النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
= كتاب الطلاق
ينفرد بهُذِه الرواية، وقد تابعه عليها الأوزاعي عن الزبيدي عن الزهري.
[٢٢٥٢] (ثنا سليمان بن داود) شيخ الشيخين (العتكي) بفتح العين
والمثناة، نسبة إلى العتيك بطن من الأزد، وهو عتيك بن النضر بن
الأزد (ثنا فليح) بن سليمان، أخرج له الشيخان (عن الزهري، عن
سعد في هذا الحديث: وكانت حاملاً) فيه دليل على أن الحامل تلاعن
خلافًا لأبي حنيفة في قوله لا يجوز اللعان لنفي الحمل؛ لأن الحمل
لا ينتفي فيكون اللعان مع الشبهة، واللعان يوجب القذف فلا يثبت مع
الشبهة(١).
قلنا: الحمل مظنون بدلائل وأمارات، والمظنون بدليل كالمعدوم في
تعلق الأحكام، ولهذا علق عليه النفقة في العدة وغيرها من الأحكام.
(فأنكر حملها) أن يكون منه ولاعنها على ذلك (فكان ابنها) بعد ذلك
(يدعى إليها) وينسب إليها كما تقدم (ثم جرت السنة) في المتلاعنين
(أن يرثها وترث منه ما فرض الله لها) في كتابه العزيز: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ
وَلَدٌ وَوَرِثَّهُ: أَبَوَهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُّ فَإِن كَانَ لَهُ: إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُِّ﴾ (٢) وهذا
مذهب مالك(٣) والشافعي(٤) وزيد وأهل المدينة والجمهور(٥).
وقال ابن مسعود: إن كانت الملاعنة وحدها ورثت جميع ما يتركه
(١) ((المبسوط)) ٤٨/٧.
(٢) النساء: ١١.
(٣) ((المدونة)) ٢ /٥٩٥-٥٩٦.
(٤) ((الأم)) ٤ / ١١٠.
(٥) (بداية المجتهد)) ١٣٩/٤.

٦٢
ولدها(١)، فجعلها عصبة.
[٢٢٥٣] (ثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن
إبراهيم) بن يزيد النخعي (عن علقمة) بن قيس (عن عبد الله بن مسعود
قال: إنا) أصلها إننا النون الأولى نون إن التي للتأكيد، والثانية
نون ضمير الجمع (لليلة) بفتح اللام الأولى التي تأتي في جواب إن،
والثانية التي في ليلة ونصب ليلة على الظرف (جمعة) بضم الميم على
الأفصح (في المسجد) خبرُ المبتدأ، ولفظ ابن ماجه: كنا في المسجد
ليلة جمعة(٢). فيه فضيلة الاعتكاف في المسجد في ليلة الجمعة (إذ
دخل رجل من الأنصار) حكى النووي في ((تهذيب الأسماء واللغات))
في هذا الرجل قولين: أحدهما: أنه سعد بن عبادة. والثاني: أنه
عاصم ابن عدي(٣).
وأنكر شيخنا العلامة سراج الدين البلقيني القول الأول، وقال: لم
يصح هذا عن سعد بن عبادة (المسجد فقال: لو أن رجلاً وجد مع
آمرأنه رجلًا فتكلم به جلدتموه) يعني: أربعين أو ثمانين جلدة (أو قتل)
الرجل أو المرأة (قتلتموه، وإن سكت) على ذلك الأمر (سكت على
غيظ) وفي رواية: على أمر عظيم، وقد عده العلماء من(٤) الدياثة،
وروى النسائي عن ابن عمر قال رسول الله وَل: (( ثلاثة لا يدخلون
(١) أخرجه ابن أبي شيبة ٣٠٢/١٦ (٣١٨١٤).
(٢) ((سنن ابن ماجه)) (٢٠٦٨)، ولكن فيه: ليلة الجمعة.
(٣) ((تهذيب الأسماء واللغات)) ٣٠٥/٢.
(٤) سقط من النسخة الخطية. والمثبت أليق بالسياق.

٦٣
= كتاب الطلاق
الجنة: العاق والديوث ورجلة النساء)). والديوث بالثاء المثلثة هو الذي
يرى في أهله الفاحشة ويقرهم عليها، بين الطبراني في روايته: قالوا:
يا رسول الله، ما الديوث؟ قال: ((الذي لا يبالي مَن [دخل على](١)
أهله؟)) قالوا: فما الرجلة من النساء؟ قال: ((التي تَشَبَّهُ بالرجال))(٢).
فإن أستحسن الرجل على غير أهله فهو القواد، والقوادة من الكبائر أيضًا.
(والله لأسألن عنه رسول الله وَ ﴾) فيه إخبار(٣) ما ابتلي به لغير الحاكم،
ولا يكون هذا من الغيبة (فلما كان من الغد أتى رسول الله وَلير فسأله) عن
ذلك.
(فقال: لو أن رجلاً وجد مع امرأته رجلاً) يعني: أجنبيًّا (فتكلم به)
يعني: إن تكلم به (جلدتموه أو قتل قتلتموه) قال بعض العلماء: في
تركه * الإنكار على هذا الرجل في قوله: أو قتل قتلتموه. دليل على
وجوب قتل من قتل رجلا وادعى أنه وجده مع امرأته؛ لأن إقراره القيالا
على القول أو الفعل كحكمه به، ويؤيد ذلك ما في ((الموطأ)) عن سعد
ابن عبادة أنه قال للنبي ◌ّي: أرأيت إن وجدت مع أمرأتي رجلًا أمهله
حتى آتي بأربعة؟ قال: ((نعم)) (٤). (أو سكت سكت على غيظ) عظيم.
(١) سقط من النسخة الخطية. والمثبت من ((المصادر)).
(٢) رواه النسائي في الكبرى ٦٣/٣، وأحمد ٣٢١/١٠، والحاكم في ((المستدرك)) ١/
٧٢، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
وقال الألباني في ((الصحيحة)) (١٣٩٧): وهذا إسناد حسن، رجاله ثقات من
رجال ((التهذیب)».
(٣) بياض بالنسخة الخطية، والمثبت مقتضى السياق.
(٤) ((موطأ مالك)) ٢/ ٥٦٦.

٦٤
(فقال) رسول الله ويلقى: (اللهم أفتح) أي: أحكم، والفتاح الحاكم،
ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِمُ﴾(١). وفي
حديث ابن عباس: ما كنت أدري ما قوله: ﴿رَبَّنَا اُفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيِّنَ
قَوْمِنَا﴾(٢) حتى سمعت بنت ذي يزن تقول لزوجها: تعال أُفَاتِحُكَ،
أي: أحاكِمك(٣) (وجعل يدعو) الله، وفيه أن المجتهد والمفتي
والحاكم إذا سئل عن حكم لم يدر جوابه أن يراجع ويسأل عنه أهل
العلم، فإن لم يتبين له فليبتهل إلى الله بالدعاء أن يبين له حكمه ويقول
في دعائه: رب أفتح وأنت خير الفاتحين.
(فنزلت آية اللعان) سميت آية اللعان لذكر اللعنة في الكلمة الخامسة،
وإنما سميت آية اللعنة ولم يقل آية الغضب وإن كانا موجودين في الآية
لكون اللعنة متقدمة فيها، وفي الواقع من صورة اللعان (﴿وَالَّذِينَ يَّمُونَ
أَزْوَجَهُمْ﴾) أي: يقذفون زوجاتهم بالزنا (﴿وَلَمْ يَكُن لَّمْ شُهَدَآُ﴾﴾ أي:
شهود يشهدون بالزنا عليهن (﴿إِلَّ أَنفُسَهُمْ﴾)(٤) (الآية) يعني: الآيات
كما في مسلم.
(فابتلي به ذلك الرجل) الذي سأل عنه من دون غيره (من بين الناس)
لأنه كان السبب لذلك، فمن سأل سؤال تعنت من غير حاجة إليه كما في
شأن بقرة بني إسرائيل، فإن الله أمرهم أن يذبحوا بقرة، فلو أخذوا أي
(١) سبأ: ٢٦.
(٢) الأعراف: ٨٩.
(٣) أخرجه الطبري في ((تفسيره)) ١٢/ ٥٦٤. من طريق قتادة، عن ابن عباس.
(٤) النور: ٦.

٦٥
= كتاب الطلاق
بقرة كانت فذبحوها أجزأتهم، فما زالوا يسألون ويغلظون حتى غلظ
عليهم، فلذلك جاء فيهم: شددوا فشدد عليهم(١).
(فجاء هو وامرأته إلى رسول الله وَ ل فتلاعنا) ثم بين كيف تلاعنهما
(فشهد الرجل أربع شهادات) قال القفال في ((محاسن الشريعة)): كررت
الأربع لتأكيد الأمر، ولأنها أقيمت مقام أربع شهود من غيره ليقام
عليها الحد، وهي في الحقيقة أيمان، لكن لما أقيمت مقام الشهود
الأربعة سميت شهادات (بالله إنه لمن الصادقين) فيه حذف تقديره: فيما
رميت زوجتي به هذِه إن كان أو من إصابة غيري لها على فراشي
(ولعن) بفتح اللام والعين أي: لعنة الله في الكلمة (الخامسة عليه إن
كان من الكاذبين) فيما رماها به من الزنا، وإن كان له ولد ينفيه بقوله
مع ذلك في الكلمات فيقول: وإن الولد الذي ولدته أو هذا الولد إن
كان حاضرًا من الزنا، وليس مني.
(قال: فذهبت) المرأة (لتلتعن) بعده (فقال لها النبي ◌َّ: مه) وهي
كلمة زجر، قيل: أصلها: ما هذا. ثم حذفت ألف ما وما بعد الهاء
وسكنت الهاء، وتستعمل هذه الكلمة مفردة ومكررة، ومثله: به، بالباء
الموحدة فيها بدل الميم.
قال الجوهري: مه كلمة بنيت على السكون، وهو أسم سمي به
الفعل ومعناه: أكفف؛ لأنه زجر، فإن وصلت نونت - يعني: مع كسر
(١) قول مأثور عن بعض التابعين كأبي قلابة الجرمي كما عند عبد الرزاق في ((التفسير))
١٩٢/١، وعبيدة السلماني كما عند البيهقي في ((الكبرى)) ٦/ ٢٢٠.

٦٦
الهاء -فقلت: مَهٍ مَهْ(١).
(فأبت) أي: امتنعت أن تترك الملاعنة لما يلحقها من العار وغيره
عند سكوتها (ففعلت) لفظ مسلم: فلعنت(٢)، وهو أصرح من فعلت
(فلما أدبرا قال) رسول الله وَلفر (لعلها أن تجيء به) أي: بالولد (أسود
جعدًا) بفتح الجيم وسكون العين، قال في ((النهاية)): الجعد في صفات
الرجال يكون مدحًا وذمًّا، فالمدح معناه أنه شديد الأسر والخلق، أو
يكون جعد الشعر وهو ضد السبط؛ لأن السبوطة أكثرها في شعور
العجم، وأما الذم فهو القصير المتردد الخلق، وقد يطلق على البخيل
أيضًا فيقال: هو جعد اليدين ويجمع على جعاد، ومنه الحديث أنه
سأل أبا رهم الغفاري: ((ما فعل النفر السود الجعاد))(٣) أنتهى، وظاهر
هُذا يدل على أن المراد هنا صفة الذم؛ لأن أسود اللون صفة ذم،
وكذا صفة الجعودة، وكذا الشعر القطط صفة ذم، ويدل عليه الرواية
المتقدمة: فجاءت به على النعت المكروه (فجاءت به أسود) اللون
(جعدًا) أي: جعد الشعر.
[٢٢٥٤] (ثنا محمد بن بشار، حدثنا) محمد بن إبراهيم (ابن أبي
عدي) البصري (أنبأنا هشام بن حسان) الأزدي مولاهم الحافظ.
(قال: حدثني عكرمة، عن ابن عباس) رضي الله عنهما (أن هلال بن
(١) ((الصحاح)) (مهه).
(٢) ((صحيح مسلم)) (١٤٩٥).
(٣) ((النهاية في غريب الحديث)) ١/ ٢٧٥، والحديث رواه أحمد ٣٤٩/٤، والبخاري
في ((الأدب المفرد)) (٧٥٤)، وابن حبان (٧٢٥٧.

٦٧
- كتاب الطلاق
أمية) بن عامر الأنصاري الواقفي من بني واقف البدري، كما صح في
البخاري مرارًا وكان معه راية قومه يوم الفتح، وهو أحد الثلاثة الذين
تخلفوا عن غزوة تبوك الذي نزل فيهم ﴿وعلى الثلاثة الذين
خلفوا ... ﴾(١) الآية، وتخلف معه كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع
(قذف أمرأته عند رسول الله وسلم) قال أبو الفضل(٢) بن طاهر: اسم
أمرأة هلال المقذوفة خولة بنت عاصم لها ذكر وليست لها رواية (٣)
(بشريك بن سحماء) مؤنث الأسحم بالمهملتين وسحماء أمه، سميت
بذلك لسوادها، وأما أبوه فهو عبدة بسكون الموحدة بن معتب، وعبدة
صحابي أيضًا، قيل: إن عبدة وابنه شريكًا شهدا أحدًا.
(فقال) له (النبي وَلّى: البينة) بالنصب على إضمار فعل، أي: أحضر
البينة (أو حدٍّ) بالنصب أيضًا، ويروى بالرفع فيهما مبتدأ وخبر محذوف،
أي: عليك الحد (في ظهرك) الرواية هنا بالرفع فيهما، وفي البخاري
روايتان كما تقدم.
قال السفاقسي: فيه دليل على أن من قذف امرأته يحد لها حتى
يلاعن، وهو مذهب مالك(٤) والشافعي(٥)، وقال أبو حنيفة: لا يجب
عليه حد وإن لم يلاعن، بل يحبس حتى يلاعن(٦)، واحتج بحديث
(١) التوبة: ١١٨.
(٢) في النسخة الخطية: عبد الله. وهو خطأ.
(٣) ((إيضاح الإشكال)) لابن طاهر (٢٠٢).
(٤) ((المدونة)) ٣٥٥/٢، ٣٥٩.
(٥) ((الأم)) ٤٢٢/٥.
(٦) ((المبسوط)) ٤٢/٧ - ٤٣.

٦٨
العجلاني المتقدم؛ لأن النبي رَّ إذا بين شيئًا لم يلزمه تكراره، وقد سنه
النبي ◌ّ في قصة هلال هذِه وهي كانت قبل قصة عويمر العجلاني، وقد
صرح في حديث هلال هذا في رواية مسلم: وكان أول رجل لا عَنَ(١) في
الإسلام(٢) (فقال: يا رسول الله إذا رأى أحدنا رجلاً على امرأته) زاد
البخاري: ينطلق(٣) (يلتمس) وفيه حذف همزة الاستفهام، تقديره:
أينطلق يطلب (البينة) فيه أستبعاد ذلك من جهة العادة؛ فإن جبلة
الآدمي ونخوته تأبى ذلك ويشق ذلك على كل من له غَيرة على أهله،
وقد تقدم أن السكوت على ذلك من الكبائر العظام.
فيه أن من عزم على فعل شيء يتعلق بآدمي ويخشى من جحده أن
يحضر بينة تشهد بذلك لتقبل دعواه عليه، والبينة مشتقة من البيان
والإيضاح سميت بذلك لأنها تبين الحق وتوضحه (فجعل النبي وَله
يقول: البينة) بالنصب مفعول فعل محذوف، تقديره: أحضر البينة
(وإلا) أي: وإن لم تحضر البينة (فحد) بالرفع فقط، وارتفاعه على أنه
فاعل فعل محذوف، أي: وإلا يجب حدٌّ، وعلى أنه خبر مبتدأ
محذوف، تقديره: وإلا فالواجب حدٍّ، وعلى أنه مبتدأ حذف خبره،
تقديره: إلا فحدٌّ يجب عليك، وهذِه الأوجه في قوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ
يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ﴾(٤) (في ظهرك) فيه شاهد على استعمال في بمعنى
(١) في النسخة الخطية: طالع. وهو خطأ، والمثبت من ((صحيح مسلم))، وغيره.
(٢) ((صحيح مسلم)) (١٤٩٦) (١١).
(صحيح البخاري)) (٢٦٧١).
(٣)
(٤) البقرة: ٢٨٢.

٦٩
- كتاب الطلاق
على كقوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِبَنَّكُمْ فِي ◌ُذُوعِ النَّخْلِ﴾ (١) أي: عليها، وفيه دلالة
على ما ذهب إليه مالك أن الحدود تضرب على الظهر وما يقاربه (٢)،
وقال الشافعي وأحمد: يضرب على جميع أعضائه إلا المقاتل
والوجه؛ لقول علي : لكل موضع من الجسد حظ يعني: في الحد
إلا الوجه والفرج(٣). وأما قول علي؛ فلأن ما عدا الوجه والرأس
والفرج ليس بمقتل فهو في معنى الظهر.
(فقال هلال) بن أمية (والذي بعثك بالحق إني لصادق) فيما ذكرته (و)
والله (لينزلن) بضم الياء وتشديد نون التوكيد (الله في أمري) اليمين شاملة
لصدقه وإنزال الله تعالى في أمره.
وفيه دليل على جواز الحلف على ما يغلب عليه ظن الآدمي في
المستقبل كقوله {وَ﴾: ((والله لأغزون قريشًا))(٤). وقول عمر عن ابن
صياد: والله إنه هو الدجال (ما يبرئ) بضم الياء وفتح الموحدة وتشديد
الراء وهمزة (ظهري من الحد) وقد أنزل الله ما أبرأ ظهره وأبر قسمه
كما في الحديث: من أن في عباد الله من لو أقسم على الله لأبره(٥).
وفيه: أن الآية نزلت بسببه، وتقدم أنها نزلت في عويمر فلهذا قال
(١) طه: ٧١.
(٢) ((المدونة)) ٤/ ٥٠٣.
(٣) انظر: ((الحاوي الكبير)) ٤٣٧/١٣، و((المغني)) لابن قدامة ٥٠٧/١٢ - ٥٠٨.
(٤) سيأتي تخريجه برقم (٣٢٨٥).
(٥) ولفظه: ((إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره)) رواه البخاري (٢٧٠٣)، ومسلم
(١٦٧٥) وسيأتي عند المصنف برقم (٤٥٩٥).

٧٠
بعضهم: هما قضيتان، ويحتمل أنهما كانا متقاربين في (١) الوقت، فنزل
القرآن، وفي كل من كان في معناهما.
(فنزلت) هُذِهِ الآيات: (﴿وَلَّذِينَ يَرَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ﴾) جمع زوج للمرأة
وهي اللغة الفصحى، وفي لغة: زوجة جمعها زوجات (﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّمْ
شُهَدَآَهُ إِلَّ أَنفُسُهُمْ﴾) بالرفع نعت لشهداء، أو بدل منه.
قال أبو البقاء: لو قُرِئ بالنصب لجاز على أن يكون خبر كان، أو
على الاستثناء، وإنما كان بالرفع أقوى لأن (إلا) هنا صفة بمعنى غير
كما في قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ ءَاِهَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾(٢) (قرأ) لفظ
البخاري: فقرأ(٣) بزيادة الفاء (حتى بلغ ﴿إن كان لمن الصادقين﴾)(٤)
فانصرف النبي 18َّ (فأرسل إليهما فجاءا) كذا للترمذي(٥) وابن
ماجه(٦)، ولفظ البخاري(٧): فأرسل إليها (فقام هلال بن أمية فشهد
قائمًا) فيه دليل على أن اللعان يكون قائمًا، فتلك السنة؛ لأن ذلك
أبلغ في الردع والزجر (والنبي ◌َّر يقول: الله يعلم) لفظ البخاري: ((إن
الله يعلم))(٨) (أن أحدكما كاذب) قال ابن دقيق العيد وغيره: فيه رد
(١) سقطت من النسخة الخطية.
(٢) الأنبياء: ٢٢. وانظر: ((التبيان في إعراب القرآن)) ٩٦٥/٢.
(٣) ((صحيح البخاري)) (٤٧٤٧).
(٤) النور: ٩.
(٥) (سنن الترمذي)) (٣١٧٩).
(٦) ((سنن ابن ماجه)) (٢٠٦٧).
(٧) ((صحيح البخاري)) (٥٣٠٧).
(٨) نفس المصدر السابق.

٧١
= كتاب الطلاق
على من ذهب من النحاة لأن (أحدًا) لا يستعمل إلا في النفي. قال:
وكذلك قوله تعالى: ﴿فَشَهَدَةُ أَحَدِهِمْ﴾(١)، وتعقبه الفاكهي بأن هذا
عجيب من ابن دقيق العيد مع براعته وحذقه فإن الذي قاله النحاة أن
أحدًا التي للعموم لا تستعمل إلا في النفي بهذا القيد الذي لابد منه
نحو: ما في الدار أحد، أما إذا كانت أحد بمعنى واحد فلا خلاف
بينهم في جواز استعماله في الإيجاب لقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ
(١﴾ (٢)، ﴿فَشَهَدَةُ أَحَدِهِمْ﴾ وكما في الحديث، ألا ترى أن المعنى:
الله يعلم أن واحدًا منكما كاذب، وقد جمع الشاعر بين أحد التي
للعموم والأخرى بقوله:
لقد ظَهرتَ فما تخفى على أحدٍ
إلا على أحدٍ لا يعرفُ القَمرا
فاستعمل أحدًا التي للعموم، والثانية التي بمعنى واحد.
قال ابن الأثير في ((شرح المسند)): وهو في هذا اللفظ من الأدب
الحسن ما لا يخفى على السامعين، وذلك أنه لم يواجه أحدًا منهما
بالكذب ولا خصه به، ولعل الله لم يكن أعلمه الكاذب منهما(٣).
(فهل منكما من تائب) في قوله تائب تغليب المذكر على المؤنث كما
في قوله: أحدكما، وإنما عرض لهما بالتوبة بلفظ الاستفهام لإيهام
الكاذب منهما، ولذلك لم يقل لأحدهما بعينه: تب، ولا لأحدهما:
(١) النور: ٦.
(٢) الإخلاص: ١.
(٣) ((شرح مسند الشافعي)) لابن الأثير ٣٩/٥.

٧٢
توبا، وفيه دليل على عرض التوبة على المذنبين، وقد يؤخذ منه أن الزوج
لو رجع فأكذب نفسه كان توبة، ويجوز أن يكون النبي ب ◌ّ دعاهما(١) إلى
التوبة فيما بينهما وبين الله تعالى، وفيه جواز التسجيع في الكلام إذا لم
یتکلف له.
(ثم قامت) فيه أن المرأة تقوم للعان كما يقوم الرجل وإن كان أمرهما
مبني على الستر، والمشهور أن قيامها مستحب، وفي ((الكفاية)) عن
((التتمة)): لو لاعن قاعدًا لم يعتد به إلا أن يكون عاجزًا (فشهدت)
أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين (فلما كان) كذا للترمذي(٢) وابن
ماجه(٣)، فلما كانت (عند) الكلمة (الخامسة) وهي (أن) فيه قراءتان في
السبع، إحداهما تخفيف النون الساكنة على أنها المخففة من الثقيلة
واسمها ضمير الشأن ولذا كسرت الضاد (غضب) وجعل ماضيًا لزم
رفع (الله) ومن شد النون من أنَّ فتح الضاد فصار مصدرًا مضافًا إلى
الفاعل فلزم جر لفظ الجلالة، وإنما خص الغضب بالمرأة لأن جريمة
الزنا من المرأة أقبح في جناية القذف منه، ولذلك تفاوت الحدان ولا
شك أن غضب الله أغلظ من لعنته فخصت المرأة بالتزام أغلظ
العقوبتين؛ لأنها هي السبب (عليها إن كان من الصادقين) فيما رماها
به، زاد البخاري: وَقَّفُوها (٤) (وقالوا لها: إنها موجبة) أي: للعذاب
الأليم إن كانت كاذبة في يمينها (قال ابن عباس: فتلكأت) بفتح المثناة
فوق واللام والكاف المشددة والهمزة، يقال: لَكِئ بالمكان بكسر
(١) سقط من النسخة الخطية وإثباتها ليتم المعنى.
(٢) ، (٣)، (٤) سبق تخريجه.

٧٣
= كتاب الطلاق
الكاف إذا أقام، أي: تباطأت وتوقفت في تمام اللعان أن تقوله، ومنه
حديث زياد: فأتي برجل فتلكأ في الشهادة (ونكصت) أي: رجعت،
وللترمذي: نكست(١). بالسين، وفيه إن توقف ونكس عند الإقرار بشيء
لا يقبل منه شيء ولا يؤاخذ به حتى(٢) يفصِحَ عن المقصود عنه حتى
ظننا أنها سترجع عن لعانه.
(فقالت) وللبخاري: ثم قالت(٣): والله (لا أفضحُ [قومي]) بفتح
الهمزة والضاد المعجمة، أي: لا أدخل عليهم الفضيحة، والمراد: بل
أسترهم، وفي الدعاء: لا تفضحنا، أي: أستر عيوبنا ولا تكشفها بين
خلقك (سائر اليوم) أي: في باقي هذا اليوم (فمضت) في لعانه. وفيه
إشارة إلى صدق زوجها.
(فقال النبي ◌َّيقول: أبصروها) بقطع الهمزة المفتوحة وكسر الصاد من
أبصر يبصر، يقال: أبصرت الشيء إذا رأيته، وبصرت به إذا صرت به
بصيرًا، فهذا من الرؤيا والنظر بما تقدم في حديث عويمر (فإن جاءت
به أكحل العينين) الكحل بفتحتين، وهو أن يعلو الجفون سواد كالكحل
من غير أكتحال، ومنه: ليسَ التكحل في العينين كالكَحَلِ، وفي
حديث: ((أهل الجنة جرد مرد كحلى))(٤) جمع كحيل مثل قتلى وقتيل
(سابغ الأليتين) أي: تامهما وعظيمهما، وفي ((مسند الشافعي)) (في
(١) ((سنن الترمذي)) (٣١٧٩).
(٢) في النسخة الخطية: على و. والمثبت هو اللائق بالسياق.
(٣) ((صحيح البخاري)) (٤٧٤٧).
(٤) أخرجه الترمذي (٢٥٣٩) من حديث أبي هريرة ﴾.

٧٤
صورة)(١) شريك بن سحماء: وهو رجل عظيم الأليتين أدعج العينين (٢)
(خدلج) بفتح الخاء المعجمة والدال المهملة واللام المشددة ثم جيم
(الساقين) أي: عظيمهما وممتلئهما، وساق خدلجة، أي: مملوءة (فهو
لشريك بن سحماء) فيه أن النبي ◌َّ اعتبر الشبه في الولد، ولكن لم
يحكم به لأجل ما هو أقوى من الشبه، وهو أن الولد للفراش،
وكذلك في وليدة زمعة لما رأى الشبه بعتبة قال: ((أحتجبي منه يا
سودة))(٣)، وقضى بالولد للفراش؛ لأن الفراش أقوى منه، وحَكَم
بالشبه في حكم القافة إذا لم يكن هناك أقوى من الشبه (فجاءت به
كذلك) أي: أكحل العينين سابغ الأليتين خدلج الساقين كما ذكر النبي
وَّر (فقال النبي ◌َّر: لولا ما مضى من كتاب الله) أي: من حكم الله
من أنه لا يحكم على أحد إلا بإقرار أو بينة (لكان لي ولها) ولم يصرح
بالمرأة ولا شريك (شأن) يريد به الرجم، أي: لولا أن الشرع أسقط
الرجم عنها لحكمت بمقتضى المشابهة لرجمتها.
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: ذكر الشافعي في كتاب ((إبطال
الاستحسان)» فصلًا في أحكام الدنيا إنما هي على ما أظهر الله تعالى
للعباد، وأن اللهَ مُدِينٌ بالسرائر، واحتج بأمر المنافقين، وبحديث:
((إنكم تختصمون إليَّ))(٤) ثم ذكر حديث العجلاني بلا إسناد، وقال
(١) في ((المسند)) رأيت.
(٢) ((مسند الشافعي)) ص٢٦٤.
(٣) أخرجه البخاري (٢٢١٨)، وغيره من حديث عائشة رضي الله عنها.
(٤) ((معرفة السنن والآثار)) ١٥٨/١١.

٧٥
= كتاب الطلاق
في آخره: لا يحكم على أحد إلا بإقراره.
(قال المصنف: وهذا) الحديث (مما تفرد به أهل المدينة) النبوية
يعني: برواية محمد (بن بشار حديث هلال) بن أمية المذكور.
[٢٢٥٥] (ثنا مخلد بن خالد الشعيري) بفتح الشين، نسبة إلى بيع
الشعير أو إلى محلة معروفة بالكرج، ومخلد عسقلاني نزل طرسوس
وهو شيخ مسلم.
(ثنا سفيان) بن عيينة (عن عاصم بن كليب) أخرج له مسلم (عن أبيه)
كليب بن شهاب الفرمي، ذكره ابن حبان في ((الثقات))(١).
(عن ابن عباس) رضي الله عنهما (أن النبي وَلّ أمر رجلاً حين أمر
المتلاعنين أن يتلاعنا) فيه أن من شرط اللعان أمر القاضي؛ لأنه يمين
فلا يعتد به إلا بإذن الحاكم كما في سائر الخصومات، وفي معنى
القاضي المحكم إذا ( .. ) أن التحكيم في اللعان، وكذا السيد إذا لا عن
بين عبده وأمته فلا يعتد باليمين إلا بإذن السيد، والمراد بالأمر تلقين
المتلاعنين (أن يضع) الرجل (يده على فيه) أي: على فم الملاعن،
وذكر الإمام أن الرجل يأتي الملاعِنَ من ورائه، ويضع يده على فيه
لعله أن ينزجر ويمتنع، وتضع المرأة يدها على فم المرأة إذا انتهت
إلى كلمة الغضب (٢)، قال: ولم أره في المرأة في حديث (عند)
الشهادة (الخامسة) [ ... ](٣) (يقول: إنها موجبة) عليك العذاب، كما
(١) ((الثقات)) لابن حبان ٣٣٧/٥.
(٢) ((نهاية المطلب)) ٥٧/١٥.
(٣) بياض بالنسخة الخطية.

٧٦
سيأتي في الحديث بعده.
قال الشيخ أبو إسحاق في ((التنبيه)): ويستحب أن يقول الحاكم: إنها
موجبة للعذاب وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة(١).
[٢٢٥٦] (ثنا الحسن بن علي) الهذلي الحلواني الخلال، نزيل مكة
شيخ الشيخين.
(ثنا يزيد بن هارون) بن زاذان السلمي (أنا عباد بن منصور) النَّاجي،
أبو سلمة البصري، ولي قضاء البصرة أيام خرج إبراهيم بن عبيد، وقال
المصنف: ولي البصرة خمس مرات، قال أحمد بن محمد بن يحيى بن
سعيد القطان: قال جدي: عباد بن منصور ثقة لا ينبغي أن يترك حديثه
الرأي أخطأ فيه، يعني: القدر(٢) (عن عكرمة، عن ابن عباس قال: جاء
هلال بن أمية) الواقفي تقدم، قال أبو عبد الله بن أبي صفرة: الصحيح
أن القاذف لزوجته عويمر وهلال بن أمية خطأ (وهو أحد الثلاثة الذين)
خلفوا عن غزوة تبوك (تاب الله عليهم) يعني: في قوله تعالى في آخر
سورة براءة: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ﴾(٣) (فجاء من أرضه) أي: من
أرض زرعه (عشًا فوجد عند أهله رجلاً) شريك بن سحماء كما تقدم
(فرأى) وفي ((مسند الشافعي)) عن ابن عباس: أن رجلًا جاء إلى النبي
وَّ فقال: يا رسول الله والله ما لي عهد بأهلي منذ عفار النخل. قال:
(١) ((التنبيه)) ص١٩٠.
(٢) ((تهذيب الكمال)) ١٥٨/١٤.
(٣) التوبة: ١١٨.

٧٧
- كتاب الطلاق
وعفارها إذا كانت تؤبر تغيب (١) أربعين يومًا لا تسقى بعد العفار(٢) قال:
فوجدت مع أهلي أي: رجلًا خدلًا إلى السواد(٣).
قال ابن الأثير: عقار النخل (٤) بفتح العين المهملة وتخفيف القاف
تلقيح النخل وإصلاحها، وقوله: ما لي عهد بأهلي، يريد أنه لم يطأ
منذ كذا وكذا، يعني: ولم يرد أنه حضر عندها، وهذه الرواية تدل
على أن المراد بالأرض الأرض التي فيها النخل، وأنه وجده ورآه
خدلًا إلى السواد، والخدل السمين الساقين (بعينيه) بشد ياء التثنية
(وسمع بأذنيه) الإنسان لا ينظر إلا بعينيه ولا يسمع إلا بأذنيه، وهذا
من المعلوم لكل أحد، وذكر العينين والأذنين توكيدًا لما رأى وسمع
لئلا يتطرق إليه المجاز، ومنه قول الشاعر:
نظرت فلم تنظر بعينيك منظرًا
ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا طَيٍِّ يَطِيُرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ (٥) (فلم يهجه) بفتح الياء
المثناة تحت وكسر الهاء وسكون الجيم، أي: فلم يزعجه ولم ينفره،
وقيل: إنه لم يتحرك، يقال: هاج الشيء إذا تحرك، وهاجه غيره،
يتعدى ولا يتعدى، قاله المنذري (حتى أصبح ثم غدا على رسول الله
(١) في ((المسند)): تعفر.
(٢) في («المسند»: الإبار.
(٣) ((مسند الشافعي)) ص٢٦٩ - ٢٧٠.
(٤) قال ابن الأثير: عفار النخل ... ويروى بالقاف وهذا خطأ، والتعفير: أنهم كانوا إذا
أبروا النخل تركوها أربعين يومًا لا تسقى ... انظر: ((النهاية في غريب الحديث))
(عفر).
(٥) الأنعام: ٣٨.

٧٨
وَ لَه) هذه الرواية الصحيحة، وروي: غدا إلى رسول الله وَله (فقال: يا
رسول الله، إني جئت إلى أهلي) يعني: أمرأتي (عشاء) منصوب على
الظرف، أي: وقت العشاء وهو في موضع الحال من الضمير في جئت
(فوجدت عندهم) جمع الضمير باعتبار الأهل (رجلاً، فرأيت بعيني
وسمعت بأذني فكره رسول الله ( سير ما جاء به) يعني: الخبر الذي جاءه
به (واشتد عليه) أمر ذلك؛ فإن هذا مما يستقبح ذكره وسماعه،
(فنزلت) هذِهِ الآيات: (﴿وَلَّذِينَ يَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَّمْ شُهَدَاءُ إِلَّ
أَنْفُسُهُمْ﴾) تقدم (﴿فَشَهَدَةُ أَحَدِهِمْ﴾)(١) هو من إضافة المصدر إلى الفاعل.
وفي رفع شهادة وجهان: أحدهما: هو خبر مبتدأ محذوف، أي:
فالواجب شهادة أحدهم.
والثاني: هو مبتدأ والخبر محذوف، أي: فعليهم شهادة أحدهم.
(الآيتين) لعله منصوب بأعني محذوفة (كلتيهما) بسكون ياء التثنية
(فسري) بضم السين المهملة وتشديد الراء المكسورة وفتح الياء آخره
(عن رسول الله وَّر) أي: كشف وزال عنه ما كان يجده، من قولهم:
سريت الثوب وسروته إذا خلعته، والتشديد فيه للمبالغة.
(فقال: أبشر) بفتح الهمزة وكسر الشين (يا هلال) فيه استحباب بشارة
الآدمي بما يسره، وقد تكرر في الكتاب والسنة (قد جعل لك) من الضيق
والمشقة الحاصلين لك (فرجًا) من همك (ومخرجًا) من ضيقك.
(قال هلال) بن أمية: (قد كنت أرجو ذلك) لما كان الفرج والمخرج
(١) النور: ٦.

٧٩
= كتاب الطلاق
متقاربي المعنى أعيدت الإشارة إليهما بالإفراد (من ربي) خص ذكر الرب
وإن كان اسم الذات وهو الله جامعًا لكل الأوصاف؛ لأن فيه معنى التربية
له وإصلاح أموره وإسباغ نعمه.
(فقال رسول الله وَله: أرسلوا) بفتح الهمزة وكسر السين (إليها) وتقدم
في الحديث المتقدم أنه قال لزوجها: أذهب فأت بها فجعل زَوجَها
الرسول (فجاءت فتلا عليهما رسول الله وَل وذكرهما) بالوعظ
والتخويف كأن يقول للرجل: أيما رجل جحد ولده احتجب الله منه
وفضحه على رؤوس الأولين والآخرين، ويقول لها قوله الشّهر: ((أيما
أمرأة أدخلت على قوم ما ليس منهم فليست من الله في شيء ولن
يدخلها الله الجنة))(١) (وأخبرهما أن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا)
فاتق الله فإني أخشى إن لم تكن صادقًا أن تبوء بلعنة الله ويقرأ عليه:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنَا قَلِيلًا﴾(٢).
(فقال هلال: والله لقد صدقت عليها) فيما رميتها به (فقالت) له
(كذبت) ولم تقسم كما أقسم (فقال رسول الله وَّر: لاعنوا بينهما) فيه
أنه يجوز أن يلاعن بينهما من آذنه القاضي فإنه بإذنه قائم مقامه كما
يقوم مقامه في التحليف بين الخصمين وغير ذلك، أي: وتقدم أنَّ (٣)
في معنى القاضي المحكم (فقيل) أي: فقال من أذن له النبي وَّه
(لهلال: أشهد) فيه أن القاضي أو من ينوب عنه يلقن الملاعن فيقول
(١) ((مسند الشافعي)) ٤٩/٢.
(٢) آل عمران: ٧٧.
(٣) في النسخة الخطية: أي. والمثبت هو اللائق بالسياق.

٨٠
للملاعن: قل أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميت به هذِه من الزنا أربع
مرات إلى آخره، ويقول لها في كل مرة: قولي أشهد بالله إنه لمن الكاذبين
فيما رماني به من الزنا إلى آخره، ويكفي في التلقين أن يقتصر الأمر بأوله
كما في الحديث (فشهد) اختلف فيه: هل هو يمين أو شهادة؟
فذهب أبو حنيفة وصاحباه(١) إلى حمله على حقيقته وهو أنه شهادة،
فلا يصح عندهم إلا من مسلمين حرين عفيفين لا من كافر ومملوك
ومحدود في قذف(٢)، وذهب الشافعي إلى الأول، وهو الأصح عند
أصحابه(٣)، وبه قال مالك(٤) والليث وأحمد؛ لقوله في آخر الحديث:
((لولا الأيمان لكان لي ولها شأن)»(٥) كما سيأتي. (أربع) منصوب على
أنه تابع لمصدر محذوف أي: شهادات أربع (شهادات بالله إنه لمن
الصادقين) فيما رميتها به.
(فلما كانت) الشهادة (الخامسة قيل) أي: قال له من استخلفه رسول
الله وَّ في الملاعنة: (يا هلال أتق الله) فيما تقول (فإن عذاب الدنيا أهون
من عذاب الآخرة) كما قال تعالى: ﴿وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَقُّ﴾ (٦) أي: أشد من
عذاب الناس (وإن هذِه) الكلمة الخامسة هي (الموجبة التي توجب عليك
العذاب) الأليم في الآخرة، فإني أخشى إن لم تكن صادقًا أن تبوء بلعنة
(١) في النسخة الخطية: وشاهداه. وهو خطأ والمثبت هو الصواب.
(٢) أنظر: ((المبسوط)) ٤٣/٧ - ٤٤.
(٣) ((الأم)) ١٩٥/٥.
(٤) انظر: ((بداية المجتهد)) ١٣٧/٣.
(٥) ((المغني)) لابن قدامة ١٢٣/١١.
(٦) الرعد: ٣٤.