النص المفهرس

صفحات 561-580

٥٦١
= كتاب الجهاد
القاضي لا يقضي بعلمه.
وقال أصحاب الشافعي(١): لأن الزنديق هو الذي يسر الكفر ويظهر
الإيمان فيستتاب ولا يقتل.
والثالث: أن ترك قتلهم مصلحة ليتألفهم على الإسلام كقوله لعمر:
(معاذ الله أن يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه)). متفق عليه(٢)، ولقوله
تعالى: ﴿لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض لنغرينك
(٣)
وقيل الرابع: أن الله كان حفظ أصحاب نبيه مو أن يفسدهم
المنافقون أو يفسدوا عليهم دينهم فلم يكن في تبقيتهم ضرر، وليس
کذلك اليوم(٤).
ويحتمل خامس: وهو أنه أمسك عنهم لما علم من أنه يخرج منهم
أبناء مؤمنون ينصرون دين الإسلام كما في عبد الله بن أبي وأمثاله.
(وأبى) أي: امتنع (أن يردهم) إلى من كانوا له من العدو.
وفيه دليل على أن العبد الحربي أو أمته إذا خرج إلينا فأسلم، وإن
أسر سيده وأولاده وأخذ ماله وخرج إلينا فهو حر، وإن أسلم وأقام بدار
الحرب فهو على رقه، وإن أسلمت أم ولد الحربي وخرجت إلينا عتقت
ثم تستبريء نفسها.
(١) انظر: ((المهذب)) ٢٥٨/٣.
(٢) ((البخاري)) (٤٩٠٥)، ((مسلم)) ٢٥٨٤/٦٣.
(٣) الأحزاب: ٦٠.
(٤) انظر: ((الجامع لأحكام القرآن)) للقرطبي ١٩٨/١ - ٢٠٠.

٥٦٢
قال ابن المنذر(١): قال بهذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم، إلا
أن أبا حنيفة قال في أم الولد تزوج إن شاءت من غير استبراء وأهل العلم
على خلافه؛ لأنها أم ولد عتقت فلم يجز أن تتزوج بغير أستبراء كما لو
كانت لذمي.
وعن أبي سعيد الأعسم(٢)، قال: قضى رسول الله ◌َّ في العبد
وسيده قضيتين، قضى أن العبد إذا خرج من دار الحرب قبل سيده فهو
حر، فإن خرج سيده بعد لم يرد عليه، وقضى أن السيد إذا خرج قبل
العبد ثم خرج العبد يرد على سيده.
وفيه دليل على عبد الكافر البالغ إذا أسلم يصح إسلامه ...
قال أصحابنا : إذا کان في ید الکافر عبد فأسلم فإنه یصح إسلامه ولم
يزل ملكه عنه لكن لا يقر في يده لئلا يفتنه عن دينه، أو يعذبه كما كان
عبد الله ... قبل أن يسلم في ... يومئذٍ بل يؤمر بإزالة ملكه عنه ببيع أو هبة أو
عتق وغيره ولا يكفى الرهن والتزويج والإجارة(٣).
فكما قالوا: لو أسلم الصبي فعندنا لا يصح إسلامه ... إلى دين أهله
بالألفة (وقال ◌َله: هم عتقاء الله) لمّا أسلموا أعتقهم الله رم من العبودية
ومن الرجوع إلى الكفار ومن ... النبي و لو ... أن يأتوا بعده بمعصية ولم
یغفر لهم.
(١) («الأوسط)) ٣٠٤/٦.
(٢) ((المصنف)) ٣٥/١٥، (٢٩٦٧٤).
(٣) أنظر: ((المجموع شرح المهذب)) للنووي ٩/ ٣٥٧.

=
كتاب الجهاد
٥٦٣
١٣٧ - باب في إِباحَةِ الطَّعامِ في أَرضِ العَدُوّ
٢٧٠١ - حَدَّثَنَا إِبْراهِيمُ بنُ حَمْزَةَ الزُّبِيْرِيُّ، قالَ: حَدَّثَنا أَنَّسُ بْنُ عِياضٍ، عَنْ
عُبِيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ، أَنَّ جيشًا غَنِمُوا فِي زَمانِ رَسُولِ اللهِ وَِّ طَعامًا
وَعَسَلاً فَلَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُمُ الْخُمُسُ (١).
٢٧٠٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ والقَغْنَبي، قالا: حَدَّثَنا سُليمانُ، عَنْ حُمْدٍ
يَغْني: ابن هِلالٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، قَالَ: دُلِّيَ جِرابٌ مِنْ شَهُم يَوْمَ خِيْبَرَ، قالَ:
فَأَتَيْتُهُ فالتَّزَمْتُهُ، قَالَ: ثُمَّ قُلْتُ: لا أُعْطِي مِنْ هذا أَحَدًا اليَوْمَ شيْئًا، قَالَ: فَالتَّفَتُّ
فَإِذَا رَسُولُ اللهِ وَلّهِ يَتَبَسَّمُ إِلَيّ (٢).
باب إباحة الطعام في أرض العدو
[٢٧٠١] (حدثنا إبراهيم بن حمزة) بن محمد (الزبيري قال: حدثنا
أنس بن عياض) بن ضمرة الليثي.
(عن عبيد الله) بالتصغير (عن نافع، عن ابن عمر: أن جيشًا غنموا في
زمان رسول الله وَل﴿ طعامًا وعسلًا) أي: أدمًا وقوتًا هو من عطف الخاص
على العام كقوله تعالى: ﴿وَمَلْبِكُتِهِ، وَرُسُلِهِ، وَجِبْرِيلَ وَمِيكَلَ﴾ ذكر
جبريل بعد الملائكة لأنه أفضلهم، وكذا هنا ذكر العسل بعد الطعام
مع أنه طعام؛ لأنه أفضل طعام غنموه. (فلم يؤخذ منهم الخمس) أي:
لم يخمس في جملة ما يخمس من الغنيمة، وهذا من تخصيص
(١) رواه ابن حبان (٤٨٢٥)، والبيهقي ٥٩/٩. ورواه بنحوه البخاري (٣١٥٤).
وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود)) (٢٤٢٠).
(٢) رواه البخاري (٣١٥٣)، ومسلم (١٧٧٢).

٥٦٤
الكتاب في قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَ الِلَّهِ حُسَهُ﴾(١).
فيه تخصيص للآية؛ لقوله وَ له: (السلب للقاتل)) (٢) بل يجوز للغزاة أكله
قبل تقسيمه ما دام الطعام في حد القلة وما دام صاحبه مقيما في دار
الحرب، فإن أكل فوق الحاجة أدى ثمنه في المغنم.
[٢٧٠٢] (حدثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي (والقعنبي) عبد الله بن
مسلمة (قالا: حدثنا سليمان) بن المغيرة القيسي (عن حميد -يعني: ابن
هلال-) العدوي.
(عن عبد الله بن مغفَّل له قال: دُلِّي) بضم الدال وتشديد اللام
المكسورة رواية مسلم: رُمي إلينا (٣). يعني: من الحصن (جِراب)
بكسر الجيم أفصح لا تفتح، والقصعة لا تكسر، وهو وعاء من جلد.
(من شحم) أي: فيه شحم (يوم) حصار قصر (خيبر، قال: فأتيته)
الآخذه (فالتزمته) رواية مسلم: فَوَثَبْتُ لآخذه.
فيه دليل على جواز أخذ الطعام من الغنيمة قبل القسمة، ألا ترى أنه
وَالّ أقره على أخذ الجراب بما فيه من الشحم، وإقراره يدل على
الإباحة، والجمهور على أنه لا يحتاج في ذلك إلى إذن الإمام إذ لو
أستأذنه أو أذن له لنفل. وحكي عن الزهري (٤) أنه لا يجوز إلا بإذن
الإمام، والجمهور(٥) على أنه لا يخرج منه شيء إلى عمارة دار
(١) الأنفال: ٤١.
(٢) (صحيح مسلم)) (١٧٥٣).
(٣) (صحيح مسلم)) (١٧٧٢).
(٤) ((مصنف عبد الرزاق)) ١٧٩/٥ (٩٢٩٧).
(٥) انظر: ((شرح البخاري)) لابن بطال ٢٣٦/٥.

٥٦٥
- كتاب الجهاد
الإسلام، فإن أخرجه رده إلى المغنم وجوبًا.
قال القرطبي: أجاز مالك أخذ ما فضل عن كفايته وأكله في أهله،
وقاله الأوزاعي وذلك فيما قل(١).
وفيه دليل على جواز أكل شحوم اليهود المحرمة عليهم، وهو مذهب
أبي حنيفة والشافعي(٢) وعامة العلماء، غير أن مالكًا كرهه(٣).
وحكى ابن المنذر عن مالك تحريمها (٤)، وإليه ذهب أكثر أهل مذهبه
ومتمسكهم أن ذكاتهم لم تعمل في الشحم وإن عملت في اللحم؛ لأن
الذكاة لا تبعض عندهم. والحديث حجة عليهم.
وفيه دليل على جواز ذبائح أهل الكتاب. ومذهب الجمهور
إباحتها(٥) سواء سموا الله تعالى عليها أم لا.
(قال: ثم قلت: لا أعطي من هذا أحدًا اليومَ شيئًا قال: فالتفتُّ) أي:
لأنظر هل أتى إليه أحد غيري.
(فإذا رسول الله وَّه يتبسم إليّ) أي: لما رأى من شدة حرصي على
أخذ الجراب في التزامي له وقولي: لا أعطي اليوم أحدًا من هذا شيئًا.
ورواية مسلم: فاستحييت منه.
(١) ((المفهم)) ٦٠٠/٣ - ٦٠١.
(٢) انظر: ((المبسوط)) ١٨٤/٨، ((الأم) ٦٣٢/٣.
(٣) أنظر: ((الرسالة)) للقيرواني ٨٢/١.
(٤) لم أقف عليه عند ابن المنذر، وانظر ((المحلى)) ٧/ ٤٥٤.
(٥) أنظر ((المبسوط)) ٩٦/١٠، ((الكافي)) ٤٣٨/١، ((الأم)) ٦٠٤/٣، ((المغني))
٢٩٣/١٣.

٥٦٦
١٣٨ - باب في النَّهْىِ عَنِ النُّهْبَى
إِذا كانَ في الطَّعامِ قِلَّةٌ في أَرْضِ العَدُوّ
٢٧٠٣- حَدَّثَنَا سُليمانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنا جَرِيرٌ - يَغْني ابن حازِمِ - عَنْ
يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِي لُبِيْدٍ قَالَ: كُنّا مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ بِكَابُلَ فَأَصابَ
النّاسُ غَنِيمَةً فَانْتَهَبُوهَا فَقَامَ خَطِيبًا فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَنْهَى عَنِ
النُّهْبَى. فَرَدُّوا مَا أَخَذُوا فَقَسَمَهُ بَيْنَهُمْ (١).
٢٧٠٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعاوِيَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحاقَ الشّيْبانُّ،
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي ◌ُجالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنٍ أَبِي أَوْفَى قالَ: قُلْتُ: هَلْ كُنْتُمْ تُخَمِّسُونَ
- يَغْني الطّعامَ - في عَهْدِ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَقَالَ: أَصَبْنا طَعامًا يَوْمَ خَيْبَرَ فَكانَ
الرَّجُلُ يَجِيءُ فيأْخُذُ مِنْهُ مِقْدَارَ ما يَكْفِيهِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ(٢).
٢٧٠٥- حَدَّثَنَا هَنّادُ بْنُ السَّريِّ، حَدَّثَنا أَبُو الأخْوَصِ، عَنْ عاصِم، يَغْني: ابن
كُلِيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الأَنَّصارِ قالَ: خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللهِ مََّ فِي سَفَرٍ،
فَأَصَابَ النّاسَ حاجَةٌ شَدِيدَةٌ وَجَهْدٌ وَأَصابُوا غَنَمَا فَانْتَهَبُوها، فَإِنَّ قُدُورَنا لَتَغْلِي إِذْ
جاءَ رَسُولُ اللهِ وَلَهِ يَمْشِي عَلَى قَوْسِهِ فَأَكْفَأَ قُدُورَنا بِقَوْسِهِ، ثُمَّ جَعَلَ يُرَمِّلُ اللَّحْمَ
بِالتُّرابِ، ثُمَّ قالَ: ((إِنَّ النُّهْبَةَ ليْسَتْ بِأَحَلَّ مِنَ المَيْتَةِ)). أَوْ: ((إِنَّ المَيْتَةَ ليْسَتْ
بِأَحَلَّ مِنَ النُّهْبَةِ)). الشَّكُّ مِنْ هَنّادٍ(٣).
(١) رواه أحمد ٦٢/٥، والدارمي (٢٠٣٨).
وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود)) (٢٤٢٢).
(٢) رواه أحمد ٣٥٤/٤، والحاكم ١٢٦/٢.
وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود)) (٢٤٢٣).
(٣) رواه سعيد بن منصور (٢٦٣٦) ط الأعظمي، والبيهقي ٩/ ٦١.

٥٦٧
- كتاب الجهاد
باب النهي عن النهبى في أرض العدو إذا كان في الطعام قلة
[٢٧٠٣] (حدثنا سليمان بن حرب) الأزدي (قال: حدثنا جرير بن
حازم) العتكي (عن يعلى بن حكيم، عن أبي لبيد) لمازة بكسر اللام
وتخفيف الميم والزاي ابن زبار بكسر الزاي البصري، صدوق، تابعي.
(قال: كنا مع عبد الرحمن بن سمرة بكابل) بضم الباء كما تقدم، مدينة
في بلاد الترك، غزاها عبد الرحمن بن سمرة، وفتحت على يديه هي
وسجستان.
(فأصاب الناس غنيمة) من تلك الغزوة (فانتهبوها) والانتهاب: أخذ
من شاء من الجماعة الشيء على غير أستواء واعتدال، أو على حسب
نهمة السابق إليه (فقام) ابن سمرة (خطيبًا) فيه أنه يستحب للعالم إذا
رأى من القوم ما يخالف الشريعة أن يقوم فيحمد الله ويصلي على
النبي ◌َّ، ثم يعرفهم أحكامه المشروعة كما في خطب الحج (فقال:
سمعت رسول الله وَلّه ينهى عن النُّهبى) بضم النون مقصور والهاء
ساكنة وقد تحرك من الأنتهاب كما تقدم.
وفيه دليل على أن الطعام إذا كان قليلاً لا يكفي الغانمين فلا يحل
النهب منه بما يزيد على كفايته؛ لأنه من الغصب، وفيه دناءة نفس
وإخلال بالمروءة، وفي تركه صيانة للنفس والعرض؛ فإن أهل
المروءات يصونون أنفسهم عن مزاحمة] (١) سفلة الناس على شيء من
وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود)) (٢٤٢٤).
(١) من (ل) وسقط ثلاث ورقات من (ر).

٥٦٨
الطعام أو غيره، ويدخل في عموم النهي الأنتهاب في أخذ الأجود مما
يعرض للبيع من المأكول وغيره كما يفعل في مدينة الرملة في شراء البطيخ
الأصفر فيسبق القوي إلى الأجود ويضعف بعضهم عن مزاحمته فيأخذ
الرديء المتأخر منه، وفيه إخلال بالمروءة كما تقدم.
ويدخل في العموم الآكلون من الطعام المقدم إليهم، إذا كان قليلًا
فلا يأخذ منه الآكل أكثر من غيره فيكون كالناهب من الغنيمة فإنهم
متساوون في الإباحة كلهم (فردوا ما أخذوا) من الغنيمة حين بلغهم
النهي عنه (فقسمه بينهم) أي: قَسَم مال الغنيمة على من حضر الغزو
بالتخميس.
[٢٧٠٤] (حدثنا محمد بن العلاء) الهمداني (حدثنا أبو معاوية) محمد
ابن خازم الضرير (حدثنا أبو إسحاق) سليم بن أبي سليمان (الشيباني، عن
محمد بن أبي مجالد) ويقال له: عبد الله (عن عبد الله بن أبي أوفى) علقمة
له ولأبيه صحبة (قال: قلت: هل كنتم تخمسون الطعام؟) والمراد به ما
يعتاد أكله عمومًا (في عهد رسول الله رَّر) قطع الحاكم، وغيره من
أهل الحديث أن هذِه الصيغة ونحوها من قبيل المرفوع إلى النبي ◌َّ.
قال ابن الصلاح: وهو الذي عليه الاعتماد؛ لأن ظاهره مشعر بأن
رسول الله وسلم أطلع على ذلك وقررهم عليه، وتقريره أحد وجوه السنن
المرفوعة(١).
(فقال: أصبنا طعامًا) أي: من العدو في (يوم خيبر، فكان الرجل) منا
أي: ممن حضر الوقعة، وخرج بالرجل المرأة (يجيء فيأخذ منه) ظاهره
(١) ((مقدمة ابن الصلاح)) (ص ٤٨).

٥٦٩
- كتاب الجهاد
أن الأخذ لا يتوقف على إذن الإمام كما تقدم (مقدار ما يكفيه) أي: قدر
الشبع، والثاني: قدر (١) ما يسد الرمق؛ لاستغنائه عن أخذ حق الغير
فيكون كالمضطر، والمذهب الذي نص عليه الشافعي الأول(٢)، ولا
فرق في الجواز بين أن يجد سوقًا يمكنه الشراء منه أم لا.
قال الإمام: ولم أر أحدًا منع التبسط بسبب ذلك والجنس الذي
يأخذه هو القوت وما يصلح به القوت ويؤاخذ واحد فوق الحاجة
كالذي حكاه الروياني عن نص الشافعي أنه يؤدي ثمنه إلى المغنم،
ورخص أكثر العلماء في علف الدواب ورآه في معنى الطعام وكذا
سائر الأدوية والأشربة التي لا تجري مجرى الأقوات(٣).
(ثم ينصرف) على ما فضل عن كفايته لاستغنائه.
واعلم أن هذا الحديث رواه الحاكم(٤) وصححه، ولفظه: أنه سئل
ما صنع رسول الله وَّه بطعام خيبر: هل خمسه؟ قال: لا، كان أقل من
ذلك، كان أحدنا إذا أراد شيئًا أخذ منه حاجته. وذكر أنه على شرط
البخاري ومسلم، وأقره الذهبي عليه في ((تلخيصه)).
[٢٧٠٥] (حدثنا هناد بن السَّرِي) بن مصعب (حدثنا أبو الأحوص)
سلام بن سليم (عن عاصم بن كليب، عن أبيه) كليب بن شهاب
الجرمي (عن رجل من الأنصار، قال: خرجنا مع رسول الله في سفر)
(١) زيادة من (ل).
(٢) انظر: ((الحاوي)) ١٥/ ١٧٤.
(٣) ((نهاية المطلب في دراية المذهب)) ٤٤١/١٧.
(٤) ((المستدرك)) ١٣٤/٢ - ١٣٥.

٥٧٠
أي: للجهاد (فأصاب الناسَ حاجة شديدة) أي: إلى الطعام (وجَهدٌ) بفتح
الجيم وحكي ضمها، والمراد به: الشدة في الحال والمبالغة في المشقة.
وفيه دليل على جواز ذكر الإنسان ما حصل له من الجوع والمشقة
والوجع إذا كان في ذكره مصلحة تعود على المسلمين أو عليه، وعلى
أن المريض يجوز له ذكر ما يجده من الألم لمن يصف له دواء لا
على هيئة الشكوى، فالشاكي لغيره في غير حاجة فكأنما يشكو الله.
(فأصابوا) من العدو (غنمًا فانتهبوها) أي: أنتهب الغنم جميعًا كل
الجيش أو أكثرهم، فإن المعلوم أن النبي ◌َّ لم ينتهب ولا أكابر
الصحابة، وفيه حذف تقديره: فذبحوها وطبخوا منها.
(فإن قُدورنا لَتَغْلي) بفتح التاء وإسكان الغين المعجمة، يقال: غلت
القدرة ولا يقال: غليت، حتى قيل في ذلك:
ولا أقول لقدر القوم قد غليت
ولا أقول لباب الدار مغلوق
(إذ جاء رسول الله وَل يمشي على قوسه) أي: يتوكأ عليه؛ لأنه كان
في الجهاد وهو من آلة الجهاد كما تقدم في الصلاة أنه قام يعني: في
خطبة الجمعة متوكئاً على عصا أو قوس (وكان ◌َلو](١) (فأكفأ) فيه رد
على ما قاله الأصمعي: كفأت الإناء قلبته، ولا يقال: أكفأت،
والصحيح على ما قاله ابن السكيت(٢)، وابن قتيبة(٣): إن كفأت
(١) ساقطة من (ر).
(٢) ((إصلاح المنطق)) ١٦/١.
(٣) ((غريب الحديث)) ٩٨/٢.

٥٧١
و كتاب الجهاد
-
وأكفأت لغتان، وقيل: كفأت القدر كفيتها فخرج ما فيها وأكفأتها
أملتها(١) (قدورنا بقوسه) فيه تغيير المنكر؛ لأن اللحم كان نهبة فهو
بمنزلة ما لو غصب شاة من قوم فذبحها وطبخ لحمها. ولم يأمر النبي
وقلقه بغسل القدور؛ لأن اللحم طاهر، فالموضوع فيه ظاهر وإن طبخ
ألا ترى أن القدور التي طبخ [فيها لحم](٢) الحمر الأهلية، قال لهم:
((أكفئوا القدور واكسروها))، قالوا: يا رسول الله أو نغسلها؟ قال: ((أو
ذاك)».
وفيه دليل على أن الغنم لا يجوز نهبها، بل تقسم بخلاف الطعام،
وعلى أنه لا يجوز ذبحها للأكل وإن حصل لهم حاجة شديدة وجهد؛ لأن
الحاجة إليها نادرة وهو وجه ضعيف في المذهب، لكن هذا الحديث
حجة للقائل به ومما هو حجة له ما رواه الحاكم في ((المستدرك))(٣)
عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه قال: شهدت فتح خيبر، فلما
أنهزموا أخذ الناس ما وجدوا من جزر، قال زيد: وهي المواشي،
فلم يكن بأسرع من [أن](٤) فارت القدور، فلما رأى ذلك رسول الله
وَ لّ أمر بالقدور فأكفئت، ثم قسم بيننا فجعل لكل عشرة شاة.
وصححه وأقره الذهبي عليه. ثم أسند(٥) عن ابن عباس قال: أنتهب
الناس غنمًا يوم خيبر فذبحوها وطبخوا منها، فجاء رسول الله وَله فأمر
بالقدور فأكفئت وقال: ((إنه لا تصلح النهبة)).
(١) انظر: ((فتح الباري)) لابن حجر ٤٦٨/٧.
(٢) في الأصول: (اللحم) والمثبت موافق للسياق.
(٣)، (٤) ((المستدرك)) ١٣٤/٢.
(٥) من ((المستدرك)).

٥٧٢
روى الحافظ عبد الحق في ((الأحكام)) (١) عن القاسم مولى
عبد الرحمن، عن بعض أصحاب النبي وَّ، قال: كنا نأكل الجزر في
الغزو ولا نقسمه(٢). لكن الصحيح جواز ذبح المأكول للجهد كما
يجوز تناول الأطعمة، فتحمل الأحاديث المتقدمة على ما إذا كانت
الغنم قليلة لا تحتمل القسمة، وازدحم الناس عليها(٣) لشدة الحاجة،
وانتهابهم وذبحهم يؤدي حرمان البعض، ويفضي إلى التنازع ووقوع
الفتنة، فإذا استشعر الإمام ذلك، فقال المحققون: يثبت يده على
الطعام ويقسمه على قدر الحاجات، ويقول لمن معه ما يكفيه: أكتف
بما معك ولا تزاحم المحتاجين(٤). (فجعل(٥) يُرمِّل) بضم أوله وتشديد
الجيم أي: يلطخ (اللحم بالتراب) ليفسد كي لا ينتفع به لأنه نهب،
والانتهاب أختطاف؛ وقد صرح أصحابنا بأن المختطف كالمسروق
وسيأتي في باب عقوبة الغال أن متاعه يحرق، وهذا في معناه.
ويؤخذ من هذا الحديث أن الطعام المخلوط بالتراب والملوث به لا
يؤكل إذا كثر فيه التراب أو الرمل [كالتوت المرمل الملقوط من تحت
الشجر إذا كثر فيه التراب أو الرمل](٦) وقد جزم النووي(٧) وآخرون
(١) ((الأحكام الوسطى)) ٨٦/٣.
(٢) سيأتي الحديث القادم.
(٣) ساقطة من (ر).
(٤) في (ر): الناس، والمثبت من (ل).
(٥) ورد بعدها في الأصل: نسخة: ثم جعل.
(٦) ساقطة من (ر).
(٧) ((المجموع شرح المهذب)) ٩/ ٣٧.

٥٧٣
- كتاب الجهاد
بتحريم أكل التراب منهم القاضي حسين عن اختيار والده، والخياطي،
والجرجاني، والقفال المروزي، ولم يفرقوا بين قليله وكثيره أي: إذا كان
منفردًا.
وفي ((الذخائر)) أن التراب والطين إنما يحرم على من تضرر به لا
على من أعتاد أكله من غير مضرة.
قال: وسائر أجزاء الأرض تجري مجرى الطين، وقال الإمام(١):
أكره الطين؛ لأنه يضر بالبدن ولا يصح فيه حديث، ويقال: إنه رديء.
(ثم قال: إن النهبة) بضم النون هي النهبى كما تقدم (ليست بأحل من
الميتة) لأن ما يأخذه بقوته واختطافه فوق حقه من حق أخيه الذي ضعف
عن مقاومته حرام كالميتة ليس بأحل منها (أو إن الميتة ليست بأحل من
النهبة) أي أقل إثمًا منها في الأكل، بل هما متساويتان.
وقد اختلف العلماء فيما لو وجد المضطر الميتة وطعام غيره على
ثلاثة أوجه أو أقوال، أصحها: يجب أكل الميتة؛ لأن حقوق الله مبنية
على المسامحة لعدم الضمان. والثالث: التخيير، وأشار الإمام(٢) إلى
أن هذا الخلاف مأخوذ من الخلاف في اجتماع حق الله وحق الآدمي.
(الشك) في التقديم والتأخير (من هناد) بن السري.
(١) ((نهاية المطلب)) ٦٦/٥.
(٢) ((نهاية المطلب)) ٢٢٧/١٣.

٥٧٤
١٣٩ - باب في حَمْلِ الطَّعامِ مِنْ أَرضِ العَدُوّ
٢٧٠٦ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي
عَمْرُو بْنُ الحارِثِ أَنَّ ابن حَرْشَفِ الأَزْدِيَّ حَدَّثَهُ، عَنِ القاسِمِ مَؤْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ
بَعْضِ أَصْحابِ النَّبِيِ وَِّ، قالَ: كُّا نَأْكُلُ الَجَزْرَ في الغَزْوِ وَلا نَقْسِمُهُ حَتَّى إِنْ كُنّا
لَنَرْجِعُ إِلَى رِحالِنا وَأَخْرِجَتُنَا مِنْهُ مُمْلاةٌ(١).
باب في حمل الطعام من أرض العدو
[٢٧٠٦] (حدثنا سعيد بن منصور) الخراساني (حدثنا عبد الله بن
وهب، أخبرني عمرو بن الحارث) الأنصاري (أن ابن حرشف) بضم
الحاء المهملة (٢) وإسكان الراء وضم الشين المعجمة ثم فاء كان اسمه
تميم (الأزدي) بضم الهمزة والدال وتشديد النون.
(حدثه عن القاسم مولى عبد الرحمن عن بعض أصحاب النبي وَلات،
قال: كنا نأكل الجَزَر) بفتح الجيم والزاي جمع جزرة هو المأكول وكسر
الجيم لغة، قال زيد: هي المواشي، قال في ((الصحاح)): لا تكون
الجزرة إلا من الغنم (٣).
وهي في ((المجمل))(٤): الجزرة: الشاة يقرم إليها(٥) أهلها
(١) رواه سعيد بن منصور (٢٧٣٩) ط الأعظمي، والبيهقي ٩/ ٦١.
وضعفه الألباني في ((ضعيف أبي داود)) (٤٦٦).
(٢) ساقطة من (ر).
(٣) ((الصحاح في اللغة)) ١٧٦/٢.
(٤) ١٨٨/١، ٧٤٩.
(٥) ساقطة من (ر).

٥٧٥
= كتاب الجهاد
فيذبحونها، والقرم شدة شهوة اللحم والجزر القطع، ومنه سميت
الجزور، ويحتمل أن يراد بالجزر القطع من اللحم لقوله: كنا نأكل
الجزر (في الغزو) في بلاد العدو، ولأن الحاجة تدعو إليه، وفي المنع
منه مضرة بالجيش (ولا نَقسمه) إذ لو قسم لم يحصل للواحد منه شيء
يعظم نفعه فأباح الله لهم ذلك (حتى إن) بكسر الهمزة وإسكان النون
وهي المخففة من إن المشددة، ولهذا جاءت لام الأبتداء بعدها في
قوله: لنرجع، وإذا وليها الفعل فالغالب كونها ماضيًا ناسخًا كقوله
تعالى: ﴿وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾(١) (كنا لنرجع إلى رحالنا) جمع رحل،
وهو المنزل الذي يسكن فيه، ويطلق على الموضع الذي ينزل فيه
المسافر ويضع فيه أثاثه (وأَخْرِجَتُنا) بكسر الراء جمع خرج بضمها وهو
جوالق ذو أذنين وهو الوعاء المعروف وهو جمع قلة (منه مُمْلأَةً) بضم
الميم الأولى وسكون الميم الثانية وفتح اللام والهمزة، ويجوز فتح
الثانية وتشديد اللام المفتوحة أي: مملوءة. استدل به أصحاب
مالك(٢) ومن قال بقولهم، على أن من فضل معه من الطعام الذي
أخذه من المغنم شيء فأدخله إلى بلده أنه يباح له أكله ولا يرده إلى
المغنم.
قال أحمد(٣): وأهل الشام يتساهلون في هذا. قال الأوزاعي(٤):
أدركت الناس يقدمون بالقديد فيهديه بعضهم إلى بعض لا ينكره إمام
(١) البقرة: ١٤٣.
(٢) ((المدونة)) ٥٢٣/١.
(٣) أنظر: ((المغني)) ١٣٢/١٣ - ١٣٣.
(٤) انظر: ((المغني)) ١٣٣/١٣.

٥٧٦
ولا عامل ولا جماعة، والذي صححه الشافعي والجمهور(١): يجب عليه
رده إلى المغنم الذي في تلك الغزوة للحديث المتقدم: [((أدوا الخيط
والمخيط))(٢) ولأنه من الغنيمة ولم تقسم فلم يبح وهذا إذا لم تقسم
الغنيمة](٣)، فإن قسمت رده إلى الإمام، وهذا في اليسير، أما الكثير
الذي له قيمة كبيرة فهو مردود لا محالة (٤).
(١) أنظر: ((تحفة الفقهاء)) ٣٠٠/٣. ((التهذيب في اختصار المدونة)) ٦٩/٢، ((الأم))
٢٧٧/٤.
(٢) تقدم برقم (٢٦٩٤).
(٣) ساقطة من (ر).
(٤) انظر: ((المغني)) ١٢٠/١٣.

٥٧٧
- كتاب الجهاد
١٤٠ - باب في بنعِ الطَّعامِ إِذا فَضَلَ، عَنِ النّاسِ فِي أَرْضِ العَدُوّ
٢٧٠٧ - حَدَّثَنَا نُحَمَّدُ بْنُ المِصَفَّى، حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ المُبارَكِ، عَنْ يَخْيَى بْنِ حَمْزَةَ
قالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ العَزِيزِ - شيخٌ مِنْ أَهْلِ الأَزْدُنِّ - عَنْ عُبادَةَ بْنِ نُسي، عَنْ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمِ، قالَ: رابَطْنا مَدِينَةَ قِنَّسْرِينَ مَعَ شُرَحْبِيلَ بْنِ السَّمْطِ فَلَمّا
فَتَحَها أَصابَ فِيها غَنَمَا وَبَقَرًا فَقَسَمَ فِينا طائِفَةً مِنْها وَجَعَلَ بَقِيَّتَها فِي المَغْنَمِ، فَلَقِيتُ
مُعاذَ ابْنَ جَبَلٍ فَحَدَّثْتُهُ فَقَالَ مُعاذٌ: غَزَوْنا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَ خِيْبَرَ فَأَصَبْنَا فِيها غَنَمًا
فَقَسَمَ فِينا رَسُولُ اللهِ وَِّ طائِفَةً وَجَعَلَ بَقِيَّتَها فِي الَغْثَمِ (١).
باب بيع الطعام إذا فَضَل عن الناس في أرض العدو
[٢٧٠٧] (حدثنا محمد بن المصفى) بضم الميم وفتح الصاد المهملة
والفاء، واسمه محمد بن بهلول الحمصي (حدثنا محمد بن المبارك عن
يحيى بن حمزة) بالمهملة والزاي، الحضرمي (قال: حدثني أبو
عبد العزيز) واسمه: يحيى بن عبد العزيز الشامي. قال أبو حاتم:
الشامي ما بحديثه بأس (٢).
(شيخ من أهل الأردن) بضم الهمزة والدال وتشديد النون اسم نهر
وكورة أحد أجناد الشام الخمسة منها طبرية وصور وعكا.
(عن عُبَادة) بضم العين وتخفيف الباء (ابن نُسي) بضم النون مصغر
(١) رواه الطبراني ٨٩/٢٠ (١٧٠)، والبيهقي ٩/ ٦٠.
وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود)) (٢٤٢٥).
(٢) ((الجرح والتعديل)) ٩/ ١٧٠.

٥٧٨
الكندي (عن عبد الرحمن بن غنم) الشامي الصحابي، وغنم بضم الغين
المعجمة وسكون النون (قال: رابطنا مدينة) غير منصرف منصوب(١)
بحذف حرف الجر (قنسرين) بكسر القاف والنون المشددة وإسكان
السين المهملة، قال الزمخشري: بلد(٢). وقيل: جمع، ويقال فيها:
قنسرون في الرفع جمع السلامة إيذانًا بقوة العلم ومثاله يبرون
وفلسطون، قال البكري: بلدة بالشام عند حلب (مع شرحبيل بن
السمط) بفتح السين، ويقال: بكسر السين الكندي # أمير حمص
لمعاوية مختلف في صحبته، ذكر البخاري أن له صحبة(٣).
وقال الأمير: تابعي (فلما فتحها أصاب فيها غنمًا وبقرًا فقسم فينا
طائفة) أي: قطعة (منها) أي: قدر الحاجة منها للطعام، وهذا الذي
قسمه عليهم ليأكلوه ولا يملكونه بالاستيلاء عليه، وإنما يتبين أنه ملكه
بالأكل كالصيد ولا يصح بيعه ولا هبته (وجعل بقيتها) أي بقية الغنم
والبقر (في المغنم) ليقسم بينهم على السهام.
قال الخطابي: والأصل أن الغنيمة مخمسة والباقي بعد ذلك مقسوم،
إلا أن الضرورة لما دعت إلى إباحة الطعام للجيش والعلف صار قدر
الكفاية منها مستثنىّ ببيان النبي ◌ّ، وما زاد على ذلك مردود إلى
المغنم لا يجوز بيعه، انتهى .
لكن إذا قسمت الغنيمة بينهم في دار الحرب جاز لمن أخذ سهمه
(١) ساقطة من (ر).
(٢) ((الكشاف)) ١٧٤/١.
(٣) أنظر: ((الإصابة)) ٢٦٦/٣، (٣٨٨٩).

٥٧٩
= كتاب الجهاد
التصرف فيه بالبيع وغيره، فإن باع بعضهم بعضًا شيئًا منها فغلب عليه
العدو وبقي ضمان البائع(١) له، خلاف الصحيح من مذهب الشافعي
أنه من ضمان المشتري؛ لأنه مال مقبوض أبيح لمشتريه فكان ضمانه
عليه وأخذ العدو له تلف فلم يضمنه البائع كسائر أنواع التلف، ولأن
نماءه للمشتري فكان ضمانه على المشتري؛ لأن ((الخراج بالضمان))
الحديث.
(فلقيت معاذ بن جبل) الأنصاري، قال ابن نمير: مات بناحية الأردن
سنة ثمان عشرة (فحدثته) بالحديث (فقال معاذ: غزونا مع رسول الله وَل
خيبر) سنة ست (فأصبنا فيها غنمًا فقسم فينا رسول الله وََّ) فتنبه والله أعلم
أن يكون أفرد لهم من الغنم (طائفة) أباحها لهم ليأكلوا لما رأى من
حاجتهم، وفيه دليل على أن من تولى أمر شيء باشره وبعث فيه أن
يبادر بإطعامه منه أولًا ترغيبًا له على الرجوع إليه بنشاط، فمن طبخ
شيئًا أو التقط شيئًا أو أصطاد صيدًا فيعطى منه أولًا حتى الجارح
يطعم من الصيد حيث يأتي به (وجعل بقيتها في المغنم) أي: في
الموضع الذي تجمع فيه الغنائم، وإلا فيدفعها للإمام.
(١) ساقطة من (ر).

٥٨٠
١٤١ - باب في الرَّجُلِ يَنْتَفِعُ مِنَ الغَنِيمَةِ بِالشّيء
٢٧٠٨ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بنُ مَنْصُورٍ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شيْبَةَ - المغْنَى - قَالَ أَبُو دَاوُدَ:
وَأَنَا لَجِدِيثِهِ أَثْقَنُ - قالا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعاوِيَةَ، عَنْ نُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي
حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي مَرْزُوقٍ -مَوْلَى تُجِيْبٍ - عَنْ حَنَشِ الصَّنْعانِّ، عَنْ رُونِفِعِ بْنِ ثَابِتٍ
الأَنَّصاريِّ، أَنَّ النَّبي ◌َِّ قالَ: «مَنْ كانَ يُؤْمِنُ باللهِ وَبِاليَوْمِ الآخِرِ فَلا يَرْكَبْ
دابَّةً مِنْ فَيء المُسْلِمِينَ حَتَّى إِذا أَعْجَفَها رَدَّها فِيهِ، وَمَّنْ كانَ يُؤْمِنُ باللهِ
وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ فَلا يَلْبَسْ ثَوْبًا مِنْ فَيء المُسْلِمِينَ حَتَّى إِذا أَخْلَقَهُ رَدَّهُ فِيهِ)) (١).
باب الرجل ينتفع من الغنيمة بالشيء
[٢٧٠٨] (حدثنا سعيد بن منصور) بن شعبة الخراساني (وعثمان بن)
محمد بن (أبي شيبة المعنى. قال أبو داود: وأنا لحديثه أتقن، قالا: حدثنا
أبو معاوية) محمد بن خازم (عن محمد بن إسحاق) صاحب المغازي (عن
يزيد بن أبي حبيب) بفتح المهملة.
(عن أبي مرزوق) حبيب بن الشهيد (مولى تُجِيب) بضم المثناة فوق
وكسر الجيم. وثقه العجلي (٢).
(عن حَنَش) بفتح الحاء المهملة والنون ثم شين معجمة [السبائي،
ابن](٣) عبد الله (الصنعاني، عن رويفع بن ثابت الأنصاري: أن النبي
(١) سبق برقم (٢١٥٩).
(٢) ((معرفة الثقات الثقات)) للعجلي (٢٤٧).
(٣) في الأصول: الشيباني عن أبي. والصواب ما أثبتناه.