النص المفهرس

صفحات 601-620

٦٠١
= كتاب الأقضية
الجنة، واثنان) الباقيان (في النار، فأما الذي) سيصير (في الجنة فرجل
عرف الحق) لفظ ابن ماجه: ((علم الحق)) (١). وفي معناه: من ظن أنه
الحق؛ بل هو أغلب القضاة (فقضى به) فهو في الجنة، وفي رواية
ذكرها رزين: (( فأما الذي في الجنة فرجل قضى بكتاب الله وسنة رسوله
لا يألو (٢) عن الحق))(٣). ورواية أبي العباس ابن القاص عن علي:
(( القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وقاض في الجنة، فأما الذي أجتهد
فأصاب فهو في الجنة)) (و) أما اللذان في النار فهو (رجل عرف الحق)
زاد النسائي: ((فلم يقض به)) (٤) وزاد في رواية علي: ((متعمدًا))(٥).
(فجار في الحكم) الجور: الظلم، وأصله الميل؛ لأن الظالم يميل
عن الحق إلى الباطل (فهو) يصير (في النار) إن لم يعف عنه (ورجل
قضى) قال ابن التيمية: فيه دليل على اشتراط كون القاضي رجلًا.
(للناس) أي: بينهم (على جهل) ولفظ النسائي: (( ورجل لم يعرف
الحق فقضى للناس على جهل))(٦) لفظ رواية رزين: ((انتزى على
القضاء، فقضى بغير علم))(٧).
(١) ((سنن ابن ماجه)) (٢٣١٥).
(٢) في (ل)، (م): يلو، والمثبت من ((جامع الأصول)) ١٦٦/١٠ - ١٦٧.
(٣) أنظر ((جامع الأصول)) ١٦٦/١٠.
(٤) ((سنن النسائي الكبرى)) ٤٦١/٣ (٥٩٢٢).
(٥) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ٥٤١/٤ (٢٢٩٥٣).
(٦) ((سنن النسائي الكبرى)) ٤٦١/٣ (٥٩٢٢).
(٧) أنظر ((جامع الأصول)) ١٦٦/١٠ وفيه (افترى) بدل: (انتزىُ).

٦٠٢
قال في ((النهاية)): أنتزى. هو: أفتعل من النزو، وهو الوثوب،
وانتزى على حقي، أي: وثب عليه وأخذه. وقد يكون في الأجسام
والمعاني، ومن وَرْدِهِ في الأجسام حديث علي: يأمرنا أن لا ننزي
الحمر على الخيل(١). أي: نحملها عليها للنسل(٢).
(فهو) يصير (في النار) وجعله في النار باعتبار ما يؤول إليه كقوله
تعالى: ﴿إِنّ أَرَكِّ أَعْصِرُ خَمْرًا﴾(٣) ويحتمل أن يراد بالنار الحرام.
والتقدير: فهو واقع في الحرام؛ لأن الحرام يوجب النار، فسمي باسمه
من باب تسمية السبب باسم المسبب مجازًا، كتسميتهم المرض الشديد
بالموت.
[٣٥٧٤] (ثنا عبيد الله) بالتصغير (ابن عمر بن ميسرة) القواريري شيخ
الشيخين، روى مائة(٤) ألف حديث (حدثنا عبد العزيز بن محمد)
الدراوردي (أخبرني يزيد بن عبد الله) بن أسامة (بن الهاد) الليثي (عن
محمد(٥) بن إبراهيم) بن الحارث التيمي(٦) المدني (عن بسر) بضم
الموحدة، وسكون المهملة (ابن سعيد) مولى ابن الحضرمي من أهل
المدينة، كان ينزل في دار الحضارمة من جديلة، فنسب إليهم (عن أبي
(١) ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) ٤٤/٥.
(٢) رواه عبد الله بن أحمد في زياداته ٧٨/١، والعقيلي في ((الضعفاء الكبير)) ٥٠/٢،
وابن عدي في ((الكامل)) ٤٣/٤.
(٣) يوسف: ٣٦.
(٤) ساقطة من (م).
(٥) فوقها في (ل): (ع).
(٦) في (ل)، (م): التميمي، وهو خطأ، والمثبت من مصادر ترجمته.

٦٠٣
= كتاب الأقضية
قيس) اسمه كنيته (مولى عمرو بن العاص). قال النووي: في هذا الإسناد
أربعة تابعيون يروي بعضهم عن بعض، وهم: يزيد بن عبد الله، فمن
بعده(١).
(عن) مولاه (عمرو بن العاص رضيُله: قال رسول الله وَطلال: إذا حكم
الحاكم) فيه حذف، تقديره: إذا أراد الحكم (فاجتهد) وسبب هذا التقدير
أنه بدأ بالحكم قبل الاجتهاد، والأمر بالعكس، إذ لا يجوز الحكم قبل
الاجتهاد بالإجماع، فاحتجنا إلى تقدير: إذا أراد أن يحكم، فعند ذلك
يجتهد في النازلة، ويفيد هذا صحة ما قاله الأصوليون أن المجتهد يجب
عليه أن يجدد نظرًا عند وقوع النازلة، ولا يعتمد على اجتهاده المتقدم؛
لإمكان أن يظهر له ما ينافي خلاف ما ظهر له أولًا، اللهم إلا أن يكون
ذاكرًا لأركان اجتهاده مائلاً إليه، فلا يحتاج إلى استئناف نظر(٢).
(فأصاب) وجه الحكم، وهو أن يحكم بالحق لمستحقه في نفس
الأمر عند الله تعالى (فله أجران) أجر باجتهاده، وأجر بإصابته الحق.
وأجمع المسلمون على أن هذا الحديث في حاكم عالم أهل
للاجتهاد في الحكم(٣)، وهم ضربان: الأول: المجتهد المطلق، وهو
المستقل باستنباط الأحكام من أدلتها الشرعية، فهذا لا شك أنه
مأجور، لكنه يعز وجوده، بلى قد طوي بساط هذا الاجتهاد من سنين
كثيرة، فلو لم ينفذ إلا حكم من كان كذلك لتعطلت الأحكام.
(١) ((شرح مسلم)) ١٣/١٢.
(٢) ((المفهم)) ١٦/ ٨١.
(٣) حكاه النووي في ((شرح مسلم)) ١٢/ ١٤.

٦٠٤
الثاني: مجتهد في مذهب إمامه، وهذا غالب قضاة العدل في هذا
الزمان، وشرط هذا أن يحقق أصول إمامه وأدلته، وينزل أحكامه عليها
فيما لم يجده منصوصًا من مذهب إمامه(١).
وأما من ليس بأهل للحكم فلا يحل له الحكم، فإن حكم فأصاب
الحكم بالموافقة فلا أجر له، بل هو آثم، ولا ينفذ حكمه وإن وافق؛
لأن إصابته أتفاقية ليست صادرة عن أصل شرعي.
قال النووي: وهو عاص في جميع أحكامه سواء وافق الصواب أم
لا، وهي مردودة كلها، ولا يعذر في شيء من ذلك. انتهى(٢).
وتفاصيل هذا كثيرة لا تليق بهذا المختصر المجموع، فليراجع من
مظنته من كتب الأصول أو الفقه.
(وإذا حكم فاجتهد) فيه حذف تقديره كما تقدم (فله أجر) ورواه
الحاكم والدارقطني بلفظ: ((إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر، وإن
أصاب فله عشرة أجور))(٣). ورواه أحمد من طريق عمرو بن العاص
أيضًا بلفظ: ((إذا أصبت القضاء فلك عشرة أجور، وإن أنت اجتهدت
فأخطأت فلك حسنة واحدة)) (٤) باجتهاده؛ إذ لا إصابة.
وأعظم فوائد هذا الحديث: أن الحاكم لا بد أن يكون من أهل
(١) «المفهم)» ١٦/ ٨٣.
(٢) (شرح مسلم)) ١٢/ ١٤.
(٣) (سنن الدارقطني)) ٢٠٣/٤ من حديث عبد الله بن عمرو، ولم أجده في ((مستدرك
الحاکم».
(٤) ((مسند أحمد)» ٤/ ٢٠٥.

٦٠٥
- كتاب الأقضية
الاجتهاد، فإذا اجتهد وحكم فلا بد من الأجر، فإما ضعفان على
الإصابة، وإما واحد مع الخطأ. فأما الجاهل أو المقصر في اجتهاده
فهو عاص آثم في كل ما يحكم به، أما الجاهل فلعدم أهليته، وأما
المقصر فلعدم استيفاء شرطه.
وقد ذكر الشيخ جمال الدين الإسنوي في ((المهمات)) أنه لا يكفي
للشافعي أن يفتي أو يحكم بما صححه الرافعي والنووي حتى يراجع
كتب المذهب أو يسأل عنه، وكذا بلغني عن قاضي القضاة المالكية
في القاهرة وعالمها في مذهب مالك أنه أستفتي عما صححه الشيخ
خليل وغيره من المتأخرين فأفتى أن ذلك لا يكفي، بل لا بد من
المراجعة.
(فحدثت به أبا بكر بن حزم) بن محمد [بن عمرو](١) بن حزم قاضي
أهل المدينة زمن سليمان وعمر بن عبد العزيز، يقال: اسمه أبو بكر،
وكنيته أبو محمد (فقال: هكذا حدثني أبو سلمة) بن عبد الرحمن (عن
أبي هريرة نظ ◌ُبه).
[٣٥٧٥] (حدثنا عباس) بالباء الموحدة، والسين المهملة، هو ابن
عبد العظيم، أبو الفضل (العنبري) شيخ الشيخين (ثنا عمر بن يونس)
اليمامي (حدثنا ملازم بن عمرو) بن عبد الله بن بدر اليمامي، وثقه
أحمد وابن معين والنسائي(٢)، وكان أحد الفصحاء (حدثني موسى بن
نجدة) اليمامي (عن جده يزيد بن عبد الرحمن) وكنيته أبو كثير
(١) ساقطة من (م).
(٢) أنظر: ((تهذيب الكمال)) ١٩٠/٢٩.

٦٠٦
السحيمي، وهذا الحديث في مائة البخاري التي سُئل عنها (عن أبي هريرة
رَو ◌َّهِ، عن النبي ◌َّ-، قال: من طلب قضاء) بين المسلمين واجتهد في
تحصيله (حتى يناله ثم) لما أنعم الله تعالى عليه (غلب عدله على
جوره) أي: كان عدله في حكمه أكبر من ظلمه كما يقال: غلب على
فلان الكرم. أي: هو أكبر خصاله (فله) أي: وجبت على كرم الله
(الجنة) فغلبة عدله جوره دليل على صدق نيته وحسن قصده، ولا
تحصل كثرة العدل إلا بوفور العلم، وكثرة الاجتهاد مع توفيق الله له
وإعانته؛ فإن الجاهل وإن أجتهد كان خطؤه أكثر من صوابه، وفيه دليل
على جواز القضاء لمن وثق بنفسه وأمن السلامة.
وقد صرح أصحابنا وغيرهم بأن طلب القضاء مندوب لمن كان
خاملًا يرجو نشر العلم وإظهاره، أو لمن كان محتاجًا إلى الرزق
لتحصل الكفاية والإعانة على الاشتغال بالعلم(١).
(ومن غلب جوره) على (عدله) فله النار؛ لأن كثرة جوره في الحكم
دلیل علی خبث وفساد طویته وقبح قصده، لا سيما مع كثرة جهله، كما
هو مشاهد في كثير من القضاة الآخذين الحكم بالرشا إلى الظلمة، وإهانة
العلم بترددهم إلى الظلمة؛ لتحصيل المناصب التي هي سبب هدم دينهم،
فنسأل الله العافية.
[٣٥٧٦] (حدثنا إبراهيم بن حمزة) بالحاء المهملة والزاي، وهو (بن
أبي يحيى الرملي) وهو ثقة (ثنا يزيد بن أبي الزرقاء) المحدث، أبو محمد
(١) انظر: ((الحاوي)) ١١/١٦، و((البيان)) ١٢/١٣.
بعدها في (ل): قال ابن التيمية: هو محمول على ما إذا لم يوجد غيره.

٦٠٧
= كتاب الأقضية
الموصلي الزاهد (ثنا) عبد الرحمن (ابن أبي الزناد) عبد الله مولى رملة من
أهل المدينة، استشهد به البخاري في ((صحيحه)) في صلاة الاستسقاء
والجهاد وغيرهما، ووثقه مالك (عن أبيه) أبي الزناد عبد الله بن ذكوان
المدني، مولى بني أمية، أحد الأئمة.
(عن عبيد الله بن عبد الله (ع) بن عتبة) بن مسعود الفقيه الأعمى (عن ابن
عباس رضي الله عنهما قال: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ﴾) قيل: فيه
إضمار تقديره: من لم يحكم بما أنزل ردًّا للقرآن وجحدًا لقول الرسول
الَّ (﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ﴾(١)) وقال ابن مسعود والحسن: هي عامة
في كل من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين واليهود والكفار. أي:
مفسدًا ذلك مستحلًّا له، فأما من فعل وهو معتقد أنه راكب محرَّمًا، فهو
من فساق المسلمين، وأمره إلى الله تعالى إن شاء عذبه، وإن شاء غفر
له (إلى قوله: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٢)
وقوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾)(٣)
حكى الطبري (٤) عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب قال ابن
زيد: ﴿اُلْفَسِقُونَ﴾ في هذا الموضع وفي غيره هم الكاذبون(٥) (هؤلاء
الآيات الثلاث) المتواليات (نزلت في اليهود خاصة) وسيأتي في باب
رجم اليهود من كتاب الحدود بمعناه من حديث البراء(٦)، وبه قال
الشعبي(٧)، واختاره النحاس(٨).
(١) المائدة : ٤٤.
(٣) المائدة: ٤٧.
(٥) ((تفسير الطبري)) ٦٠٥/٤.
(٢) المائدة: ٤٥.
(٤) في (ل، م): الطبراني. خطأ.
(٦) سيأتي برقم (٤٤٥٠).
(٧) انظر ((تفسير الطبري)) ٥٩٥/٤. (٨) ((معانى القرآن)) ٣١٥/٢.

٦٠٨
ويدل على ذلك ثلاثة أشياء منها: أن اليهود قد ذكروا قبل هذا في
قوله: ﴿لِلَّذِينَ هَادُوا﴾(١) فعاد الضمير عليهم. ومنها أن سياق الكلام يدل
على ذلك، ألا ترى أن بعده ﴿وَكَبَّنَا عَلَيْهِمْ﴾(٢) فهذا الضمير لليهود
بالإجماع، وأيضًا فإن اليهود هم الذين أنكروا الرجم والقصاص. فإن
قيل: (من) إذا كانت للمجازاة، فهي عامة إلا أن يقع دليل على
تخصيصها. قيل له (من) هاهنا بمعنى (الذي) والتقدير: اليهود (٣) الذين
لم يحكموا بما أنزل الله، فهذا من أحسن ما قيل في هذا. وروي أن
حذيفة سئل عن هذِه الآيات: أهي في بني إسرائيل؟ قال: نعم، هي
فيهم، ولتسلكن سبيلهم حذو النعل بالنعل (٤).
وقيل: ﴿اَلْكَفِرُونَ﴾ للمسلمين، و﴿ الظَّالِمُونَ﴾ لليهود، و﴿ اٌلْفَسِقُونَ﴾
للنصارى، وهذا أختيار أبي بكر ابن العربى(٥).
قال طاوس: ليس بكفر ينقل عن الملة، ولكن كفر دون كفر(٦).
(في قريظة والنضير) قبيلتان مشهورتان [من اليهود](٧).
(١) المائدة: ٤٤.
(٢) المائدة: ٤٥.
(٣) ، (٧) ساقطة من (م).
(٤) كذا أورده هذا اللفظ النحاس في ((معاني القرآن)) ٣١٥/٢، ورواه عبد الرزاق في
((تفسيره)) ١٩١/١ الطبري في ((تفسيره)) ٥٩٣/٤ أنه قال لما سئل عن ذلك: نعم
الإخوة لكم بنو إسرائيل، إن كانت لهم كل مُرة، ولكم كل حلوة، كلا والله لتسلکن
طريقهم قِدى الشراك.
(٥) ((أحكام القرآن)) ٢/ ١٢٧.
(٦) رواه عبد الرزاق في ((تفسيره)) ١/ ١٩١، ومحمد بن نصر في ((تعظيم قدر الصلاة)) ٢/
٥٢٢ (٥٧٥)، والطبري في ((تفسيره)) ٥٩٦/٤.

٦٠٩
- كتاب الأقضية
٣ - باب في طَلَبِ القَضاءِ والتَّسَرُّعِ إِلَيْهِ
٣٥٧٧- حَدَّثَنَا نُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ وَمُحَمَّدُ بْنُ اُثَنَّى قالا أَخْبَرَنا أَبُو مُعاوِيَةَ، عَنِ
الأَغْمَشِ، عَنْ رَجاءِ الأَنَّصاريِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بِشْرِ الأَنَّصَارِيِّ الأَزْرَقِ قالَ: دَخَلَ
رَجُلانِ مِنْ أَبْوابٍ كِنْدَةَ وَأَبُو مَسْعُودِ الأَنَّصاريُّ جالِسٌ في حَلْقَةٍ فَقالا: أَلَا رَجُلٌ يُتَقِّذُ
بَيْنَنا. فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الحَلْقَةِ: أَنَا. فَأَخَذَ أَبُو مَسْعُودٍ كَفّا مِنْ حَصِّى فَرَماهُ بِهِ وقالَ: مَهْ
إِنَّهُ كانَ يُكْرَهُ الَّسَرُّعُ إِلَى الحُكُمْ (١).
٣٥٧٨- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرِ، أَخْبَرَنا إِسْرائِيلُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَغْلَى، عَنْ بِلالٍ،
عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ يَقُولُ: ((مَنْ طَلَبَ القَضاءَ واسْتَعانَ
عَلَيْهِ وُكِلَ إِلَيْهِ وَمَنْ لَمْ يَطْلُبُهُ وَلَمْ يَسْتَعِنْ عَلَيْهِ أَنْزَلَ اللهُ مَلَكًا يُسَدِّدُهُ)). وقالَ
وَكِيعٌ عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ عَبْدِ الأَعْلَىْ، عَنْ بِلالِ بْنِ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ
وَّ . وقالَ أَبُو عَوانَةَ، عَنْ عَبْدِ الأَعْلَى، عَنْ بِلالِ بْنِ مِزْداسِ الفَزاريِّ، عَنْ خَيْثَمَةَ
البَصْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ(٢).
٣٥٧٩- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خالِدٍ،
حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلالٍ، حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ قالَ: قالَ أَبُو مُوسَى: قالَ النَّبِيُّ وَّهِ: « لَنْ
نَسْتَعْمِلَ - أَوْ لا نَسْتَعْمِلُ - عَلَى عَمَلِنا مَنْ أَرَادَهُ))(٣).
(١) رواه البيهقي في ((الكبرى)) ١٠١/١٠، وأبو خيثمة في ((العلم)) (١١).
وقال الألباني: ضعيف الإسناد.
(٢) رواه الترمذي (١٣٢٣، ١٣٢٤)، وابن ماجه (٢٣٠٩)، وأحمد ١١٨/٣، ٢٢٠.
وضعفه الألباني في ((ضعيف سنن الترمذي)) (١٣٤٦).
(٣) رواه البخاري (٢٢٦١)، ومسلم إثر حديث (١٨٢٣).

٦١٠
باب في طلب القضاء والتسرع إليه
[٣٥٧٧] (ثنا محمد بن العلاء ومحمد بن المثنى) بن عبيد البصري
الزمن (قالا: ثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير (عن الأعمش، عن
رجاء الأنصاري) لم يرو عنه غير الأعمش فقط (عن عبد الرحمن بن
بشر) بكسر الموحدة، وسكون المعجمة (الأزرق) هو ابن مسعود
الأنصاري المدني التابعي.
(قال: دخل رجلان من أبواب) جمع باب (كندة) قال البكري: وضع
على لفظ القبيلة اليمانية(١). وهو في ديار بني ذبيان وقيل: إنه من بلاد
تيماء (وأبو مسعود) عقبة بن عمرو بن ثعلبة من الخزرج يعرف بالبدري؛
لأنه سكن أو نزل ماء بدر (الأنصاري) وشهد العقبة، ولم يشهد بدرًا
عند جمهور أهل العلم، وسكن الكوفة، وابتنى بها دارًا (جالس في
حلقة) بسكون اللام، وهم القوم يجتمعون مستديرين يحتمل أن الحلقة
جماعة يقرؤون عليه، أو كانوا يتذاكرون العلم (فقالا: ألا) بالتخفيف
(رجل) مرفوع بفعل محذوف على شريطة التفسير، والتقدير: ألا ينفذ
رجل ينفذ لقوله تعالى: ﴿إِنِ أُمْرُؤُ هَلَكَ﴾(٢) ووجه حذف هذا المقدر أن
(ألا) للتحضيض على الفعل أو العرض، وكلاهما يختص بأن لا تليه
إلا بعد (كان) الشرطية. ويجوز على مذهب الخليل النصب. ويكون
التقدير: ألا تروني رجلا ينفذ. فهو نظير ما أنشده الخليل:
(١) ((معجم ما استعجم)) ١١٣٦/٤.
(٢) النساء: ١٧٦.

٦١١
كتاب الأقضية
=
ألا رجلًا جزاه الله خيرا
يدل على محصلة، تبيت(١)
(ينفّذ) بتشديد الفاء المكسورة (بيننا) قال في ((النهاية)): أي: يحكم
ويمضي أمره فينا. يقال: أمره نافذ. أي: ماض مطاع(٢). وعلى هذا يكون
(يُنفذُ) بضم أوله، وكسر (٣) الفاء المخففة (فقال رجل من الحلقة) التي هو
فيهم (أنا) أنفذ بينكما (فأخذ أبو مسعود) الأنصاري (كفّا من حصى، فرمى
به) فيحتمل أن يكون مراده: رميت منزلتك من قلبي؛ لمبادرتك إلى
الجواب ومسارعتك له، كما رميت هذا الحصى، ويحتمل أن يكون:
ليس لك من الأجر والثواب على جوابك الذي أسرعت فيه ما يساوي
هذا الحصى. ويحتمل غير ذلك.
(وقال: مه) اسم مبني على السكون، معناه هنا: الزجر عن المسارعة
إلى الإفتاء والحكم، وأمره بالسكوت عن ذلك مهما استطاع والتثبت فيه.
وقيل: معنى ذلك ذم الفتوى بحضرة من هو أعلم منه (كان) رسول الله وله
(يكره التسارع(٤) إلى الحكم) والفتوى.
قال ابن الصلاح: بلغنا عمن سمع سحنون بن سعد يزري على من
تعجل في الفتوى، ويذكر النهي عن ذلك عن المتقدمين من معلميه.
والفتوى كذلك، بل الحكم أحق بالتثبت فيه من الفتوى والجرأة عليه
(١) ((الكتاب)) لسيبويه ٣٠٨/٢.
(٢) ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) ٥/ ٩٢.
(٣) في (ل)، (م): وضم، والجادة ما أثبتناه.
(٤) بعدها في (م): نسخة: التسرع.

٦١٢
أعظم. قال: وبلغنا عن الخليل بن أحمد أنه كان يقول: إن الرجل ليسأل
عن المسألة ويعجل في الجواب، فيصيب فأذمه، ويسأل عن مسألة فيتثبت
في الجواب فيخطئ فأحمده(١).
[٣٥٧٨] (ثنا محمد بن كثير) العبدي (أنا إسرائيل، ثنا عبد الأعلى)
بن عامر الثعلبي (عن بلال) بن مرداس الفزاري المصيصي، كان أحد
الأشراف، وممن روى عنه أبو حنيفة (عن أنس بن مالك نظالله قال:
سمعت رسول الله وَل يقول: من) ((ابتغى القضاء)). أي: طلبه ((وسأل
فيه شفعاء)) كذا رواية الترمذي (٢) (طلب القضاء) بين الناس (واستعان
عليه) أي: على تحصيله بشفعاء يشفعون له في حصوله، كما تقدم في
رواية أبي داود، واستعان فيه بشفعاء(٣)، أي: يشفعون إلى من يوليه
القضاء، وهذا من المبالغة في احتراصه على طلبه، كما أن من اشتدت
حاجتهم إلى المطر يستشفعون بأهل الخير والصلاح ليسقيهم (وكل
إليه) أي: وكل إلى نفسه كما في رواية الترمذي(٤). أي: وكل الله
تدبيره ومصالحه إلى نفسه العاجزة عن جلب نفع إليها، أو دفع ضر
عنها، وترك كلامه وتدبيره فيما وليه من القضاء بين الناس.
(ومن لم يطلبه(٥) ولم يستعن عليه) أي: يستعين على تحصيله بشفعاء
يشفعون إلى من يوليه منصب الحكم، ومن ترك الطلب والاستعانة وقطع
(١) ((أدب المفتي والمستفتي)) (ص٨٢).
(٢) ((سنن الترمذي)) (١٢٤٦).
(٣) ساقطة من (م).
(٤) ((سنن الترمذي)) (١٢٤٦).
(٥) بعدها في (م): يطلب. وفوقها: خـ

٦١٣
= كتاب الأقضية
مطامعه في ذلك الله تعالى تولى الله تعالى أمره، وعوضه عن ذلك بأن
(أنزل الله) تعالى إليه (ملكًا) بفتح اللام من الملائكة (يسدده) في
أحكامه وأقضيته حتى يعمل فيها بالسداد، وهو العدل والاستقامة
وإصابة الصواب.
وفيه التحذير من طلب الإمارة والحكم، وإن أعطي ذلك من غير
طلب ولا سعي فلا يمتنع من قبوله، وهذا الحديث وإن كان مطلقًا
فهو مقيد بما إذا أكره على الولاية، وأجبر على قبولها، فلا ينزل الله
إليه الملك يسدده إلا إذا أكره على ذلك جبرًا، ولا يحصل هذا لمن
عرض عليه الولاية، أو سألها دون إكراه، ولفظ الترمذي هنا من رواية
بلال بن مرداس: (( ومن أكره عليه أنزل الله عليه مَلَكًا يسدده)) وقال:
هو حديث حسن غريب. قال: وهو أصح من حديث إسرائيل، عن
عبد الأعلى، عن بلال بن أبي موسى(١). ولفظه: (( من سأل القضاء
وكل إلى نفسه، ومن جبر عليه نزل عليه ملك يسدده))(٢) ونحو رواية
المصنف: (( ما جاءك من هذا المال وأنت غير مستشرف ولا سائل
فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك))(٣) أو كما قال:
[٣٥٧٩] (ثنا أحمد بن حنبل، ثنا يحيى بن سعيد) القطان (ثنا قرة (٤)
ابن خالد) السدوسي (حدثنا حميد بن هلال) العدوي، كان يلبس الثياب
(١) ((سنن الترمذي)) (١٣٢٤).
(٢) ((سنن الترمذي)) (١٣٢٣).
(٣) رواه البخاري (٧١٦٤)، ومسلم (١٠٤٥) من حديث عمر بن الخطاب.
(٤) في (ل)، (م): فروة. والمثبت من ((السنن).

٦١٤
النفيسة والطيالسة (حدثني أبو بردة) عامر بن أبي موسى (عن أبيه) عبد الله
بن قيس الأشعري رضيُه (قال النبي ◌َّر: يا أبا موسى، أو يا عبد الله بن
قيس) إنا (لن نستعمل أو) قال: (لا نستعمل على) شيء من (عملنا)
هُذا (من أراده) زاد مسلم: ((ولا أحدًا حرص عليه))(١). قال العلماء:
والحكمة في أنه لا يولي من سأل الولاية أنه يوكل إليها ولا يكون معه
إعانة، كما صرح به في حديث عبد الرحمن بن سمرة حين سأل
الإمارة(٢)، وإذا لم يكن معه إعانة لا يكون كفؤًا ولا يولى غير الكفؤ؛
لأن فيه تهمة للطالب الحريص.
وهذا الحديث الذي ذكره المصنف هنا هو قطعة من حديث طويل
متفق عليه، ذكره المصنف، وسيأتي في أول كتاب الحدود بهذا اللفظ
والسند بكماله، في باب الحكم فيمن أرتد(٣).
(١) ((صحيح مسلم)) (١٧٣٣).
(٢) رواه البخاري (٦٦٢٢)، ومسلم (١٦٥٢).
(٣) سيأتي برقم (٤٣٥٦).

-
كتاب الأقضية
٦١٥
٤ - باب في كَراهِيَةِ الرّشْوَةِ
٣٥٨٠- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا ابن أَبِي ذِئْبٍ عَنِ الحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ،
عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو قالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ الرّاشِيَ والمزْتَشي(١).
باب كراهية الرشوة
مثلثة الراء، والأرجح الكسر، وهي: ما يعطى الحاكم ليحكم (٢) له
بما یریده.
[٣٥٨٠] (حدثنا أحمد بن) عبد الله بن (يونس) اليربوعي (ثنا) محمد
ابن عبد الرحمن (بن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرحمن) القرشي
العامري خال ابن أبي ذئب، ذكره ابن حبان في ((الثقات))(٣)، وحكى
عنه الفضيل بن عياض وقال: لا يخيل إلي أني رأيت قرشيًّا أفضل
منه (٤) (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن، ورواه الحاكم من حديث أبي
سلمة، عن أبيه(٥).
قال الدارقطني في ((العلل)): أبو سلمة (عن عبد الله بن عمرو) بن
العاص أصح(٦).
(١) رواه الترمذي (١٣٣٧)، وابن ماجه (٢٣١٣)، وأحمد ١٦٤/٢.
وصححه الألباني.
(٢) في (م): الحكم.
(٣) ((الثقات)) ١٣٤/٤ (٢١٥٥).
(٤) أنظر ((تهذيب الكمال)) ٢٥٦/٥.
(٥) لم أجده في ((المستدرك)) ١٠٢/٤ إلا من حديث أبي سلمة عن عبد الله بن عمرو.
(٦) ((علل الدارقطني)) ٤/ ٢٧٤.

٦١٦
قال الترمذي بعد روايته: وفي الباب عن أبي هريرة وعائشة وأم
سلمة(١). يعني: وعبد الرحمن بن عوف وثوبان(٢).
(قال: لعن رسول الله وَل9) ولفظ ابن ماجه: ((لعن الله))(٣) ولعنة الله:
إبعاده من رحمته (الراشي) وهو دافع الرشوة (والمرتشي) آخذها، وزاد
الترمذي والطبراني بإسناد جيد: ((في الحكم)» (٤). وزاد أحمد والبزار:
((والرائش)»(٥). يعني: الذي يمشي بينهما، وهو السفير بين الدافع
والآخذ، وإن لم يأخذ على سفارته، فإن أخذ فهو أبلغ.
ويدخل في إطلاق الرشوةِ الرشوةُ للحاكم والعامل على أخذ
الصدقات، وهي حرام بالإجماع(٦)، ومما يدل على تحريمها قوله
تعالى: ﴿أَكَّلُونَ لِلشُّحْنِ﴾ (٧) قال الحسن وسعيد بن جبير في تفسيره:
هي الرشوة(٨).
وقال مسروق: سألت ابن مسعود عن السحت، أهو الرشوة في
الحكم؟ قال: لا. ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ﴾
(١) بل قال الترمذي بعدما روى حديث أبي هريرة (١٣٣٦): وفي الباب عن عبد الله بن
عمرو وعائشة وابن حديدة وأم سلمة.
(٢) كذا بالأصل، والمقصود أن في الباب أيضا عن عبد الرحمن بن عوف وثوبان.
(٣) ((سنن ابن ماجه)) (٢٣١٣) وفيه: ((لعنة الله على الراشي والمرتشي)).
(٤) ((سنن الترمذي)) (١٣٣٦)، ((المعجم الكبير)) ٣٩٨/٢٣ (٩٥١).
(٥) (مسند أحمد)) ٢٧٩/٥، ((البحر الزخار)) ٩٦/١٠ (٤١٦٠) من حديث ثوبان ظـ
(٦) ((مراتب الإجماع)) ص ٥٠.
(٧) المائدة: ٤٢.
(٨) انظر: ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٤٤٧/٤ (٢١٩٥١)، ((تفسير الطبري)) ٥٧٩/٤.

٦١٧
-- كتاب الأقضية
و﴿ الظّلِمُونَ﴾ و ﴿اُلْفَسِقُونَ﴾، ولكن السحت أن يستعينك الرجل على
مظلمته، فيهدي لك، فإن أهدى لك فلا تقبل(١).
وقال أبو وائل شقيق بن سلمة، أحد أئمة التابعين: القاضي إذا أخذ
الهدية فقد أكل السحت، وإذا أخذ الرشوة بلغت به الكفر. رواه ابن أبي
شيبة في ((مصنفه)) بإسناد صحيح (٢).
(١) رواه ابن جرير في ((تفسيره)) ٥٨١/٤، والطبراني في ((الدعاء)) ٥٨٠/١ (٢١٠٥)،
والبيهقي ١٣٩/١٠، وعزاه السيوطي في ((الدر)) ٢/ ٥٠٢ لعبد الرزاق وسعيد بن
منصور وابن المنذر وأبي الشيخ.
(٢) ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٤/ ٤٤٧ (٢١٩٤٦) وفيه عن أبي وائل عن مسروق.

٦١٨
٥ - باب في هَدايا العُمّالِ
٣٥٨١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَخْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبي خالِدٍ، حَذَّثَني
قَيْسٌ، قالَ: حَدَّثَنِي عَدِيُّ بْنُ عُمَيْرَةَ الكِنْدِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ لَه قالَ: ((يا أيُّها النّاسُ
مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ لَنا عَلَى عَمَلِ فَكَتَمَنا مِنْهُ مِخْيَطًا فَمَا فَوْقَهُ فَهُوَ غُلٌّ يَأْتِي بِهِ يَوْمَ
القِيامَةِ)). فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الأَنَّصَارِ أَسْوَدُ كَأَنِّ أَنْظُرُ إِلَيْهِ فَقَالَ: يا رَسُولَ اللهِ أَقْبَلْ عَنّي
عَمَلَكَ. قالَ: ((وَما ذاكَ؟)). قالَ: سَمِعْتُكَ تَقُولُ كَذَا وَكَذا. قالَ: (( وَأَنا أَقُولُ
ذَلِكَ: مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ عَلَى عَمَلٍ فَلْيَأْتِ بِقَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ فَمَا أُوتِيَ مِنْهُ أَخَذَهُ وَما
نُهيَ عَنْهُ أَنْتَهَىْ))(١).
باب: في هدايا العمَّال
[٣٥٨١] (ثنا مسدد ثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن إسماعيل بن أبي
خالد) الأحمسي مولاهم الكوفي التابعي (حدثني) أبو كامل(٢) (قيس) بن
أبي حازم البجلي، تابعي كبير (حدثني عدي بن عميرة) بفتح العين، وكسر
الميم. قال القاضي: لا يعرف في الرجال أحد يقال له: عميرة بالضم، بل
كلهم بالفتح(٣). وهو ابن فروة بن زرارة (الكندي) أبو زرارة حضرمي كوفي
نَظُه (أن رسول الله وَ ل قال(٤): يا أيها الناس، من عمل) بضم العين
وتشديد الميم المكسورة (منكم) قد يؤخذ من قوله (منكم) أن العامل لا
(١) رواه مسلم (١٨٣٣).
(٢) كذا في (ل)، (م): وهو خطأ، إنما هو أبو عبد الله، وأنظر ترجمته في: ((تهذيب
الكمال)» ١٠/٢٤.
(٣) ((إكمال المعلم)) ٢٣٩/٦.
(٤) ساقطة من (م).

٦١٩
= كتاب الأقضية
يكون إلا مسلمًا، ولفظ (من) الجزئية دالة على العموم فيه في عمومه كل
عامل.
قال أصحابنا: يشترط في ساعي الزكاة أن يكون مسلمًا إذا كان
التفويض عامًّا، فإن عين الإمام شيئًا يأخذه، قال الماوردي: لا يتعين
فيه الإسلام(١). قال النووي(٢): عدم اشتراط إسلامه فيه نظر(٣).
وقال أبو الخطاب وغيره من الحنابلة: لا يشترط إسلام العامل؛ لأنه
إجارة على عمل، فجاز أن يتولاه الكافر كسائر الولايات كجباية الخراج.
ومشهور رواية أحمد: اشتراط إسلامه؛ لأن من شرطه الأمانة فاشترط له
الإسلام كالشهادة؛ ولأنه ولاية على المسلمين، فلم يجز أن يتولاها
الكافر کسائر الولایات(٤). وظاهر الحدیث یدل له.
(لنا على عمل) ويدخل في العامل على العمل الساعي الذي يبعثه
الإمام لأخذ الزكاة، والكاتب والقاسم والحاشر الذي ينادي في
الناحية؛ ليجتمعوا لأخذ الصدقة، وحاشر النعم من مسارحها إلى مياه
أهلها، وجباة المال وحفاظها والكيّال والوزان والعداد وكل من يحتاج
إليه فيها (فَكَتَمنا منه) أي: من المال الذي جمعه في عمالته (مخيطًا)
بكسر الميم.
وفي الحديث: ((أدوا الخياط والمخيط))(٥) فالخياط: الخيط الذي
(١) ((الأحكام السلطانية)) ص٢٠٦.
(٢) ساقطة من (م).
(٣) ((روضة الطالبين)) ٣٦٦/٦.
(٤) (المغني)) ٣١٣/٩.
(٥) تقدم عند أبي داود برقم (٢٦٩٤) من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده.

٦٢٠
يخيط به، والمخيط: الإبرة والمسلة ونحوهما (فما) الفاء بمعنى (إلى)،
كما قال الكسائي في قوله تعالى: ﴿بَعُوضَةً فَمَافَوْقَهَا﴾(١) وأن التقدير عنده
إلى ما(٢) (فوقه) في الصغر. قال: وهذا في الكلام كقولك: أتراه قصيرًا؟.
فيقول القائل: أو فوق ذلك. أي: هو أقصر مما يرى. (فهو غل) وهو
الحديدة التي تجمع بها يد الأسير إلى عنقه (يأتي به يوم القيامة) إلى
المحشر، وهو حامل له، كما ذكر مثله في الغال، وتسمى هذه
الحديدة جامعة، وكل من خان في شيء خفية فهو غل، ويحتمل أن
يكون الغل في يده يوم القيامة في جهنم، وفيه توعد شديد، وزجر أكيد
في خيانة العامل في القليل والكثير، وأنه من الكبائر العظام، وكذا
أخذ رشوة العامل حرام أيضًا بإجماع العلماء.
(فقام) زاد مسلم: إليه (رجل) فيه: أن العاملين يشترط فيهم
الذكورة، فلا يجوز أن يكون العامل أنثى؛ لأن العمل إمارة وولاية
على المسلمين، فلم يجز للمرأة أن تتولاها (من الأنصار) فيه: أنه
يجوز أن يكون العامل من الأنصار والمهاجرين، ولا يجوز أن يكون
هاشميًّا ولا مطلبيًّا لحديث الفضل بن العباس وعبد المطلب بن ربيعة
بن الحارث حين سألا النبي ويسر أن يبعثهما، فأبى أن يبعثهما وقال:
((إنما هُذِه أوساخ الناس، وإنها (٣) لا تحل (٤) لمحمد ولا لآل محمد)) (٥).
(١) البقرة: ٢٦.
(٢) انظر: ((إعراب القرآن)) للنحاس ٢٠٣/١.
(٣) في (م): وإننا.
(٤) في (م): نجد.
(٥) تقدم عند أبي داود برقم (٢٩٨٧).