جداره) أي: حائطه، يحتمل عود الضمير على المالك. أي: في
(١) ((صحيح البخاري)) (٢٤٦٣)، ((صحيح مسلم)) (١٦٠٩).
(٢) ((إكمال المعلم)) ٣١٧/٥.
(٣) ((المفهم)) ٤/ ٥٣١.
(٤) رواه أحمد ٣١٣/١، والطبراني ٣٠٢/١١ (١١٨٠٦).

٤٤
جدار نفسه، وهذا حيث لا يتضرر بمنع ضوء أو إشراف عليه، إذ الضرر
لا يزال بالضرر.
وقيل: لا يمنعه من إخراج جناح ونحوه للتوسعة على من ضاق سفل
داره ولم يضر ذلك بالجار ولا بالمار، ويحتمل عود الضمير على الجار،
وهذا منشأ الخلاف في وجوب إعارة الجار الجدار لوضع الجذوع عند
حاجته إلى ذلك، والصحيح عند الشافعي ومالك(١) والجمهور أنه
للندب، ويدل على عدم الوجوب قوله بعده (ما لي أراكم قد أعرضتم)
إذ لو كان واجبا لما أعرضوا لشدة أتباعهم. وللحديث الصحيح: ((لا
يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس)) (٢).
(فلا يمنعه) هو نهي كراهة لما تقدم (فنكبوا) بفتح النون والكاف
المخففة. يعني: رؤوسهم حياء منه، حيث لم يقولوا: سمعنا وأطعنا
(فقال) أبو هريرة بعد أن روى هذا الحديث (ما لي أراكم قد
أعرضتم)؟! عن مقالتي، أو عن هذه السنة، أو عظتي ووصيتي، والله
(لألقينها) اللام لام جواب، والهمزة المتصلة بها مضمومة همزة
المضارعة والقاف مكسورة، ونون التوكيد مشددة، ويجوز تخفيفها.
(١) ((المدونة)) ٤٤٢/٣، و((الأم) ٤٦٦/٤، ٦٣٩/٨. وانظر: ((الحاوي)) ٣٩١/٦
فللشافعي تفصيل في المسألة وكلام في القديم والجديد. وانظر لزاما «اختلاف
الأئمة العلماء)) ٤٣٥/١.
(٢) رواه أبو يعلى ٣/ ١٤٠ (١٥٧٠) والدار قطني ٢٦/٣، وأبو نعيم في ((معرفة الصحابة))
٨٨٣/٢، ٣٠٨١/٦، والبيهقي ٦/ ١٠٠ من حديث أبي حرة الرقاشي عن عمه.
ورواه الدارقطني ٢٦/٣ من حديث أنس ﴾.
وصححه الألباني في ((الإرواء)) (١٤٥٩).

٤٥
- كتاب الأقضية
ورواية الصحيحين: لأرمينها(١). ورواية الترمذي: فطأطؤوا رؤوسهم (٢).
وهي بمعنى رواية المصنف أو تفسير لها، والمعنى: لأضعن هذِه السنة
(بين أكتافكم) بالتاء المثناة فوق. أي: بينكم، قال القاضي: وقد رواه
بعض رواة ((الموطأ)»: أكنافكم. بالنون(٣) بمعناه أيضا، والكنف:
الجانب، ونونه مفتوحة، والمعنى(٤) لأطرحن بها بين جماعتكم ولا
أكتمها أبدا، ولأوجعنكم بالتقريع كما يضرب الإنسان بالشيء بين كتفيه.
وفي ((تعليق القاضي حسين)) من أصحابنا أن أبا هريرة قال ذلك حين
كان متوليا بمكة أو المدينة، وكأنه قال ذلك لما رآهم قد توقفوا عن قبول
ذلك، بدلالة تنكيس رؤوسهم، وقيل: المراد لألزمنكم العمل بهُذِه السنة
وإن تكلفتكم، أو لأضعن جذوع الجار بين أكتافكم، وقصد بذلك
المبالغة.
(وهذا حديث) محمد بن أحمد (بن أبي خلف) البغدادي (وهو أتم)
من حدیث مسدد.
[٣٦٣٥] (حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا الليث، عن يحيى) بن سعيد
(الأنصاري)(٥) (عن محمد بن يحيى بن حبان) بفتح المهملة، وتشديد
الموحدة، ابن منقذ بن عمرو الأنصاري المازني (عن لؤلؤة) بهمزتين
(١) ((صحيح البخاري)) (٢٤٦٣)، ((صحيح مسلم)) (١٦٠٩) وفيهما: لأرمين بها.
(٢) ((سنن الترمذي)) (١٣٥٣).
(٣) ((إكمال المعلم)) ٣١٨/٦.
(٤) ساقطة من (م).
(٥) كذا في الأصول، والصواب: الأنصاري. أنظر: ((تهذيب الكمال)) ٦٠٥/٢٦،
٣٤٦/٣١.

٤٦
بعد اللامين، حسن الترمذي حديثها(١)، وهي مولاة الأنصار (عن أبي
صرمة) بكسر الصاد المهملة مالك بن قيس الأنصاري، قال ابن عبد
البر: لم يختلفوا في شهوده بدرا وما بعدها(٢)، كان شاعرا محسنا.
(عن النبي ◌ّ: من ضار) بتشديد الراء أي: ضارر غيره كأن ينتقصه
شيئا من حقه، أو يأخذ من حقه شيئا أو يدخل عليه الضرر بشيء غير
ذلك، فإن الضر ضد النفع، وشمل معناه أن لا يجازي أحدًا على
إضراره بإدخال الضرر عليه جزاء فعله.
واختلفوا في الفرق بين الضرر والضرار، فقيل: الضرر فعل الواحد
والضرار فعل الأثنين، وقيل: الضرر أن يضره من غير أن ينتفع، والضرار
أن يضره ابتداء، وقيل: هما بمعنى واحد. وإنما عقب المصنف هذا
الحديث بما قبله؛ لأن من الضرار أن يمنعه من أن يغرز خشبة في
جداره، وقد جاء في رواية أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال
رسول الله وَله: (( لا ضرر ولا إضرار، وللرجل أن يضع خشبة في
جداره، وإذا اختلفتم في الطريق فاجعلوه سبعة أذرع))(٣).
(أضر الله تعالى به) أي: أوقع الضرر البالغ به في ذلك الوقت أو
بعده، وشدد عليه عقابه [في الآخرة (ومن شاق) بتشديد القاف. أي:
شاقق أخاه، بأن يدخل عليه ما يشق عليه](٤) ابتداء أو مجازاة، أو
يحاربه، أو يكثر مخالفته وعناده (شاق الله تعالى عليه) أي: أدخل عليه
(١) ((سنن الترمذي)) (١٩٤٠).
(٢) ((الاستيعاب)) ٢٥٤/٤.
(٣) ((مسند أحمد)) ٣١٣/١.
(٤) ما بين المعقوفتين ساقط من (م).

٤٧
= كتاب الأقضية
ما يشق عليه كما يشق على أخيه، وحاربه كما يحارب أولياء الله،
والمشاقة مشتقة من الشق؛ لأن كل واحد من المتعاديين في شق خلاف
شق صاحبه، والشق: الجانب.
[٣٦٣٦] (حدثنا سليمان بن داود العتكي، حدثنا حماد) بن زيد أخرج
له مسلم(١) (حدثنا واصل) العابد (مولى أبي عيينة) بتحتانيتين، صدوق،
ابن المهلب بن أبي صفرة(٢)، أخرج له مسلم (قال: سمعت أبا جعفر)
الباقر، وهو (محمد(٣) بن علي) بن الحسين بن علي بن أبي طالب.
(يحدث عن سمرة بن جندب رضيته أنه كان له عضد) بفتح العين وضم
الضاد (من نخل) قال في ((النهاية)): أراد طريقة من نخل (٤). هكذا الرواية
المشهورة، وقيل: الصواب رواية: عضيد من النخل.
قال الأصمعي: إذا صار للنخلة جذع يتناول منه المتناول من تلك
النخلة فهو العضد، وجمعها عضدان(٥). بضم العين، كرغيف ورغفان،
و کثیب و کثبان.
قال الزمخشري(٦): قالوا للطريقة من النخل: عضد؛ لأنها متساطرة
(١) كذا في الأصول، وهو خطأ وهو إمام نبيل، أخرج له البخاري ومسلم في أكثر من
مائتي موضع، فلا يقال فيمن هذِه حاله: أخرج له مسلم. والله علم.
(٢) أبو عيينة اسمه عزرة بن المهلب بن أبي صفرة، وقوله: أخرج له مسلم. يقصد
واصلا بن المهلب.
(٣) فوقها في (ل): (ع).
(٤) ((النهاية في غريب الحديث)) ٢٥٢/٣.
(٥) انظر: ((غريب الحديث)) للخطابي ١ /٤٨٨.
(٦) ((الفائق في غريب الحديث)) ٢/ ٤٤٢.

٤٨
في جهته. يريد جهة الطريق (في حائط) أي: بستان عليه شيء يحوطه (رجل
من الأنصار، قال) أبو جعفر (وكان مع الرجل) الذي من الأنصار (أهله)
بالرفع، يعني: زوجته وأولاده (قال: فكان سمرة) بن جندب (يدخل
إلى نخله) التي في حائط الرجل الأنصاري؛ ليصل إلى الانتفاع بنخله
وأخذ ثمرها (فيتأذى به) أي: بدخوله إلى حائط غيره، ويشق عليه
الاستئذان على أهله كل وقت، فيتأذى بذلك ويحصل له الضرر المنهي
عنه في الحديث قبله (ويشق عليه) مخالطة الأجانب وعدم استقلاله
بمنفعة ما يملكه.
(فطلب إليه) يقال: طلب إلي فلان كذا فأطلبته. أي: أشفعته بما
طلب، ويجوز أن يكون معناه: فأنهى طلبه إليه، كما يقال: أحمد
إليك الله سبحانه. أي: أنهي حمده سبحانه إليك(١) (أن يناقله) أي:
يعاوضه حصة بحصة؛ إذ التعويض جائز بالجنس وبغير الجنس، ويجوز
أن يكون هذا المطلوب وقفا فيناقل به، كما هو منقول عن أحمد(٢)
كما سيأتي (فأبى أن يناقله، فأتى النبي وَ طّر فذكر ذلك له) وشكا الضرر
الحاصل له إليه؛ ليزيل ضرره، فأرسل إليه النبي وَل ◌ّ فطلب إليه أن
یناقله به إن كان وقفا لا يباع.
وقد يستدل به على جواز المناقلة عند الحنابلة، بأن يباع ويصرف
ثمنه عليه؛ لاجتماعهم على جواز بيع الفرس الحبيس، يعني:
(١) قال العيني في ((شرح سنن أبي داود)) ٣٥٣/٢: والمعنى: لا نطلب منك الثمن، بل
نتبرع به، فطلب الثمن -أي الأجر- من الله تعالى.
(٢) (مسائل أحمد)) رواية أبي داود ص٣١٤، ورواية صالح ٣٤/٣.

٤٩
- كتاب الأقضية
الموقوفة على الغزو، وإذا كبرت فلم تصلح للغزو، وأمكن الانتفاع بها
في شيء آخر، مثل أن تدور في الرحى أو يحمل عليها تراب، وقد روي
عن عمر أنه كتب إلى سعد لما بلغه أنه نقب بيت المال الذي بالكوفة: أن
أنقل المسجد الذي بالتمارين، واجعل بيت المال في قبلة المسجد؛ فإنه
لن يزال في المسجد مصل(١). وكان هذا بمشهد من الصحابة ولم يظهر
خلافه، فكان إجماعا، ولأن فيما ذكرنا استبقاء الوقف بمعناه، وعند
شدة الضرر الحاصل؛ لكن المناقلة عند الحنابلة إذا تعطلت منفعة
الوقف بالكلية، فإن لم تتعطل بالكلية بل قلت، وكان غيره أنفع منه،
وأكثر ردا على أهل الوقف لم يجز بيعه عندهم؛ لأن الأصل تحريم
البيع وتغيير الوقف، وإنما أبيح للضرورة، وصيانة لمقصود الوقف عن
(٢)
الضياع(٢).
(قال: فهبه) بفتح الهاء (له) فأبى أن يهبه بعوض، وإنما لم يأمره
النبي ◌ُّ بالقسمة الحاصلة عند الضرر؛ لتتميز حصة كل واحد منهما
على حدته من غير ضرر ولا رد عوض؛ لأن عضد النخل التي لسمرة
إذا تميزت لا يمكنه الانتفاع بها مفردة لعلتها، فيحصل بالقسمة ضرر
عليه، والقسمة إنما شرعت لإزالة الضرر، وإزالة ضرر [بحصول
ضرر](٣) أكبر منه لا يجوز، وإن لم تتعطل منفعته بالكلية فتنتقص قيمة
نصيبه بالقسمة عن قيمته في حال الشركة، وفي نقص القيمة تضييع مال
وضرر بتضييع المال، والضرر منفي شرعا.
(١) رواه الطبراني في ((الكبير)) ١٩٢/٩.
(٢) أنظر: ((المغني)) ٢٢٠/٨ بتصرف.
(٣) ساقطة من (م).

٥٠
(ولك كذا وكذا) فيه دليل لأحد قولي الشافعي أن الهبة إذا شرط فيها
ثوابا معلوما صح، سواء كان الشرط من الواهب أو من الموهوب له،
كما في الحديث. ويدل على صحته أنه تمليك بعوض معلوم، فهو
كالبيع، وحكمها حكم البيع في ضمان الدرك، وثبوت الخيار
والشفعة(١). وبهذا قال أصحاب الرأي وأحمد(٢).
(أمرًا) بسكون الميم والتنوين، هذا من كلام الراوي، ولعله من كلام
أبي جعفر، ذكره بعد أن ذكر أن النبي وَلّ قال له: (هبه) وهبه أمر من
النبي وَلّ بالهبة (رغبه) بتشديد الغين المعجمة، وضم الأسم الذي هو
هاء الضمير، يكون إنما قال ذلك ليرجعه عن الإضرار (فيه) أي: رغبه
في هذه الهبة بزيادة الأجر عند الله تعالى، أو بزيادة من المال على
قيمتها يرغب في ذلك ويزول الضرر (فأبى) أن يقبل (فقال) له: (أنت
مضار) بتشديد الراء. أي: مضارر له في ذلك (فقال رسول الله وَ لته:)
عند ذلك على سبيل التهديد (اذهب فاقطع نخله) وفيه من العلم أنه
أمره أولًا بإزالة الضرر ببيع أو مناقلة أو هبة، فلما لم يقبل قال له
ذلك على سبيل التهديد؛ ليردعه به ويزجره عن الإضرار المنهي عنه
تهويلا لأمره، ألا ترى أنك إذا رأيت الرجل في فعل وأنت ترى أنه
خطأ منهي عنه؛ لما فيه من الضرر، فتبالغ في نصحه بتركه، فإذا لم تر
منه إلا الإباء والتصميم جردت عليه، قلت: أنت وشأنك، فافعل ما
شئت. فلا تريد بهذا حقيقة الأمر، كيف وقد نهيت عنه، فكأنك
(١) ((الأم)) ٤٣٩/٤، ٥١٥، وانظر: ((الحاوي)) ٢٣٢/٧.
(٢) أنظر: ((المبسوط)) ٧٥/١٢، ((مسائل أحمد)) للكوسج ٤٤١/٢ (٣٠٢٧).

٥١
- كتاب الأقضية
تقول: إذا لم تقبل بنصح فأنت أهل لأن تفعل المنهي عنه. فأمره بقطع
النخل نظير: ﴿أَعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾(١)، وقوله تعالى:
(وَلْيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُون)(٢) بالسكون. أي: سكون اللام.
[٣٦٣٧] (حدثنا أبو الوليد) سليمان بن داود بن الجارود (الطيالسي،
حدثنا الليث، عن الزهري، عن عروة) بن الزبير (أن) أخاه(٣) (عبد الله بن
الزبير رظله حدثه أن رجلا) من الأنصار، كذا لمسلم (٤)، واسمه ثعلبة بن
حاطب، وقيل: حميد، وقيل: حاطب بن أبي بلتعة، ولا يصح؛ لأنه ليس
أنصاریا.
وحكى ابن بشكوال عن شيخه أبي(٥) الحسن بن مغيث أنه ثابت بن
قيس بن شماس(٦).
قال القاضي(٧): حكى الداودي أن هذا الرجل كان منافقا(٨)، وقوله
في رواية مسلم إنه أنصاري لا ينافي هذا؛ لأنه من قبيلتهم لا من الأنصار
(١) فصلت: ٤٠.
(٢) العنكبوت: ٦٦.
(٣) في الأصول: أباه، وهو خطأ إنما هو أخوه.
(٤) والبخاري أيضا، أنظر: ((صحيح البخاري)) (٢٣٥٩، ٢٣٦٠)، و((صحيح مسلم))
(٢٣٥٧).
(٥) في (ل)، (م): أبا. والمثبت هو الصواب.
(٦) ((غوامض الأسماء المبهمة)) ٥٧٣/٢، وفيه: أبو الحسن مغيث.
(٧) في الأصول: القرطبي، والمثبت من ((شرح مسلم)) للنووي. ويؤكده ما في
«الإكمال)».
(٨) ((إكمال المعلم)) ٧/ ٣٢٧.

٥٢
المسلمين(١). ونسبته النبي ◌َّله إلى هوَّى كفر يوجب قتله، لكن تركه النبي
وَر؛ لأنه كان في أول الإسلام يتألف الناس ويدفع عن أذى المنافقين
ويقول: ((لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه))(٢). قال القرطبي:
يحتمل أنه لم يكن منافقا، بل صدر ذلك بادرة نفس، وزلة شيطان،
كما أتفق لحاطب بن أبي بلتعة، ومسطح، وحمنة في قصة الإفك،
وغيرهم ممن بدرت من لسانه بدرة شيطانية، لكن لطف بهم حتى
رجعوا عن الزلة وصحت لهم التوبة (٣) (خاصم الزبير) بن العوام (في
شراج) بكسر الشين المعجمة، وجيم آخره، وهي مسايل الماء إلى
النخل والشجر، واحدتها شرجة، وأضافها إلى (الحرة) لكونها فيها،
و(الحرة) بفتح الحاء المهملة هي الأرض الملبسة حجارة سوداء (التي
يسقون بها) النخل، كذا في الصحيحين(٤)، والمخاصمة إنما كانت في
السقي بالماء الذي يسيل فيها، فكان الزبير يمسك الماء لحاجته،
فطلب الأنصاري أن يُسَرِّحه له قبل استيفاء حاجته.
(فقال الأنصاري: سرِّح الماء) أي: أرسله حتى (يمر) إلى أرضي
(فأبى عليه الزبير) أن يسرح له الماء ليمر إلى أرضه قبل استيفاء حاجته
(فقال رسول الله وَلقر للزبير:) على سبيل الصلح (اسق يا زبير ثم أرسل
الماء إلى جارك) أي: تساهل في سقيك، وعجل في إرسال الماء إلى
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي ١٠٨/١٥.
(٢) رواه البخاري (٤٩٠٥)، ومسلم (٦٣/٢٥٨٤) من حديث جابر.
(٣) ((المفهم)) ٦/ ١٥٣ - ١٥٤.
(٤) ((صحيح البخاري)) (٢٣٥٩، ٢٣٦٠)، و((صحيح مسلم)) (٢٣٥٧).

٥٣
= كتاب الأقضية
جارك، يحضه على المسامحة والتيسير (فغضب الأنصاري) ولم يرض
بذلك؛ لأنه كان يريد أن الزبير لا يمسك الماء أصلا (فقال: يا رسول
الله أإن) بكسر الهمزة الثانية؛ لأنه استفهام على جهة الإنكار. أي:
حكمت علي بهذا (كان) أي: لكونه قرابتك و(ابن عمتك) صفية(١).
(فتلون وجه رسول الله وَلي) غضبا عليه وتألما من كلمته (ثم قال)
للزبير (اسق) أرضك إلى أن تستوفي حقك كله (ثم أحبس الماء) وفي
رواية (حتى يرجع) ((الماء)) (إلى الجدر) بفتح الجيم، وسكون الدال،
والمراد به أصل الحائط، وقيل: أصول الشجر، والصحيح الأول،
وقدره العلماء أن يرتفع الماء في الأرض كلها حتى يبلغ كعب رجل
الإنسان، فلصاحب الأرض الأولى التي تلي الماء المباح أن يحبس
ويسقي أرضه إلى هذا الحد، ثم يرسله إلى جاره الذي وراءه.
وفي بعض طرق هذا الحديث: ((حتى يبلغ الماء إلى الكعبين)) قال
القرطبي: يعني به: جدران الشربات، فإنها ترفع حتى تكون شبه
الجدار (٢)، فإن قيل: كيف حكم النبي ◌َّ للزبير على الأنصاري في
حال غضبه مع قوله: ((لا يقضي القاضي وهو غضبان))(٣). كما تقدم؟
فالجواب كما تقدم: أن هذا معلل بما يخاف على القاضي من
التشويش المؤدي إلى الغلط في الحكم والخطأ فيه، والنبي وَل
معصوم من الخطأ في التبليغ، فالمراد بالحديث من يجوز عليه الخطأ
(١) في (ل)، (م): أسماء، والمثبت هو الصواب.
(٢) ((المفهم)» ١٥٥/٦.
(٣) تقدم برقم (٣٥٨٩) عن أبي بكرة بلفظ: ((لا يقضي الحكم بين اثنين وهو غضبان)).

٥٤
من القضاة لا على العموم.
(فقال الزبير: فوالله لأحسب(١) أن هذه الآية نزلت في ذلك: ﴿فَلاَ
وَرَبِّكَ﴾ (٢) الآية) قدم لا النافية على القسم اهتماما بالنفي لقوته، ثم كرره.
وهذا الحديث يدل على أنه سبب نزول هذه الآية كما ظنه الزبير،
وقال به طائفة، وفي الحديث أبواب من الفقه، فمنها: إرشاد الحاكم
إلى الإصلاح بين الخصوم، فإن أصطلحوا وإلا استوفى الحق لذي
حقه، ومنها: أن الأولى بالماء الجاري الأول فالأول حتى يستوفي
حاجته إذا لم يكن ملكا للأول مختصا به، فليس للأعلى أن يشرب
منه شيئا. ومنها: الصفح عن جفاء الخصوم ما لم يؤد إلى هتك حرمة
الشرع، ومنها: أن القدر الذي يستحقه الأعلى من الماء کفایته،
وغايته أن يبلغ الماء إلى الكعبين كما تقدم.
[٣٦٣٨] (حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة
الكوفي (عن الوليد بن كثير، عن أبي(٣) مالك) ويقال: مالك (بن ثعلبة)
مستور (عن أبيه ثعلبة بن أبي مالك) القرظي [حليف الأنصار] (٤) إمام
مسجد بني قريظة، له رواية، وولد في حياة النبي وَّ وله رؤية للنبي
مَ الر، وطال عمره، وله حديث عند ابن ماجه(٥).
(١) ساقطة من (م).
(٢) النساء: ٦٥.
(٣) فوقها في (ل): (د).
(٤) في (م): الأنصاري.
(٥) ((سنن ابن ماجه)) (٢٤٨١).

٥٥
- كتاب الأقضية
(أنه سمع كبراءهم يذكرون أن رجلا من قريش كان له سهم في بني
قريظة فخاصم إلى رسول الله وَّ في مهزور) بفتح الميم وسكون الهاء
وبعدها زاي مضمومة ثم راء، وهو وادي بني قريظة بالحجاز.
قال البكري في ((المعجم)): هو واد من أودية المدينة(١). وقيل: موضع
سوق المدينة، وكان قد تصدق به رسول الله ◌َّي على المسلمين، فأقطعه
عثمان الحارث بن الحكم أخا مروان، وأقطع مروان فدك.
وقال ابن الأثير والمنذري: أما مهروز بتقديم الراء على الزاي
المعجمة فموضع سوق المدينة، تصدق به رسول الله ويطلق على
المسلمين(٢). وسيأتي.
(السيل الذي يقتسمون ماءه) بينهم (فقضى بينهم رسول الله وَالقول أن
الماء يبلغ إلى الكعبين) لا غير (لا يحبس الأعلى على الأسفل) فوق
ذلك كما تقدم.
[٣٦٣٩] (حدثنا أحمد بن عبدة) الضبي شيخ مسلم (حدثنا المغيرة بن
عبد الرحمن) أبو هاشم المخزومي، فقيه أهل المدينة بعد مالك، عرض
عليه الرشيد قضاء المدينة وجائزة أربعة آلاف دينار فامتنع، وأبى الرشيد
إلا أن يلزمه فقال: والله لأن يخنقني الشيطان أحب إلي من القضاء. فقال
الرشيد: ما بعد هذا غاية، فأعفاه وأجازه بألفي دينار(٣).
(١) ((معجم ما استعجم)) ١٢٧٥/٤.
(٢) (النهاية في غريب الحديث)) ٢٦٢/٥، ((مختصر المنذري)) ٢٤٢/٥ أشار محققه أن
الكلام بهامشه.
(٣) ذكر القصة القاضي عياض في ((ترتيب المدارك)) ٤/٣ وعزاها للزبير.

٥٦
(قال: حدثني أبي عبد الرحمن بن الحارث) [بن هشام بن المغيرة
المخزومي، رأى النبي ◌ّ # ولم يحفظ عنه، كان ابن عشر سنين حين
قبض رسول الله (ّية، أحد من ندبهم عثمان لكتابة المصحف](١).
(عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده # أن رسول الله وَّ قضى
في السيل المهزور) بتقديم الزاي على الراء، قال الحازمي والبكري: واد
من أودية المدينة. ولم يذكرا (مهروز) بتقديم الراء على الزاي، بل ذكرا
(مهزول) بإبدال الراء لاما، وقالا: واد من إقبال ضرية(٢).
قال السبكي: هكذا قال -يعني: الراوي- قال: والمشهور: في سيل
مهزور بالإضافة (أن يرسل) الماء (حتى يبلغ الكعبين) أي: كعبي رجل
الإنسان (ثم يرسل(٣) الأعلى) الماء بعد ذلك (إلى الأسفل) قضى بذلك
في سيل مهزور. ومذينب - تصغير مذنب- وهو واد بالمدينة أيضا.
[٣٦٤٠] (حدثنا محمود بن خالد) بن يزيد السلمي الدمشقي، قال أبو
حاتم: ثقة رضَى (٤)، ووثقه النسائي(٥).
(١) كذا ما بين المعقوفتين في الأصول، وهو خطأ، والصواب أن يكون: [بن عبد الله بن
عياش بن أبي ربيعة، قال ابن معين: صالح. وقال أبو حاتم: شيخ. وقال النسائي:
ليس بالقوي. ووثقه ابن سعد وابن حبان]. أنظر: ((تهذيب الكمال)) ٣٧/١٧، ٣٨،
وراجع ترجمة ابنه وترجمة عمرو بن شعيب يتبين لك الصواب.
(٢) ((معجم ما استعجم)) ١٢٧٥/٤، ((الأماكن)) ٨٦٧/٢، في الأخير: واد في إقبال
النِّيْر بِحمَى ضرية.
(٣) بعدها في (ل): نسخة: يمسك.
(٤) ((الجرح والتعديل)) ٢٩٢/٨.
(٥) انظر: ((تهذيب الكمال)» ٩٨٧/٢٧.

٥٧
- كتاب الأقضية
(أن محمد بن عثمان(١) حدثهم قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد)
الدراوردي (عن أبي (٢) طوالة) عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر
الأنصاري قاضي المدينة (وعمرو (٣) بن يحيى) بن عمارة (عن أبيه (٤))
يحيى بن عمارة بن عبد الرحمن(٥) المازني.
(عن أبي سعيد الخدري رضيبه قال: اختصم إلى رسول الله وَله رجلان
في حريم نخلة في حديث أحدهما) أي: أحد الراويين المذكورين (فأمر)
رسول الله وَير (بها) أي: بجريدة من جرائد النخلة المتوسطة (فذرعت
فوجدت) أي: وجد طولها (سبع أذرع. وفي حديث) الراوي (الآخر
فوجدت خمسة) بالنصب (أذرع فقضى بذلك. قال عبد العزيز) بن
محمد الدراوردي في روايته: (فأمر بجريدة من جريدها فذرعت) فيه :
أن من أحيا شجرة في موات فله حريمها قدر ما تمد إليه أغصانها
حواليها، وفي النخلة من جريدها، وإن غرس شجرة في موات فهي له
ولحريمها بهذا المقدار، وإن سبق إلى شجر مباح كالزيتون والخروب
فسقاه وأصلحه فهو أحق به كالمتحجر الشارع في الأحياء، وإن طعَّمه
ملكه بذلك وحريمه؛ لأنه هيأه للانتفاع به لما يراد منه، فهو كسوق
الماء إلى الأرض الموات، ولقوله وَله: (( من سبق إلى ماء لم يسبق
(١) بعدها في (ل)، (م) بياض بمقدار كلمة.
(٢) فوقها في (ل): (ع).
(٣) فوقها في (ل): (ع).
(٤) فوقها في (ل): (ع).
(٥) كذا في النسخ: عبد الرحمن، وهو خطأ، والصواب: بن أبي حسن. أنظر: ((تهذيب
الكمال)» ٤٧٤/٣١ (٦٨٨٩).

٥٨
إليه مسلم فهو أحق به(١))(٢) وفي ((سنن ابن ماجه) عن ابن عمر قال: قال
رسول الله وَّل: ((حريم النخلة مدُّ جريدها))(٣).
آخر كتاب الأقضية،
وبحمده وشكره جميع الأمور منتهية،
وصلواته وسلامه على سيدنا محمد التي فضيلته على
کل نبي وفقيه،
أنتهى تعليقه خامس عشر رمضان في عام ٨٣٢،
يتلوه كتاب العلم
(١) من (م).
(٢) تقدم برقم (٣٠٧١) من حديث أسمر بن مضرس.
(٣) ((سنن ابن ماجه)) (٢٤٨٩)، وصححه الألباني في ((صحيح ابن ماجه)) (٢٠١٨).

طِكِتَابُ الْقِلِفْ