النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
= كتاب الجهاد
وسكون اللام فيهما، وهو زجر للناقة إذا حملها على السير، يقال لها:
(حل) ساكنة اللام فإذا كررت وقلت: (حل حل) كسرت اللام الأولى
منونًا، وسكنت اللام الثانية كقولك: بخ بخ، وصه صه(١). (خَلاتِ)
بفتح الخاء المعجمة وهمزة قبل التاء(٢). والخلا في الإبل كالحران في
الخيل (القصواء) الناقة التي قطع طرف أذنها، ولم تكن ناقة النبي
صَلىالله
وَسِيَّام
كذلك، وإنما كان لقبًا لها، وقيل كذلك.
(مرتين، فقال النبي وَله: ما خلأت وما ذاك لها بخُلُق) بضم الخاء
واللام، أي: عادة سبقت.
(ولكن حَبَسَها حابس الفيل) أي: الذي حبس الفيل عن دخول مكة،
قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَبِ اُلْفِيلِ﴾(٣).
ووجهه أنه لو دخل ◌َّر عامئذٍ لم يؤمن وقوع قتال كبير، وقد سبق في
العلم القديم إسلام جماعة منهم؛ فحبس عن ذلك كما حبس الفيل؛ إذ لو
دخل أصحاب الفيل مكة قتلوا خلقًا كثيرًا، وقد سبق العلم بإيمان قوم،
فلم يكن للفيل عليهم سبيل فمنع سببه، كذا قالوا (٤).
ويمكن أن يقال أنه ◌ّليّ كان خرج إليهم على أنهم إن صدوه عن
البيت قاتلهم فصدوه وبركت الناقة، فعلم أنه أمر من الله، فقاضاهم
على أعتمار العام القابل.
(١) زيادة من (ل).
(٢) زيادة من (ل).
(٣) الفيل: ١.
(٤) انظر: ((كشف المشكل)) لابن الجوزي ٤/ ٥٢.

٦٢
وقصته أن أبرهة جاء على الفيل بعسكره يقصد هدم الكعبة واستباحة
الحرم، فلما وصل إلى ذي المجاز امتنع الفيل من التوجه إلى مكة، ولم
يمتنع من غيرها، ولعل القصواء كانت كذلك.
(ثم قال: والذي نفسي بيده(١) لا يسألوني اليوم خطة) بضم الخاء
المعجمة، الخصلة الجميلة أو الأمر العظيم كأنه يستحق أن يخط في
الدفاتر.
(يُعظمون) بضم المثناة تحت(٢) (فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها)
وإن كان في ذلك احتمال مشقة، فيه إشارة للجنوح إلى المصالحة وترك
القتال في الحرم ومهادنتهم دون مال يؤخذ منهم إذا رأى لذلك الإمام
وجهًا.
(ثم زجرها فوثبت) به (فعدل عنهم) أي: عن طريقهم (حتى نزل
بأقصى الحديبية على ثَمَد) بفتح المثلثة والميم، هو الماء القليل الذي
لا مادة له، وما بعده على سبيل التفسير له (قليل الماء) [زاد
البخاري](٣): ((يتبرضه الناس تبرضًا)) (٤) بالضاد المعجمة، أي:
يأخذون منه قليلاً قليلاً، وفيه (فلم يلبثه الناس حتى نزحوه، وشُكي
إلى رسول الله وَّ العطش، فانتزع سهمًا من كنانته، ثم أمرهم أن
يجعلوه فيه، فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه فجاءه).
(١) ورد بعدها في الأصول: نسخة: والذي نفس محمد بيده.
(٢) بعدها في (ر): يعظمون.
(٣) ساقطة من (ر).
(٤) ((صحيح البخاري)) (٢٧٣٢).

٦٣
- كتاب الجهاد
رواية البخاري: فبينما هم كذلك إذ جاء(١) (بُديل) بضم الباء
الموحدة وفتح المهملة وسكون التحتية(٢) (ابن ورقاء) مؤنث الأورق
(الخزاعي) في نفر من قومه من خزاعة، فقال: إني تركت كعب بن
لؤي وعامر بن لؤي نزلوا على أعداد مياه الحديبية ومعهم العُوذُ
المطافِيل وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت، فقال رسول الله وَاليقول: ((إنا
لم نجئ لقتال أحد، ولكنا جئنا معتمرين وإن قريشًا قد نهكتهم الحرب
وأضرت بهم، فإن شاؤوا ماددتهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس، وإن
أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم حتى تنفرد سالفتي )) فقال بديل:
سأبلغهم ما تقول. فانطلق حتى أتى قريشًا وقال: إنا قد جئناكم من
عند هذا الرجل، وسمعناه يقول كذا وكذا، فحدثهم بما قال النبي
مرَّة، فقام عروة بن مسعود: فقال: ألستم بالوالد؟ قالوا: بلى. قال:
ألست بالولد؟ قالوا: بلى. قال: فهل تتهموني؟ قالوا: لا. قال: هذا
قد عرض لكم خطة رشد أقبلوها ودعوني آتيه. قالوا: أئته، فأتاه(٣).
(ثم أتاه عروة، يعني: ابن مسعود) الثقفي، وقد أسلم بعد ذلك ورجع
إلى قومه ودعاهم إلى الإسلام، فقتلوه، فقال النبي ◌َّ: (( مثل ياسين في
قومه ))(٤).
(فجعل يكلم النبي ◌َّير، فكلما كلمه) كلمة (أخذ بلحيته) أي: بلحية
(١) ((صحيح البخاري)) (٢٧٣١- ٢٧٣٢).
(٢) في (ل): التحتانية.
(٣) هذا من رواية البخاري (٢٧٣١ - ٢٧٣٢).
(٤) رواه أبويعلى في ((مسنده)) ١٧٣/٣ (١٥٩٨).

٦٤
النبي
صَلى الله
وئيل
[عادة للعرب يستعملونها.
(والمغيرة بن شعبة قائم على) رأس (النبي وَلاو] (١) ومعه السيف وعليه
المِغْفر) بكسر الميم، وهو: زرد ينسج من الدروع على قدر الرأس يلبس
تحت القلنسوة، وفي قيام المغيرة على رأسه بالسيف استحباب الفخر
والخيلاء في الحرب لإرهاب العدو، وليس بداخل في ذمه لمن أحب
أن يمثل له الناس قيامًا. رواية البخاري: فكلما أهوى عروة بيده إلى
لحية النبي ◌ّ (فضرب يده بنعل السيف) قال الجوهري: هو ما يكون
في أسفل جفن السيف من حديدة أو فضة(٢).
(وقال: أخر يدك عن لحيته) ووضع اليد على اللحية كان عادة للعرب
يستعملونها كثيرًا، وأكثر من يستعملها أهل اليمن، ويقصدون بذلك
الملاطفة، وإنما منعه من ذلك المغيرة تعظيمًا للنبي ولو إذ كان إنما
يفعل ذلك الرجل بنظيره، وكان النبي وَيّ لا يمنعه من ذلك تألفًا له
واستمالة لقلبه (فرفع عروة رأسه فقال: من هذا؟) وما رفع رأسه إلا أنه
كان جالسًا، وفيه تألف الرسول بالجلوس مع الأمير (فقالوا) أي قال
بعضهم هو (المغيرة بن شعبة) ولم يقولوا: عز الدين، ولا بدر الدين
(فقال: أي) يا (غُدَرُ) بضم الغين المعجمة وفتح الدال وبالراء بلا
تنوين، ووزنه فعل وهو من أبنية المبالغة، فوصفه بالغدر منقول من
غادر مثل عمر منقول من عامر (أوَ لستُ أسعى في غدرتك) في
غدرتك ببذل المال وغيره لأرفع عني شر جنايتك وأتبرأ منها؛ لأن
(١) زيادة من (ل).
(٢) ((الصحاح في اللغة)) ١١٠/٥.

٦٥
كتاب الجهاد
=
بينهما قرابة، واستمر أقاربه بعده في دار الكفر، والغدرة بالفتح الفعلة
وبالكسر اسم لما فعل من الغدر (وكان المغيرة صحب قومًا في
الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم) عام الخندق وقدم
مهاجرًا، وقيل: أول مشاهده الحديبية.
(فقال النبي ◌ُّير: أما الإسلام فقد قبلنا) منك ومن كل من جاء مسلمًا
(وأما المال فإنه مال غَدر) فإن كان الإنسان مصاحبًا لقوم وقد أمن كل
واحد منهم صاحبه فسفك الدماء وأخذ الأموال عند ذلك غدر،
والغدر بالكفار وغيرهم محظور، وإذا كانت أموالهم ثم (١) مغنومة عند
القهر فلا يحل أخذها عند الأمن (لا حاجة لنا فيه) أي: في أخذه؛
لأنه علم أن أصله غصب، وفيه دليل على أن الحربي إذا أتلف مال
الحربي ثم أسلم ضمنه ولزمه أن يرد إليه المثل إن كان مثليًّا وإلا
قيمته، وهو أحد الوجهين لأصحابنا(٢) (٣).
(فذكر الحديث) الذي رواه البخاري وغيره، ثم إن عروة جعل يرمق
أصحاب محمد بعينيه، فوالله ما تنخم رسول الله وَّ نخامة إلا وقعت في
كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم بأمر ابتدروا أمره،
وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده
وما يحدون إليه النظر تعظيمًا له، فرجع عروة إلى أصحابه فقال: إنه قد (٤)
(١) أقحم بعدها في (ر): ثم.
(٢) ساقط من (ر).
(٣) انظر: ((نهاية المطلب)) ٥٢٨/١٧، ((الوسيط)) ٢٩/٧، ((الروضة)) ٢٥٧/١٠.
(٤) ساقط من (ر).

٦٦
عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها. ثم جاء سهيل فقال النبي وَالر: ((لقد
سهل لكم من أمركم))، فجاء سهيل بن عمرو فقال: هات(١) أكتب
بيننا وبينكم كتابًا. فدعا النبي ◌َّم الكاتب (فقال: اكتب) ((بسم الله
الرحمن الرحيم))، ثم قال: (هذا ما قاضى عليه رسول الله) فقال
سهيل: والله، لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت،
ولكن أكتب: محمد بن عبد الله. فقال: ((اكتب محمد بن عبد الله))،
فقال النبي ◌َّلجر: ((على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به))، فقال
سهيل: لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة، ولكن ذاك من العام المقبل.
(فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا
رددته إلينا) وفي رواية: علينا. قوله: (رجل) يدل على أن المقاضاة
إنما أنعقدت على الرجال دون النساء، وليس فيها نسخ حكم النساء
على هذِه الرواية، وأن النساء يردهن النبي وَل كما رد الرجال، إلا
من أجل أن الشرط إنما وقع على الرجال خاصة، ثم نزلت الآية في
أمر النساء حين هاجرن إلى النبي وَل متممة لما تقدم من حكم برد
ذلك (٢)
.
(فلما فرغ من قضية الكتاب) بفتح القاف وكسر الضاد المعجمة ثم
مثناة تحت، أي: من كتابته وما وقع في أثنائه (قال النبي وقليل
لأصحابه: قوموا فانحروا) يدل على قيام من ينحر هديًا أو غيره، وأن
نحر الإبل أفضل من ذبحها (ثم أحلقوا) شعر رؤوسكم أو قصروا
(١) ساقط من (ر).
(٢) أنظر: ((شرح صحيح البخاري)) لابن بطال ١٣٠/٨، و((فتح الباري)) ٤١٩/٩.

٦٧
= كتاب الجهاد
منها، زاد البخاري: فوالله ما قام رجل منهم حتى قال ذلك ثلاث مرات،
فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس،
فقالت أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك؟ أخرج إليهم(١) ثم لا تكلم أحدًا
منهم كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك. فخرج فلم يكلم أحدًا
منهم حتى(٢) فعل ذلك نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا
فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضًا.
(ثم جاء نسوة مؤمنات مهاجرات) من أهل مكة، فأول أمرأة هاجرت
بعد هجرة رسول الله وَّير في هدنة بالحديبية أم كلثوم بنت عقبة بن أبي
معيط (الآية) إلى آخرها (فنهاهم الله) تعالى بقوله: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ
فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ﴾(٣) (أن يردوهن) إلى الكفار (فأمرهم) بقوله: ﴿وَءَاتُهُم مَّآ
أَنْفَقُواْ﴾ (٤) (أن يردوا) أي: يعطوا الكافر (الصداق) وهو ما أنفق على
زوجته إذا أسلمت، فلا يجمع على زوجها خسران الزوجية والمالية،
وكان النبي ﴿ إذا امتحنهن أعطى أزواجهن مهورهن، قال قتادة:
الحكم في رد الصداق إنما كان في نساء أهل العهد، فأما من لا عهد
بينه وبين المسلمين فلا يرد عليه الصداق، والأمر كما قال قتادة (٥).
(ثم رجع إلى المدينة فجاءه أبو بصير) بفتح الباء الموحدة، عبيد،
(١) زيادة من (ل).
(٢) ساقطة من (ر).
(٣) الممتحنة: ١٠.
(٤) الممتحنة: ١٠.
(٥) انظر: ((الجامع لأحكام القرآن)) ٦٥/١٨.

٦٨
بضم العين، وقيل: عتبة بن أَسِيد بفتح الهمزة وكسر السين المهملة
القرشي (رجل) بالرفع بدل مما قبله (من قريش) زاد البخاري: وهو
مسلم (يعني) نقله من كلام أبي داود مبين أنه لم يسمعه من راوي
الحديث (فأرسلوا في طلبه) رجلين فقالوا: العهد الذي جعلت لنا
(فدفعه إلى الرجلين) أي: رجلًا من بني عامر بن لؤي، ومعه مولى
لهم (فخرجا به حتى إذا بلغا ذا الحليفة) جلس أبو بصير إلى جدار
وجلس معه صاحباه (نزلوا يأكلون من تمر لهم) كان معهم.
(فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى) بضم الهمزة وفتحها
(سيفك هذا يا فلان) أي: يا أخي بني عامر (جيدًا؟) قال: نعم، قال:
أأنظر إليه؟ قال: إن شئت. (فاستله الآخر) لعله المولى (فقال: أجل)
بإسكان اللام، أي: نعم، والقائل صاحب السيف (قد جربت به) ثم
جربت به كثيرًا(١) (فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه، فأمكنه منه) أي:
من أخذه، فأخذه فعلاه (فضربه) به (حتى بَرَد) بفتح الراء، أي: مات
وهو كناية؛ لأن البرودة لازمة للموت.
وقَتْل أبي بصير لأحد الرسولين بعد أن أسلمه إليهما النبي وَّر؛ لأن
النبي ◌َّ ليس عليه حراسة المشركين ممن يدفعه إليهم؛ لأن هذا لم يكن
من شرطهم ولا طالب أولياء القتيل النبي ◌َّ بالقود من أبي بصير؛ لأن
الحراسة ليست في الشرط.
(وفر الآخر) يعني: المولى سريعًا (حتى أتى المدينة) والنبي بَّ في
(١) في (ل)، (ر): كثير. والصواب ما أثبتناه.

٦٩
= كتاب الجهاد
المسجد (فدخل المسجد يعدو، فقال النبي وَالر: لقد رأى هذا ذُعرًا) بضم
الذال المعجمة وسكون العين المهملة، أي: فزعًا وخوفًا، فلما انتهى
إلى النبي وَل قال: ((ويحك ما لك؟)) (فقال: قتل) بضم القاف وكسر
التاء، أي: قتل (والله) صاحبكم (صاحبي وإني لمقتول) قال: فوالله
فما برح (فجاء أبو بصير فقال) يا نبي الله، والله (قد أوفى الله ذمتك)
يعني: أنك قد رددتني إليهم كما شرطت لهم فلا تردني الثانية (وقد
رددتني إليهم) وأوفيت بشرطك (ثم نجاني الله منهم) وقد امتنعت بعون
الله أن أفتن في ديني.
(فقال النبي ◌َّر: ويل) قال في ((التنقيح)): بضم اللام وكسرها (أمه)
بضم الهمزة وكسرها قراءتان في السبع دعاء عليه وليس بمقصود، قال ابن
مالك: أصله: ويل لأمه، فحذفت اللام فسقط التنوين للإضافة، وفي
بعضها: ويلمه. بحذف الهمزة تخفيفًا وهو مرفوع على أنه خبر مبتدأ
محذوف، أي: ويل لأمه، ووي من أسماء الأفعال بمعنى العجب،
واللام المحذوفة متعلقة به، واستعمال التعجب هاهنا عبارة عن إقامة
الحرب وسرعة النهوض لإنفاذها والمبالغة في مدحه، وليس المراد
بالدعاء وقوعه في الهلكة، لكنه جرى مجرى عادة العرب واستعمالها
نقل الألفاظ الموضوعة في بابها إلى [غير ذلك](١)، وأراد بهذا المدح
له ولأمه لولادتها مثل في شجاعته دون الدعاء عليه بالويل الذي هو
الهلكة، كما يقال: ثكلتك أمك، وتربت يداك، ونحوهما.
(مسعر) بكسر الميم بلفظ الآلة، وبضمها بصفة اسم الفاعل من
(١) في (ل): غيره، والمثبت من (ر).

٧٠
الإسعار، أي: هو مسعر (حرب) يعني: موقدها في الحرب والنجدة،
والمسعر عود تحرك به النار من خشب ونحوه، ويقال: مسعار مشتق
من سعرت النار والحرب إذا أوقدتهما، يريد وصفه بالمبالغة.
قال القاضي: وهذا اللفظ من النبي ◌َّه تعريضًا له بأن يرتصد لقطع
الطريق عليهم، فعرف ذلك وفعل ما فعل، وعدم إنكاره وَّي على أبي
بصير حين بلغه ما فعل دليل على عدم وجوب الرد عليه، على أنه
يجوز أن يقال: ما فعله النبي وَيّ أولًا حصل وفاء العهد به؛ لأن رده
على رسوله رد عليهم فليس في اللفظ ما يوجب التكرار، والله أعلم.
(لو كان له أحد) جواب (لو) محذوف يدل عليه السياق، أي: لو
فرض له أحد ينصره وعلم منه أنه سيرده إليهم؛ إذ لا ناصر له (فلما
سمع ذلك عرف) يعني(١) (أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى) الغيض
من ناحية ذي المروة على (سيف) بكسر السين المهملة (البحر) أي:
ساحله بطريق قريش التي كانوا يأخذون عليها إلى الشام، الإضافة
للبيان لا للتمييز، وجعل يطلب غرة أهل مكة ويغتال من يطلبه منهم؛
لأن طالبه ناقض للأمان لكونه بغير حق، وهو لا يجوز له الرجوع
إليهم، وقد صرح الأصحاب بأن الرجوع ليس بواجب عليه؛ فإن
المراد بالرد المشروط تمكنهم منه كما صرح الماوردي(٢) والقاضي
حسين، وكذلك يفعل إذا شرطنا لهم رد من جاءنا منهم؛ لأنا(٣) نرسله
(١) ساقطة من (ل).
(٢) ((الحاوي)) ١٤/ ٢٧١.
(٣) في (ل): لا أنا.

٧١
- كتاب الجهاد
إليهم، ولا يبعد تسمية التخلية [بينه وبينهم ردًّا كما في رد الوديعة إلى
صاحبها فإن المراد التخلية](١) بين الوديعة وبين مالكها.
(وينفلت) بإسكان النون وفتح الفاء، أي: يتخلص (أبو جندل) أسمه
العاص، وغلط جماعة فيه فقالوا: عبد الله. قال ابن الصلاح: إنما عبد الله
أخوه. بفتح الجيم، ابن سهيل بن عمرو بن عبد شمس القرشي العامري،
أسلم بمكة ومات في خلافة عمر بن الخطاب (فلحق بأبي بصير) [زاد
البخاري: فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي
بصير](٢) (حتى اجتمعت منهم) أي: من المسلمين (عصابة) وزاد:
فوالله ما يسمعون بعير خرجت من قريش إلى الشام إلا اعترضوا لها
فقتلوهم وأخذوا أموالهم.
قال في ((عيون الأثر)): أنفلت أبو جندل بن سهيل في سبعين راكبًا
أسلموا وهاجروا فلحقوا بأبي بصير، وكرهوا أن يقدموا على رسول
الله ◌َ في هدنة، وكان أبو بصير يصلي لأصحابه، فلما قدم عليه أبو
جندل کان یؤمهم(٣) انتهى.
ولما لحق أبو جندل بما معه من الجماعة بأبي بصير وآذوا المشركين
رضي المشركون بحل هذا الشرط، وأن يكفيهم النبي ◌َّ و نكايته ويكف
عنهم أذاه.
[٢٧٦٦] (حدثنا محمد بن العلاء) بن كريب الهمداني الكوفي، قال:
(أخبرنا) عبد الله (ابن إدريس) الكوفي أحد الأعلام (قال: سمعت) محمد
(١) ساقطة من (ر).
(٢) ساقطة من (ل).
(٣) ((عيون الأثر)) لابن سيد الناس ١٧٩/٢.

٧٢
(ابن إسحاق) بن يسار صاحب ((المغازي)) (عن الزهري، عن عروة بن
الزبير، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم) بن أبي العاص بن
أمية ولد على عهد رسول الله وَله، قيل: سنة اثنتين من الهجرة، ولم
ير النبي ◌ّ؛ لأن النبي نفى أباه إلى الطائف، فلم يزل بها حتى ولي
عثمان، فرده إلى المدينة وقدمها هو وابنه.
(أنهم اصطلحوا) توضحه (١) رواية الإمام أحمد(٢): هذا ما أصطلح
عليه محمد بن عبد الله، وسهيل بن عمرو (على وضع الحرب) أي: على
ترك القتال بينهم (عشر سنين يأمن فيهم) رواية أحمد: يأمن فيها (الناس)
وأصله في الصحيحين في قصة الحديبية من غير ذكر المدة، قال البيهقي:
المحفوظ أن المدة كانت عشر سنين كما رواه ابن إسحاق(٣)، وروى في
((الدلائل)) (٤) عن موسى بن عقبة وعروة في آخر الحديبية، وكان الصلح
بينه وبين قريش سنتين، وقال: هو محمول على أن المدة قبل النقض
وقعت هذا العدد، وهو صحيح، وأما أصل الصلح فكان على عشر
سنين. قال: ورواه عاصم العمري عن عبد الله بن دينار، عن ابن
عمر: أنها كانت أربع سنين، وعاصم ضعفه البخاري(6) وغيره، لكن
صححه من طريق الحاكم، كما حكاه شيخنا ابن حجر (٦).
وقد استدل بهذا على أنه إذا كان بالمسلمين ضعف وخوف جازت
المهادنة عشر سنين.
(١) ساقطة من (ر).
(٣) ((دلائل النبوة)) ١٦٢/٤.
(٢) ((مسند أحمد)) ٣٢٣/٤.
(٤) أنظر السابق.
(٥) ((التاريخ الكبير)) ٤٧٨/٦ (٣٠٤٢). (٦) ((التلخيص الحبير)) ٤/ ٢٣٧.

٧٣
- كتاب الجهاد
ووجه الدليل أنها كانت ولم يقوَ الإسلام بعد، ولا يجوز الزيادة
عليها، ولكن أن النقض والحاجة باقية فيستأنف العقد، وعن صاحب
((التقريب)) وجه أنه يجوز الزيادة [بحسب الحاجة والمصلحة في ذلك
الوقت، وروى البيهقي(١) أن النبي ،َو](٢) لما هادن قريشًا عام الحديبية
دخل بنو خزاعة في عهده وبنو بكر في عهد قريش، فجعل النبي وَل
ذلك نقضًا للعهد، وسار إلى مكة وفتحها قبل تمام العشر، وهذا أحد
الوجهين الذين ذكرهما الأصحاب أن هذا كان سبب إبطال العهد
المذكور، وهو الأصح؛ فإن النبي قل أقام على الهدنة(٣) سنتين ثم
أبطله لهذا.
والوجه الثاني: الإبطال لا لسبب، بل هو فسخ للزائد على الأشهر
الأربعة، وعلى هذا فلا تجوز الزيادة على أربعة أشهر لا لحاجة ولا
ضرورة.
(وعلى أن بيننا عيبةً) بالنصب، وهو بعين مهملة مفتوحة ثم ياء مثناة
تحت(٤) ثم باء موحدة، والعيبة هاهنا مثل ضربه لكل من سمعه. قال ابن
الأعرابي في تفسيره: على أن بيننا وبينهم صدرًا نقيًّا من الغل والخداع
والدغل مطويًّا على الوفاء بالصلح(٥). ومعنى (مكفوفة) المسرجة
المشدودة، والعرب تكني عن القلوب والصدور بالعياب التي يضع
الإنسان فيها متاعه، ومنه: ((الأنصار كرشي وعيبتي)) (٦) أي: موضع
(١) ((معرفة السنن والآثار)) (١٨٦٧٥).
(٢) زيادة من (ل).
(٣) في (ل): المدينة.
(٤) زيادة من (ل).
(٥) أنظر: ((تهذيب اللغة)) ١٥٠/٣، ((لسان العرب)) ٦٣٤/١.
(٦) رواه البخاري (٣٧٩٩، ٣٨٠١)، ومسلم (٢٥١٠) من أنس بن مالك.

٧٤
سري وأمانتي، وإذا كان هذا مع الكفار المعاهدين فبالأولى والأحرى أن
تكون قلوب المسلمين بينهم على الصفاء المودة والتآلف ليشد بعضهم
بعضًا.
(وأنه لا إسْلال) بإسكان السين المهملة من السَّلة بفتح السين، وهي:
السرقة الخفية، ويقال: الخلة تورث السلة، والخَّلة بفتح الخاء المعجمة
الحاجة.
قال الجوهري: وهذا الحديث يحتمل الرشوة والسرقة جميعًا(١).
يقال: سل البعير وغيره في جوف الليل. إذا انتزعه من بين الإبل،
وقيل: الإسلال الغارة الظاهرة. وقيل: سل السيوف.
(ولا إغلال) بكسر الهمزة وسكون الغين المعجمة، أي: لا خيانة،
قال شريح: ليس على المستعير غير المغل ضمان(٢). قال أبو عبيد(٣):
يقال من الخيانة: أغل يغل، ومن الحقد: غل يغل بكسر الغين في
المضارع. وقيل: الإغلال لبس الدروع.
[٢٧٦٧] (حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي قال: حدثنا عيسى بن
يونس) بن أبي إسحاق، أحد الأعلام في الحفظ والعبادة، كان يحج
سنة ويغزو سنة (قال: أنبأنا) عبد الرحمن بن عمرو (الأوزاعي) أحد
الأعلام (عن حسان بن عطية) المحاربي، قال الذهبي: ثقة عابد نبيل،
(٤)
لكنه قدري .
(قال: مال مكحول) أبو عبد الله الشامي (و) يحيى (ابن أبي زكريا)
(١) ((الصحاح في اللغة)) ٩/٥.
(٣) ((غريب الحديث)) ١/ ٢٠٠.
(٢) أنظر: ((شرح صحيح البخاري)) ١٤٦/٧.
(٤) ((الكاشف)) ٢١٧/١.

٧٥
- كتاب الجهاد
الغساني، روى عن التابعين (إلى) أبي عبد الله (خالد بن معدان) بفتح
الميم، الكلاعي بفتح الكاف، الحمصي، لقي سبعين من أصحاب
النبي ◌َّ (وملت معهما) إليه (فحدثنا عن) أبي عبد الرحمن (جبير بن
نفير) بضم النون وفتح الفاء، ابن مالك الحضرمي تابعي مخضرم،
أدرك الجاهلية والإسلام، من ثقات الشاميين.
(قال: قال جبير بن نفير: انطلق بنا إلى ذي مِخْبر) بكسر الميم
وسكون الخاء المعجمة وفتح الباء الموحدة، ويقال: هو ذو مخمر
بميم ثانية بدل الباء ابن أخي النجاشي على الصحيح، ويقال: ابن
أخيه أحد خدام النبي ◌ّ، يعد في الشاميين (رجل من أصحاب النبي
وَ ظله) وخدامه. (فأتيناه فسأله جبير) بن نفير (عن الهدنة) هو الاسم من
المهادنة، وهي: الموادعة والمصالحة على ترك القتال، وأصله من
الهدون وهو السكون(١).
(فقال: سمعت رسول الله وَ ل يقول: ستصالحون الروم صلحًا آمنًا)
ضبطه بعضهم بمد الهمزة وكسر الميم كما سيأتي [ويجوز بقصر الهمزة
وسكون الميم مصدر (وتغزون أنتم وهم عدوًا من ورائكم) سيأتي](٢)
هذا الحديث في كتاب الملاحم، وترجم عليه المصنف: باب ما يذكر
من ملاحم الروم(٣)، ويأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى.
(١) انظر: ((تهذيب اللغة)) ٣٠٥/٢. (٢) زيادة من (ل).
(٣) حديث رقم (٤٢٩٢).

٧٦
١٦٩- باب في العَدُوّ يُؤْتَى عَلَى غِرَّةٍ ويُتَشَبَهُ بِهِمْ
٢٧٦٨ - حدثنا أَحْمَدُ بْنُ صالِحِ، حدثنا سُفْيانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِینارٍ، عَنْ جابٍِ
قال: قال رَسُولُ اللهِ وَ: «مَنْ لِكَعْبٍ بْنِ الأَشْرَفِ فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللهَ وَرَسُولَهُ)).
فَقَامَ نُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَقال: أَنَا يا رَسُولَ اللهِ أَتَّحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ؟ قالَ: ((نَعَمْ )). قال:
فَأْذَنْ لِي أَنْ أَقُولَ شيْئًا. قالَ: ((نَعَمْ قُلْ)).
فَأَتَاهُ فَقال: إِنَّ هذا الرَّجُلَ قَدْ سَأَلَنا الصَّدَقَةَ وَقَدْ عَنّانا. قال: وَأَيْضًا لَتَمَلُّنَّهُ.
قال: أَتَّبَعْناهُ فَتَحْنُ نَكْرَهُ أَنْ نَدَعَهُ حَتَّى نَنْظُرَ إِلى أيِّ شَىءٍ يَصِيرُ أَمْرُهُ، وَقَدْ أَرَدْنا أَنْ
تُسْلِفَنا وَسْقًّا أَوْ وَسْقَيْنِ. قَالَ: كَعْبٌ: أي شَىء تَزْهَنُونِي؟ قال: وَما تُرِيدُ مِنّا؟ قال:
نِساءَكُمْ. قالُوا: سُبْحانَ اللهِ! أَنْتَ أَجْمَلُ العَرَبِ، نَرْهَنُكَ نِساءَنا فيكُونُ ذَلِكَ عارًا
عَليْنا؟! قالَ: فَتَزْهَنُونِي أَوْلادَكُمْ. قالُوا: سُبْحانَ اللهِ يُسَبُّ ابن أَحَدِنا فيقالُ: رُهِنْتَ
بِوَسْقٍ أَوْ وَسْقِيْنِ. قالُوا: نَزْهَنُكَ اللأمَّةَ، يُرِيدُ السِّلاحَ. قالَ: نَعَمْ.
فَلَمَّا أَتَاهُ ناداهُ فَخَرَجَ إِلَيْهِ وَهُوَ مُتَطيِّبٌ يَنْضَخُ رَأْسُهُ، فَلَمّا أَنْ جَلَسَ إِلَيْهِ وَقَدْ
كانَ جاءَ مَعَهُ بِنَفَرِ ثَلاثَةٍ أَوْ أَزْبَعَةٍ فَذَكَرُوا لَهُ، قَالَ: عِنْدِي فُلانَةُ وَهِيَ أَغْطَرُ نِساءِ
النّاسِ. قالَ: تَأْذَنُ لي فَأَشُمَّ؟ قالَ: نَعَمْ. فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي رَأْسِهِ فَشَمَّهُ، قَالَ: أَعُوذُ، قالَ:
نَعَمْ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي رَأْسِهِ فَلَمّا أَسْتَمْكَنَ مِنْهُ قالَ: دُونَكُمْ. فَضَرَبُوهُ حَتَّى قَتَلُوهُ(١).
٢٧٦٩ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ حُزابَةَ، حدثنا إِسْحَاقُ - يَغْني: ابن مَنْصُورٍ - حدثنا
أَسْبَاطُ الهَمْدَانُّ، عَنِ الشّدّيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبي هُريِرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بَِّ قالَ:
((الإِيمانُ قيَّدَ الفَتْكَ لا يَفْتِكُ مُؤْمِنٌ))(٢).
(١) رواه البخاري (٢٥١٠)، ومسلم (١٨٠١).
(٢) رواه ابن أبي شيبة (٣٨٥٩٠)، والحاكم ٣٥٢/٤.
وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود)) (٢٤٧٤).

٧٧
= كتاب الجهاد
باب العدو يؤتى على غرة ويُتَشبه بهم حتى ينال فرصة
[٢٧٦٨] (حدثنا أحمد بن صالح) المصري، قال(١): (حدثنا سفيان،
عن عمرو بن دينار) المكي الأثرم، بسكون الثاء المثلثة.
(عن جابر قال: قال رسول الله وَله: من لكعب بن الأشرف؟) وهو
رجل من بني نبهان من طيء، وأمه من بني النضير، وكان شاعرًا، وكان
عاهده النبي ◌َلّ أن لا يعين عليه أحدًا، ثم جاءه مع أهل الحديبية معينًا
عليه ونقض عهد النبي ◌َّلير وهجاه، وكان يسمى طاغوت اليهود.
(فإنه قد آذى الله ورسوله) والمؤمنين وتعرض لهم بالهجو، والتعيب،
والتنقص، والطعن في دينهم، وأغرى قريشًا حتى اجتمعوا لأحد، فحينئذٍ
قال ذلك (٢) إغراءً بقتله، ونبه على علة ذلك، وأنه مستحق للقتل.
ولا يظن أحد أنه قتل غدرًا، فمن قال ذلك قتل(٣)، كما فعله علي بن
أبي طالب، وذلك أن رجلًا قال ذلك في مجلسه، فأمر علي بضرب
عنقه، وقاله آخر في مجلس معاوية وأنكر ذلك عليه محمد بن مسلمة،
وأنكر على معاوية سكوته وحلف أن لا يظله وإياه سقف أبدًا، ولا
يخلو بقائلها إلا قتله.
قال القرطبي(٤): ويظهر لي أنه يقتل ولا يستتاب؛ لأن ذلك زندقة إن
(١) ساقطة من (ل).
(٢) ساقطة من (ر).
(٣) قال ابن بطال في ((شرح البخاري)) ١٩١/٥: ومن قال: إنه قتل غدرًا فهو كافر ويقتل
بغير أستتابة؛ لأنه تنقص النبي ◌ّ ورماه بكبيرة وهو الغدر.
(٤) الكلام السابق، واللاحق للقرطبي، كما في ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب
مسلم)) ٣/ ٦٦٠.

٧٨
نسب الغدر للنبي وَلهم، وأما لو نسبه للمباشرين لقتله، بحيث يقول: إنهم
أمنوه ثم غدروه لكانت هذه النسبة كذبًا محضًا؛ لأنه ليس في كلامهم
أنهم أمنوه.
(فقام محمد بن مسلمة) بن خالد الأوسي البدري (فقال: أنا يا رسول
الله، أتحب أن أقتله؟) محبة النبي ◌َّر معه للفعل كالأمر به، بل هو أبلغ
وأصرح (قال: نعم، قال: فأذن لي أن أقول شيئًا) يعني أن أقول عني
وعنك ما رأيته مصلحة من التعريض وغيره (قال: نعم) قال
النووي(١): وفيه دليل على جواز التعريض وهو أن يأتي بكلام باطنه
صحيح ويفهم منه المخاطب غير ذلك، وهذا جائز في الحرب
والإصلاح بين الناس وغير ذلك ما لم يضيع به حقًّا شرعيًّا.
(فأتاه فقال: إن هذا الرجل) ولم يقل النبي ◌ُّلو لما يترتب عليه من
المصلحة (قد سألنا الصدقة) يعني: الصدقة الواجبة (وقد عنَّانا) بتشديد
النون الأولى، أي: ألزمنا العناء وكلفنا ما يشق علينا ونتكلف له،
وهذا من التعريض الجائز، بل المستحب؛ لأن معناه في الباطن أنه
أدبنا بآداب الشرع التي فيها تعب، لكنه تعب في مرضاة الله تعالى،
فهو محبوب لنا، والذي فهمه المخاطب فهم العناء ليس بمحبوب،
وأنه ليس محققًا ولا مخلصًا في أتباع النبي، وليس فيه أمان له (قال)
كعب: (وأيضًا لَتَمَلُّنَّه) بفتح التاء والميم [وضم اللام](٢) أي: لتضجرن
منه أكثر من هذا الضجر، أي: بعد ذلك، قال ذلك لما فهم من
(١) ((شرح النووي على مسلم)) ١٢/ ١٦١.
(٢) ساقطة من (ر).

٧٩
- كتاب الجهاد
عنانا، أي: الضجر والملل.
قال القرطبي: وإذا تأملت كلام محمد بن مسلمة [علمت أنه](١) من
أقدر الناس على البلاغة واستعمال المعاريض، وعلى إعمال الحيلة،
وأنه من أكمل الناس عقلًا ورأيًا(٢).
(قال) محمد بن مسلمة: (فاتبعناه، فنحن نكره أن نَدَعه) أي: نترك
أتباعه (حتى ننظر إلى أي شيء يصير أمره، وقد أردنا أن تُسْلِفنا) قرضًا
(وَسْقًا أو وسقين) بفتح الواو، والوسق ستون صاعًا، ظاهره الذي
يفهمه كعب هل يستمر ما هو فيه أم ينقطع؟ وباطنه في الحقيقة: حتى
يظهر الله دينه على كل الأديان كلها، ويدخل الناس في دين الله أفواجًا.
(قال) كعب: (أي شيء ترهنوني) توضحه رواية الصحيحين(٣): وقد
أردت أن تسلفني سلفًا (قال:) فما ترهنون عندي. قال الجوهري: رهنت
الشيء عند فلان، ورهنته الشيء، وأرهنته الشيء بمعنى(٤). قالوا(٥):
(وما تريد منا) أن نرهن عندك؟ (قال: نساءكم) بالنصب، أي: ترهنون
نساءكم عندي، لعل المراد بالرهن هنا أن تكون نساؤهم حتى يدفعوا
إليه نظير ما أسلفهم (قالوا: سبحان الله) كلمة تقال عند التعجب، وفيه
أنها تقال بحضرة الحربي كما تقال بحضرة المسلم (أنت أجمل العرب
(١) ساقطة من (ل).
(٢) ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)) ٣/ ٦٦٠.
(٣) البخاري (٤٠٣٧)، ومسلم (١٨٠١) وهي في مسلم فقط.
(٤) ((الصحاح في اللغة)) ٤٠٦/٥.
(٥) ساقطة من (ل).

٨٠
نَرْهَنُك) رواية مسلم: أنرهنك(١) (نساءنا) بزيادة همزة الاستفهام (فيكونُ
ذلك عارًا علينا) بين العرب؛ [لأن النساء](٢) إذا رأين جمالك ربما افتتن
بك، فيقع علينا العار بسببهن.
(قال: ترهنوني أولادكم) تشمل البنين والبنات (قالوا: سبحان الله)
يراد بها التعجب، وكذا لا إله إلا الله، والله أكبر، كما تقدم.
(يُسبُّ ابن أحدنا) عند المخاصمة (فيقال) له: (رُهِنت) عند كعب بن
الأشرف (بوَسق) بفتح الواو، وهو ستون صاعًا(٣).
قال ابن دريد: وسقت البعير، حملت عليه وسقًا (٤). قوله: (يُسَب)
بضم الياء وفتح السين المهملة، هكذا الرواية المعروفة، وفي مسلم
وغيره، وحكى القاضي: يَشِبُ بفتح الياء وكسر الشين المعجمة من
الشباب، والصواب الأول قاله النووي(٥)، والأول قيده الطبراني.
(أو وَسقين) ورواية مسلم: رهين بوسقين. فقط دون شك، فيكون
ذلك عارًا عليهم (قالوا: نرهنك اللأمة) بالهمزة الساكنة قبل الميم وهي
الدرع التي (٦) للحرب، جمعها لام بحذف الهمزة وتجمع على لؤم
مثال نُغَر على غير قياس(٧). وفسر في مسلم اللأمة بالسلاح، كما
(١) ((صحيح مسلم)) (١٨٠١).
(٢) ساقطة من (ر).
(٣) ((إكمال المعلم شرح صحيح مسلم)) ٦/ ١٧٧.
(٤) ((جمهرة اللغة)) ٨٥٣/٢.
(٥) ((شرح النووي على مسلم)) ١٢/ ١٦٢.
(٦) ساقطة من (ر).
(٧) أنظر: ((الصحاح في اللغة)) ٣٠٤/٥.