النص المفهرس
صفحات 621-640
٦٢١ كتاب الطلاق جواز وقوع الطلاق الثلاث واحدة؛ لأنه قال: ((قد علمت)) فأقره عليه ولم ينكر عليه (راجعها) هذا موضع التبويب وهو أن هذِه المراجعة التي بعد التطليقات الثلاث منسوخة بما في ((الصحيح)) عن عائشة: أن أمرأة رفاعة القرظي طلقها فبت طلاقها، وفي رواية: فطلقها آخر ثلاث تطليقات فتزوجها ابن الزبير، وإنما معه مثل هدبة الثوب، فقال رسول الله ◌َّه: ((تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟! لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك)) (١). وهذا الذي ذكره المصنف من النسخ هو قول الجمهور من السلف والخلف، وشذ طاوس وبعض أهل الظاهر فقالوا: إن الطلاق الثلاث في كلمة واحدة يقع واحدة فقط، ولزوجها أن يراجعها، ويروى هذا عن محمد بن إسحاق والحجاج بن أرطاة، حكاه القرطبي، وقال: قيل عنهما: لا يلزم منه شيء، وهو مذهب مقاتل، ويروى عن داود(٢). واستدل من قال: تقع الثلاث المجتمعة بكلمة واحدة بأحاديث ثلاثة: بهذا الحديث، والثاني حديث ابن عمر على رواية من روى أنه طلق ثلاثًا(٣)، والثالث: ما روي عن ابن عباس من رواية طاوس وأبي الصهباء وعكرمة(٤) (وتلا) قول الله تعالى: (﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ اٌلِسَآءَ﴾)(٥) فيه استدلال بكتاب الله على السنة؛ لأنه الأصل المعتمد (١) أخرجه البخاري (٦٠٨٤). ومسلم (١٤٣٣). (٢) ((المفهم)) للقرطبي ٢٣٧/٤. (٣) أخرجه مسلم (١٤٧١) (٧). (٤) رواه مسلم (١٤٧٢). (٥) الطلاق: ١. ٦٢٢ للأخذ منه، والسنة بيان له (﴿فَطَلِقُوهُنَّ لِعِذَّتِنَّ﴾)(١) قال مالك في ((الموطأ)): فطلقوهن لعدتهن يعني بذلك أن يطلق في كل طهر مرة (٢)، انتهى. ويؤخذ منه أن من طلق ثلاثًا بكلمة واحدة مخالف لأمر الله. (قال المصنف: وحديث نافع بن عجیر) بن عبد یزید المطلبي، روى عن أبيه وعمه ركانة، وعن أبيه محمد وعبد الله بن علي وثق(٣) وروايته هنا عن عمه ركانة (وعبد الله بن علي بن يزيد بن ركانة) بن عبد يزيد بن هاشم المطلبي، ذكره ابن حبان في ((الثقات)) (٤) ولم يرو عنه غير الزبير بن سعيد الهاشمي (عن أبيه) علي (عن جده) یزید. (أن) أباه (ركانة) بن عبد يزيد (طلق امرأته) سهيمة بضم السين المهملة وفتح الهاء مصغر، وهي بنت عمير المزنية، قال البخاري: ثنا علي، ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدثني أبي، عن ابن إسحاق قال: ثني محمد ابن نافع بن عمير قال: وكان ثقة، سمع عبد الله بن الحارث بن عويمر المزني قال: كان من النبي ◌َ﴾ في عمتي سهيمة بنت عمير قضاء ما قضى به في أحد قبلها(٥) (فردها إليه النبي ◌َّ- أصح) من حديث عكرمة عن ابن عباس المذكور (لأنهم) يعني: لأن عبد الله بن علي ووالده علي بن يزيد وجده يزيد بن ركانة ثلاثتهم هم (ولد الرجل) يعني (١) الطلاق: ١. (٢) ((الموطأ)) ٤٥٩/٢. (٣) ((الكاشف)) ١٩٧/٣. (٤) ((الثقات)) ١٥/٧. (٥) ((التاريخ الكبير)) للبخاري ٢٥٠/١. ٦٢٣ - كتاب الطلاق أولاده، بفتحتين كل أولاده يعني وهو يطلق على الذكر والأنثى والتثنية والجمع، وهو فَعَلْ بمعنى مفعول (وأهله) هم الأقارب، والولد من الأهل كما قال نوح العليها: ﴿إِنَّ أَبْنِى مِنْ أَهْلِيِ﴾(١) وهم (أعلم به) من غيرهم وأعرف بحديثه من سواهم. وبهذا الذي قاله المصنف من أن أهل الرجل وأولاده أعلم به ما رواه الإمام الشافعي المطّلبي في ((مسنده)) عن محمد بن علي بن شافع، وفي رواية أخرى: أخبرنا عمي محمد بن علي بن شافع، عن عبد الله بن علي بن السائب، عن نافع ابن عجير بن عبد يزيد أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته سهيمة المزنية البتة، ثم أتى رسول الله وَ * فقال: يا رسول الله، إني طلقت أمرأتي سهيمة البتة، ووالله ما أردت إلا واحدة فردها رسول الله وَليل فطلقها الثانية في زمان عمر، والثالثة في زمان عثمان(٢) كما سيأتي حيث ذكره المصنف في باب البتة. ورواه ابن ماجه من حديث عبد الله بن علي بن يزيد، عن أبيه، عن جده بنحوه ثم قال: قال أبو عبد الله: سمعت أبا الحسن الطنافسي يقول: ما أشرف هذا الحديث(٣). (إن ركانة إنما طلق امرأته البتة) سيأتي، ويجوز أن يكون قوله البتة شاهدًا على مجيء الحال على صورة المعرف بالأداة فيحكم بزيادة الألف واللام؛ لأن تنكير الحال وتعريف صاحبه لازم، ويكون البتة مصدر وضع موضع اسم الفاعل والتقدير: طلق امرأته بانًّا طلاقها، (١) هود: ٤٥. (٢) ((مسند الشافعي)) ٢٦٨/١. (٣) ((سنن ابن ماجه)) (٢٠٥١). ٦٢٤ ومما زيد فيه الألف واللام على الحال قولهم: أَدخُلوا الأول فالأول، التقدير: أدخلوا مترتبين في الدخول (فجعلها النبي (وَّة) طلقة (واحدة) حين حلف أنه أراد طلقة واحدة كما سيأتي في البتة. [٢١٩٧] (ثنا حميد بن مسعدة) الباهلي، شيخ مسلم (ثنا إسماعيل) بن إبراهيم ابن علية الإمام (أنا أيوب، عن عبد الله بن كثير) الداري أحد القراء(١) السبعة (عن مجاهد) وقرأ عليه القرآن (قال: كنت عند) عبد الله (بن عباس فجاءه رجل فقال: إنه طلق امرأته ثلاثًا، فسكت) ابن عباس عن جوابه (حتى ظننت أنه رادُّها) بتشديد الدال المرفوعة، وأصلها رادِدُها إليه ثم أدغمت الدال في الدال (إليه) أي: إلى عصمته لطول سكوته، ولما تقدم من رواية طاوس وأبي الصهباء. (ثم قال: ينطلق أحدكم فيركب الحموقة) بفتح الحاء المهملة وضم الميم، وهي فَعولة من الحمق كالرَّكوبة من الركب، أي: يركب خصلة ذات حُمق، وإسناد الركوبة إلى الحموقة استعارة كما يسند الركوب إلى الدين، فيقال: ركبه الدين. وحقيقةُ الحمقِ وضع الشيء في غير موضعه مع العلم بقبحه، ومنه حديث نجدة الحروري: لولا أن يقع في أحموقة ما كتبت إليه(٢). وهي أُفعولة من الحمق بمعنى الحموقة (ثم) يذهب (يقول: يا ابن عباس، يا ابن عباس) أعادها مرتين مبالغة في الكلام، يعني: يا ابن عباس أنقذني مما وقعت فيه (وإن الله) تعالى (قال) في كتابه العزيز محذرًا من إيقاع الثلاثة واحدة: (﴿وَمَنْ (١) في النسخة الخطية: الفقهاء. والمثبت من ((تهذيب الأسماء واللغات)) ٢٨٣/١. (٢) سيأتي برقم (٢٧٢٧). ٦٢٥ - كتاب الطلاق يَتَّقِ اللَّهَ﴾) في إيقاعه الطلاق على زوجته، وفي سائر أموره ولم يتعد حدود الله التي حدها في إيقاع الطلقات الثلاث متفرقة (﴿يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجَا﴾)(١): من طلاقه الذي أهمه، وفرجًا من سائر همومه وكل ضيق يعتريه ويراجع زوجته إلى عصمته (وإنك لم تتق الله) في طلاق زوجتك وتعديت حدوده بإيقاع الثلاث في كلمة واحدة، وظلمت نفسك فيما بينك وبين الله، ثم جئت تقول: يا ابن عباس أنظر لي مخرجًا مما وقعت فيه (فلا أجد لك مخرجًا) من طلاقك الثلاث حتى تنكح زوجًا غيرك وإنك قد (عصيت ربك) في تعدیك حدوده (وبانت منك امرأتك) بینونة کبرئ، وفيه دليل على أن إيقاع الثلاث بكلمة واحدة معصية لمخالفة أمر الله في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اَللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾(٢)، وفي قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخرَجَا﴾(٣). وروى النسائي عن محمود بن لبيد قال: أخبر رسول الله ◌َّله عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا، فقام غضبان، ثم قال: ((أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم)) حتى قام رجل فقال: يا رسول الله، ألا أقتله (٤) وذكر البخاري أن محمودًا له صحبة(٥). وروى الدار قطني عن عبادة بن الصامت قال: طلق بعض آبائي أمرأته ألفًا فانطلق بنوه إلى رسول الله وَّة، فقالوا: يا رسول الله، إن أبانا طلق (١) الطلاق: ٢. (٢) الطلاق: ١. (٣) الطلاق: ٢. (٤) (السنن الكبرى)) للنسائي ٢٥٢/٥. (٥) ((التاريخ الكبير)) ٤٠٢/٧ (١٧٦٢). ٦٢٦ ألفًا، فهل له من مخرج؟ فقال: ((إن أباكم لم يتق الله فيجعل له من أمره مخرجًا، بانت منه امرأته بثلاث على غير السنة، وتسعمائة وسبعة وتسعون إثم في عنقه))(١) (وإن الله قال) في كتابه: (﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ (٢) في قبل عدتهن) فيه ما تقدم قريبًا. (قال المصنف: روى هذا الحديث حميد) بن قيس المكي (الأعرج) القارئ (وغيره عن مجاهد، عن ابن عباس، ورواه شعبة، عن عمرو بن مرة) الجملي، أحد الأعلام (عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، و) رواه (أيوب، و) عبد الملك (بن جريج) رووه (جميعًا، عن عكرمة بن خالد) المخزومي، أخرج له الشيخان. (عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس و) رواه عبد الملك (بن جريج) أيضًا (عن عبد الحميد بن رافع، عن عطاء، عن ابن عباس، ورواه) سليمان ابن مهران (الأعمش، عن مالك بن الحارث) السلمي، أخرج له مسلم. (عن ابن عباس) رضي الله عنهما (و) رواه عبد الملك (بن جريج، عن عمرو بن دينار) مولى فراس المكي (عن ابن عباس، وكلهم قالوا في الطلاق الثلاث: أنه أجازها) أي أجاز وقوع الثلاث تطليقات (قال) للسائل: (وبانت منك) بينونة كبرى فلا تحل لك حتى تنكح زوجًا غيرك (نحو حديث إسماعيل) ابن علية (عن أيوب، عن عبد الله بن كثير) في الحديث المتقدم، وكذا رواه الطحاوي عن محمد بن [إياس (١) ((سنن الدار قطني)) ٢٠/٤ وقال: رواته مجهولون وضعفاء إلا شيخنا وابن عبد الباقي (٥٣). (٢) الطلاق: ١. ٦٢٧ = كتاب الطلاق ابن البكير] (١) والنعمان بن أبي عياش وعطاء أنهم كلهم رووا عن ابن عباس فيمن طلق امرأته ثلاثًا أنه قد عصى ربه وبانت منه أمرأته ولا ينكحها إلا بعد زوج(٢). وكذا رواه الأئمة الأربعة. ورواه عن ابن عباس من غير طريق أنه أفتى بلزوم الثلاث مجتمعة. (قال المصنف: وروى حماد بن زيد) بن درهم الإمام الأزدي (عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس إذا قال: أنت طالق. ثلاثًا بفم واحد) أي: بلفظة واحدة، فعبر عن اللفظة بالفم تجوزًا (فهي) طلقة (واحدة) هُذِه الرواية صحت في الأحاديث المتقدمة، وغيرها بخلافه. قال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن حديث ابن عباس يعني هذا بأي شيء تدفعه؟ قال: أدفعه برواية الناس عن ابن عباس من وجوه بخلافه، ثم ذكر عن عدة، عن ابن عباس من وجوه أنها ثلاث. وقيل: معنى هذا الحديث أن الناس كانوا يطلقون واحدة على عهد النبي ◌َّ وإلا فلا يسوغ لابن عباس أن يروي هذا عن النبي ويفتي بخلافه(٣). (ورواه إسماعيل بن إبراهيم) ابن علية (عن أيوب، عن عكرمة هذا) القول (قوله) بالنصب على المصدرية، ونصب هذا المصدر مصدر مثله، تقديره: هذا القول قوله كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَآءَ قَّوْفُورًا﴾ (٤) لكن الآية المصدر الناصب فيها ظاهر، وهذا مقدر (١) في النسخة الخطية: المنكدر. والمثبت من ((شرح معاني الآثار)) ٥٧/٣. (٢) ((شرح معاني الآثار)) ٥٧/٣-٥٨. (٣) ((المغني)) ٣٣٤-٣٣٥. (٤) الإسراء: ٦٣. ٦٢٨ (لم يذكر) عكرمة (ابن عباس) في هذه الرواية (وجعله) أي جعل هذا القول (قول عكرمة) دون ابن عباس. [٢١٩٨] (وصار قول) بالرفع (ابن عباس فيما حدثنا) به (أحمد بن صالح) أبو جعفر المصري الحافظ (ومحمد بن يحيى) بن [عبد الله](١) ابن فارس الذهلي شيخ البخاري (قالا: ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة) عبد الله (بن عبد الرحمن بن عوف ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان) العامري مولاهم المدني (عن محمد بن إياس) ابن بكير الليثي (أن ابن عباس وأبا هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص سئلوا عن البكر يطلقها زوجها ثلاثًا، فكلهم قالوا: لا تحل له) وحرمت عليه (حتى تنكح زوجًا غيره) سواء كان الطلاق قبل الدخول أو بعده، وسواء كانت بكرًا أو ثيبًا، وهذا قول أكثر الأئمة من التابعين والأئمة بعدهم. (قال المصنف: وروى مالك، عن يحيى بن سعيد) القطان (عن بكير ابن الأشج، عن معاوية بن أبي عياش) الأنصاري (أنه شهد هذه القصة) المذكورة (حين جاء محمد بن إياس بن البكير) الليثي (إلى) عبد الله (ابن الزبير وعاصم بن عمر) بن الخطاب، ولد في حياة رسول الله وَلا قه كان بينه وبين رجل من قريش دور في أرض، فقال القرشي لعاصم: فإن كان صادقًا فأدخلها، فقال عاصم: أوقد بلغ بك الغضب كل هذا؟ هي لك، فقال القرشي: سبقتني بها بل هي لك فتركاها لم يأخذها واحد منهما حتى هلكا، ثم لم يتعرض لهما أولادهما (١) في الأصل: عياش. وهو خطأ. والمثبت من ((المصادر)). ٦٢٩ - كتاب الطلاق (فسألهما عن ذلك قال: اذهب إلى ابن عباس وأبي هريرة فإني تركتهما عند عائشة ﴾) فيه أن من سئل عن مسألة وعرف أن غيره أعرف بها أن يدل عليه، وهذا من النصح في الدين والاعتراف لأهل الفضل، ورواية الشافعي: فقال ابن الزبير: هذا الأمر ما لنا فيه قولٌ أذهب إلى ابن عباس(١). وزاد الشافعي في ((مسنده)): فاسألهما، ثم إنه جاء فأخبرنا فذهب فسألهما، فقال ابن عباس: أفتنا يا أبا هريرة فقد جاءتك معضلة، فقال أبو هريرة: واحدة تبينها والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجًا غيره، فقال ابن عباس: مثل ذلك(٢) (ثم ساق هذا الخبر) المذكور. [٢١٩٩] (ثنا محمد بن عبد الملك بن مروان) بن الحكم الواسطي، قال أبو حاتم: صدوق(٣). وقال الدارقطني وغيره: ثقة (٤). (ثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل [المعروف بعارم](٥) السدوسي (ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن غير واحد، عن طاوس) قيل: هو لقب واسمه ذكوان، سمي به لأنه كان طاوس القراء(٦)، وهو ابن كيسان اليماني (٧) (أن رجلاً يقال له: أبو الصهباء) صهيب البصري مولى ابن عباس، وروى له مسلم في الصرف، وتقدم في باب من قال: الحمار (١) ((الأم)) ٣٥٨/٦. (٢) ((مسند الشافعي)) ٢٧١/١. (٣) ((الجرح والتعديل)) ٤/٨. (٤) (تهذيب الكمال)) ٢٦/ ٢٥. (٥) بياض قدر كلمتين، والمثبت من المصادر. (٦) روي ذلك عن يحيى بن معين. انظر: ((تهذيب الكمال)) ٣٥٨/١٣. (٧) ((التهذيب)) ٣٥٧/١٣. ٦٣٠ لا يقطع الصلاة (كان كثير السؤال لابن عباس لأنه كان مولاه وكان له ولاؤه فسأله) و(قال: أما علمت؟) استفهام معناه التقرير للحكم الآتي (أن) فتحت الهمزة لأنها في موضع نصب بالعلم (الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة) يريد أنها لا تقع إلا واحدة وتلغى الثنتان. قال ابن الأثير في ((شرح مسند الشافعي)): الفرق بين قول مسلم: أتعلم(١). وبين قول أبي داود: أما علمت، وقول النسائي: ألم تعلم(٢). أن قول مسلم: أتعلَمُ. أن أكثر ما يطلق هذا اللفظ في استفهام من لا يكون المستفهم قد علم أن المستفهم عالم بما سأله عنه فيكون متوقفًا في أمره فيسأله ليعلم حقيقة الأمر عنده هل يعلمه أو لا، ويجوز أن يكون المستفهم عالمًا بذلك، وإنما يريد بذلك تقريره وتثبيته أو أن يظهر للسامع حقيقة حال المسئول من علم أو جهل، وأما قوله في رواية أبي داود: أما علمت، والنسائي: ألم تعلم، فإنما هو استفهام تقرير وتثبيت محض مع علم المستفهم أن المستفهم عالم بما سأله عنه (٣). (على عهد رسول الله وَلٍّ وأبي بكر وصدرًا) قال ابن الأثير: هو بالنصب عطفًا على الموضع، أي موضع رسول الله، والظاهر أن موضعه رفع؛ لأنه من إضافة المصدر إلى فاعله لا إلى مفعوله، وعلى تقدير أن یکون من إضافة المصدر إلى مفعوله أو فاعله، فالمصدر على (١) (صحيح مسلم (((١٦/١٤٧٢). (٢) (سنن النسائي)) (٣٤٠٦). (٣) ((الشافي شرح مسند الشافعي)) ٤/ ٤٨٧. ٦٣١ = كتاب الطلاق تقدير ما والفعل والتقدير على ما لعهد رسول الله، ويجوز أن يكون صدرًا منصوب على المفعول معه (من إمارة) بكسر الهمزة (عمر) بن الخطاب، وعند الطبراني: وسنتين من خلافة عمر (١). قال عياض: ذهب إلى هذا المذهب قومٌ من التابعين من أصحاب ابن عباس رأوا أن الثلاث لا تقع على غير المدخول بها؛ لأنها تبين منه بقوله: أنت طالق طلقة واحدة، وقوله: ثلاثًا بعدها كلام وقع بعد البينونة فلا يعتد به، فأجروا المتصل مجرى الطلقات المنفصلة ثلاثًا ، قال: وهذا باطل عند جمهور العلماء؛ لأن قوله: أنت طالق معناه ذات طلاق، فلا يصلح إطراح هذا السنن(٢). ولأن قولهم بانت بواحدة وبقي قوله ثلاثًا لم يصادف محلًّا فيه إجراء المتصل مجرى المنفصل، وهذا ليس بشيء؛ لأن قوله: أنت طالق ثلاثًا كلام واحد متصل غير منفصل، ومن المحال البين إعطاء الشيء حكم نقيضه؛ لأن الأتصال والانفصال نقيضان (قال ابن عباس: بلى) أي نعم. فيه تصديق وتقرير السؤال أبي الصهباء (كان الرجل إذا طلق امرأته قبل أن يدخل بها) سواء كان الطلاق الثلاث متفرقًا أو في كلمة واحدة (جعلوها واحدة على عهد رسول الله وَ﴾) وعهد (أبي بكر وصدرًا) بالنصب كما تقدم (من إمارة عمر) قال بعض العلماء البغداديين: المراد بهذا الحديث أنه كان المعتاد في زمن النبي وَ ر تطليقة واحدة، وقد اعتاد الناس التطليق بالثلاث، فالمعنى: كان الطلاق الموقع الآن ثلاثًا لموقع واحدة فيما (١) ((معجم الطبراني الكبير)) ٢٣/١١ (١٠٩١٦). (٢) ((إكمال المعلم)) ٢١/٥. ٦٣٢ قبل إنكارًا لخروجهم عن السنة(١). قال عياض: وهذا بعيد؛ لقوله: وكانت الثلاث تجعل واحدة، ولكن يصح أن يريد كانت الثلاث الموقعة الآن فيما يطلقون به لسانهم تجعل واحدة، يعني: يوقع واحدة(٢)، انتهى. فإن (جعل) تأتي بمعنى أوقع وأوجد لقوله: ﴿وَجَعَلَ اُلُّلْمَتِ وَالنُّورِ﴾ (٣) أوجدهما وأوقعهما بعد العدم (فلما رأى الناس) بالنصب مفعول والفاعل عمر، يعني: فلما رأى عمر الناس (قد تتابعوا) قال القرطبي: رويناه بالياء باثنتين من تحت بين الألف والعين وبالباء الواحدة وهما بمعنىّ واحد (٤). قال النووي: بالمثناة تحت قول الجمهور في الشر والدجاج وبالموحدة تستعمل في الخير والشر فالمثناة هنا أجود(٥) (فيها) أي في الثلاث (قال: أجيزوهن عليهم) قال ابن الأثير: أي أمضوهن وأنفذوا الثلاث وأوقعوهن عليهم، ومنه حديث الحساب: (( لا أجيز اليوم على نفسي شاهدًا إلا مني))(٦) أي: لا أنفذ وأمضي شاهدًا على نفسي من أجاز أمره يجيزه إذا أمضاه وجعله جائزًا(٧). ثم قال ابن الأثير في (١) ((المفهم)) ٤/ ٢٤٣. (٢) ((إكمال المعلم)) ٢٠/٥. (٣) الأنعام: ١. (٤) ((المفهم)) ٢٤٦/٤. (٥) ((شرح النووي على مسلم)) ١٠/ ٧٢. (٦) رواه مسلم (٢٩٦٩) من حديث أنس. (٧) ((النهاية في غريب الحديث)) (جوز). ٦٣٣ = كتاب الطلاق (شرح المسند)): اختلف الناس في تأويل هذا الحديث فقال: كان هذا الحكم في الصدر الأول ثم نسخ، قال: وهذا (لا وجه)(١) له؛ لأن النسخ إنما يكون في زمن النبي ◌ّ فأما في زمانهم فلا وجه للنسخ، فإن الأحكام استقرت وانقطع الوحي، وإنما هو زمان الاجتهاد والرأي فيما (لم يبلغهم) (٢) عن النبي ◌َّل فيه نص (٣). قالوا: ويشبه أن يكون معنى الحديث منصرفًا إلى طلاق البتة كما في حديث ركانة الآتي؛ فإنه جعل البتة واحدة، وكان عمر يراها واحدة ثم تتابع الناس في ذلك وأكثروا منه فألزمهم الثلاث، وإليه ذهب غير واحد من الصحابة وغيرهم(٤)، وبه قال مالك وأحمد، وهذا كصنعه في حد شارب الخمر؛ فإنه كان في زمن النبي ◌َّر وأبي بكر أربعين، ثم إن عمر لما رأى الناس تتابعوا في الخمر، واستخفوا عقوبتها. قال: أرى أن تبلغ حد المفتري، يعني: القاذف فجعلها ثمانين، وذلك بمحضر من الصحابة فلا يبعد أن يكون الأمر في طلاق البتة مثله(٥). قال أبو العباس بن سريج: يمكن أن يكون إنما جاء في نوع خاص من طلاق الثلاث وهو أن يفرق بين اللفظ كأنه يقول: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، فكان في عهد رسول الله وَّل وأبي بكر والناس على صدقهم وسلامة صدورهم، ولم يكن ظهر فيهم الخب الخداع، (١) في الأصل الأوجه. والمثبت من ((معالم السنن)) ١٢٤/٣. (٢) في الأصل: بلغهم. والمثبت من ((معالم السنن)) المطبوع مع ((مختصر السنن)). (٣) ((الشافي)) ٤٨٨/٤. (٤) ((معالم السنن)) المطبوع مع ((مختصر السنن)) ١٢٦/٣. (٥) السابق. ٦٣٤ فكان يصدقهم أنهم أرادوا به التأكيد ولم يريدوا به الثلاث، فلما رأى عمر في زمانه أمورًا ظهرت وأحوالا تغيرت منع من حمل اللفظ على التكرار والتأكيد وألزمهم الثلاث(١). وقال قوم: هذا الحكم خاص في غير المدخول بها. لما تقدم. [٢٢٠٠] (ثنا أحمد بن صالح، أبنا عبد الرزاق، أبنا) عبد الملك (ابن جريج) قال (أخبرني) عبد الله (بن طاوس) بن كيسان (عن أبيه) طاوس القراء (أن أبا الصهباء) صهيب مولى ابن عباس كما تقدم. (قال لابن عباس: أتعلم) تقدم أن هذِه رواية مسلم (٢)، والفرق بينها وبين الرواية المتقدمة: أما علمت (أنما) بفتح الهمزة وهي مركبة من أن التي للتحقيق والتوكيد، وما الكافة، ويحصل من مجموعها حصر الحكم على الشيء والشيء على الحكم، فيقال: إنما القائم زيد، وإنما زيد القائم، فحصرت للقيام على زيد وزيد على القيام، وهاهنا قد حصر الثلاث تطليقات على الواحدة، وليس الغرض من قول أبي الصهباء الإخبار بأن التطليقات منهم (كانت الثلاث) تجعل واحدة، بل الغرض الاستفهام بمعنى التقرير والتثبيت كما تقدم ويدل على ذلك أمران: أحدهما: قوله في آخر الحديث: فقال ابن عباس: نعم. ونعم لا تكون جواب إخبار؛ لأن الخبر لا يحتاج إلى جواب، وإنما يحتاج إليه الاستفهام. (١) ((معالم السنن)) المطبوع مع ((مختصر السنن)) ١٢٧/٣. (٢) رواه مسلم (١٦/١٤٧٢) من طريق عبد الرزاق به. ٦٣٥ - كتاب الطلاق والثاني: تقديره الاستفهام في أول الكلام في قوله: أتعلم، فدل على الغرض الاستفهام (تجعل واحدة) يريد أنها لا يقع منها إلا واحدة، ويلغي اللسان بكلمة الثلاث (على عهد) أي: عصر (النبي ◌َّ و) عصر (أبي بكر وثلاثًا) بالنصب عطف على المعنى كما تقدم؛ لأن عهد بمعنى عصر كما فسروه به، وعصر أصله منصوب على الظرفية، وإنما كان في الظاهر مجرورًا بعلى وثلاثًا مما حذف المضاف إليه وعوض عنه التنوين، أي: وثلاث سنين (من) أول (إمارة عمر ﴾ قال ابن عباس) رضي الله عنهما (نعم)(١) قال ابن المنذر: غير جائز أن يظن أن ابن عباس كان يحفظ عن النبي ◌َ ◌ّ ثم يفتي بخلافه(٢). وقال الشافعي: فإن كان معنى قول ابن عباس أن الثلاث كانت تحسب على عهد النبي ◌ٍّ﴾ واحدة، يعني: أنه بأمر النبي وَلّ فالذي يشبه والله أعلم أن يكون ابن عباس قد علم أنه كان شيئًا فنسخ(٣). وذكر البيهقي أن رواية ابن عباس تأكيدًا لصحة الحديث الذي ذكره المصنف في باب نسخ المراجعة. وقال القرطبي: حديث ابن عباس يعني هذا لا يصح الاحتجاج به لأوجه: أحدها: أنه ليس حديثًا مرفوعًا إلى النبي ◌َّ-، وإنما ظاهره الإخبار عن أهل عصر رسول الله وَله وعصر أبي بكر، فاتفاقهم على (١) هذا النقل الطويل من قوله: قال ابن الأثير إلى هنا من ((الشافي)) لابن الأثير ٤/ ٤٨٨-٤٨٩. (٢) ((الأوسط)) ١٥٨/٩. (٣) ((اختلاف الحديث)) ٨/ ٦٦٠. ٦٣٦ ذلك وإجماعهم عليه ليس بصحيح، فأول من خالف ذلك بفتياه ابن عباس كما في حديث مجاهد في هذا الباب، وفي آخره: عصيت ربك وبانت منك امرأتك(١). وروى مالك في ((الموطأ)) أن رجلًا قال لابن عباس: طلقت امرأتي مائة طلقة، فقال: طلقت منك ثلاثًا وسبعة وتسعون أتخذت بها آيات الله هزؤًا(٢). وفي ((الموطأ)) أن رجلًا جاء إلى ابن مسعود، فقال: إني طلقت امرأتي ثمان تطليقات. قال ابن مسعود: فماذا قيل لك؟ قال: قيل لي أنها بانت منك. قال: صدقوا(٣). هو كما يقولون، قال: فهذا يدل على وجوه الخلاف فيها في عصر الصحابة، وأن المشهور عندهم المعمول به خلاف مقتضى حديث ابن عباس، فبطل التمسك به، وقيل: إن أبا الصهباء لا يعرف في موالي ابن عباس. ولئن سلمنا أنه حديث مسند مرفوع فلا حجة فيه للاضطراب والاختلاف الذي في سنده ومتنه، فقد أضطرب فيه أبو الصهباء عن ابن عباس في لفظه، واضطرب فيه طاوس، فمرة رواه عن أبي الصهباء، ومرة رواه عن ابن عباس نفسه، ومهما كثر الاختلاف والتناقض ارتفعت الثقة(٤). (١) ((المفهم)) ٢٣٩/٤. (٢) ((الموطأ)) ٤٣٣/٢. (٣) ((الموطأ)) ٤٣٣/٢. (٤) أنظر: ((المفهم)) ٢٣٩/٤ - ٢٤٠. ٦٣٧ = كتاب الطلاق ١١- باب فِيما عُنِيَ بِهِ الطَّلاقُ والنِّيَّاتُ. ٢٢٠١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ ابْنِ إِنْراهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَاصِ اللَّيْثِيِّ قالَ: سَمِعتُ عُمَرَ بْنَ الَطّابِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّما الأَعْمَالُ بِالنَِّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ آمْرِئٍ ما نَوى فَمَنْ كانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ وَمَنْ كانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيا يُصِيبُها أَوِ آَمْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُها فَهِجْرَتُهُ إِلَى ما هاجَرَ إِلَيْهِ))(١). ٢٢٠٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ وَسُلَيْمَانُ بْنُ داوُدَ قالا أَخْبَرَنا ابن وَهْبِ أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابن شِهَابٍ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ کَغْبٍ بْنِ مالِكِ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ كَغْبٍ - وَكانَ قائِدَ كَغْبٍ مِنْ بَنِيهِ حِينَ عَميَ - قالَ: سَمِعْتُ كَغْبَ بْنَ مالِكِ. فَساقَ قِصَّتَهُ فِي تَبُوكَ قالَ: حَتَّى إِذا مَضَتْ أَرْبَعُونَ مِنَ الَخَمْسِينَ إِذَا رَسُولُ رَسُولِ اللهِ وَلَّهَ يَأْتِي فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وََّ يَأْمُرُكَ أَنْ تَعْتَزِلَ آَمْرَأَتَكَ. قالَ: فَقُلْتُ: أُطَلِّقُها أَمْ ماذا أَفْعَلُ قالَ: لا بَلِ أَعْتَزِلْها فَلا تَقْرَبَنَّهَا. فَقُلْتُ لإِمْرَأَتِي: الحَقِي بِأَهْلِكِ فَكُونٍ عِنْدَهُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللهِ سُبْحانَهُ في هذا الأَمَرِ (٢). باب فيما عني به الطلاق والنيات [٢٢٠١] (ثنا محمد بن كثير) الضبعي (٣) العبدي (أنا سفيان) بن سعيد الثوري (قال: حدثنا يحيى بن سعيد) الأنصاري، أخرج له الشيخان. (عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وقاص الليثي قال: (١) رواه البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧). (٢) رواه البخاري (٤٤١٨)، ومسلم (٢٧٦٩). (٣) كذا. وليست في نسبته. ولعلها: البصري. ٦٣٨ سمعت عمر بن الخطاب ه يقول: قال رسول الله وَله: إنما الأعمال) جمع عمل وهو حركة البدن بكله أو بعضه، وربما أطلق على حركة النفس والأسبق في الفهم اختصاصه بالجارحة وعلى التفهم فتكون النية ونحوها من عمل القلب مخصوصًا من العموم؛ إذ لا يحتاج إلى نية، وكذلك بعض التروك كإزالة النجاسة ونحوها للدليل على خروج ذلك كله بخلاف الصوم؛ فإنه باقٍ على شموله الحكم له، فيحتاج إلى النية والفرق أن الصوم من قبل المصالح، فلابد من حضوره في الذهن لتحصل مصلحة النفس بمشقة الجوع الباعث على الصدقة، وأما غيره فهو من قبيل درء المفاسد، وهو موجود وإن لم يخطر بالبال. واعلم أن في الكلام حذفًا؛ لأن إنما كانت في الحصر ففيها نفي الحكم عن غير المذكور، والأعمال إذا وقعت من غير نية لا تكون مثبتة، ولابد من تقدير ما يصح فيه الكلام بما يناسب معناه المقصود منه، ويسمى مثل هذا عند الأصوليين دلالة الاقتصار. واختلفوا في المقدر المناسب، فالشافعية وغيرهم قدروا: إنما صحة الأعمال(١) أو إنما اعتبار الأعمال (بالنية) وقدر قومٌ: إنما كمال الأعمال بالنية، والأول أرجح باعتبار أن النفي لما يُقَدَّرُ كان التجوز بما هو أقرب إليه أولى من البعيد، ونفي الصحة أقرب لنفي الحقيقة من نفي الكمال؛ لأن الصحة ألزم للحقيقة من الكمال، نعم ينبغي أن يكون المقدر: إنما الأعمال معتبرة أو مجزئة بالنية؛ إذ لابد للجارِّ من متعلق محذوف هنا هو الخبر في الحقيقة فينبغي أن يجعل المقدر أولًا في ضمن الخبر كما (١) انظر: ((الغرر البهية في شرح البهجة الوردية)) ٨٤/١، ((إعانة الطالبين)) ٤٩/١. ٦٣٩ = كتاب الطلاق مثلناه، فيستغني عن إضمار شيء في الأول، لئلا يصير في الكلام حذفان: حذف مبتدأ أولًا، وحذف الخبر ثانیًا. قال البرماوي: لكن يعارضه أن الخبر يصير كونًا خاصًّا، وإذا قدرنا إنما صحة الأعمال كائنة كان كونًا مطلقًا، وحَذفُ الكون المطلق أكبر من الکون الخاص وحذف المضاف کثیر أيضًا بارتكاب حذفین نكرة، وقياس أولى من حذف واحد نقله شذوذًا، ويشهد لذلك ما قرروه في حذف خبر المبتدأ بعد لولا في الكون الخاص على العام، ومنهم من جعل المقدر القبول أي: إنما قبول الأعمال بالنية الباقية يحتمل أن تكون للمصاحبة، ويحتمل أن تكون للشبهية، ويظهر أثرهما في أن النية شرط أو ركن إن قلنا للمصاحبة: كانت شرطًا؛ لأن الشرط خارج عن الماهية مصاحب لها، أو للشبهية كانت ركنًا؛ لأن جزاء الماهية له تأثير. قال الحافظ المقدسي: النية والقصد والإرادة والعزم بمعنىٍ، والعرب تقول: بوأك الله بحفظه، أي: قصدك، وعبارة بعضهم: أنها تصميم القلب على فعل الشيء. وقال الماوردي: هي قصد الشيء مقترنًا بفعله وإن تراخى عنه كان عزمًا(١)، قاله في كتاب الأيمان، وأصل النية نوية بكسر النون فقلبت الواو ياءً لسكونها بعد كسرة وأدغمت، قال الجوهري: ويقال في النية نية بالتخفيف(٢)، وفي رواية: ((بالنيات)) كما بوب عليه المصنف، وهذا من مقابلة الجمع بالجمع على معنى لكل عمل نية كرَكِبَ القوم دوابَّهم . (١) نقله عنه في ((مغني المحتاج)) ٤٢٧/٥. (٢) ((الصحاح)) (نوى). ٦٤٠ واعلم أن الحصر المذكور من حصر المبتدأ والخبر، ويعبر عنه الشاميون بقصر الموصوف على الصفة، وذلك لأن المحصور فيه أو المقصور عليه هو المؤخر، ثم هو أيضًا قصر خاص خلافًا لما أدعاه ابن دقيق العيد أنه عام(١)، وممن قرأ الحديث كذلك السماني في ((إعجاز القرآن)). (وإنما) الحاصل (لكل امرئ ما) يعني الذي (نوى) فـ(ما) موصول أسمي، ويجوز أن يكون موصولًا حرفيًّا فلا يحتاج العائد، بل التقدير: وإنما لكل أمرئ نيته، ولابد من حذف مضاف على التقديرين لئلا يلزم اتحاد هذه الجملة مع التي قبلها؛ لأن الأولى قد تضمنت أن كل عامل لا يصح عمله إلا بنية، فإذا كانت النية موجودة في عمله، فقد حصل له وإلا فلا يحصل له فيقدر هنا: وإنما لكل امرئ ثواب ما نوى ونحو ذلك، فتكون الأولى قد نبهت على أن الأعمال لا تصير ذات ثواب إلا بنية، والثانية على أن العامل يكون له من العمل على مقدار نيته، ولهذا أُخّرت عنها ليرتبها عليها. وقال بعضهم: الجملة الأولى لبيان أعتبار النية لغرض تمييز العبادة عن العادة، والثانية لغرض تمييز رتب العبادات كالتعيين والفريضة في الصوم والصلاة، فإن النية تنقسم إلى نية تعبد وهو إخلاص العمل لله تعالى، ونية تمييز كمن أقبض رب الدين من جنس دينه شيئًا، فإنه يحتمل التمليك هبة وفرضًا ووديعة وإباحة ونحو ذلك (فمن كانت هجرته) هي فعلة من هجره هجرًا إذا تركه، والمراد هنا الهجرة من مكة إلى المدينة قبل أن تفتح مكة، وبعد الفتح لا هجرة بل جهاد ونية، نعم (١) ((إحكام الأحكام)) ١/ ٦٠.