النص المفهرس

صفحات 541-560

٥٤١
= كتاب النكاح
عقبة في ذلك(١) (فأصبنا سبيًا من سبي العرب) ولمسلم: فسبينا كرائم
العرب، فطالت علينا العزبة ورغبنا في الفداء(٢) (فاشتهينا النساء
واشتدت علينا العزبة) بضم العين وسكون الزاء، والعزوبة البعد عن
النكاح، يقال: رجل عزب، ولا يقال: أعزب.
قال القرطبي: قال ذلك لتعذر النكاح عليهم عند تعذر أسبابه لا لطول
إقامتهم في تلك الغزوة؛ فإن غيبتهم فيها عن المدينة لم تكن طويلة(٣).
(وأحببنا الفداء) أي: رغبنا في أخذ المال عوضًا عنهن وفداءً لخروجنا
عنهن، يقال: فدى أسيره إذا دفع فيه مالًا وأخذه، وفاداه إذا دفع فيه
رجلًا على ما حكاه أبو عمرو (فأردنا أن) نستمتع و (نعزل) كذا لمسلم.
قال عياض: وفيه حجة للجمهور في جواز استرقاق العرب، كما يجوز
استرقاق العجم؛ لأن بني المصطلق من خزاعة. قال: ومنع ذلك
الشافعي وأبو حنيفة وابن وهب من أصحابنا، وقالوا: لا تقبل منهم
جزية، بل إن أسلموا وإلا قوتلوا وجاز وطء سبيهم؛ لأنهم - كانوا
جلهم- كانوا ممن دان بدين أهل الكتاب. قال: ولا يصح قول من زعم
من الشارحين: لعلهم وإن كانوا على دين العرب قد أسلموا؛ فإن في
الحديث: وأحببنا الفداء. ولا يصح استعمال هذا اللفظ فيمن أسلم،
ولا يجوز. قال: ولا يصح أيضًا قول من قال: إنهم كانوا على الشرك،
فلعل هذا كان جائزًا في أول الإسلام ثم نسخ، أو يحتاج هذا إلى نقل
صحيح، وفيه حجة لما عليه جمهور العلماء من أن بيع أمهات الأولاد
(١) ((الاستذكار)) ١٨، ١٩٧ - ١٩٨.
(٢) ((صحيح مسلم)) (١٤٣٨) (١٢٥).
(٣) ((المفهم)) ٤/ ١٦٤.

٥٤٢
لا يجوز إذ الفداء بيع، وقد تقرر عندهم منعه لسبب الحمل، وقال
بعضهم: إنما فيه حجة لمنع بيعهن حبالى فقط لأجل استرقاق الولد،
وهو الذي عليه إجماع المسلمين(١)، انتهى.
قال النووي: فيه أنهم إذا كانوا مشركين وسبوا جاز استرقاقهم؛ لأن
بني المصطلق عرب قبيلة من خزاعة، وقد استرقوهم ووطئوا سباياهم
واستباحوا(٢) بيعهن وأخذ فدائهن، وبهذا قال مالك والشافعي في قوله
الجديد والجمهور، وقال أبو حنيفة والشافعي في قوله القديم: لا
يجري عليهم الرق لشرفهم (٣).
(ثم قلنا: نعزل ورسول الله وَ له بين أظهرنا قبل أن نسأله عن ذلك،
فسألناه عن ذلك) فيه التوقف عند اشتباه الأحكام الشرعية حتى يسأل
عنها؛ لأنهم سألوا قبل أن يعزلوا، لكن في رواية مسلم: أصبنا سبايا
فكنا نعزل، ثم سألنا رسول الله وَلّر عن ذلك.
قال القرطبي: إن فيهم من وقع سؤاله قبل أن يعزل، وفيهم من وقع
سؤاله بعد أن عزل ثم قال: ويحتمل أن يكون معنى قوله: كنا نعزل، أي:
عزمنا على ذلك، فيرجع معناها إلى الرواية الأخرى(٤).
(فقال: ما عليكم أن لا تفعلوا) اختلفوا فيه؛ ففهمت طائفة منهم
النهي والزجر عن العزل كما حكي عن الحسن ومحمد بن المثنى،
(١) ((إكمال المعلم)) ٦١٨/٤-٦١٩.
(٢) في المخطوط: فاستحقوا. والمثبت من ((شرح مسلم)).
(٣) ((شرح مسلم)) ١٠/ ١١ - ١٣.
(٤) ((المفهم)) ١٦٦/٤.

٥٤٣
= كتاب النكاح
وكأن هؤلاء فهموا من ((لا)) النهي عما سئل عنه وحذف بعد قوله: ((لا))،
فكأنه قال: لا تعزلوا، و((عليكم أن لا تفعلوا)) (١) تأكيد لذلك النهي.
وفهمت طائفة أخرى منها الإباحة وكأنها جعلت جواب السائل قوله:
(( لا عليكم أن لا تفعلوا)). أي: ليس عليكم جناح في أن لا تفعلوا.
قال القرطبي: هذا التأويل أولى بدليل قوله: ((ما من نسمة كائنة إلا
ستكون)). ولقوله: ((لا عليكم، إنما هو القدر)). وبقوله: ((إذا أراد خلق
شيء لم يمنعه شيء )). وهذه الألفاظ كلها مصرحة بأن العزل لا يرد القدر
ولا يضر، فكأنه قال: لا بأس. وبهذا تمسك من رأى إباحة العزل مطلقًا
عن الزوجة والسرية سواء رضيا أم لا، وبهذا قال الشافعي ومالك وكثير
من الصحابة والتابعين والفقهاء(٢).
قال الرافعي والنووي وغيرهما من أصحابنا: العزل في السرية جائز
عندنا بلا خلاف (٣)
قال النووي: ما أدعياه من نفي الخلاف ليس كذلك، ففيه وجه أنه لا
يجوز لحق الولد، حكاه الروياني في ((البحر)) قبل باب نكاح الشغار(٤).
وأما العزل عن الحرة المنكوحة ففيه طريقان: أظهرهما أنه يجوز إن
رضيت لا محالة، وإلا فوجهان الجواز(٥) أصحهما عند الغزالي
(١) زاد هنا: وعليكم. والأولى حذفها كما في ((المفهم)).
(٢) (المفهم)) ١٦٦/٤.
(٣) ((الشرح الكبير)) ١٧٨/٨، و((روضة الطالبين)) ٢٠٥/٧.
(٤) أنظر ((المجموع)) ٤٢٣/١٦.
(٥) سقط من الأصل. والمثبت يقتضيه السياق؛ كما في مصادر التخريج.

٥٤٤
والرافعي في ((الشرح الصغير))، والنووي في ((الروضة))(١).
(ما من نسمة) قال الخليل: النسمة: هو الإنسان(٢). وقال شمر:
النسمة النفس، وكل دابة فيها روح فهي نسمة. ولفظ مسلم: ((ما كتب
الله خلق نسمة هي (كائنة إلى يوم القيامة) إلا ستكون))(٣).
(إلا وهي كائنة) (٤) كذا للبخاري(٥). قال الكرماني: أي: ما من نفس
قدر كونها إلا وهي تكون سواء عزلتم أم لا، أي: ما قدر وجوده لا يدفعه
العزل. ولفظ البخاري في أواخر البيع: ((ليست نسمة كتب الله أن تخرج
إلا وهي خارجة))(٦). وبوب عليه: باب بيع الرقيق.
[٢١٧٣] (ثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا الفضل بن دكين، ثنا زهير)
ابن معاوية بن خديج (عن أبي الزبير) محمد بن مسلم المكي (عن جابر ظُه
قال: جاء رجل من الأنصار﴿ إلى رسول الله وَ له فقال: إن لي جارية) زاد
مسلم: هي خادمنا وسانيتنا وأنا (أطوف عليها)(٧) ومعنى سانيتنا أي:
تستقي لنا، شبهها بالبعير الذي يستقي عليه، يقال: سنت الدابة فهي
سانية إذا استقى عليها الماء كذا رواية الجمهور، وعند ابن الحذاء:
(١) ((الوسيط)) ١٨٣/٥، ((روضة الطالبين)) ٢٠٥/٧.
(٢) ((العين)) ٢٧٥/٧.
(٣) (صحيح مسلم)) (١٤٣٨) (١٢٥).
(٤) أخرجه مالك في ((الموطأ)) (١٢٣٩)، ومن طريقه البخاري (٢٥٤٢)، وأحمد ٣/
٦٨ عن ربيعة به، وأخرجه مسلم (١٤٣٨) (١٢٥) من طريق ربيعة به.
(٥) (صحيح البخاري)) (٤١٣٨).
(٦) ((صحيح البخاري)) (٢٢٢٩).
(٧) ((صحيح مسلم)) (١٤٣٩) (١٣٤).

٥٤٥
- كتاب النكاح
سايستنا اسم فاعل من ساس الفرس إذا خدمه، وقوله: أطوف عليها،
كناية عن الوطء (وأنا أكره أن تحمل) فيه دلالة على لحاق النسب للولد
(مع العزل) لأن الماء قد يسبق ولا يعرف به، وفيه أنه إذا أعترف بوطء
أمته صارت فراشًا له، ويلحقه أولادها إلا أن يدعي الاستبراء، وهو
مذهبنا ومذهب مالك (فقال: أعزل عنها إن شئت) فيه نص في إباحة
الوطء كما هو مذهب الشافعي وغيره كما تقدم (فإنه سيأتيها ما قدر
لها) لأن كل نفس قدر الله خلقها لابد أن يخلقها سواء عزل أم لا ،
وما لم يقدر خلقه لا يقع سواء تداوى بأدوية نافعة للحبل أم لا ،
وسواء عزل أم لا، فلا فائدة في العزل (فلبث) بكسر الموحدة
(الرجل، ثم أتاه فقال: إن الجارية قد حملت) بفتح الميم، ولمسلم :
حبلت بكسر الموحدة بدل الميم (قال: قد أخبرتك أنه سيأتيها ما قدر)
الله تعالى (لها) فيه دليل على إلحاق الولد بمن اعترف بالوطء وادعى
العزل في الإماء، وكذا في الحرائر؛ لأنهن في معناهن، وسببه أنفلات
الماء ولا يشعر به العازل ولم يختلف فيه عند الشافعي ومالك إذا كان
الوطء في الفرج [فإن كان في غير الفرج](١) ومما يقاربه لم يلحق.
(١) سقط من الأصل. والمثبت من ((المفهم)) ١٦٩/٤-١٧٠.

٥٤٦
٥٠- باب ما يُكْرَهُ مِنْ ذِكْرِ الرَّجُلِ ما يَكُونُ مِنْ إِصابة أَهْلِهِ.
٢١٧٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ، حَدَّثَنا الْجُريِرِيُّ ح وَحَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ، حَدَّثَنا
إِسْمَاعِيلُ ح وَحَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، كُلُّهُمْ عَنِ الْجُريْرِيِّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ حَدَّثَني
شَيْخٌ مِنْ طُفاوَةَ قالَ: تَثَّوَّيْتُ أَبَا هُرِيْرَةَ بِالمَدِينَةِ فَلَمْ أَرَ رَجُلاً مِنْ أَصْحابِ النَّبيِّ
بِ اللّهِ
أَشَدَّ تَشْمِيرًا وَلا أَقْوَمَ عَلَى ضِيْفٍ مِنْهُ فَبِيْنَما أَنَا عِنْدَهُ يَوْمًا وَهُوَ عَلَى سَرِيرٍ لَهُ وَمَعَهُ
كِيسٌ فِيهِ حَصَّى أَوْ نَوىُ - وَأَسْفَلُ مِنْهُ جارِيَةٌ لَهُ سَوْداءُ - وَهُوَ يُسَبِّحُ بِها حَتَّى إِذا
أَنْفَدَ ما في الكِيسِ أَلْقَاهُ إِليْها فَجَمَعَتْهُ فَأَعادَتْهُ فِي الكِيسِ فَدَفَعَتْهُ إِلَيْهِ فَقَالَ أَلَا أُحَدِّثُكَ
عَنّي وَعَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ قالَ: قُلْتُ: بَلَى. قَالَ بِيْنا أَنَا أُوعَكُ فِي المَسْجِدِ إِذْ جاءَ
رَسُولُ اللهِ وَِّ حَتَّى دَخَلَ المسْجِدَ. فَقَالَ: ((مَنْ أَحَسَّ الفَتَى الدَّوْسيَّ)). ثَلاثَ
مَرَّاتٍ. فَقَالَ رَجُلٌ يا رَسُولَ اللهِ هُوَ ذا يُوعَكُ في جانِبِ الَسْجِدِ فَأَقْبَلَ يَمْشي حَتَّى
أَنْتَهَى إِلَى فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَّ فَقالَ لي مَعْرُوفًا فَنَهَضْتُ فَانْطَلَقَ يَمْشي حَتَّى أَتَّى مَقَامَهُ
الذي يُصَلّي فِيهِ فَأَقْبَلَ عَليْهِمْ وَمَعَهُ صَفّانِ مِنْ رِجالٍ وَصَفٍّ مِنْ نِساءِ أَوْ صَفّانِ مِنْ
نِساءٍ وَصَفُّ مِنْ رِجَالٍ فَقالَ: ((إِنْ أَنْساني الشّيْطانُ شيْئًا مِنْ صَلاتِ فَلْيُسَبِّح
القَوْمُ وَلْيُصَفِّقِ النِّساءُ )). قالَ: فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ وَلِهِ وَلَمْ يَنْسَ مِنْ صَلاتِهِ شيئًا.
فَقَالَ: ((مَجالِسَكُمْ مَجالِسَكُمْ)). زادَ مُوسَى: ((ها هُنا)). ثُمَّ حَمِدَ اللهَ تَعالَى وَأَثْنَى
عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: ((أَمّا بَعْدُ)). ثُمَّ أَتَّفَقُوا ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الرِّجالِ فَقَالَ: ((هَلْ مِنْكُمُ
الرَّجُلُ إِذا أَتَىْ أَهْلَهُ فَأَغْلَقَ عَليْهِ بَابَهُ وَأَلْقَى عَلَيْهِ سِتْرَهُ واسْتَتَرَ بِسِتْرِ اللهِ؟ )).
قالُوا نَعَمْ. قالَ: ((ثُمَّ يَجْلِسُ بَعْدَ ذَلِكَ فَيَقُولُ فَعَلْتُ كَذا فَعَلْتُ كَذا)). قالَ:
فَسَكَتُوا قَالَ: فَأَقْبَلَ عَلَى النِّساءِ فَقَالَ: ((هَلْ مِنْكُنَّ مَنْ تُحَدِّثُ؟ )). فَسَكَثْنَ فَجَثَتْ
فَتَاةٌ - قالَ مُؤَمَّلٌ فِي حَدِيثِهِ فَتاةٌ كَعابٌ - عَلَى إِحْدَىْ رُكْبَتِيِها وَتَطاوَلَتْ لِرَسُولِ اللهِ
وَخَ لِيَراها ويَسْمَعَ كَلامَها فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللهِ إِنَّهُمْ لِيَتَحَدَّثُونَ وَإِنَّهُنَّ لِيَتَحَدَّثْنَهْ فَقالَ:
((هَلْ تَدْرُونَ ما مَثَلُ ذَلِكَ)). فَقالَ: ((إِنَّما ذَلِكَ مَثَلُ شَيْطَانَةٍ لَقِيَتْ شَيْطَانًا في
السِّكَّةِ فَقَضَى مِنْها حاجَتَهُ والنّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ أَلا وَإِنَّ طِيبَ الرِّجالِ مَا ظَهَرَ

٥٤٧
- كتاب النكاح
رِيحُهُ وَلَمْ يَظْهَرْ لَوْنُهُ أَلا إِنَّ طِيبَ النِّساءِ ما ظَهَرَ لَوْنُهُ وَلَمْ يَظْهَرْ رِيحُهُ)). قالَ
أَبُو داوُدَ: مِنْ ها هُنا حَفِظْتُهُ، عَنْ مُؤَمَّلِ وَمُوسَى: «أَلا لا يُفْضِيَنَّ رَجُلٌ إِلَى رَجُلٍ
وَلا أَمْرَأَةٌ إِلَى أَمْرَأَةٍ إلَّا إِلَى وَلَدٍ أَوْ والِدٍ )). وَذَكَرَ ثَالِثَةً فَأُنْسِيتُها وَهُوَ فِي حَدِيثِ
مُسَدَّدٍ وَلَكِنّي لَمْ أُتْقِنْهُ كَما أُحِبُّ وقَالَ مُوسَى، حَدَّثَنَا حَمَّدٌ عَنِ الْجُرِئِرِيِّ، عَنْ أَبِي
نَضْرَةَ، عَنِ الطَّفاويّ (١).
باب ما يكره من ذكر الرجل ما يكون من إصابته أهله
[٢١٧٤] (ثنا مسدد، ثنا بشر) بن المفضل بن لاحق الإمام (ثنا) سعيد
ابن إياس (الجريري) بضم الجيم نسبة إلى جرير بن عباد أخي الحارث بن
عباد بن بكر بن وائل (وثنا مؤمل) بتشديد الميم الثانية ابن هشام اليشكري،
شيخ البخاري (ثنا إسماعيل) ابن علية (ح وثنا موسى) بن إسماعيل (ثنا
حماد) بن سلمة، الثلاثة (كلهم، عن) سعيد (الجريري، عن أبي نضرة)
بفتح النون وسكون الضاد المعجمة هو المنذر بن مالك بن قطعة
بسكون الطاء العوقي بفتح العين المهملة والواو المخففة وكسر القاف،
قال الأمير: نسبة إلى العوقة من عبد القيس (٢). وبالبصرة محلة يقال
لها: العوقة سكنها هذا البطن فنسب إليهم، وأبو نضرة بصري تابعي
(قال: ثني شيخ من طفاوة) بضم الطاء المهملة وتخفيف الفاء بعد
(١) رواه مختصرا بقصة الطيب الترمذي (٢٧٨٧)، والنسائي ١٥١/٨.
وضعف إسناده الألباني في ((ضعيف أبي داود)) (٣٧٢).
ولذكر التسبيح للرجال والتصفيق للنساء أنظر ما سلف برقم (٩٣٩)، وهو صحيح.
(٢) ((الإكمال)) ٣١٥/٦.

٥٤٨
الألف واو مفتوحة وهو حي من قيس عيلان (قال: تثويت) بفتح التاء
المثناة فوق مع المثلثة والواو المشددة وسكون المثناة تحت (أبا هريرة
بالمدينة) أي: جئته ضيفًا، والثوي بفتح المثلثة وكسر الواو وتشديد
الياء هو الضيف، وهذا كما تقول: تضيفته إذا ضفته، ومن قولهم:
ثوى بالمكان إذا أقام به.
وفيه استضافة أهل الدين والعلم والمجيء إليهم ليأكلوا من طعامهم
ويستشفوا به؛ فإن طعامهم شفاء لحاجة ولغير حاجة، وأما أستضافة أهل
الشر أو من لا يعرف حاله فلا يكون إلا لحاجة إلى الطعام، كما في قصة
موسى التَّ والخضر حين أتيا أهل قرية فاستطعما أهلها فأبوا أن
يضيفوهما، أي: أستضافوهم فلم ينزلوهما منزلة الأضياف.
(فلم أر رجلاً من أصحاب النبي (وَّ أشد) لما لم يجز أن يصاغ من
(شَمَّرَ) أفعل التفضيل لكونه رباعيًّا توصل بـ(أشد) الذي جمع الشروط
صيغ منه أفعل، وأتى بمصدر الفعل الذي عَدِمَ الشروط تمييزًا فقيل:
(تشميرًا) مصدر شمر ثوبه تشميرًا إذا رفعه عن الأرض، وشمر في
العبادة تشميرًا إذا أجتهد فيها مع السرعة (ولا أقوم على ضيف منه) من
قام على الضيف إذا قام بخدمته وبما يتعين له من حقه.
وفي الحديث دلالة على إكرام الضيف وخدمته، وفيه تشمير الثوب
عند الخدمة كتشمير كمه وذيله عند السباق، وفيه التشمير والاجتهاد في
إكرام الضيف بسرعة، وخدمة الضيف دون أستنابة، بل يتولى من جاءه
الضيف خدمته بنفسه وإن كانت مرتبته أعلى من ضيفه؛ فإن أبا هريرة
أفضل من ضيفه، وإبراهيم القليل أفضل من الملائكة الذين أتوه على

٥٤٩
= كتاب النكاح
هيئة الأضياف فتولى خدمتهم بنفسه وفاجأهم حين جاءهم بعجل حنيذٍ.
(فبينما أنا يومًا عنده) يحتمل أن يريد يومًا من أيام الضيافة (وهو على
سرير) فيه جواز الجلوس والنوم على السرير؛ لأنه يرفع عن برودة الأرض
وعن هوامها وحشراتها، وكان له وَل سرير(١) ينام عليه (له) فيه أن اليد
تدل على الملك، فمن عليه ثوب أو تحته سرير فيحكم بأنه له إلى أن
يثبت ما يخالفه (ومعه كيس) وهو الذي يخاط من الخرق (فيه حصىّ أو
نوىّ) شك من الراوي، والحصى أقرب إلى المعنى، ولكونه أبتدأ به
(وأسفل) بالنصب على الظرفية وهو خبر مقدم (منه جارية) ولهذا جاز
رفع جارية وهي نكرة؛ لتقدم الظرف عليها، ولأنه وصف بقوله (له)
أي: ملك له، وفيه استخدام الجواري واسترقاقهن للخدمة؛ لأنه إعانة
على الطاعة وفي اقتنائهن تفريغ القلب عن تدبير المنزل والتكفل بشغل
الطبخ والكنس والفرش وتنظيف الأواني؛ إذ لو تكفل الإنسان بجميع
أشغال المنزل لضاعت أكثر أوقاته ولم يتفرغ للعبادة، وعلى هذا
فليست الخادم من الدنيا؛ لأنها تفرغ العبد للآخرة كالزوجة الصالحة.
(سوداء) وهي أولى من البيضاء لكونها أخف ثمنًا وأقوى للعمل
وأبعد عن الشهوة في حق من يدخل إليه (وهو يسبح بها) فيه فضيلة
التسبيح، وفي معناه التحميد والتهليل والإكثار منه وإشغال الأصابع
بتحريك الحصى أو النوى ونحوهما أو السبحة وهو داخل في الحديث
المتقدم: ((واعقدن بالأصابع فإنهن مسئولات مستنطقات))(٢). وفيه
(١) في الأصول: سريرًا. والمثبت الصواب.
(٢) سبق تخريجه برقم (١٥٠١) باب التسبيح بالحصى.

٥٥٠
جمع بين العبادة بالقلب واللسان والجوارح، والظاهر أن الحصى
شاهدات للمسبح بهن كما أن الأرض تشهد كما قال تعالى: ﴿يَوْمَیِدٍ
تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا ﴾﴾(١) (حتى إذا أنفد) بفتح الهمزة والفاء، والدال
المهملة، أي: أفنى جميع (ما في الكيس) يقال: نفد الشيء كتعب
نفادًا إذا فني، وأنفدته أنا فيتعدى بالهمزة (ألقاه إليها) والظاهر أن
الحصى الذي يفنى له عدد مخصوص معلوم من الأعداد التي ورد لها
ثواب مخصوص في السنة.
(فجمعته فأعادته في الكيس فدفعته إليه) ليعيد التسبيح به، وهذا يدل
على شدة اجتهاد الصحابة﴿ في العبادة، وملازمتهم التسبيح والأذكار
وإعراضهم عن السعي في التكاثر من الدنيا والاكتلاب عليها كما هو
مشاهد اليوم (فقال: ألا أحدثك عني وعن رسول الله وَ ل﴾) وما سمعته
منه؟ فيه تعليم العلم لمن لا يسأل عنه (قال الشيخ: قلت: بلى) أبا
هريرة (قال: بينا أنا أوعك) بضم الهمزة وفتح العين، والوعك هو
الحمى أو ألمها، وقد وعكه المرض فهو موعك (في المسجد) فيه
جواز إقامة الموعك والمريض في المسجد إذا لم يحصل منه نجاسة
في المسجد ونومه فيه ليلًا أو نهارًا (إذ جاء رسول الله) يسأل عنه
(حتى دخل المسجد) الظاهر أنه في غير أوقات الصلاة؛ فإنه لم يأته
إلا ليعود المريض الذي به (فقال: من أحس الفتى) أصل الإحساس
الإبصار، ومنه: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ﴾(٢)، ثم أستعمل في الوجدان
(١) الزلزلة: ٤.
(٢) مريم: ٩٨.

٥٥١
= كتاب النكاح
والعلم بأي حاسة كانت، وربما زيدت الباء فقيل: أحس به. على معنى:
شعرت به (الدوسي) بفتح الدال المهملة نسبة إلى دوس بن عدنان بطن
كبير من الأزد، ونسب إليه خلق كثير منهم أبو هريرة هنا، ومنهم
الطفيل بن عمرو الدوسي الذي قدم على رسول الله وَالر (ثلاث مرات)
وليس هذا من إنشاد الضالة المنهي عنه.
(فقال رجل: هو ذا) حاضر (يوعك في جانب المسجد) فيه أن
المريض إذا أحتاج إلى الإقامة في المسجد لكونه عازبًا أو غريبًا
ونحوهما أن يجلس في جانب المسجد لا في صدره ومواضع الصفوف
الأول، بل في جوانب المسجد وأواخره لئلا يضيق على المصلين،
قال: (فأقبل يمشي) بعدما صلى تحية المسجد؛ فإن تحية المسجد حق
لله تعالى، وهو مقدم على حق الآدمي من عيادة مريض أو سلام على
قادم حاضر فيه ونحو ذلك (فوضع يده علي) في الحديث دلالة على
أن من تمام عيادة المريض أن يضع أحدكم يده على جبهته أو على يده
ويسأله كيف هو (وقال لي معروفًا) صفة لمصدر محذوف، أي: قولًا
معروفًا كقوله: ((لا بأس طهور إن شاء الله تعالى))(١). ونحو ذلك مما
كان يقوله وَي﴿ ويدعو به للمريض إذا عاده.
(فنهضت) من ساعتي فرحًا برسول الله وَلر (فانطلق يمشي) في
المسجد (حتى مقامه) بفتح الميم هو اسم الموضع الذي يقوم فيه
المصلي وغيره، وبضم الميم أسم موضع من أقام بالموضع أتخذه
وطنًا (الذي) يعتاده (يصلي فيه) فيه مشروعية أن يتخذ الإنسان مكانًا
(١) رواه البخاري (٣٦١٦) عن ابن عباس.

٥٥٢
في المسجد يعتاد الصلاة فيه أو التدريس أو التعليم ونحو ذلك.
(فأقبل عليهم ومعه) في المسجد (صفان من رجال وصف من نساء)
فيه ترتيب الصفوف وهو أن يتقدم في الصفوف الرجال ثم النساء، هذا
إذا لم يكن صبيان؛ فإن كان صبيان قدم الرجال ثم الصبيان ثم النساء
حتى لو حضر النساء أولًا ووقفوا في الصف ثم جاء الرجال، تأخروا
للرجال ولو لم يكمل الصف الأول بالرجال لم يكمل بالنساء بل
بالصبيان (أو) معه.
(صفان من نساء وصف من رجال) قبلهم وأمامهم، فقال رسول الله
حَّ (إن نسَّاني) بتشديد السين (الشيطان شيئًا من صلاتي) فيه جواز
النسيان عليه في أحكام الشرع، وهو مذهب جمهور العلماء وظاهر
القرآن، لكن لا يقر عليه بل يعلمه الله تعالى به، وظاهر الحديث وقوله
تعالى حكاية عن موسى القّهي ﴿وَمَآ أَنْسَئِنِيهُ إِلَّ الشَّيْطَانُ﴾(١)، أن
الشيطان ينسي الأنبياء، وكما قال تعالى ﴿فَأَنْسَلَهُ الشَّيْطَنُ ذِكْرَ
رَبِّهِ﴾ (٢) قال ابن عباس: لما تضرع يوسف إلى مخلوق وكان قد
اقترب خروجه أنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن (٣).
(فليسبح القوم) يعني: يسبح الرجال دون النساء إذا نسي الإمام في
الصلاة، وأما النساء فيصفقن، وصفة التسبيح سبحان الله، ويجهر
بحيث يسمع المقصود، لا واحد له من لفظه، قال تعالى: ﴿لَا يَسْخَرْ
(١) الكهف: ٦٣.
(٢) يوسف: ٤٢.
(٣) رواه الطبري ١٦/ ٩٣.

٥٥٣
- كتاب النكاح
قَوْمٌ مِّنْ قَوْمٍ﴾(١) ﴿وَلَا نِسَآءٌ مِّن نِسَاءٍ﴾، فخص القوم بالرجال، جاء لفظ
الحديث على ذلك، قال بعضهم: وربما يجعل النساء فيه على سبيل
التبع؛ لأن قوم كل نبي رجال ونساء، والقوم يذكر ويؤنث، قال
تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ، قَوْمُكَ﴾(٢) فذكَّر، وقال تعالى ﴿ كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوج﴾(٣)
فأنث، وسمي القوم قومًا لأنهم قوامون على النساء، بالأمور التي
ليست للنساء أن يقمن بها وسميت النساء (٤) لتأخرهن عن منازل
الرجل، من نسأته إذا أخرته أو نسيته إذا تركته. (ولتصفق النساء)
بضرب الكف اليمين على ظهر اليسار، ولا ينبغي أن تضرب بطن
الكف على بطن الكف؛ فإنه لعب، ولو فعلت ذلك على وجه اللعب
بطلت صلاتها وإن كان قليلاً؛ لأن اللعب ينافي الصلاة، وتقدم في
كتاب الصلاة زيادة.
(قال: فصلى رسول الله وَ له ولم ينس من صلاته شيئًا) وفيه تعليم
الإمام المأمومين أحكام الصلاة قبل الدخول فيها (فقال: مجالسكم
مجالسكم) بالنصب فيهما على الإغراء، وهما منصوبان بفعل مضمر
تقديره: الزموا مجالسكم، ولا يجوز إظهار هذا الفعل المضمر؛ لأن
التكرار جعل كالبدل من التلفظ بالفعل، فلا يجمع بين البدل والمبدل،
وأمرهم بلزوم مجالسهم ليستمعوا ما يعلمهم من أمر دينهم بعد
(١) الحجرات: ١١.
(٢) الأنعام: ٦٦.
(٣) الشعراء: ١٠٥.
(٤) زاد هنا في الأصل: رجال. ولعلها مقحمة.

٥٥٤
الصلاة، وفيه أن الصلاة إذا أريد بعدها قراءة حديث أو ( ... )(١) أو تفسير
أو تعليم شيء من أمور الدين فللإمام أو المبلغ والمؤذن أن يقول بعد
انتهاء الصلاة: مجالسكم مجالسكم. كما في الحديث، أو كما يقال
اليوم: رحم الله من جلس وسمع الواعظ أو المحدث. وهذا إنما
يحتاج إليه إذا كان في الابتداء، فإن أستمرت قراءة الحديث أو غيره
فيعلم بالعادة ولا يحتاج إلى إعلامهم.
(زاد موسى) بن إسماعيل شيخ المصنف (هاهنا:) ثم إن النبي وَل
(حمد الله) تعالى (وأثنى عليه) فيه أنه يستحب لكل خطيب وواعظ
ونحو ذلك أن يبدأ أول كلامه بحمد الله تعالى وحسن الثناء عليه؛ لأن
كل ما لا يبدأ فيه بحمد الله تعالى فهو أجذم أي: مقطوع البركة (ثم
قال: أما بعد) مبني على الضم، والإضافة فيه مقدرة تقديره: أما بعد
حمد الله والثناء عليه، وثبت أنه وَلّ كان يقول: ((أما بعد)). في خطبته
وكتبه، حتى رواه الحافظ عبد القاهر الرهاوي في ((الأربعين)) التي له
بأسانيد عن أربعين صحابيًّا، واختلفوا في أول من ذكرها، فقيل: داود
الَّرة، وأن هذِه الكلمة ﴿وَفَصْلَ لُلِطَابِ﴾ المشار إليها في الآية (ثم
اتفقوا) يعني: مسدد والجريري ومؤمل وموسى (ثم أقبل على الرجال)
وبدأ بهم أولًا لتفضيلهم على النساء (فقال: هل منكم الرجل) الألف
واللام للجنس وتعريف الحضور، فهو نفس الجنس بدأ به والحضور
بدخول (الـ ) (إذا أتى أهله فأغلق عليه) وعليها (بابه) فيه قول بسم الله
(١) كلمة غير مقروءة.

٥٥٥
- كتاب النكاح
كما في الحديث(١)، فيه أتخاذ الأبواب للبيوت والدور (وألقى عليه)
وعليها (ستره) الذي يسترهما.
(واستتر بستر الله) الذي يحبه كما في الحديث: ((إن الله حيي ستير
يحب الحياء ويريده لعباده))(٢)، وفي حديث آخر: ((أيما رجل أغلق
بابه وأرخى أستاره فقد تم صداقها)). والإسارة كالستارة (قالوا:)
الرجال (نعم، قال: ثم يجلس بعد ذلك) يحدث به في المجالس أو
لآحاد الناس (فيقول: فعلت) بأهلي (كذا) و (فعلت كذا) وكذا (قال:
فسكتوا) الرجال، فيه أن الإنسان إذا سئل عن فعل شيء قبيح وكان
فعله فينبغي أن يسكت؛ لأن سكوته علامة على خجله واستحيائه بما
وقع منه أن يذكره في حضرة الأكابر ومجالس أهل العلم والصلاح.
(قال: فأقبل في النساء فقال: هل منكن من متحدث) أصله: تتحدث
به، بتاءين فحذفت إحداهما تخفيفًا (فسكتن) النساء واستحيين (فجثت)
بفتح الجيم والثاء المثلثة (فتاة) أي: شابة حديثة السن (على إحدى
ركبتيها) أي: جلست على إحدى ركبتيها كما يجلس المخاصم، وفي
((مسند أحمد)) ما يدل على أن هذِه الفتاة أسماء بنت يزيد(٣).
(وتطاولت) جلساؤها، أي: رفعت قامتها لتطول عليهن (لرسول الله
في ليراها) رسول الله وَّية ويقع نظره الكريم عليها (ويسمع كلامها)
وَيُـ
(١) يشير إلى حديث ((وأغلق بابك واذكر اسم الله .. )) رواه البخاري (٣٢٨٠) ومسلم
(٢٠١٢).
(٢) سيأتي تخريجه عند أبي داود برقم (٤٠١٢) باب النهي عن التعري.
(٣) ((مسند أحمد)) ٤٥٦/٦.

٥٥٦
ويصغي إليه (يا رسول الله) والله (إنهم ليتحدثون) بذلك، يعني: الرجال
(وإنهن) يعني: النساء (ليتحدثنه) أي: ليتحدثن به، أخبر ◌َّ بوقوع
ذلك من الرجال والنساء ليعلم ما يتعلق به من الثواب والعقاب؛ فإنه
وَيره لم يسأل عن هذا السؤال إلا لإظهار فائدة شرعية.
(فقال: هل تدرون ما مثل ذلك؟) فقالوا: لا يا رسول الله (فقال: إنما
مثل ذلك مثل) بفتح الميم والثاء وبكسر الميم وسكون الثاء شَبَه وشِبْه، فيه
ضرب الأمثال والمقصود منها أنها تؤثر في القلوب ولا يؤثر وصف الشيء
في نفسه، وذلك لأن الغرض من المثل تشبيه الخفي بالجلي والغائب
بالشاهد، فيتأكد الوقوف على ماهيته ويصير الحس مطابقًا للعقل،
وذلك هو النهاية في الإيضاح، ألا ترى أن التنفير إذا وقع عن ذكر ما
يقع بين الزوجين في الخلوة مجردًا عن ضرب مثال لم يتأكد وقوعه
كما إذا شبه بالشيطانة والشيطان في السكة يقضي بها حاجته، ولهذا
أكثر الله تعالى ورسوله في كتبه المنزلة وعلى ألسنة أنبيائه من ذكر
الأمثال (شيطانة لقيت شيطانًا) استشهد بالشيطان لأن الحامل على
التحدث به الشيطان، ويحتمل أن هذا فعل الشيطان والشيطانة يفعلان
حقيقة في الطريق فشبه فعله بفعلهما (في السكة) جمعها سكك وهي
الطرق والأزقة وأصلها النخل المصطفة ثم شبهت السكك بالطرق
الاصطفاف المنازل بجانبيها (فقضى منها حاجته) في الطريق (والناس)
المارون بالطريق (ينظرون إليه) ومقصود الحديث أن الرجل له مع أهله
خلوة وحالة يقبح ذكرها والتحدث بها، ويلزم من كشفها عار عند أهل
المروءة والحياء؛ فإن تكلم بشيء من ذلك وأبداه كان مثل كشف عورة

٥٥٧
- كتاب النكاح
نفسه وزوجته؛ إذ لا فرق بين كشفها للعيان وكشفها للأسماع والآذان؛ إذ
كل منهما يحصل به الأطلاع على العورة، ولذلك قال اَله: (( لا تعمد
المرأة فتصف المرأة لزوجها حتى كأنه ينظر إليها))(١). كما تقدم في
الحديث؛ فإن دعت حاجة إلى ذكر شيء من ذلك فليذكر معها غير
معين بحسب الحاجة والضرورة كما قال العليا: ((فعلته أنا وهذِهِ))(٢).
وكقوله: ((هل أعرستم الليلة))(٣).
(ألا إن طيب الرجال) من هنا رواه الترمذي (٤) والنسائي(٥) دون ما
قبله (ما ظهر ريحه) زاد الترمذي: ((وخفي لونه)) (ولم يظهر لونه) لأن
لون الطيب والثياب ليسا مقصودين في الشرع، بل المحبوب استعمال
الطيب والبخور، والرائحة الطيبة مرغوب فيه مندوب إليه، فإن فيه
النفع المتعدي، لكن إنما يكون مندوبًا إليه إذا قصد به الأمور الشرعية
كاستعماله عند حضور الجمع والجماعات والأمور المعظمات ليكون
في العبادات على أشرف الحالات، فلو قصد بذلك المباهاة والفخر
والاختيال لكان ذلك من أسوأ الذنوب وأقبح الأفعال (ألا إن طيب
النساء) المحمود (ما ظهر لونه) للزوج كما لها أن تتحلى له بألوان
الثياب المصبغة (ولم يظهر ريحه)(٦) للرجال الأجانب؛ فإنه جالب
(١) تقدم تخريجه قريبًا برقم (٢١٥٠) باب ما يؤمر به من غض البصر.
(٢) أخرجه مسلم (٣٥٠) (٨٩) من حديث عائشة.
(٣) أخرجه البخاري (٥٤٧٠)، ومسلم (٢١٤٤) (٢٣) من حديث أنس.
(٤) ((سنن الترمذي)) (٢٧٨٧).
(٥) ((سنن النسائي)) ١٥١/٨.
(٦) أخرجه الترمذي والنسائي كما تقدم، وأحمد ٢/ ٤٤٧ من طريق سفيان به.

٥٥٨
للفتنة وداع إلى استجلاب قلوب الرجال إليهن.
(قال المصنف: ومن هاهنا حفظته) بكسر الفاء (عن مؤمل) بن هشام
(وموسى) بن إسماعيل (ألا لا يفضين) بضم أوله وكسر الضاد المعجمة
وتشديد نون التأكيد (رجل إلى رجل ولا امرأة إلى أمرأة) قال بعضهم:
الإفضاء المنهي عنه هنا أن يتضاجعا تحت لحاف واحد ويلتصق بشرة
أحدهما بالآخر ليس بينهما حاجز، وإذا أمتنع إفضاء الرجل إلى الرجل
والمرأة إلى المرأة فأحرى وأحق أن يمتنع إفضاء الرجل إلى المرأة
والمرأة إلى الرجل؛ إذ لا زوجية بينهما ولا مبيح لذلك (إلا إلى ولد
أو والد) يحتمل أن يعود الاستثناء إلى جميع ما قبله كما هو قاعدة
مذهب الشافعي أن الاستثناء يعود إلى جميع ما قبله، فيجوز أن يفضي
الرجل إلى ولده الصغير تحت لحاف واحد، وكذا المرأة إلى ولدها
الصغير، وكذا يفضي الولد إلى والده ووالدته وجده وجدته وإن علوا
(وذكر) خصلة (ثالثة فنسيتها) ولم أذكرها.
قال المصنف (وهو في حديث مسدد، قال موسى: حدثنا حماد، عن
الجريري، عن أبي نضرة، عن الطفاوي) بضم المهملة كما تقدم في أول
الإسناد.

◌ِكِتَابُ الطَّلَقِ