النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
- كتاب الأقضية
٢٨ - باب الرَّجُلِ يَخلِفُ عَلَى حَقِّهِ
٣٦٢٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهّابِ بْنُ نَجْدَةَ وَمُوسَى بْنُ مَزْوانَ الرَّقْيُّ قالا: حَدَّثَنَا
بَقِيَّةُ بْنُ الوَلِيدِ، عَنْ بَحِيرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ خالِدِ بْنِ مَعْدانَ، عَنْ سَيْفٍ، عَنْ عَوْفِ بْنِ
مالِكِ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ وَ قَضَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ. فَقَالَ المَقْضِيُّ عَلَيْهِ: لَمَا أَذْبَرَ:
حَسِيَ اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ. فَقالَ النَّبِيُّ وَ: ((إِنَّ اللهَ يَلُومُ عَلَى العَجْزِ، ولكن
عَلَيْكَ بِالكَيْسِ فَإِذا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ: حَسْبِيَ اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ))(١).
باب الرجل يحلف على حقه
[٣٦٢٧] (ثنا عبد الوهاب بن نجدة) الحوطي من جبلة الساحل، وثقه
يعقوب بن شيبة (٢) (وموسى بن مروان الرقي) بتشديد الراء المفتوحة
وتشديد القاف نسبة إلى الرقة وهي مدينة على طرف الفرات، والرقة
الأولى خربت، والتي تسمى اليوم الرقة، كانت تسمى أولا الرافقة
ولها تاريخ (قالا: ثنا بقية بن الوليد) الكلاعي، أخرج له مسلم (عن
بحير) بضم الموحدة وفتح الحاء المهملة تصغير بحر (وهو ابن سعد)
أبو خالد السحولي الحمصي، قال ابن حنبل: ليس بالشام أثبت من
حريز إلا أن يكون بحيرا. وقال دحيم والنسائي: ثقة(٣) (عن خالد(٤))
(١) رواه النسائي في ((الكبرى)) (١٠٤٦٢)، وأحمد ٢٤/٦.
وضعفه الألباني في ((الكلم الطيب)) (١٣٨).
(٢) أنظر: ((تهذيب الكمال)) ١٨/ ٥٢٠.
(٣) انظر: ((تهذيب الكمال)) ٢١/٤.
(٤) فوقها في (ل): (ع).

٢٢
ابن معدان) الكلاعي (عن سيف) الشامي، ذكره ابن حبان في ((الثقات))(١)
(عن عوف بن مالك) بن أبي عوف (الأشجعي) كانت معه راية أشجع يوم
[الفتح](٢) أول مشاهده خيبر، سكن الشام، ومات في خلافة عبد الملك
بن مروان.
(أنه حدثهم أن النبي وَّ قضى بين رجلين فقال) الرجل المقضي عليه
لما أدبر من مجلسه: (حسبي الله ونعم الوكيل) فمن عرف أن الحق ◌َالنَ
كافٍ(٣) له دعاه ذلك أن يتخذه وكيلا له؛ لأن من المعلوم أن الإنسان
لا یتخذ وکیلا له إلا من کان کافیا لما وکله فیه.
(فقال النبي ◌َّ: إن الله تعالى يلوم على العجز) وهو في الأصل عدم
القدرة على الشيء، فليس للعبد تأثير في القدرة، بل القدرة في الحقيقة لله
تعالى، والعجز عند المتكلمين صفة وجودية قائمة (٤) بالعاجز تضاد
القدرة، والتقابل بينهما تقابل الضدين، ومع هذا فالله تعالى يلوم على
العجز، وهو عدم الداعية الجازمة التي يسمى بها مكتسبًا(٥)، وإن
كانت القدرة لله، وفي الحديث: ((كل شيء بقدر حتى العجز والكيس))
رواه مسلم (٦).
وقيل: أراد بالعجز هنا تأخير ما يجب فعله عن وقته وتركه بالتسويف
(١) ((الثقات)) ٣٣٩/٤.
(٢) ليست في (ل)، (م)، والمثبت من مصادر الترجمة.
(٣) في الأصول: كافيا. والجادة ما أثبتناه.
(٤) ساقطة من (م).
(٥) في المخطوط: مكتسب، وبعدها بياض في (ل)، (م) بقدر كلمة.
(٦) ((صحيح مسلم)) (٢٦٥٥) من حديث عبد الله بن عمر.

٢٣
= كتاب الأقضية
في الصلوات المفروضة وغيرها، وهذا عام في أمور الدنيا والدين وأجور
الآخرة، ويحتمل العجز عن كل الطاعات.
(ولكن عليك بالكيس) بسكون الياء المخففة. أي: الكيس في
الأمور، فالكيس يجري مجرى الرفق فيها والفطنة، وفلان [كيس](١)
الفعل. أي: حسنه. والكيس: العقل. وفي الحديث: ((أي المؤمنين
أكيس))(٢) أي: أعقل. وفي حديث شداد بن أوس أن رسول الله دوله
قال: ((الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع
نفسه هواها، وتمنى على الله))(٣) فالمراد بـ(( الكيس)) العاقل، ومعنى:
((دان نفسه)) أي: حاسبها قبل العمل وبعده، فالمعاملة قبل العمل
توجب التحذير كما قال تعالى: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى أَنفُسِكُمْ
فَاحْذَرُوهٌ﴾ (٤) فهذا للمستقبل، وكتب عمر إلى أبي موسى الأشعري:
حاسب نفسك في الرخاء قبل حساب الشدة(٥).
(فإذا) حاسبت نفسك على ما تريد أن تفعله، ووزنت أمورك وقدرتها
(١) ساقطة من (ل)، (م)، والمعنى يقتضيها.
(٢) رواه ابن ماجه (٤٢٥٩) وغيره من حديث ابن عمر. وصححه الألباني في ((صحيح
ابن ماجه)) (٣٤٣٥).
(٣) رواه أحمد ٤/ ١٦٤، والترمذي (٢٤٥٩)، وابن ماجه (٤٢٦٠) من حديث شداد بن
أوس. قال الترمذي: هذا حديث حسن. والحديث ضعفه الألباني في ((الضعيفة))
(٥٣١٩).
(٤) البقرة: ٢٣٥.
(٥) رواه ابن أبي الدنيا في ((محاسبة النفس)) (١٦)، والبيهقي في ((الزهد)) (٤٦٢)، وفي
((الشعب)) ٦٦/٧ (١٠٦٠)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) ٣٢١/٤٤.

٢٤
ونظرت في عاقبته، وتدبرت ما يحصل عليك و(غلبك أمر) بعد ذلك فالجأ
بصدق النية والعزيمة (فقل: حسبي الله ونعم الوكيل) وفي ((صحيح
مسلم)): ((احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز، وإذا
أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا. ولكن قل: قدر
الله وما شاء فعل))(١) قال النووي في حديث: ((كل بقدر حتى العجز
والكيس)) (٢): والكيس ضد العجز وهو النشاط والحذق في الأمور،
ومعناه: أن العاجز قد قدر عجزه، والكيس قد قدر كيسه(٣). قال عز
الدين التلمساني: علامة من أتخذ الله وكيلا أن لا يضطرب عند الفاقة،
ولا تختلف(٤) حاله عند المصيبة، ولا يتهم الوكيل سبحانه فيما يجد
من شدة تعرض، بل يرى أن الوكيل سبحانه(٥) قد عوضه عن الفانيات
خيرا منها من الباقيات.
(١) ((صحيح مسلم)) (٢٦٦٤) من حديث أبي هريرة.
(٢) سبق تخريجه قريبًا.
(٣) ((شرح النووي)) ٢٠٥/١٦.
(٤) مكانها بياض في (م).
(٥) ساقطة من (م).

٢٥
- كتاب الأقضية
٢٩ - باب في الخَبْسِ في الدَّيْنِ وَغَيْرِهِ
٣٦٢٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ النُّغَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ المُبارَكِ عَنْ وَبْرِ بْنِ
أَبِي دُلَيْلَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلِّد
قالَ: ((لَيُّ الواجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ)). قالَ ابنِ المُبارَكِ: يُحِلُّ ◌ِرْضَهُ: يُغَلَّظُ لَهُ
وَعُقُوبَتَهُ: يُحْبَسُ لَهُ(١).
٣٦٢٩- حَدَّثَنَا مُعاذُ بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلِ، أَخْبَرَنا هِزْماسُ بْنُ
حَبِيبٍ -رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ البادِيَةِ -، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قالَ: أَتَيْتُ النَّبيَّ ◌ََّ بِغَرِيم لي
فَقالَ لي: ((الزَمْهُ)). ثُمّ قالَ لي: ((يا أَخا بَنِي تَمِيم ما تُرِيدُ أَنْ تَفْعَلَ بِأَسِيرٍكَ))(٢).
٣٦٣٠- حَدَّثَنَا إِبْراهِيمُ بنُ مُوسَى الرّازِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ بَهْزِ
ابْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ وََّ حَبَسَ رَجُلاً في تُهْمَةٍ (٣).
٣٦٣١- حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ قُدامَةَ وَمُؤَمَّلُ بْنُ هِشام، قالَ ابن قُدامَةَ: حَدَّثَني
إِسْماعِيلُ، عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيم، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قالَ أَبن قُدامَةَ: إِنَّ أَخَاهُ أَوْ عَمَّهُ
وقالَ مُؤَمَّلٌ: إِنَّهُ قامَ إِلَى النَّبِيِّ ◌َِّّهِ وَهُوَ يَخْطُبُ فَقَالَ: جِيرانيٍ بِمَا أَخَذُوا؟. فَأَغْرَضَ
عَنْهُ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ ذَكَرَ شَيْئًا فَقالَ النَّبِيُّ وََِّّ: ((خَلَّوا لَهُ، عَنْ جِيرانِهِ)). لم يَذْكُرْ مُؤَمَّلٌ
وَهُوَ يَخْطُبُ (٤).
(١) رواه النسائي ٣١٦/٧، وابن ماجه (٢٤٢٧)، وأحمد ٤/ ٢٢٢.
وصححه الألباني في ((الإرواء)) (٢٩١٩).
(٢) رواه ابن ماجه (٢٤٢٨).
وضعفه الألباني.
(٣) رواه الترمذي (١٤١٧)، والنسائي ٦٦/٨، وأحمد٥/ ٢.
وحسنه الألباني في ((الإرواء)) (٢٣٩٧).
(٤) رواه الترمذي (١٤١٧)، وأحمد ٤٤٧/٤.
وإسناده حسن کسابقه.

٢٦
باب في الحبس بالدين وغيره
لعله أراد بـ(غيره) الملازمة كما بوب عليه ابن ماجه: باب في الحبس
بالدين والملازمة(١).
[٣٦٢٨] (ثنا عبد الله بن محمد النفيلي، أنا عبد الله بن المبارك، عن
وبر) بفتح الواو، وسكون الموحدة (ابن أبي دليلة) بضم الدال، وفتح
اللام الأولى مصغر، الطائفي استشهد به البخاري في ((الصحيح))
تعليقا(٢) (عن محمد) بن عبد الله (بن ميمون) بن مسيكة الطائفي، أثنى
عليه وبر بن دليلة، ذكره ابن حبان في ((الثقات)) (٣)، أنفرد بهذا الحديث
(عن عمرو بن الشريد) بفتح الشين المعجمة، وكسر الراء، أخرج له
الشيخان (عن أبيه) الشريد بن سويد الثقفي، أنشد النبي ◌َّر من شعر
أمية بن أبي الصلت مائة قافية فقال: ((كاد يسلم)) (٤) يعني: أمية.
(عن رسول الله رَّم قال: لي) بفتح اللام وتشديد الياء (الواجد) و(لي)
مبتدأ مضاف إلى الفاعل في المعنى، وقد جاء -يعني: المضاف
والمضاف إليه- مفسرا في رواية الصحيحين، من رواية: ((مطل الغني
ظلم))(٥) فإن اللي هو المطل، و(الواجد) هو الغني، ورواية الصحيحين
(١) ((سنن ابن ماجه)) ٢/ ٨١١.
(٢) لم أقف على ذكرٍ له في ((صحيح البخاري)).
(٣) ((الثقات)) ٧/ ٣٧٠ (١٠٤٨٤).
(٤) رواه البخاري (٣٨٤١)، ومسلم (٢٢٥٦) من حديث أبي هريرة.
(٥) (صحيح البخاري)) (٢٢٨٧)، ((صحيح مسلم)) (١٥٦٤) من حديث أبي هريرة،
وتقدم برقم (٣٣٤٥).

٢٧
- كتاب الأقضية
تدل على أن في رواية المصنف حذف خبر المبتدأ والتقدير: لي الواجد
ظلمه. من الوجد، بضم الواو، بمعنى: السعة والقدرة. والليُّ مصدر لواه
غريمه بدينه ليا وليانا إذا مطله، ومنه قول الشاعر:
قد كنتُ دايَنْتُ بها حسَّانَا
مخافةَ الإِفلاسِ واللّيَّانَا(١)
أي: مخافة الإفلاس. والمطل: منع ما يستحقه، مأخوذ من مطلت
الحديدة إذا مددتها وطولتها. والظلم: وضع الشيء في غير محله،
ومجاوزة الحد، وهو حرام. وأراد بالواجد: القادر على الخروج من
الحق، والواجد الذي هو القادر أعم من الغني، فإن الظاهر أختصاص
الغنى بالمال، فإن الغني عند الفقهاء من لا تحل له الزكاة على خلاف
فيه، والقادر يشمل القادر بالملاءة من المال على العمل كمطل
المحترفين، كالصواغ، والنساجين، والنجارين، وغيرهم، فإذا قال
الصائغ: غدًا أعمله لك. وهو قادر على العمل وترك عمله دخل في
التحريم في هذا الباب.
ولا يدخل في هذا رواية الصحيحين: ((مطل الغني)) وقد سئلت عن
هذا الحديث الذي هو من تعليقات البخاري، فقال في باب لصاحب
الحق مقال: ويذكر عن النبي ◌َّفر: ((لي الواجد يحل عرضه
وعقوبته))(٢)، وقد كتبت عليه بمفرده كراريس فيما يتعلق به من تخريج
وإعراب ولغة ومعانٍ، ووجدته يدخل فيه من المسائل الفقهية ما لا
(١) نسبه سيبويه في ((الكتاب)) ١٩١/١ لرؤبة.
(٢) «صحيح البخاري)) قبل حديث (٢٤٠١).

٢٨
ينحصر، وحال هذِه الكتابة كانت الكراريس ببيت المقدس، إذ لو كانت
حاضرة لكتبت من فوائده هنا.
واعلم أن المطل إنما يحل العرض والعقوبة ويصير ظلما بعد مضي
الأجل المذكور، أما قبله فلا، وإنه لا يكون ظلما وحراما إلا على الغني
القادر دون غيره، وأن تسمية المماطل ظالما يحل عرضه وعقوبته توجب
إسقاط شهادته، وذهب بعض المالكية إلى أنه لا ترد شهادته إلا أن يكون
المطل له عادة(١). وأن مطل القادر الغني يحتمل أن يشمل ما سبق فيه
طلب وما لم يسبق، والأول لا خلاف في تحريمه مع القدرة، وأما
الثاني ففيه وجهان عندنا، رجح إمام الحرمين منهما في ((النهاية)) المنع
فقال: ومن كان عليه دين وهو ممتنع من أدائه، ومستحقه غير مطالب
به فالدين ثابت، ولكن لا يتعين أداؤه ما لم يطلبه مستحقه(٢). ورجح
ذلك ابن عبد السلام في ((القواعد))(٣).
وتقدير الحديث في الرجل القادر صفة لمحذوف، ففي الحديث دلیل
عند من يقول بمفهوم الصفة على المعسر لا يحل عرضه ولا يحبس في
الدين؛ لأن المعسر غير واجد خلافا لأبي حنيفة وشريح فعندهما يحبس
المعدم(٤).
(يحل) بضم الياء وكسر الحاء، أي: يبيح للمطلوب بدينه (عرضه)
(١) أنظر: ((الذخيرة)) ٩/ ٢٤٢.
(٢) ((نهاية المطلب)) ١٠٣/٣.
(٣) ((قواعد الأحكام في مصالح الأنام)) ١/ ٢٥٠.
(٤) أنظر: ((النتف)) ٧٥١/٢، و((المبسوط)) ٨٨/٢٠.

٢٩
= كتاب الأقضية
العرض: موضع المدح والذم سواء كان في نفسه أو سلفه أو من يلزمه
أمره كخادم وقريب. وقيل: هو جانبه الذي يصونه من نفسه وحسبه
ويحامي عنه أن ينتقص ويثلب. وقال ابن قتيبة: عرض الرجل نفسه
وبدنه لا غير، فمن وروده للنفس: اللهم إني تصدقت بعرضي (١). أي:
تصدقت على من ذكرني بما يرجع إليَّ عيبه، ومنه قول حسان:
فإن أبي ووالدتي وعرضي
لعرض محمد منكم وقاء (٢)
ومنه حديث: ((فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه))(٣) أي:
أحتاط لنفسه، ولا يجوز فيه معنى الآباء والأسلاف.
ومن ورود العرض بمعنى البدن حديث صفة أهل الجنة: ((إنما هو
عرق يجري من أعراضهم مثل المسك))(٤) أي: من معاطف أبدانهم،
وهي المواضع التي تعرق من الجسد.
(و) يحل للحاكم (عقوبته، قال) عبد الله (ابن المبارك) أحد الرواة:
معنى قوله (يحل عرضه) أي: يبيح لصاحب الحق أن (يغلظ) بضم الياء
(١) سيأتي برقم (٤٨٨٦) عن قتادة عن أبي ضيغم أو ضمضم.
(٢) رواه البخاري (٤١٤١)، ومسلم (٢٤٩٠) بلفظ ((ووالده)) أما لفظ ((ووالدتي)) فرواه
الحاکم ٤٨٧/٣، ولوين المصيصي في ((جزئه)» ص٥٢.
(٣) تقدم برقم (٣٣٣٠) من حديث النعمان بن بشير.
(٤) هو في ((غريب الحديث)) لأبي عبيد القاسم بن سلام ١/ ٩٧ بلفظه، ورواه الطبراني
في «الأوسط)) ٢/ ٢٠٢ (١٧٢٢)، وأبو نعيم في «الحلية)) ٣٦٦/٧، وابن المقرئ في
((معجمه)) (٥١٤) من حديث زيد بن أرقم، بلفظ: ((حاجة أحدهم عرق يخرج كرشح
المسك فتضمر بطنه)».

٣٠
وكسر اللام (له) الكلام بعنف ويشدده.
وفيه دليل على جواز ذلك، قال الغزالي: (إن صاحب الحق)(١)
مهما كلمه من له الحق بكلام خشن فليحتمله، وليقابله باللطف اقتداء
برسول الله ◌َّر؛ إذ جاءه صاحب الدين عند حلول الأجل، ولم يكن
قد أتفق قضاؤه، فجعل الرجل يشدد الكلام على رسول الله وَليّة، فهمَّ
به أصحابه فقال: ((دعوه)) ولفظ البخاري: عن أبي هريرة: أتى النبي
﴿ل * رجل يتقاضاه فأغلظ له، فهم به أصحابه، فقال: ((دعوه فإن
لصاحب الحق مقالا)»(٢)(٣). وفي البخاري: قال سفيان -يعني: ابن
عيينة -: عرضه يقول: مطلتني (٤). أو يقول: أنت مطلتني بحقي. أو:
سوفت بي. أو: أنت ظالم. ونحوه.
والظاهر أن عرض الماطل لا يباح مطلقا، بل يباح بذكر ما وقع منه
فيقال: مطلتني، أو ظلمتني على قصد الانتصار، ويقول للحاكم أو
للمفتي: هو ظلمني ومطلني بحقي. وكذا إذا ظلمه الحاكم وله بينة،
فله أن يقول عند السلطان: ظلمني. أو جار علي. أو أخذ مني رشوة.
ونحو ذلك؛ فإن ذكره بشيء من ذلك دون ظلمه كان مغتابا عاصيا (و)
معنى يحل (عقوبته) بالنصب [أن الحاكم إذا أدعي إليه وتبين قدرته
(١) كذا في الأصول، وفي ((إحياء علوم الدين)) كان جماعة من السلف يستقرضون من
غير حاجة لهذا الخبر و.
(٢) ((صحيح البخاري)) (٢٣٠٦).
(٣) ((إحياء علوم الدين)) ٢/ ١٠٤.
(٤) ((صحيح البخاري)) قبل حديث (٢٤٠١).

٣١
= كتاب الأقضية
ومطله أن (يحبس له) حتى يدفع إليه حقه، أو يثبت إعساره](١).
وقال ابن ماجه عقب الحديث: قال علي -يعني: ابن محمد أحد
الرواة -: يعني عرضه: شكايته، وعقوبته: سجنه(٢).
[٣٦٢٩] (حدثنا معاذ بن أسد) بن أبي شجرة الغنوي المروزي،
كاتب ابن المبارك، شيخ البخاري (ثنا النضر بن شميل) المازني
البصري، شيخ مرو ومحدثها (أنا هرماس بن حبيب) العنبري التميمي
لم يرو عنه غير النضر بن شميل (رجل) بالرفع بدل(٣) مما قبله (من
البادية) ضد الحاضرة (عن أبيه) رضي الله عنهما، وقع في كتاب ابن
ماجه: عن أبيه عن جده(٤). وهو الصواب، وكذا ذكره البخاري في
((تاريخه)) عن أبيه عن جده(٥). قال ابن أبي حاتم: هرماس بن حبيب
العنبري روى عن أبيه عن جده، ولجده صحبة، وقال: سألت أبي عن
هرماس بن حبيب فقال: هو شيخ أعرابي لم يرو عنه غير النضر بن
شميل (٦).
(قال: أتيت النبي ◌ُّر بغريم لي فقال لي: الزمه) بفتح الزاي، كذا لفظ
ابن ماجه(٧)، والملازمة عند القائلين بها لا تكون إلا بعد ثبوت الحق
(١) ما بين المعقوفتين ساقط من (م).
(٢) ((سنن ابن ماجه)) (٢٤٢٧).
(٣) ساقطة من (م).
(٤) ((سنن ابن ماجه)) (٢٤٢٨).
(٥) ((التاريخ الكبير)) ٢٤٧/٨.
(٦) ((الجرح والتعديل)) ١١٨/٩ (٤٩٧).
(٧) ((سنن ابن ماجه)) (٢٤٢٨).

٣٢
عند الحاكم، فإذا ثبت عنده لازم غريمه حيثما ذهب إلى أن يدفع إليه
حقه.
فيحمل الحديث على أنه أدعى على غريمه، عند النبي ◌َّر، ولما
ثبت له عليه الحق أمره بالملازمة، والذي عليه الجمهور أن الملازمة
غير معمول بها، كما أن المدعي إذا قال: لي بينة غائبة. يقول له
الحاكم: لك يمينه فإن شئت فاستحلفه، وإن شئت أخره إلى أن
تحضر بينتك، وليس لك ملازمته حتى يحضر البينة، ولا مطالبته بكفيل.
والدليل على عدم الملازمة في الصورتين قوله وصلاليه: (( شاهداك أو
يمينه، ليس لك إلا ذلك))(١) فدل بمفهوم الحصر على أنه ليس له
الملازمة، وعلى قول الجمهور يحمل الحديث على أن معناه: الزم
غريمك بمراقبتك له بالنظر من بعد، ذهب أحمد إلى أن المدعي إذا
طلب ملازمة غريمه حتى يحضر بينته القريبة؛ لأنه لو لم يتمكن من
ملازمته لذهب من مجلس الحاكم، وهذا خلاف البينة البعيدة (٢).
قال بعض شراح ((المنهاج)): لا شك أن صاحب الحق إذا اختار
ملازمة الغريم ثم أستناب فيها أن أجرته على ذي الحق، وإنما التردد
ما إذا طلب من الحاكم.
قال الصيمري: لرب الدين ملازمة غريمه بنفسه وبأجيره.
(ثم قال: يا أخا بني تميم) فيه نداء من لا يعرف اسمه باسم قبيلته أو
(١) رواه البخاري (٢٦٦٩، ٢٦٧٠)، ومسلم (٢٢١/١٣٨) من حديث عبد الله بن
مسعود.
(٢) أنظر: ((المغني)) ٢٢١/١٤.

٣٣
كتاب الأقضية
=
ببعض ما هو لا بسه كـ ((يا صاحب السبتيتين)» (١) وفي رواية ابن ماجه زيادة
ولفظه: فقال لي: ((الزمه)) ثم مر بي آخر النهار فقال: (( ما فعل أسيرك يا
أخا(٢) بني تميم)) (٣).
(ما تريد أن تفعل بأسيرك) زاد رزين: فأطلقته (٤). سماه أسيرا باعتبار
ما يحصل له من المذلة بالملازمة، وكثرة تذلله له عند المطالبة، كما جاء
في حديث آخر: (( لا يؤسرن(٥) في الإسلام أحد بشهادة الزور، إنا لا نقبل
إلا العدول(٦))(٧) وأصله من الأسر، وهو القد الذي يشد الأسير، وفي
رواية الحاكم: ((إذا أراد الله أن يذل عبدا وضعه)) (٨) أي: وضع الدين
في عنقه.
[٣٦٣٠] (ثنا إبراهيم بن موسى الرازي، أنا عبد الرزاق، عن معمر،
عن بهز بن حكيم، عن أبيه) حكيم (عن جده) هو معاوية بن حيدة بلا
خلاف، وحيدة بن معاوية القشيري.
(أن النبي وَّل حبس رجلا في تهمة) بضم التاء، وسكون الهاء، وقد
(١) تقدم برقم (٣٢٣٠) من حديث بشير مولى النبي ◌َّةٍ.
(٢) في (ل)، (م): أخي. والمثبت من ((سنن ابن ماجه)).
(٣) ((سنن ابن ماجه)) (٢٤٢٨).
(٤) انظر ((جامع الأصول)) ١٠/ ٢٠٠ (٧٧٠٩).
(٥) في الأصول: العدل، والمثبت من ((مصنف ابن أبي شيبة)).
(٦) في الأصول: يؤسر، والمثبت من ابن أبي شيبة.
(٧) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ٦٢٤/١١ من كلام عمر بن الخطاب، ورواه مالك
في ((الموطأ)) ٢/ ٧٠، ومن طريقه البيهقي ١٦٦/١٠ عنه بقصة ولفظه: لا يؤسر رجل
في الإسلام بغير العدول.
(٨) ((المستدرك)) ٦٤/٢، وضعفه الألباني في ((الضعيفة)) (٤٧٣).

٣٤
تفتح الهاء في لغة، والتهمة فعلة من الوهم، والتاء بدل من الواو، واتهمته
بوزن افتعلته(١) إذا ظننت فيه ما نسبت إليه.
وفيه دليل على أن الحبس كما يكون حبس عقوبة يكون حبس
استظهار في غير حق، بل ليستكشف به بعض ما وراءه، فإذا حبس
لاستكشاف حاله من يسار وإعسار؛ فأجرة الحبس على ذي الحق؛
لأنه لم يتحقق عناده بمنع الحق، فلا يكلفه الأجرة، لا سيما إن ظهر
صدق دعواه بالإعسار.
وزاد الترمذي في روايته: ثم خلى عنه. ثم قال: حديث حسن(٢).
ورواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد، وله شاهد من حديث أبي
هريرة. ثم أخرجه(٣)، ولعل حديث أبي هريرة ما رواه ابن القاص
بسنده عن [إبراهيم بن خثيم بن] (٤) عراك بن مالك، عن أبيه، عن
جده، عن أبي هريرة أن النبي ◌َّ حبس في تهمة يوما وليلة؛ استظهارا
وطلبا لإظهار الحق بالاعتراف.
[٣٦٣١] (ثنا محمد بن قدامة) بن أعين المصيصي مولى بني هاشم،
قال الدارقطني: ثقة(٥). والنسائي: لا بأس به(٦) (ومؤمل بن هشام قال)
(١) في (ل)، (م): فعلته، ولعل المثبت هو الصواب.
(٢) ((سنن الترمذي)) (١٤١٧).
(٣) ((المستدرك)) ١٠٢/٤ بلفظ: حبس رجلا فى تهمة يومًا وليلة استظهارًا أو احتياطًا.
وهو من طريق إبراهيم بن خثيم، عن عراك بن مالك، عن أبيه، عن جده، عن أبي
هريرة به، كما سيورده المصنف من عند ابن القاص.
(٤) ما بين المعقوفتين ليس في الأصول، والمثبت مستفاد من ((المستدرك)).
(٥) ((علل الدارقطني)) ١٣٧/١٠. (٦) رواه عنه الخطيب في ((تاريخه)) ١٨٩/٣.

٣٥
- كتاب الأقضية
محمد (ابن (١) قدامة: حدثني إسماعيل) ابن علية (عن بهز بن حكيم، عن
أبيه، عن جده) معاوية (قال ابن قدامة: إن أخاه أو عمه) حدثه (وقال مؤمل)
ابن هشام (إنه) أي: جده (قام إلى النبي ◌َّ) فيه الأدب في مخاطبة الإمام
أن لا یخاطبه وهو جالس، بل یقوم لیحدثه.
فيه جواز ابتداء الإمام (وهو يخطب) بالكلام في أثناء خطبته
والشفاعة عنده بحضرة الناس (فقال) يا رسول الله (جيراني) بكسر
الجيم، جمع جار (بما أخذوا؟) أي: بأي دين حبسوا؟ (فأعرض عنه
رسول الله ◌َّلية) لكونه كلمه في حال الخطبة ولم يصبر عليه إلى أن
يفرغ، فإعراضه عنه مع كلامه له (مرتين) كالتأديب له (ثم ذكر) للنبي
وَالد (شيئا) عرفه.
(فقال النبي وَيقر: خلوا له عن جيرانه) فأطلقوهم من الحبس أو
الملازمة.
وفيه: كثرة حلمه وحسن خلقه الكريم كما مدحه الله تعالى (ولم يذكر
مؤمل) بن هشام في روايته قوله: (وهو يخطب) بل انفرد بهُذِه الزيادة ابن
قدامة.
(١) ساقطة من (م).

٣٦
٣٠ - باب في الوَكَالَّةٍ
٣٦٣٢ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْراهِيمَ، حَدَّثَنا عَمّي، حَدَّثَنا أَبِ عَنِ ابن
إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي نُعَيْم وَهْبٍ بْنِ كَيْسانَ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّهُ سَمِعَهُ يُحَدِّثُ قالَ
أَرَدْتُ الْخُرُوجَ إِلَى خَيْبَرَ فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ وََّ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَقُلْتُ لَهُ: إنّي أَرَدْتُ
الْخُرُوجَ إِلَى خَيْبَرَ. فَقَالَ: ((إِذا أَتَيْتَ وَكِيلِي فَخُذْ مِنْهُ خَمْسَةَ عَشَرَ وَسْقًا فَإِنِ
أَبْتَغَى مِنْكَ آيَةً فَضَعْ يَدَكَ عَلَىْ تَرْقُوَتِهِ))(١).
باب في الوكالة
بفتح الواو وكسرها لغة من وكلت إليه الأمر إذا أتكلت عليه فيه.
[٣٦٣٢] (ثنا عبيد الله) بالتصغير (بن سعد بن إبراهيم) بن سعد بن
إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، شيخ البخاري في البيوع
والتوحيد والاعتصام (قال: ثنا عمي) يعقوب بن إبراهيم [بن سعد بن
عبد الرحمن بن عوف، مدني كان بالعراق (قال: ثنا أبي(٢)) إبراهيم بن
سعد بن إبراهيم](٣) بن عبد الرحمن (عن) محمد (ابن إسحاق) بن يسار
القرشي، مولى قيس بن مخرمة، أخرج له مسلم في غير موضع (عن أبي
نعيم وهب بن كيسان) المؤدب.
(عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: أردت الخروج إلى خيبر
فأتيت النبي وَّله) قبل أن أخرج (فسلمت عليه) فيه السلام قبل الكلام.
(١) رواه الدارقطني ١٥٤/٤، والبيهقي في ((الصغرى)) ٣٠٨/٢.
وضعفه الألباني.
(٢) فوقها في (ل): (ع).
(٣) ما بين المعقوفتين ساقط من (م).

٣٧
== كتاب الأقضية
رواه عبد الحق في ((الأحكام)) عن جابر أيضا(١) (وقلت: إني أردت
الخروج إلى خيبر. فقال) لي (إذا أتيت وكيلي) في خيبر (فخذ منه خمسة
عشر وسقًا) بفتح الواو على الأرجح، وهو ستون صاعا كما تقدم.
(فإن ابتغى) أي: طلب منك (آية) أي: علامة على صحة قولك،
ومنه: آيات الساعة. أي: علاماتها. وأصل آية أوَيَة بفتح الواو،
وتحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا (تضع يدك على ترقوته)
بفتح المثناة فوق، وضم القاف، وهي العظم الذي بين ثغرة(٢) النحر
والعاتق، وهما ترقوتان من الجانبين، ووزنهما فعلوة، وجمعها تراقي
كما في حديث الخوارج: ((يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم)) (٣).
وفي الحديث: دليل على صحة الوكالة، وأن الإمام له أن يوكل
ويقيم عاملا على الصدقة في قبضها وفي دفعها إلى مستحقيها، وإلى
من يرسله إليه بأمارة وهو من المستحقين، ويكون الدفع إليه أولى من
غيره، والظاهر أن جابرا أخذ منها لكونه عابر سبيل، أو لكونه غارما،
فإن الغارم لذات البين يأخذ مع الغنى.
وفيه: دليل على أن الوكيل في الصدقات وغيرها إذا جاءه رجل
فقال: أحالني عليك، أو أذن لي في القبض منك بأمارة كذا وكذا،
(١) ((الأحكام الوسطى)) ٢١٣/٤، والحديث رواه الترمذي (٢٦٩٩) من طريق عنبسة بن
عبد الرحمن عن محمد بن زاذان عن محمد بن المنكدر عن جابر مرفوعًا. وقال:
هذا حديث منكر لا نعرفه إلا من هذا الوجه سمعت محمدًا يقول عنبسة بن
عبد الرحمن ضعيف في الحديث ذاهب، ومحمد بن زاذان منكر الحديث.
(٢) في (م): نقرة.
(٣) سيأتي برقم (٤٧٦٥) من حديث أنس.

٣٨
وعرف صدق أمارته جاز الدفع إليه، وهل يجب؟ يحتمل أن لا يجب؛
لأن الدفع إليه غير مبرئ لاحتمال أن ينكر (١) الموكل أو المحيل أو
الآذن، ويحتمل الوجوب؛ لأنه مصدق له في أمارته، كما أنه يجب
عليه الدفع إذا كان الطالب وارثا، لكن له الامتناع من الدفع إليه حتى
يشهد عليه بالقبض، لكن إن [كان](٢) الوكيل ليست عليه بينة لم يلزم
القابض الإشهاد؛ لأن قول الوكيل مقبول ولا ضرر عليه في الدفع.
وفي الحديث دليل على استحباب علامة بين الوكيل وموكله لا يطلع
عليها غيرهما؛ ليعتمد الوكيل عليها في الدفع؛ لأنها أسهل من الكتابة
إليه، فقد لا يكون الموكل يحسن الكتابة، أو يحسن ولا قرطاسا أو
قلما أو دواة أو نحوها، ولأن الخط يشتبه، ولهذا لم يعتمد عليه
الشافعي(٣).
وفيه استحباب العلامة لمن يطلب منه إرسال شيء أو فعل شيء في
وقت آخر، كما يفعل بعضهم في ربط خيط في أصبعيه، فإذا رآه بعد
ذلك تذكر ما يطلب منه، فلعله وم أذن له أن يدفع لمن وضع يده على
ترقوته، وخصت الترقوة دون غيرها؛ لأنها موضع هلاك الآدمي بخروج
الروح والنحر فيها، وأن الترقوة أول محل أرتفاع العمل الصالح إلى
الله تعالى، وأما العمل السيئ فلا يجاوز عمل صاحبه ترقوته كما في
الحديث.
(١) في (م): يتمكن.
(٢) زيادة يقتضيها السياق.
(٣) ((الأم)) ٥٣٣/٧.

٣٩
= كتاب الأقضية
٣١ - باب في القَضاءِ
٣٦٣٣ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِنْراهِيمَ، حَدَّثَنا المثَنَّى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ
بُشَيْرِ بْنِ كَغْبِ العَدَويّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بَ قَالَ: ((إِذا تَدارَأْتُمْ فِي طَرِيقٍ
فاجْعَلُوهُ سَبْعَةً أَذْرُعٍ))(١).
٣٦٣٤- حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ وابنُ أَبِي خَلَفٍ قالا: حَدَّثَنَا سُفْيانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ
الأَغْرَجِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ لَّهِ: ((إِذا أَسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ أَنْ
يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدارِهِ فَلا يَمْنَعْهُ)). فَنَكَسُوا، فَقالَ ما لي أَرَاكُمْ قَدْ أَعْرَضْتُمْ لأُلْقِيَنَّها
بَیْنَ آكتافِكُمْ.
قالَ أَبُو داوُدَ: وهذا حَدِيثُ ابن أَبِي خَلَفٍ وَهُوَ أَتَّمُ(٢).
٣٦٣٥- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَخْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَخْيَى بْنِ
حَبّانَ، عَنْ لُؤْلُؤَةَ، عَنْ أَبِي صِرْمَةَ.
قالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ غَيْرُ قُتَيْبَةَ في هذا الحَدِيثِ: عَنْ أَبِي صِرْمَةً صاحِبِ النَّبِيِّ ◌َّ،
عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ أَنَّهُ قالَ: ((مَنْ ضارَّ أَضَرَّ اللهُ بِهِ وَمَنْ شاقَّ شاقَّ اللهُ عَلَيْهِ))(٣).
٣٦٣٦- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ داوُدَ العَتَكِيُّ، حَدَّثَنا حَمّادٌ، حَدَّثَنَا واصِلٌ مَؤْلَى أَبِي
عُيَيْنَةَ قالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِّ يُحَدِّثُ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ أَنَّهُ كانَتْ
لَهُ عَضُدٌ مِنْ نَخْلِ فِي حائِطِ رَجُلٍ مِنَ الأَنَّصارِ، قالَ: وَمَعَ الرَّجُلِ أَهْلُهُ، قالَ: فَكَانَ
سَمُرَةُ يَدْخُلُ إِلَى نَخْلِهِ فَيَتَأَذِىُ بِهِ وَيَشُقُّ عَلَيْهِ، فَطَلَبَ إِلَيْهِ أَنْ يَبِيعَهُ فَأَبَى، فَطَلَبَ
إِلَيْهِ أَنْ يُناقِلَهُ فَأَبَى، فَأَتَى النَّبِيَّ ◌َِّ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَطَلَبَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ◌َهِ أَنْ يَبِيعَهُ
فَأَبَى، فَطَلَبَ إِلَيْهِ أَنْ يُناقِلَهُ فَأَبَى. قَالَ: ((فَهَبْهُ لَهُ وَلَكَ كَذَا وَكَذَا)). أَمْرًا رَغَّبَهُ
(١) رواه البخاري (٢٤٧٣)، ومسلم (١٦١٣)، والترمذي (١٣٥٦)، وابن ماجه (٢٣٣٨).
(٢) رواه البخاري (٢٤٦٣)، ومسلم (١٦٠٩).
(٣) رواه الترمذي (١٩٤٠)، وابن ماجه (٢٣٤٢)، وأحمد ٤٥٣/٣.
وحسنه الألباني.

٤٠
فِيهِ فَأَبَى، فَقالَ: ((أَنْتَ مُضارٌّ)). فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَةَ لِلْأَنْصَارِيِّ: ((اذْهَبْ فَاقْلَعْ
نَخْلَهُ ))(١).
٣٦٣٧- حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُزْوَةَ أَنَّ
عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ أَنَّ رَجُلاً خاصَمَ الزُّبَيْرَ فِي شِراجِ الحَرَّةِ التي يَشْقُونَ بِها فَقالَ
الأَنَّصَارِيُّ سَرِّحِ الماءَ يَمُزُّ. فَأَبَى عَلَيْهِ الزُّبَيْرُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ لِلْزُّبَيْرِ: (( اسْقِ یا
زُبَيْرُ ثُمَّ أَرْسِلَّ إِلَى جَارِكَ )). فَغَضِبَ الأَنَّصاريُّ فَقالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنْ كانَ ابن
عَمَّتِكَ فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ ◌َ لِهِ ثُمَّ قالَ: ((اسْقِ ثُمَّ أَحْبِسِ الماءَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى
الجَدْرِ )). فَقَالَ الزُّبَيْرُ: فَوَاللَّهِ إِنّي لأَحْسِبُ هذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ
لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكْمُوكَ﴾ الآيَةَ(٢).
٣٦٣٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الوَلِيدِ -يَغْني: ابن
كَثِيرٍ-، عَنْ أَبِي مالِكِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، عَنْ أَبِيهِ ثَغْلَبَةَ بْنِ أَبي مالِكٍ أَنَّهُ سَمِعَ كُبَرَاءَهُمْ يَذْكُرُونَ
أَنَّ رَجُلاً مِنْ قُرَيْشٍ كانَ لَهُ سَهْمٌ فِي بَنِي قُرَيْظَةً فَخَاصَمَ إِلَى رَسُولِ اللهِ وََّ فِي مَهْزُورٍ
- يَعْني: السَّيْلَ الذي يَقْتَسِمُونَ ماءَهُ- فَقَضَى بَيْنَهُمْ رَسُولُ اللهِ وَّهِ أَنَّ الماءَ إِلَى
الكَغْبَيْنِ لا يَخْبِسُ الأَغَلَى عَلَى الأَسْفَلِ(٣).
٣٦٣٩- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، حَدَّثَنا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَنِي أَبي
عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الحارِثِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَل
قَضَى فِي السَّيْلِ المَهْزُورِ أَنْ يُمْسَكَ حَتَّى يَبْلُغَ الكَغْبَيْنِ ثُمَّ يُرْسِلُ الأَغَلَى عَلَى
الأَسْفَلِ(٤).
(١) رواه البيهقي في ((الكبرى)) ٦/ ١٥٧، والخرائطي في (مساوئ الأخلاق)) (٥٨٤).
وضعفه الألباني في ((الضعيفة)) (١٣٧٥).
(٢) رواه البخاري (٢٣٥٩)، ومسلم (٢٣٥٧).
(٣) رواه ابن ماجه (٢٤٨١)، وانظر سابقه. وصححه الألباني بمجموع طرقه.
(٤) رواه ابن ماجه (٢٤٨٢). وقال الألباني: حسن صحيح.