النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
= كتاب الجهاد
قريش (فقلت: يا رسول الله، إني والله لا أرجع إليهم أبدًا) عنى بالأبد: أبد
حياته، كما قال تعالى: ﴿وما أظن أن تبيد هذِه أبدًا﴾(١).
ويحتمل أن يكون المراد: لا أحب أن أرجع إليهم؛ فإن الإنسان إذا
كره خصلة كره أهلها العاملين بها، وكره مخالطتهم، وعلامة صحة التوبة
من المعصية أن يهجر من كان يعاشره في تلك المعصية.
(فقال رسول الله وَالر: إني لا أخِيس) بفتح الهمزة وكسر الخاء
المعجمة وإسكان المثناة تحت ثم سين مهملة (بالعهد) أي: لا أنقضه
ولا أنكثه، أصله من قولك: خاس الشيء في الإناء إذا فسد. قال في
((النهاية)): خاس بعهده يخيس، وخاس بوعده أخلفه، خاس بعهده إذا
نقضه. وأصله من خاس الشيء في الوعاء إذا فسد، ويقال: خاس
بوعده إذا أخلفه (٢). قال الجوهري: خاس به يخيس ويخوس، أي:
غدر به، وخاس الطعام إذا فسد(٣).
وفيه دليل على وجوب الوفاء بالشرط الصحيح مع المسلمين
والكفار، وقوله التَّقالا: ((المؤمنون عند شروطهم)) كما أخرجه أبو
داود(٤) والترمذي(٥)، زاد الترمذي: إلا «شرطًا حرم حلالا أو أحل
حرامًا )).
والمعتاد في الشرط أن يقول: صالحناكم على أن(٦) من جاءكم من
(١) الكهف: ٣٥.
(٢) ((النهاية في غريب الأثر)) ١٩٠/٢.
(٣) ((الصحاح في اللغة)) ٦٤/٣. (٤) سيأتي في كتاب الأقضية (٣٥٩٤).
(٥) ((سنن الترمذي)) (١٣٥٢)، وقال: حديث حسن صحيح.
(٦) ساقطة من (ر).

٤٢
المسلمين رددتموه، ومن جاءنا منكم مسلمًا رددناه. ونقل الروياني عن
النص أنه يفسد العقد بهذا الشرط(١).
(ولا أحبِس) بكسر الباء الموحدة (البُرُد) بضم الباء الموحدة والراء،
جمع(٢) بريد، ويجوز إسكانها، تقول: لا أحبس الرسل الواردين علي من
الملوك وأطراف البلاد. واحدها بريد وهو الرسول، قال الرافعي: لا يقتل
رسولهم، وقد جرت السنة أن لا تقتل الرسل أي: ولا تحبس عن الرجوع،
ولا تمنع من دخول [دار الإسلام](٣) لا دار الرسالة.
قال المنذري: يشبه أن يكون المعنى: إن الرسالة تقتضي جوابًا،
والجواب لا يصل إلى المرسل إلا على لسان الرسول فصار كأنه عقد
له العقد مدة مجيئه ورجوعه(٤).
(ولكن أرجع) إليهم، فإن قيل: كيف أمره بالرجوع إليهم مع أنه أقسم
أن لا يرجع إليهم؟
والجواب: يحتمل أنه لم يأمره بالكفارة؛ لأنها لا تجب عليه إلا
بالرجوع وهو لم يرجع الآن، ويجوز تأخير البيان إلى وقت الحاجة(٥)،
وقد يستدل به من يقول: إن الكافر إذا أسلم وقد لزمته كفارة يمين أنها
(١) انظر: ((روضة الطالبين)) للنووي ٣٤٦/١٠.
(٢) ساقطة من (ر).
(٣) في (ر): المسلمين، والمثبت من (ل).
(٤) هُذا كلام الخطابي، وليس كلام المنذري، انظر: ((معالم السنن)) بهامش ((مختصر
المنذري)) ٤ / ٦٣.
(٥) أنظر: ((البرهان)) للجويني ٤٢/١، ((التلخيص)) له أيضًا، ٢٠٩/٢، واستدل الإمام
ابن العربي في ((المحصول)) ١/ ٥٠ بأدلة أقواها: أن الله وت فرض الصلاة على النبي
وَل ليلة الإسراء ثم لم يبينها إلا في صلاة الظهر عند الحاجة إليها ..

٤٣
: كتاب الجهاد
-
تسقط بالإسلام؛ لأن الإسلام يجب ما قبله، والصحيح لا تسقط(١).
(فإن كان في نفسك) يحتمل أن تكون كان هنا تامة، وهي التي يكتفى
بمرفوعها، وهي تفيد التقدير للشيء، وتقدر بثبت، أي(٢): فإن ثبت في
نفسك بعد الرجوع (الذي) ثبت (في نفسك الآن) من الإسلام (فارجع)
إلينا، فإنه خير. (قال: فذهبت) إليهم فبلغتهم الجواب (ثم أتيت النبي
﴿* فأسلمت) يحتمل أن المراد: أظهرت الإسلام وتلفظت به؛ فإن
مجرد التصديق بالقلب لا يكفي، بل لابد من الإقرار باللسان؛ لأن
القول مأمور به كالعقد؛ لقوله تعالى: ﴿قُولُواْ ءَامَنَا بِاللَّهِ﴾(٣)، وقوله
وَالر: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله))(٤). فلا بد
من العقد والقول، وعلى هذا فالتلفظ شرط، لا ركن.
(قال بكير) بن الأشج: (فأخبرني) الحسن (أن أبا رافع كان قبطيًّا)
القبط، بكسر القاف، نصارى مصر.
(قال أبو داود: هذا) يعني: رد من جاء من الكفار إلى دار الإسلام
وأسلم أو أراد الإسلام إليهم (كان في ذلك الزمان) أي: زمن مهادنة النبي
وَلقر قريشًا عام الحديبية (فأما اليوم) فقد أظهر الله دين الإسلام على الدين
كله وأعزه (فلا يصلح) رد المسلم بعد أن شرطت إن أزد في المدة التي
ماددتهم عليها أن أرد من جاءني منهم مسلمًا.
(١) أنظر: ((الوسيط)) للغزالي ٤٦/٧، ((روضة الطالبين)) ٢٩٣/١٠.
(٣) البقرة: ١٣٦.
(٢) ساقطة من (ر).
(٤) البخاري (٢٥)، ومسلم (٢٠).

٤٤
١٦٤- باب في الإِمامِ يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ العَدُوِّ عَهْدٌ فِيسِيرُ إِليْهِ
٢٧٥٩- حدثنا حَقْصُ بْنُ عُمَرَ النَّمَرِيُّ، قالَ: حدثنا شُغْبَةُ، عَنْ أَبي الفيضِ،
عَنْ سُلْمٍ بْنِ عامِرٍ - رَجُلٍ مِنْ حِمْيَرَ- قال: كانَ بيْنَ مُعاوِيَةَ وَبَيْنَ الرُّومِ عَهْدٌ وَكانَ
يَسِيرُ نَحْوَ بِلادِهِمْ حَتَّى إِذا أَنْقَضَى العَهْدُ غَزَاهُمْ فَجَاءَ رَجُلٌ عَلَى فَرَسٍ أَوْ بِزْذَوْنٍ
وَهُوَ يَقُولُ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ وَفَاءٌ لا غَدْرٌ. فَنَظَرُوا فَإِذَا عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ، فَأَزْسَلَ إِليْهِ
مُعَاوِيَةُ فَسَأَلَهُ، فَقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ يَقُولُ: ((مَنْ كانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمِ عَهْدٌ
فَلا يَشُدُّ عُقْدَةً وَلا يَحُلُّها حَتَّى يَنْقَضِيَ أَمَدُها أَوْ يَنْبِذَ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ)) ..
فَرَجَعَ مُعاوِيَةُ(١).
باب في الإمام يكون بينه وبين العدو عهد فيسير إليه
أي: نحو عدوه ليقرب منهم فيغير بعد المدة عليهم.
[٢٧٥٩] (حدثنا حفص بن عمر) بن الحارث بن سخبرة (النمري)
بفتح النون والميم الحوضي. (قال: حدثنا شعبة) بن الحجاج العتكي
(عن أبي الفيض) أسمه موسى بن أيوب (عن سليم) بضم السين وفتح
اللام (بن عامر) الخبائري بفتح الخاء المعجمة وتخفيف الباء الموحدة
وكسر الياء تحتها نقطتان وبالراء، الكلاعي بفتح الكاف من تابعي
الشام، كثير الحديث (رجل) بالجر على البدل مما قبله (من حمير)
بكسر الحاء المهملة وإسكان الميم. (قال: كان) معاوية يسير في أرض
الروم، وكان (بين معاوية وبين) أهل (الروم عهد) مؤقت إلى مدة
(١) رواه الترمذي (١٥٨٠)، وأحمد ١١١/٤.
وصححه الألباني في ((الصحيحة)) (٢٣٥٧).

٤٥
- كتاب الجهاد
بأمانهم وترك القتال معهم إلى أن تنقضي المدة (وكان يسير نحو بلادهم)
رواية الترمذي: وكان يسير في بلادهم(١). ورواية(٢) أحمد بن حنبل:
فأراد أن يدنو منهم(٣) (حتى إذا انقضى العهد) يعني: أنقضت مدة
عهدهم (غزاهم) رواية الترمذي: أغار عليهم. وهو الذي بوب عليه
المصنف رحمه الله. (فجاء رجل) رواية أحمد: فإذا شيخ (على فرس
أو بِرْذَونٍ) بكسر الباء وفتح الذال المعجمة: الدابة الثقيلة المشي (وهو
يقول: الله أكبر الله أكبر) فيه التكبير عند ظهور عز الإسلام.
(وفاءً) بالنصب والتنوين منصوب بفعل محذوف؛ لأن المصدر
المؤكد يتصدره بقوة عامله، وتقدير معناه عند السامع تقديره أوف لهم
وفاء (لا غدر) فيه بالنصب [كقوله شكرًا لا كفرًا، والغدر نقض
العهد(٤) (فنظروا فإذا) هو (عمرو](٥) بن عَبَسة) بن عامر كما تقدم
(فأرسل إليه معاوية) رواية الترمذي: فسأله معاوية. فيحتمل أنه لما
سئل بإذنه كان كمن سأله فأطلق عليه مجازًا (فسأله فقال:) عمرو
(سمعت رسول الله ◌َّ ليه يقول: من كان بينه وبين قوم عهد) أي: إلى
مدة أو مطلقًا (فلا يشُدَّ عقدةً) بالنصب والتنوين، ورواية الترمذي: ((فلا
يخلف عهدًا)). أي: العهد الذي بينهم، ويجوز وفاء لا غدر -بالرفع-
وكذا في بعض النسخ (ولا يحُلَّها) رواية الترمذي: ((ولا يشدنه)) (حتى
ينقضي) رواية الترمذي: حتى يمضي (أمدُها) قال العلماء: إذا هادنهم
(١) ((سنن الترمذي)) (١٥٨٠).
(٣) ((مسند أحمد)) ١١١/٤.
(٥) ساقطة من (ر).
(٢) في (ل): ورواه.
(٤) ورد بعدها في الأصول: نسخة: بلا غدر.

٤٦
الإمام بعقد صحيح فيجب الكف عنهم إلى أنقضاء المدة، أو إلى خيانة
تصدر منهم تناقض العهد فيغتالهم إن علموا أنها خيانة، فإن لم يعلموا
ففي اغتيالهم من غير إنذار وجهان لأصحابنا(١).
قال الخطابي (٢): إنما كره عمرو مسير معاوية إلى ما يتاخم بلاد العدو
والإقامة بقرب دارهم من أجل أنه إذا هادنهم إلى مدة وهو مقيم في وطنه
فقد صارت مدة مسيره (٣) بعد أنقضاء المدة كالمشروط مع المدة المضروبة
في أن لا يغزوهم فيها فيأمنوه على أنفسهم، فإذا كان مسيره (٤) إليهم في
أيام الهدنة حتى ينيخ بقرب دارهم، كان إيقاعه بهم قبل الوقت الذي
يتوقعونه فكان ذلك داخلًا عند عمرو في معنى الغدر المنهي عنه.
وفيه فضيلة الوفاء بالعهد وذم النقض بالعهد ولو مع الكفار، لاسيما
إذا كان العهد بالله.
(أو يَنبِذَ) بفتح أوله (إليهم) عهدهم، أي: يعلمهم بأنه قد نقض
عهدهم حتى يبقى علمه وعلم العدو بأنه محارب لهم وهم حرب له،
وأنه لم يبق عهد بينه وبينهم على السواء، أي: يستوي هو وهم في
العلم. وعن الوليد بن مسلم: على سواء، أي: على مهل(٥).
قال أبو داود: في الآية إضمار تقديره: فانبذ إليهم على سواء حتى
تكون أنت وهم (على سواء) في العلم بأنك نبذت إليهم عهدهم.
(فرجع معاوية) من مسيره.
(١) أنظر: ((الوسيط)) للغزالي ٩١/٧، ((الحاوي)) للماوردي ٢٧٠/١٤ .
(٢) ((معالم السنن)) ٤/ ٦٤.
(٣) في (ر): سيره، والمثبت من (ل).
(٥) رواه الطبري في ((التفسير)) ٢٦/١٤.
(٤) في (ل): سيره.

٤٧
- كتاب الجهاد
١٦٥- باب في الوَفاءِ لِلْمُعاهِدِ وَحُزْمَةٍ ذِمَّتِهِ
٢٧٦٠- حدثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شيْبَةَ، حدثنا وَكِيعُ، عَنْ عُييْنَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ،
عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قال: قال رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَنْ قَتَلَ مُعاهِدًا في غيْرِ كُنْهِهِ
حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ))(١).
باب الوفاء للمعاهد وحرمة ذمته
قوله: للمعاهد. بكسر الهاء.
[٢٧٦٠] (حدثنا عثمان) بن محمد بن إبراهيم (بن أبي شيبة) العنسي
الكوفي، قال (حدثنا وكيع، عن عيينة بن عبد الرحمن) بن جوشن بفتح
الجيم وإسكان الواو وفتح الشين المعجمة (عن أبيه) عبد الرحمن بن
جوشن الغطفاني (عن أبي بكرة) نفيع (قال: قال رسول الله وَّ: من
قتل معاهدًا) بفتح الهاء اسم مفعول، وهو الذي عوهد بعهد، أي:
صولح، ويجوز كسر الهاء على الفاعل؛ لأن من عاهدته فقد عاهدك،
لكن الفتح أکثر.
وفي رواية للنسائي: ((من قتل رجلًا من أهل الذمة لم يجد ربح
الجنة))(٢) ورواية الترمذي(٣): ((من قتل نفسًا معاهدة له ذمة الله وذمة
رسوله)) (في غير كُنِهِهِ) بضم الكاف. قال ابن الأثير: كنه الأمر وقته
(١) رواه النسائي ٢٤/٨، وأحمد ٣٦/٥.
وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود)) (٢٤٦٥).
(٢) ((سنن النسائي)) ٢٥/٨.
(٣) ((سنن الترمذي)) (١٤٠٣).

٤٨
وحقيقته(١). والمراد به هاهنا: الوقت المعاهد الذي بينك وبينه فيه عهد
وأمان، فإذا قتلته قبل وقته كان قتلك ظلمًا بغير ذنب، ولهذا بوب عليه
البخاري: من ظلم معاهدًا أو أنتقصه أو كلفه فوق طاقته (٢) (حرَّم الله عليه
الجنة) فإن قيل: كيف تحرم عليه الجنة(٣) والمؤمنون مقطوع لهم بدخول
الجنة؟
فالجواب: أن المراد أنه لا يدخلها مع أول من يدخلها من المسلمين
الذين لم يقترفوا الكبائر.
(١) ((النهاية في غريب الأثر)) ٤/ ٣٧٧.
(٢) هكذا ذكر الشارح هذا التبويب، والذي وقفت عليه عند البخاري: باب إثم من قتل
معاهدا بغير جرم.
(٣) زيادة من (ل).

٤٩
- كتاب الجهاد
١٦٦- باب في الرُّسُلِ
٢٧٦١ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو الرّازيُّ، حدثنا سَلَمَةُ - يَغْني ابن الفَضْلِ - عَنْ
مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحاقَ قال: كانَ مُسْلِمَةُ كَتَبَ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَلَهِ. قال: وَقَدْ حَدَّثَني
مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ شيْخِ مِنْ أَشْجَعَ يُقالُ لَهُ: سَعْدُ بْنُ طارِقٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُعيم
ابْنِ مَسْعُودِ الأَشْجَعيِّ، عَنْ أَبِيهِ نُعيم قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ لَ يَقُولُ لَهُما حِينَ
قَرَآ كِتابَ مُسيْلِمَةَ: (( ما تَقُولانِ أَنَّتُما)). قالا: نَقُولُ كَما قالَ. قالَ: ((أَما والله
لَوْلا أَنَّ الرُّسُلَ لا تُقْتَلُ لَضَرَبْتُ أَعْناقَكُما)) (١).
٢٧٦٢ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنا سُفْيانُ، عَنْ أَبي إِسْحاقَ، عَنْ حارِثَةَ بْنِ
مُضَرِّبٍ أَنَّهُ أَتَى عَبْدَ اللهِ فَقالَ: ما بيْنِي وَبَيْنَ أَحَدٍ مِنَ العَرَبِ حِنَةٌ وَإِنِّي مَرَرْتُ
بِمَسْجِدٍ لِبَنِي حَنِيفَةَ فَإِذا هُمْ يُؤْمِنُونَ بِمُسيْلِمَةَ. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ عَبْدُ اللهِ فَجِيءَ بِهِمْ
فاسْتَتَابَهُمْ غيْرَ ابن النَّوَاحَةِ قَالَ لَهُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ لَّهَ يَقُولُ: ((لَوْلا أَنَّكَ
رَسُولٌ لَضَرَبْتُ عُنُقَكَ)) فَأَنْتَ اليَوْمَ لَسْتَ بِرَسُولٍ فَأَمَرَ قَرَظَةَ بنَ كَغْبٍ فَضَرَبَ
عُنُقَهُ فِي السُّوقِ، ثُمَّ قال: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلى ابن النَّوَاحَةِ قَتِيلاً بِالسُّوقِ(٢).
باب في الرُّسل
بضم السين ويجوز إسكانها.
[٢٧٦١] (حدثنا محمد بن عمرو) بن بكر بن سالم (الرازي) المعروف
بزنيج، مات سنة أربعين ومائتين (قال: حدثنا سلمة) بفتح اللام (يعني:
(١) رواه أحمد ٤٨٧/٣، والحاكم ١٤٢/٢ -١٤٣.
وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود)) (٢٤٦٦).
(٢) رواه أحمد ٣٨٤/١، والنسائي في ((الكبرى)) (٨٦٧٥).
وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود)) (٢٤٦٧).

٥٠
ابن الفضل) الأبرش الأزرق قاضي الري، قال أبو حاتم: محله الصدق(١)
(عن محمد بن إسحاق) صاحب المغازي.
(عن شيخ من أشجع يقال له: سعد بن طارق) بن أشيم، أبو مالك
الأشجعي الكوفي (عن سلمة بن نعيم بن مسعود الأشجعي) له ولأبيه
صحبة. (عن أبيه نعيم) بن مسعود بن عامر الأشجعي، أسلم بالخندق.
(قال: سمعت رسول الله وَ ليه يقول لهما) رواية أحمد (٢) والحاكم(٣):
أن رجلين أتيا رسول الله وَ له رسولين لمسيلمة (حين قرأ كتاب مسيلمة) بن
حبيب الكذاب، وكان المسلمون يذكرونه بتصغير الأسم على الاحتقار
له، وقوم يأبون ذلك، وكان صاحب نارنجيات(٤)، وبذلك أغتر قوم،
فقتله وحشي بن حرب قاتل حمزة بن عبد المطلب في خلافة أبي بكر
الصديق(٥)، وفي رواية لأحمد: قال: جاء ابن النواحة، وابن أثال
رسولا مسيلمة إلى النبي وَاليوم(٦).
(ما تقولان أنتما) في مسيلمة؟ (قالا: نقول كما قال) رواية أحمد
والحاكم: فقال لهما: ((أتشهدان أني رسول الله (وَل﴿)) فقالا: نشهد أن
مسيلمة رسول الله (قال: أمَا) بفتح الهمزة أصله أما ثم حذفت الهمزة
تخفيفًا، ومعناها تحقيق الكلام الذي يتلوه تقول: أما إن زيدًا عاقل.
(١) ((الجرح والتعديل)) ١٦٨/٤.
(٢) ((مسند أحمد)) ٣٩٠/١.
(٣) ((المستدرك)) ٥٢/٣.
هو تشبيه وتلبيس يشبه السحر، وليس هو. أنظر: ((تاج العروس)) ٢٣٦/٦.
(٤)
(٥) روى ذلك البخاري في ((صحيحه)) (٤٠٧٢).
(٦) ((المسند)) ٣٩٦/١.

٥١
- كتاب الجهاد
=
يعني: أنه عاقل على الحقيقة لا على المجاز.
(والله لولا إن) بكسر الهمزة (الرسل لا تقتل) رواية أحمد والحاكم:
لو كنت قاتلًا رسولًا (لضربت أعناقكما) فجرت السنة أن لا تقتل الرسل،
والرسولان ابن النواحة، وابن أثال رسولا مسيلمة، كما صرح به أحمد
في روايته، وفي هذا الحديث حجة على من شرط لصحة الأمان أن يكون
مع مدعي الرسالة كتاب، والصحيح أن هذا شرط لصحة صدق الرسول
لا لأمنه (١)، وقد استدل بالحديث من يقول: إن الصيغة في الأمان لا
تشاطر.
[٢٧٦٢] (حدثنا محمد بن كثير) أبو عبد الله العبدي البصري، قال:
(أخبرنا سفيان) بن سعيد الثوري (عن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله
السبيعي، بفتح السين، الهمداني التابعي.
(عن حارثة) بفتح الحاء المهملة، وبعد الراء ثاء مثلثة (بن مُضرِّب)
بضم الميم وفتح الضاد المعجمة وتشديد الراء المكسورة وبالباء الموحدة
(أنه أتى عبد الله) بن مسعود (فقال: ما بيني وبين أحد من العرب حِنَةٌ)
بكسر الحاء المهملة وتخفيف النون المفتوحة، ثم هاء، هذِه الرواية
المشهورة، واللغة الفصحى في اللغة: إحنة، بكسر الهمزة وإسكان
الحاء المهملة. قال الجوهري: يقال: في صدره عليّ إحنة. ولا تقل:
حنة، والجمع إحَن، وقد أحنت عليه بالك، قال الشاعر:
إذا كان في صدر ابن عمك إحنة
فلا تستثرها سوف يبدو دفينها(٢)
-
(١) انظر: ((نهاية المطلب)) ٥٨/١٨.
(٢) ((الصحاح في اللغة)) ٣٤٦/٥.

٥٢
قوله: فلا تستثرها، هو بعد السين مثناة فوق ثم مثلثة، والإحنة:
الحقد وإضمار العداوة.
وفيه فضيلة ابن مسعود وسلامة صدره للخلق كلهم، وهذا كالتمهيد
لروايته الآتية حتى لا يتهم فيها.
(وإني مررت بمسجد لبني حنيفة) بن لجيم، بضم اللام وفتح الجيم
وسكون الياء، وكان هذا المسجد بالكوفة يتردد إليه بنو حنيفة، وهم قبيلة
كبيرة (فإذا هم يؤمنون بمسيلمة) الكذاب، أي: يصدقونه فيما أدعى
وافتراه. (فأرسل إليهم عبد الله) بن عباس(١) (فجيء بهم) وذكر أبو
نعيم في ترجمة وَبَر بن مُشَهَّرِ الحَنَفِيَّ أن مسيلمة بعثه هو وابن شَغَاف
الحَنَفِي وابن النواحة، فأما وَبَر فأسلم، وأما الآخران فشهدا أنه
رسول الله، وأن مسيلمة من بعده فقال: خذوهما(٢).
(فاستتابهم غيرَ) عباد بن الحارث وشهرته (ابن النَّوَّاحة) بفتح النون
وتشديد الواو وبالحاء المهملة، فإنه (قال له: سمعت رسول الله وكلهم
يقول: لولا أنك رسول لضربت عنقك) أي: لولا علة الرسالة لضربت
عنقك، أي: لأمرت بضربه (فأنت اليوم لست برسول، فأمر قَرَظَة)
بفتح القاف والراء والظاء المعجمة (بن كعب) بن ثعلبة الأنصاري
الخزرجي، شهد أحدًا، وفتح الري في زمن عمر سنة ثلاث وعشرين،
وشهد مع علي مشاهده كلها، وتوفي في خلافته بالكوفة (فضرب عنقه)
لأن علة الرسالة قد زالت، ولم يستأنف له حكم سائر المرتدين في
(١) هو ابن مسعود، وليس كما قال المصنف، كما جاءت بذلك باقي الروايات.
(٢) ((معرفة الصحابة)) لأبي نعيم (٦٥١٥).

٥٣
- كتاب الجهاد
وجوب استتابته كما قال مالك(١)، والشافعي(٢)، وأحمد في إحدى
الروايتين(٣).
وقال أبو حنيفة: لا يجب استتابة المرتد عن الإسلام، ويقتل في
الحال إلا أن يطلب أن يؤجل فيؤجل ثلاثًا، وهذا لم يطلب
التأجيل(٤). قال الخطابي: ومعلوم أن هؤلاء أسروا بالكفر، ولم
يمكنهم إظهاره بالكوفة في مسجدهم وهي دار الإسلام فرفع أمرهم
إلى ابن مسعود فاستتاب قومًا منهم، بخلاف ابن(٥) النواحة فإنه كان
داعية إلى مذهب مسيلمة الكذاب، فلم يعرض عليه التوبة ورأى
الصلاح في قتله، وإلى نحو هذا ذهب أكثر العلماء في أمر هؤلاء
القرامطة الذين يلقبون بالباطنية(٦) (بالسوق) ليظهر أمره ويشهر أمره بين
المسلمين؛ فإنه قد استحق إراقة دمه.
(ثم قال: من أراد أن ينظر إلى) عباد (بن النواحة قتيلاً) أي مقتولًا
(بالسوق) فيه حذف جواب الشرط أي: فلينظر إليه. وفيه إشهار قتل
من تعين قتله بالأسواق والطرق المسلوكة كثيرًا ونحوها؛ ليظهر أمره
ويرتدع برؤيته أمثاله وينزجروا عن فسادهم.
(١) ((مختصر المزني) ٣٠٤/٨، وانظر: ((الحاوي)) ١٥٨/١٣، ((نهاية المطلب))
٠١٦٤/١٧
(٢) أنظر: ((البيان والتحصيل)) ٣٩٢/١٦، ((الذخيرة» ١٥/١٢.
(٣) ((مسائل أحمد)) برواية ابنه صالح (١١٩١)، وانظر: ((الكافي)) ٣٢١/٥.
(٤) انظر ((النتف)) ٦٨٩/٢، و((المبسوط)) ٩٩/١٠.
(٥) ساقطة من (ر).
(٦) («معالم السنن)) ٢٧٦/٢.

٥٤
١٦٧ - باب في أمانٍ المزأَةِ
٢٧٦٣ - حدثنا أَحْمَدُ بْنُ صالِحٍ، حدثنا ابن وَهْبٍ، قال: أَخْبَرَنِي عِياضُ بْنُ
عَبْدِ اللهِ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُليمانَ، عَنْ كُريْبٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قال: حَدَّثَتْني أُّ هانِئٍ
بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ أَنَّها أَجارَتْ رَجُلاً مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ الفَتْحِ، فَأَتَتِ النَّبِيَّ وَّ فَذَكَرَتْ
لَهُ ذَلِكَ فَقالَ: ((قَدْ أَجَرْنا مَنْ أَجَرْتِ وَأَمَّا مَنْ أَمَّنْتٍ))(١).
٢٧٦٤- حدثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شيْبَةَ، حدثنا سُفْيَانُ بْنُ عُييْنَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ
إِراهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ قالَتْ: إِنْ كانَتِ المَزْأَةُ لَتُجِيرُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
فیجُوزُ(٢).
باب أمان المرأة
[٢٧٦٣] (حدثنا أحمد بن صالح) المعروف بابن الطبري الحافظ(٣).
قال(٤): (حدثنا) عبد الله (ابن وهب قال: أخبرني عياض) بكسر العين
المهملة وتخفيف المثناة تحت (بن عبد الله) الفهري، قال الذهبي:
وثق(٥). (عن مخرمة) بالخاء المعجمة (بن سليمان) الأسدي الوالبي
بالباء الموحدة بعد اللام، وقتل بقديد (٦) (عن كريب، عن ابن عباس
رضي الله عنهما عن أم هانئ) بهمز آخره فاختة، بالخاء المعجمة، صرح
(١) رواه البخاري (٣٥٧)، ومسلم (٣٣٦) بعد حديث (٧١٩).
(٢) رواه النسائي في ((الكبرى)) (٨٦٨٣)، والطيالسي (١٤٩٩).
وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود)) (٢٤٦٩).
(٣) أنظر: ((تقريب التهذيب)) (٤٨). (٤) ساقطة من (ل).
(٥) ((الكاشف)) ١٠٧/٢.
(٦) ((الجرح والتعديل)) ٣٦٣/٨.

٥٥
كتاب الجهاد
باسمها الطبراني(١) أنه وَّل قال لها: ((مرحبًا بفاختة أم هانئ))، وادعى
الحاكم تواتره(٢)، وقيل: أسمها هند. قاله الشافعي، وقيل: عاتكة،
وحكاه ابن حبان(٣)، وقيل: حمامة. حكاه الزبير بن بكار، وقيل: إن
حمامة أختها (٤) (بنت أبي طالب) بن عبد المطلب زوجة هبيرة، خطبها
النبي ◌ّ﴾ فقالت: والله، إني كنت أختك في الجاهلية فكيف في
الإسلام؟! ولكني أمرأة مصبية. فسكت عنها (أنها أجارت رجلاً من
المشركين) رواه في ((الموطأ))(٥) والصحيحين(٦)، وفيه: قاتل رجلًا
أجرته فلان بن هبيرة. واسمه جعدة.
وقال أبو عبيدة بن سلام: إنما أجارت هبيرة أو أبو هبيرة شك. وفي
الترمذي من حديث أم هانئ: أجرت رجلين من أحمائي. يعني: الحارث
ابن هشام وعبد الله بن أبي ربيعة المخزوميين، كذا ساقه الحاكم في
ترجمة الحارث بن هشام بسند فيه الواقدي، وكذا رواه الأزرقي، عن
الواقدي عن ابن أبي ذئب عن المقبري عن أبي هريرة عن أم هانئ
فذكر الحديث وفي آخره: فكان الذي أجارت عبد الله بن ربيعة
والحارث بن هشام (يوم الفتح) أي: فتح مكة، فأراد علي # قتلهما،
فدخلت أم هانئ إلى رسول الله وَله وهو يصلي الضحى (فأتت النبي
﴿ ﴿ فذكرت ذلك له) فأمضى جوارها (فقال: قد أجرنا من أجرت وآمَنًا
(١) ((المعجم الكبير)) (١٠١٣).
(٢) ((المستدرك)) ٤/ ٥٢.
(٣) ((الثقات)) لابن حبان (١٤٤٢).
(٤) أنظر: ((تهذيب الأسماء واللغات)) للنووي ٣٦٦/٢.
(٥) ((الموطأ)) ١٥٢/١ (٢٨).
(٦) البخاري (٣٥٧، ٣١٧١، ٦١٥٨)، ومسلم (٣٣٦).

٥٦
من آمَنْتِ) بمد الهمزة فيهما.
استدل به على أن مكة فتحت عنوة؛ إذ لو فتحت صلحًا لما احتيج
إلى جوارها، بل استحقا الأمان بالصلح، ولما أراد علي قتلهما، وهو
قول أبي حنيفة، وبه قال مالك والأوزاعي(١).
قال الماوردي(٢): وأكثر الفقهاء وأصحاب(٣) المغازي أنه وٍَّ منَّ
على أهلها فَلَمْ يَسْبٍ وَلَمْ يَغْنَمْ لِعَفْوِهِ، واستدلوا بآيات منها قوله
تعالى: ﴿وَلَوْ قَتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوْ لَوَلَّوَأْ الْأَدْبَرَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا
نَصِيرًا﴾ يعني: والله أعلم أهل مكة، فدل على أنهم لم يقاتلوا، ولو
قاتلوا لم ينصروا.
فإن قيل: فما فائدة قوله: ((أجرنا من أجرت وآمنا من آمنت)) على
قول الشافعي(٤) ومن تابعه أنها فتحت صلحًا؟
قلت: لعل فائدته عقد أمان يأتي لمن دخلها بعد القتال؛ فإن الأمان
الأول لا يشمله، ولفظه: ((قد أجرنا)) يشعر بأن المراد تقرير الحكم
و تبیینه.
[٢٧٦٤] (حدثنا عثمان) بن محمد بن إبراهيم (بن(٥) أبي شيبة)
الكوفي قال: (حدثنا سفيان بن عيينة) الهلالي الكوفي أحد الأعلام
(عن منصور) بن عبد الرحمن بن صفية (عن إبراهيم) بن يزيد النخعي
[الكوفي ثقة، إلا أنه يرسل كثيرًا.
(١) انظر: ((الاستذكار)) لابن عبد البر ١٤/ ٣٣٢.
(٢) ((الحاوي في فقه الشافعي)) ٢٢٤/١٤.
(٣) في (ر): وأكثر.
(٥) ساقطة من (ر).
(٤) ((الأم)) ٩/ ٢٥٨ - ٢٥٩.

=
٥٧
- كتاب الجهاد
(عن الأسود)] (١) بن يزيد [بن قيس النخعي الكوفي خال إبراهيم بن
يزيد](٢) وأخو عبد الرحمن وابن أخي علقمة بن قيس، وكلهم من بني بكر
ابن النخع.
(عن عائشة قالت: إن كانت المرأة لتجير) بالراء في آخره (على
المؤمنين) ورواية الترمذي(٣): ((إن المرأة لتأخذ للقوم)). يعني: تجير
على المسلمين. وقال: حديث حسن. (فيجوز) بالزاي آخره. يعني :
أمانها عليهم.
وفي هذا والذي قبله دليل على صحة أمان المرأة، وهو مما أجمع
عليه عوام أهل العلم(٤)(٥) كما يجوز من كل مكلف، ولا يشترط وجود
المصلحة مهما أنتفى الضرر كما أورده الرافعي؛ لأنا لو أنطناه بالمصلحة
أختص بأولي الأمر لأنهم الذين لهم النظر في المصالح العامة، وفي
((الوافي في تتمة التتمة)): أن شرط الأمان أن يكون على جهة
المصلحة، وهو أن يكون المؤمن لا يخاف شره (٦).
(١)، (٢) زيادة من (ل).
(٣) ((سنن الترمذي)) (١٥٧٩).
(٤) في (ر): الشام. والمثبت من (ل).
(٥) انظر: ((الأوسط)) لابن المنذر ٢٧٦/٦.
(٦) انظر: ((أسنى المطالب)) لزكريا الأنصاري ٢٠٤/٤، و((مغني المحتاج)) للخطيب
الشربيني ٢٣٨/٤.

٥٨
١٦٨ - باب في صُلْحِ العَدُوّ
٢٧٦٥ - حدثنا ◌ُحَمَّدُ بْنُ عُبيدٍ أَنَّ نُحَمَّدَ بْنَ ثَوْرٍ حَدَّثَّهُمْ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُزْوَةَ بْنِ الزُّبِيْرِ، عَنِ اِسْوَرِ بْنِ ◌َخْرَمَةَ قال: خَرَجَ النَّبِيُّ ◌َِّ زَمَنَ
الْحُدنْبِيَّةِ فِي بِضْعَ عَشَرَةَ مِائَةٍ مِنْ أَصْحابِهِ حَتَّى إِذا كانُوا بِذِي الْحُلَيْفَةِ قَلَّدَ الهَدى
وَأَشْعَرَهُ وَأَخْرَمَ بِالعُمْرَةِ. وَساقَ الَحَدِيثَ قال: وَسَارَ النَّبِيُّ ◌َّهَ حَتَّى إِذا كانَ بِالثَّنِيَّةِ
التي تُهْبَطُ عَلَيْهِمْ مِنْها بَرَكَتْ بِهِ راحِلَتُهُ، فَقالَ النّاسُ: حَلْ حَلْ خَلْأَتِ القَصْواءُ.
مَرَّتَيْنٍ، فَقالَ النَّبِيُّ وَالَ: «مَا خَلَأَتْ وَما ذَلِكَ لَها بِخُلُقٍ، ولكن حَبَسَها
حابِسُ الفِيلِ)). ثُمَّ قالَ: ((والَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ لا يَسْأَلُوني اليَوْمَ خُطَّةً يُعَظِّمُونَ
بِها حُرُماتِ اللهِ إِلاَّ أَعْطِيْتُهُمْ إِيّاها)).
ثُمَّ زَجَرَها فَوَثَبَتْ فَعَدَلَ عَنْهُمْ حَتَّى نَزَلَ بِأَقْصَى الْحُدنِيَةِ عَلَى ثَمَدٍ قَلِيلِ الماءِ،
فَجَاءَهُ بُدِيْلُ بْنُ وَزْقَاءَ الُزَاعِيُّ، ثُمَّ أَتَاهُ - يَعْني عُزْوَةَ بْنَ مَسْعُودٍ - فَجَعَلَ يُكَلِّمُ
النَّبِيَّ وَّ، فَكُلَّمَا كَلَّمَهُ أَخَذَ بِلِحْيَتِهِ والمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ قائِمٌ عَلَى النَّبِيِّ وَِّ وَمَعَهُ
السّيْفُ وَعَليْهِ المِغْفَرُ فَضَرَبَ يَدَهُ بِنَعْلِ السَّيْفِ وقالَ: أَخِّرْ يَدَكَ عَنْ ◌ْخِيَتِهِ. فَرَفَعَ
عُزْوَةُ رَأْسَهُ فَقال: مَنْ هذا؟ قالُوا: المُغِيرَةُ بْنُ شُغْبَةَ. فَقال: أى غُدَرُ أَوَلَسْتُ أَسْعَى فِي
غَدْرَتِكَ. وَكَانَ المُغِيرَةُ صَحِبَ قَوْمًا في الجَاهِلِيَّةِ فَقَتَلَهُمْ وَأَخَذَ أَمْوالَهُمْ ثُمَّ جاءَ فَأَسْلَمَ،
فَقالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: (( أَمّا الإِسْلامُ فَقَدْ قَبِلْنا، وَأَمّا المالُ فَإِنَّهُ مالُ غَدْرٍ لا
حاجَةَ لَنا فِيهِ)). فَذَكَرَ الحَدِيثَ، فَقالَ النَّبِيُّ وَّةِ: ((اكْتُبْ: هُذا ما قاضَى عَلَيْهِ
مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ)).
وَقَصَّ الَخَبَرَ فَقالَ سُهِيْلٌ: وَعَلَى أَنَّهُ لا يَأْتِيكَ مِنّا رَجُلٌ وَإِنْ كانَ عَلَى دِينِكَ إِلاَّ
رَدَدْتَهُ إِلَيْنا. فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قَضِيَّةِ الكِتابِ قالَ النَّبيُّ وَّهِ لأَصْحابِهِ: ((قُومُوا فانْحَرُوا
ثُمَّ أَحْلِقُوا )). ثُمَّ جاءَ نِسْوَةٌ مُؤْمِناتٌ مُهاجِراتٌ الآيَةَ فَتَهَاهُمُ اللهَ أَنْ يَرُدُّوهُنَّ وَأَمَرَهُمْ
أَنْ يَرُدُّوا الصَّداقَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلى المَدِينَةِ فَجَاءَهُ أَبُو بَصِيرٍ رَجُلٌ مِنْ قُریشٍ -يَغْني
فَأَرْسَلُوا فِي طَلَبِهِ - فَدَفَعَهُ إِلى الرَّجُليْنِ فَخَرَجا بِهِ، حَتَّى إِذا بَلَغا ذا الحَلَيْفَةِ نَزَلُوا

٥٩
- كتاب الجهاد
يَأْكُلُونَ مِنْ تَمْرٍ لَهُمْ، فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ لِأَحَدِ الرَّجُليْنِ: والله إِنّي لأَرَىُ سيْفَكَ هذا يا فُلانُ
جيّدًا. فاسْتَلَّهُ الآخَرُ فَقالَ: أَجَلْ قَدْ جَرَّبْتُ بِهِ، فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ: أَرِنِي أَنْظُرْ إِليْهِ.
فَأَمْكَنَهُ مِنْهُ فَضَرَبَهُ حَثَّى بَرَدَ، وَفَرَّ الآخَرُ حَتَّى أَتَى المَدِينَةَ فَدَخَلَ المَسْجِدَ يَعْدُو
فَقالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((لَقَدْ رَأىْ هُذا ذُعْرًا)). فَقَالَ: قَدْ قُتِلَ والله صاحِبِي وَإِّي لَمَقْتُولٌ.
فَجَاءَ أَبُو بَصِيرٍ فَقال: قَدْ أَوْفَى اللهُ ذِمَّتَكَ فَقَدْ رَدَدْتَنِي إِلَيْهِمْ ثُمَّ نَجَّانِي اللهَ مِنْهُمْ. فَقَالَ
النَّبيُّ ◌َ: ((ويْلَ أُمِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ لَوْ كَانَ لَهُ أَحَدٌ )). فَلَمَا سَمِعَ ذَلِكَ عَرَفَ أَنَّهُ
سَيَرُدُّهُ إِلَيْهِمْ فَخَرَجَ حَتَّى أَتَىْ سِيفَ البَحْرِ، ويَنْفَلِتُ أَبُو جَنْدَلٍ فَلَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ
حَتَّى أَجْتَمَعَتْ مِنْهُمْ عِصابةٌ(١).
٢٧٦٦ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ العَلاءِ، حدثنا ابن إِدْرِيسَ، قالَ: سَمِعْتُ ابن إِسْحاقَ،
عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُزْوَةَ بْنِ الزُّبِيْرِ، عَنِ اِشْوَرِ بْنِ تَخْرَمَةَ وَمَزْوانَ بْنِ الَحَكَمِ أَنَّهُمُ
اصْطَلَحُوا عَلَى وَضْعِ الحَرْبِ عَشْرَ سِنِينَ يَأْمَنُ فِيهِنَّ النّاسُ وَعَلَى أَنَّ بِيْنَناَ عِيْبَةً
مَكْفُوفَةً وَأَنَّهُ لا إِسْلالَ وَلا إِغْلَالَ(٢).
٢٧٦٧ - حدثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ النُّفیلِّ، حدثنا عِیسَی بنُ يُونُسَ، حدثنا
الأوزاعيُّ، عَنْ حَسّانَ بْنِ عَطِيَّةَ قال: مالَ مَكْحُولٌ وابْنُ أَبي زَكَرِيّاءَ إِلى خالِدِ بْنِ
مَعْدَانَ وَمِلْتُ مَعَهُما فَحَدَّثَنَا عَنْ جُبْرِ بْنِ نُفيرٍ قال: قال جُبِيْرٌ: انْطَلِقْ بِنا إلى ذي
يُخْبَرٍ - رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ وََّ- فَأَتَيْنَاهُ فَسَأَلَهُ جُبِيْرٌ، عَنِ الهُدْنَةِ فَقالَ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِ وَّهَ يَقُولُ: (سَتُصالِحُونَ الرُّومَ صُلْحًا آمِنًا وَتَغْزُونَ أَنْتُمْ وَهُمْ عَدُوّا
مِنْ وَرائِكُمْ))(٣).
(١) رواه البخاري (٢٧٣١، ٢٧٣٢).
(٢) رواه أحمد ٣٢٣/٤، والبيهقي ٢٢١/٩.
وحسنه الألباني في «صحيح أبي داود)) (٢٤٧١).
(٣) رواه ابن ماجه (٤٠٨٩)، وأحمد ٩١/٤.
وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود)) (٢٤٧٢).

٦٠
باب صلح العدو
[٢٧٦٥] (حدثنا محمد بن عبيد) بضم العين مصغر، ابن حساب
الغبري (أن محمد بن ثور) الصنعاني العابد (حدثهم عن الزهري، عن
عروة بن الزبير) الفقيه صائم الدهر، ومات وهو صائم (عن المسور بن
مخرمة) ﴿ه ومروان، يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه.
(قال: خرج رسول الله وَ له زمن الحُديبية) بتخفيف الياء الثانية (في
بِضِعَ عشْرةَ مائة) قال ابن مغلطاي وغيره(١): كان خروجه في هلال ذي
القعدة، وكانوا في ألف وأربعمائة (من أصحابه) الذين يقاتلون (حتى
إذا كانوا بذي الحليفة) وهي ميقات أهل المدينة (قلد الهدي) التي معه
في أعناقها. والهدي: ما يهدى إلى الحرم من حيوان وغيره، والمراد
هنا ما يجزئ في الأضحية (وأشعر) بعلامة يعرف بها [(وأحرم
بالعمرة)](٢) هذا معارض لحديث عائشة المذكور في الحج وأهل
رسول الله وَّ بالحج، وموافق لحديث ابن عباس في الحج أيضًا،
وساق معه الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله وَ له فأهل بالعمرة
ثم أهل بالحج (وساق الحديث) المذكور كما تقدم، والله أعلم.
(قال: وسار النبي ◌َّ- حتى إذا كان بالثنية) وهي الطريق في الجبل
(التي يُهبط) بضم أوله وفتح ثالثه (عليهم منها بَرَكت) بفتح الباء والراء
(به راحلته) القصوى (فقال الناس: حَل حَلْ) بفتح الحاء المهملة
(١) أنظر: ((عيون الأثر)) ١١٣/٢.
(٢) ساقط من (ل).