النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
- كتاب النكاح
ابن الزبير، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله وَله: لا تحرم)
بتشديد الراء المكسورة، زاد مسلم: الرضعة أو الرضعتان أو (١) (المصة
ولا المصتان)(٢).
قال القرطبي: لم يقل أحد فيما علمت بظاهر هذا الحديث إلا داود
الظاهري فإنه قال: أقل ما يحرم ثلاث رضعات، فلا تحرم الرضعة ولا
الرضعتان، وهو تمسك بدليل الخطاب(٣). انتهى.
وفي وجه عند الشافعية يعتبر في التحريم ثلاث رضعات، واختاره ابن
المنذر من أصحابنا للحديث؛ فإن أدنى ما يكون من العدد بعد الأثنتين
الثلاث (٤).
قال ابن المنذر فيما حكاه ابن الرفعة: واختاره مشايخنا، والمراد به
مشايخ ابن المنذر، وزعم زاعم أن الصواب نسبة الرافعي ذلك إلى
مشايخه وابن المنذر لا يقف مع المذهب أصلًا، ولا تعد اختياراته
وجوهًا قطعًا، ولو حكم بالتحريم برضعة حاكم لم ينقض، وعن
الإصطخري ينقض(٥). فقد حكى ابن المنذر عن جمهور العلماء أن
التحريم يثبت برضعة واحدة، وحكاه عن علي وابن مسعود وابن عمر
(١) وردت هُذِه الزيادة عند مسلم (١٤٥١) (٢٠) من حديث أم الفضل لبابة بنت
الحارث.
(٢) الحديث أخرجه مسلم (١٤٥٠) (١٧)، والترمذي (١١٥٠)، والنسائي ٦/ ١٠١،
وابن ماجه (١٩٤١)، وأحمد ٣١/٦ من طرق عن أيوب به.
(٣) ((المفهم)) ١٨٤/٤.
(٤) انظر: ((الأوسط)) لابن المنذر ٨/ ٥٥٥، و((روضة الطالبين)) ٧/٩.
(٥) ((روضة الطالبين)) ٩/ ٧.

٣٠٢
وابن عباس وعطاء وطاوس وابن المسيب والحسن ومكحول والزهري
وقتادة والحكم وحماد ومالك والأوزاعي والثوري وأبي حنيفة (١). لأنه
أقل ما ينطلق عليه الاسم في الرضاع، ولا شك في صدق الاسم على
الواحدة في مثل ﴿وَأُمَهَنُكُمُ الَّتِىّ أَرْضَعْنَكُمْ﴾(٢)، وفي: ((يحرم من
الرضاعة ما يحرم من النسب))(٣). كما تقدم؛ فإنه يصدق على القليل
كما يصدق على الكثير، وعضد هذا عمل أهل المدينة، فقد روى
مالك عن عروة وسعيد بن المسيب وابن شهاب: أن القطرة الواحدة
تحرم(٤)، وعضده قياس الرضاعة على الصهر، واعتذروا عن
الأحاديث المخالفة، واعترضت الشافعية على المالكية بهذا الحديث:
((لا تحرم المصة ولا المصتان)). وأجابوا عنه بأجوبة. قال النووي: باطلة
لا ينبغي ذكرها (٥).
(١) ((الأوسط)) ٥٥٠/٨-٥٥١، و((المدونة)) ٢٩٥/٢، و((المبسوط)) ١٢٦/٥.
(٢) النساء: ٢٣.
(٣) تقدم قريبًا.
(٤) ((الموطأ)) ص ٣٧٤.
(٥) ((شرح النووي)) ٣٠/١٠.

٣٠٣
= كتاب النكاح
١٢- باب فِي الرّضْخِ عِنْدَ الفِصالِ
٢٠٦٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدِ النُّفَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعاوِيَةً ح وَحَدَّثَنا ابن
العَلاءِ، حَدَّثَنا ابن إِذْرِيسَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُزْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ حَجْاجٍ، عَنْ
أَبِيهِ قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ ما يُذْهِبُ عَنِي مَذَمَّةَ الرَّضاعَةِ؟ قالَ: «الغُرَّةُ العَبْدُ أَوِ
الأَّمَةُ)). قالَ النُّفَيْلِيُّ: حَجَاجُ بْنُ حَجَاجِ الأَسْلَميُّ وهذا لَفْظُهُ(١).
باب في الرضخ عند الفصال
الرضخ: عطية غير الكثير.
[٢٠٦٤] (ثنا عبد الله بن محمد النفيلي، ثنا أبو معاوية) محمد بن
خازم الضرير (ثنا) محمد (ابن العلاء) بن كريب الهمداني (أنا) عبد الله
(ابن إدريس) كلاهما (عن هشام بن عروة، عن أبيه) عروة بن الزبير
(عن حجاج بن حجاج) الأسلمي (عن أبيه) حجاج بن مالك الأسلمي
ويقال: الحجاج بن عمرو الأسلمي، والأول أصح، مدني كان ينزل
العرج بفتح المهملة وإسكان الراء ثم جيم، قرية جامعة على طريق مكة
(قال: قلت: يا رسول الله ما يذهب) بضم أوله وكسر ثالثه (عني مذمة)
بفتح الميم وكسر الذال المعجمة وفتحها لغتان مع تشديد الميم
المفتوحة، مفعلة من الذم، وهي بفتح الميم وكسرها من الذمة
والذمام، وقيل: هي بالكسر والفتح، ورجحه المنذري، هي الحق
(١) رواه الترمذي (١١٥٣)، والنسائي ١٠٨/٦، وأحمد ٣/ ٤٥٠، ابن حبان (٤٢٣٠،
٤٢٣١). وضعف إسناده الألباني في ((ضعيف أبي داود)) (٣٥١).

٣٠٤
والحرمة التي يذم بتضييعها، وتقييد الحديث بالوجهين يدل على أن المراد
به الحق والحرمة، فكأنه سأل ما يسقط عني الحق اللازم بسبب الرضاع
حتى أكون قد أديته كاملًا؟ فحذف المضاف، تقول: إنها قد خدمتك
وأنت طفل، وحضنتك وأنت صغير.
(الرضاعة قال) تذهبه (الغرة) وهي الخادم، أي: كافئها على خدمتها
بخادم يكفيها المهنة وهي الخدمة قضاء لذمامها وجزاء الإحسانها إليك.
قال النخعي: كانوا يستحقون للمرضعة عند فصال الصبي بشيء سوى
أجرتها، وأصل الغرة بياض في الوجه، ولهذا قال ابن عبد البر: لا
يكون العبد أو الأمة إلا أبيضين لذكره الغرة (العبد أو الأمة) قال
الجوهري: كأنه عبر عن الجسم كله بالغرة (١)، فهو من باب التعبير
بالبعض عن الكل، كقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِرُ رَقَبَةٍ﴾(٢)، وظاهر هذا يرد
ما قاله ابن عبد البر من البياض.
(قال:) عبد الله (النفيلي) في روايته: هو (حجاج بن حجاج
الأسلمي، وهذا لفظه) بزيادة الأسلمي.
(١) ((الصحاح)) (غرر).
(٢) النساء: ٩٢.

٣٠٥
=
- كتاب النكاح
١٣- باب ما يُكْرَهُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُنَّ مِنَ النِّساءِ.
٢٠٦٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ النُّفَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنا داوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدِ،
عَنْ عامِرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِّ ◌َةِ: (( لا تُنْكَحُ المَرْأَةُ عَلَىْ عَمَّتِها،
وَلا العَمَّةُ عَلَى بِنْتِ أَخِيها، وَلا المَرْأَةُ عَلَى خَالَتِها وَلا الخالَةُ عَلَى بِنْتِ
أُخْتِها وَلا تُنْكَحُ الكُبْرِى عَلَى الصُّغْرِى، وَلا الصُّغْرِىْ عَلَى الْكُبْرِىْ))(١).
٢٠٦٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صالِحِ، حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابن شِهابٍ،
أَخْبَرَبِي قَبِيصَةُ بْنُ ذُوَيِبٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُزَيْرَةَ يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ◌ِّهِ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ
المزْأَةٍ وَخَالَتِها وَبَيْنَ المزْأَةِ وَعَمَّتِها(٢).
٢٠٦٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ النُّغَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا خَطّابُ بْنُ القاسِم عَنْ خُصَيْفٍ
عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ نَّ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ العَمَّةِ والخالَةِ وَبَيْنَ
الخالَتَيْنِ والعَمَّتَيْنِ (٣).
٢٠٦٨- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ المِصرِيُّ، حَدَّثَنا ابن وَهْبٍ أَخْبَرَنِي
يُونُسُ، عَنِ ابن شِهابٍ، قالَ: أَخْبَرَبِي عُزْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَأَلَ عائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ◌َِ
عَنْ قَوْلِ اللهِ تَعالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لا تُقْسِطُوا فِي اليَتَامَى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ
النِّساءِ﴾ قالَتْ: يا ابن أُخْتِي هِيَ اليَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حِجْرٍ وَلِيَّها فَتُشارِكُهُ فِي مالِهِ
فَيُعْجِبُهُ مالُها وَجَمالُها فَيُرِيدُ أَنْ يَتَزَوَّجَها بِغَيْرِ أَنْ يُقْسِطَ فِي صَداقِها فَيُعْطِيَها مِثْلَ ما
يُعْطِيها غَيْرُهُ فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوهُنَّ إِلَّ أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ وَيَبْلُغُوا بِهِنَّ أَعْلَى سُنَّتِهِنَّ مِنَ
(١) رواه البخاري (٥١٠٩)، ومسلم (١٤٠٨). وانظر: ما بعده.
(٢) رواه البخاري (٥١١٠)، ومسلم (١٤٠٨). وانظر: ما قبله.
(٣) رواه أحمد ٢١٧/١، وابن حبان (٤١١٦).
وهو في الترمذي (١١٢٥) بلفظ: ((أن النبي ◌َّ نهى أن تزوج المرأة على عمتها، أو
على خالتها».
وضعف إسناده الألباني في ((ضعيف أبي داود)) (٣٥٢).

٣٠٦
الصَّدَاقِ، وَأُمِرُوا أَنْ يَنْكِحُوا ما طابَ لَهُمْ مِنَ النِّساءِ سِواهُنَّ. قالَ عُزْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ:
ثُمَّ إِنَّ النّاسَ اسْتَقْتَوْا رَسُولَ اللهِ نَّهِ بَعْدَ هذِهِ الآيَةِ فِيهِنَّ فَأَنْزَلَ اللهَ رَقِ ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ
فِى النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِى الْكِتَبِ فِ يَتَمَى النِّسَآءِ
الَّتِ لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ قالَتْ: والَّذِي ذَكَرَ اللهُ أَنَّهُ
يُتْلَى عَلَيْهِمْ فِي الكِتابِ الآيَةُ الأُولَى التِي قَالَ اللهُ عَالَ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لا تُقْسِطُوا فِي
اليَتَامَى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ﴾. قالَتْ عائِشَةُ: وَقَوْلُ اللهِ رَّ فِي الآيَةِ
الآخِرَةِ ﴿وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ هِيَ رَغْبَةُ أَحَدِكُمْ عَنْ يَتِيمَتِهِ التِي تَكُونُ فِي حِجْرِهِ
حِينَ تَكُونُ قَلِيلَةَ المالِ والَجَمالِ، فَتُهُوا أَنْ يَنْكِحُوا ما رَغِبُوا فِي مَالِها وَجَمَالِها مِنْ يَتَامَى
النِّساءِ إلَّ بِالقِسْطِ مِنْ أَجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ. قالَ يُونُسُ: وقالَ رَبِيعَةُ فِي قَوْلِ اللهِ رَق
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ قَالَ: يَقُولُ أَتْرُكُوهُنَّ إِنْ خِفْتُمْ فَقَدْ أَحْلَلْتُ
لَكُمْ أَرْبَعًا(١).
٢٠٦٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنا يَعْقُوبُ بْنُ إِنْراهِيمَ بْنِ سَعْدٍ
حَدَّثَنِي أَبِ، عَنِ الوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي نُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ الدُّؤَلِيُّ أَنَّ ابن
شِهابٍ حَدَّثَهُ أَنَّ عَلَيّ بْنَ الْحُسَيْنِ حَدَّثَهُ أَنَّهُمْ حِينَ قَدِمُوا المَدِينَةَ مِنْ عِنْدِ يَزِيدَ بْنِ
مُعَاوِيَةَ مَقْتَلَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلَىّ - رضي الله عنهما- لَقِيَهُ المِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ فَقَالَ لَهُ: هَلْ
لَكَ إِلِي مِنْ حَاجَةٍ تَأْمُرُنِي بِها؟ قالَ: فَقُلْتُ لَهُ: لا. قالَ: هَلْ أَنْتَ مُعْطِيَّ سَيْفَ رَسُولٍ
اللهِ وَلِ؟ فَإِّ أَخَافُ أَنْ يَغْلِبَكَ القَوْمُ عَلَيْهِ وائِمُ اللهِ لَئِنْ أَعْطَيْتَنِيهِ لا يُخْلَصُ إِلَيْهِ أَبَدًا
حَتَّى يَبْلُغَ إِلَى نَفْسِي، إِنَّ عَلِّ بْنَ أَبِي طالِبٍ ﴾ خَطَبَ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ عَلَى فَاطِمَةً
رضي الله عنها فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ وَهُوَ يَخْطُبُ النّاسَ فِي ذَلِكَ عَلَى مِنْبَرِهِ هذا،
وَأَنَا يَوْمَئِذٍ يُخْتَلِمٌ فَقالَ: ((إِنَّ فاطِمَةَ مِنِّي وَأَنا أَتَخَوَّفُ أَنْ تُفْتَنَ فِي دِينِها )). قالَ:
ثُمَّ ذَكَرَ صِهْرًا لَهُ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ فَأَثْنَى عَلَيْهِ فِي مُصاهَرَتِهِ إِيّاهُ فَأَحْسَنَ، قالَ:
(١) رواه البخاري (٢٤٩٤، ٢٧٦٣، ٤٥٧٤، ٥٠٦٤، ٥٠٩٢، ٥١٤٠، ٦٩٦٥)،
ومسلم (٣٠١٨).

٣٠٧
= كتاب النكاح
((حَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي وَوَعَدَنِي فَوَقَّى لَي وَإِنِّي لَسْتُ أُحَرِّمُ حَلالاً وَلا أُحِلُّ حَرامًا
ولكن والله لا تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ وَبِنْتُ عَدُوِّ اللهِ مَكانًا واحِدًا أَبَدًا))(١).
٢٠٧٠ - حَدَّثَنَا نُحَمَّدُ بْنُ يَخْيَى بْنِ فَارِسٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عَنِ
الزُّهْرَيِّ، عَنْ عُزْوَةَ، وعَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابن أَبِي مُلَيْكَةَ بهذا الَخَبَرِ قالَ: فَسَكَتَ عَلَيَّ عَنْ
(٢)
ذَلِكَ النِّكاحِ(٢).
٢٠٧١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ -اَغْنَى - قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا
اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ القُرَشِيُّ التَّيْمَيُّ أَنَّ الِسْوَرَ بْنَ
مَخْرَمَةَ حَدَّثَّهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ وَّهِ عَلَى اِنْبَرِ يَقُولُ: ((إِنَّ بَنَي هِشامِ بْنِ المُغِيرَةِ
أَسْتَأْذَنُونَي أَنْ يُنْكِحُوا ابنتَهُمْ مِنْ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَلا آذَنُ ثُمَّ لَا آذَنُ ثُمَّ لا
آذَنُ إلَّا أَنْ يُرِيدَ ابن أَبِي طالِبٍ أَنْ يُطَلِّقَ ابنَتَي وَيَنْكِحَ ابنتَهُمْ فَإِنَّما ابنِي بَصْعَةٌ
مِنَّي يُرِيبُنِي ما أَرابَها وَيُؤْذِينَي ما آذاها )). والإِخْبَارُ فِي حَدِيثِ أَحْمَدَ(٣).
باب ما يكره أن يجمع بينهن من النساء
[٢٠٦٥] (ثنا عبد الله بن محمد النفيلي، ثنا زهير، ثنا داود بن أبي
هند) واسم أبي هند دينار، قاله المصنف فيما سأله عنه الآجري
البصري أحد الأعلام (عن عامر) بن شراحيل (عن أبي هريرة ﴾ قال:
قال رسول الله وَيقول: لا تنكح) يحتمل أن تكون التاء مفتوحة والحاء
مجزومة وتكسر لالتقاء الساكنين على الجزم بلا الناهية (المرأة)
بالنصب، ويحتمل أن تكون لا نافية وتنكح بضم أوله وفتح ثالثه
(١) رواه البخاري (٣١١٠، ٣٧٢٩)، ومسلم (٢٤٤٩). وانظر لاحقيه.
(٢) أنظر: السابق، وما بعده.
(٣) رواه البخاري (٣٧١٤، ٣٧٦٧، ٥٢٣٠، ٥٢٧٨)، ومسلم (٢٤٤٩). وانظر سابقيه.

٣٠٨
والحاء مرفوعة خبر معناه النهي؛ فإنه أبلغ من النهي بصيغته وأظهر في
الرواية، والمرأة على هذا مرفوع، وقد جاء في رواية البخاري: نهى
رسول الله ◌َ أن تنكح المرأة(١) (على عمتها) ومعناه النهي عن هذا
النكاح، أنه يفضي إلى التنافر بينهما والتباغض، وإلى قطيعة الرحم،
ويدل عليه ما في رواية ابن عدي من حديث ابن عباس: نهى رسول
الله وَ ل﴿ أن تزوج المرأة على العمة والخالة، وقال: ((إذا فعلتن ذلك
قطعتن أرحامكن))(٢). وإن كان في سنده من فيه فقد أخرجه ابن حبان
في (صحيحه))(٣). (ولا العمة على بنت أخيها، ولا المرأة على خالتها،
ولا الخالة على بنت أختها) المراد بالعمة والخالة أخت الأب وأخت
الأم، وهذا حقيقة، وفي معناها أخت الجد ولو من جهة الأم، وأخت
أبي الجد وإن علا وأخت الجدة وإن علت، وكذا أخت أم الجدة ولو
من قبل الأب، لكن هل ذلك لأنهن عمات وخالات حقيقة كالأول،
أو لكونه مجازًا، ولكن حمل اللفظ على حقيقته ومجازه، وهو جائز
عند الشافعي(٤) (ولا تنكح) العمة (الكبرى على) بنت أختها (الصغرى
ولا) تنكح بنت الأخ (الصغرى على) عمتها (الكبرى) ولا تنكح المرأة
الكبرى على خالتها الصغرى، ولا تنكح الخالة الصغرى على بنت
أختها الكبرى.
(١) ((صحيح البخاري)) (٥١١٠).
(٢) ((الكامل)) لابن عدي ٢٦٢/٥.
(٣) ((صحيح ابن حبان)) (٤١١٦).
(٤) أنظر: ((الحاوي الكبير)) ٢٠٤/٩.

٣٠٩
= كتاب النكاح
قال القرطبي: وهذا مساق حسن بيِّن غير أن فيه واوًا أقتضت
إشكالاً، وهي التي في قوله: ولا تنكح الكبرى على الصغرى، ولا
الصغرى على الكبرى، فأتى بواو العطف التي تقتضي المغايرة،
وبالنهي عن إدخال إحداهن على الأخرى طردًا وعكسًا.
قال: ويرتفع الإشكال بأن تقدر الواو زائدة، ويكون الكلام الذي بعد
الجملة الأولى مؤكدًا لما قبله ومبينًا له (١).
[٢٠٦٦] (ثنا أحمد بن صالح، ثنا عنبسة، قال: أخبرني يونس، عن)
محمد (بن شهاب، قال: أخبرني قبيصة بن ذؤيب، أنه سمع أبا هريرة
يقول: نهى رسول الله وَّل أن يجمع بين المرأة وخالتها وبين المرأة
وعمتها) معنى الجمع بينهما أن يستحل وطئهما معًا بأن يجمع بينهما
في نكاح أو يطؤهما بملك اليمين.
قال الشافعي في كتاب ((الأم)): وهذا مما لا خلاف فيه(٢). وقالت
طائفة من الخوارج والشيعة وعثمان البتي: يجوز، ولكن لما لم يقيد
بهذا الخلاف لم يقدح في حكاية الإجماع، وسواء كان الجمع بالنكاح
معًا أم مرتبًا فتبطل الثانية؛ لأن بها حصل الجمع، والمرتب هو المراد
به في الحديث قبله: ((لا تدخل المرأة على خالتها)) (٣).
[٢٠٦٧] (ثنا عبد الله بن محمد النفيلي، ثنا خطاب) بفتح الخاء
المعجمة أوله والموحدة آخره (ابن القاسم) قاضي حران، وثقه ابن
(١) ((المفهم)) ١٠٣/٤.
(٢) ((الأم)) ٦/٥ بمعناه.
(٣) تقدم.

٣١٠
معين (عن خصيف) بضم الخاء المعجمة وفتح الصاد المهملة وبعد ياء
التصغير فاء، ابن عبد الرحمن بن أبي عون الحراني مولى بني أمية
صدوق سيء الحفظ.
(عن عكرمة، عن ابن عباس) رضي الله عنهما (عن النبي وَل، أنه كره
أن يجمع بين) المرأة (العمة والخالة) لها سواء كانت خالتها بنسب أو
رضاع، وضبطوه بكل امرأتين بينهما قرابة أو نكاح، لو فرضت
إحداهما ذكرًا لحرمت المناكحة بينهما، واحترز بالنسب والرضاع عن
المصاهرة كالمرأة وأم زوجها فإنه يجوز أن يجمع بينهما، وقد أفتى
ابن الفركاح بجواز الجمع بين المرأة وبين خالتها.
قال ابن النحاس: الواجب على لفظ هذا الحديث أن لا يجمع بين
أمرأتين إحداهما عمة الأخرى والأخرى خالة الأخرى، قال: وهذا
يخرج على وجه صحيح، وهو أن يكون رجل وابنه تزوجا أمرأة
وابنتها، تزوج الأب البنت، والابن الأم، فولدت كل واحدة منهما
بنتًا، فابنة الأب عمة ابنة الأم، وابنة الأبن خالة ابنة الأب(١).
(و) لا (بين الخالتين) وهو أن يتزوج رجل ابنة رجل، ويتزوج الثاني
ابنة الأول، فيولد لكل واحد منهما ابنة، فابنة واحد منهما خالة الأخرى.
(و) أن يجمع بين (العمتين) وهو أن يتزوج أم رجل ويتزوج الآخر أم
الآخر، ثم يولد لكل واحد منهما ابنة، فبنت كل واحد منهما عمة
الأخرى(٢).
(١) انظر: ((المفهم)) ١٠٣/٤-١٠٤.
(٢) انظر: ((المفهم)) ١٠٤/٤.

٣١١
= كتاب النكاح
[٢٠٦٨] (ثنا أحمد بن عمرو بن السرح المصري، ثنا عبد الله بن
وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة بن
الزبير أنه سأل عائشة زوج النبي وَّة) رضي الله عنها (عن قوله تعالى:
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾)(١) أي: فزعتم، وهو ضد الأمن، وقد يكون المخوف
منه معلوم الوقوع، وقد يكون مظنونًا، فلذلك اختلف العلماء في تفسير
هذا الخوف، فقال أبو عبيدة: خفتم: أيقنتم (٢). وقال آخرون: خفتم:
ظننتم.
قال ابن عطية: والذي أختاره أن الخوف على بابه من الظن لا من
اليقين، والتقدير: من غلب على ظنه التقصير في القسط لليتيمة فليعدل
عنها (﴿أن لا تقسطوا﴾) تعدلوا، يقال: أقسط الرجل إذا عدل، وقسط
إذا جار وظلم، وقرأ ابن وثاب والنخعي: تقسطوا. بفتح التاء على
تقدير زيادة: لا، كأنه قال: وإن خفتم أن تجوروا (٣) (﴿فِي الْيَ﴾)
اليتيم في بني آدم من قبل الأب، وفي الحيوان من قبل الأم، وأصل
اليتيم أن يقال على من لم يبلغ، وقد أطلق في هذه الآية على
المحجور عليها صغيرة كانت أو كبيرة، استصحابًا لإطلاق اسم اليتم
لبقاء الحجر عليها، وإنما قلنا أن اليتيمة الكبيرة قد دخلت في الآية؛
لأنها قد أبيح العقد عليها في الآية، ولا تنكح اليتيمة الصغيرة؛ إذ لا
إذن لها، فإذا بلغت جاز نكاحها لكن بإذنها.
(١) النساء: ٣.
(٢) ((مجاز القرآن)) ١/ ١١٤.
(٣) أنظر: ((المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز)) ٨/٢.

٣١٢
(﴿فَأَنْكِحُوْ مَا﴾) وجاز وقوع ما للآدميين وإن كان أصلها لمن لا
يعقل؛ لأن من وما يتعاقبان، قال الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَهَا ﴾﴾(١)
أي من بناها، وقال الله تعالى: ﴿فَمِنْهُم ◌َّن يَمْشِى عَلَى بَطْنِهِ﴾(٢) أي: ما
يمشي، فمن هنا لمن يعقل ومن النساء؛ لقوله تعالى بعد ذلك: ﴿طَابَ
لَكُمْ مِّنَ النِّسَآءِ﴾، وقرأه ابن أبي عبلة(٣): من طاب. على الأصل ﴿طَابَ
لَكُمْ﴾ قيل: المراد نكاحًا طيبًا، وقراءة ابن أبي عبلة ترده.
واتفق كل من يعاني العلوم أن قوله تعالى ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِى
اٌلْيَ﴾ ليس له مفهوم، فقد أجمع المسلمون على أن من لم يخف
القسط في اليتامى فله أن ينكح أكثر من واحدة(٤)، وقد تعلق أبو حنيفة
بهذه الآية في تجويزه نكاح اليتيمة قبل البلوغ، وقال: إنها تكون يتيمة
قبل البلوغ، وبعد البلوغ ليست بيتيمة(٥)، بدليل أنه لو أراد البالغة لما
نهى عن حطها عن صداق مثلها لأنها تختار ذلك، فيجوز إجماعًا،
وذهب مالك والشافعي والجمهور إلى أن ذلك لا يجوز حتى تبلغ
وتستأمر(٦)؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَقْتُونَكَ فِ النِّسَاءِ﴾(٧)، والنساء اسم
يطلق على الكبار، كالرجال في الذكور (قالت: يا ابن أختي) لأن عروة
(١) الشمس: ٥.
(٢) النور: ٤٥.
(٣) في النسخة الخطية: علية. وهو خطأ.
(٤) انظر: ((المفهم)) ٣٣٠/٧.
(٥) ((الحجة على أهل المدينة)) ٣/ ١٤٤.
(٦) ((المدونة)) ١٠٣/٢، وانظر: ((المجموع)) ١٦٨/١٦-١٦٩.
(٧) النساء: ١٢٧.

٣١٣
= كتاب النكاح
من أسماء وهي أخت عائشة (هي اليتيمة) مجاز، كقوله تعالى: ﴿وآتو
اليتامى أموالهم﴾(١) فسماهم يتامى وقد بلغوا، مجازًا، وقيل: سُمِّين
يتامى وأيتام؛ لأنهن كن أيتام، كقوله تعالى: ﴿فَأُلْفِىَ السَّحَرَةُ سَجِدِينَ
®﴾(٢) ولا سحر مع السجود، فلا يتم مع البلوغ، وكان يقال للنبي
وَّ: يتيم أبي طالب؛ اعتبارًا لما كان عليه (تكون في حجر) بفتح
الحاء وكسرها (وليها فتشاركه في ماله) أي: في المال المتخلف عن
أبيه أو أمه، ولا يلزم من المشاركة التسوية في المال، أو يكون لها
مال عنده من غير الميراث (فيعجبه مالها) الذي تحت يده (وجمالها) إن
كانت جميلة (فيريد وليها أن يتزوجها) إن جاز له ذلك (من غير أن
يقسط) بضم أوله وكسر ثالثه، أي يعدل في مقدار صداقها (فيعطيها)
بالنصب (مثل ما يعطيها) بسكون الياء؛ لأنه في موضع صلة الموصول
الذي هو (ما) عطاء (غيره) لو أراد زواجها (فنهوا) عن (أن ينكحوهن
إلا أن يقسطوا لهن) قرأ ابن وثاب والنخعي بفتح التاء من: تقسطوا.
على تقدير زيادة: لا. كأنه قال: وإن خفتم أن تجوروا. وعلى قراءة
الجمهور: ﴿فإن خفتم أن لا تعدلوا﴾(٣) (ويبلغوا بهن أعلى سنتهن)
أي: أعلا عادتهن (من الصداق) ومهور أمثالهن (وأمروا أن ينكحوا ما
طاب لهم) أي حل لهم من النساء، هذا الأمر بالنكاح هو ندب لقومه
وإباحة، لا تحذير بحسب قرائن الأمر، والنكاح في الجملة في
(١) النساء: ٢.
(٢) الشعراء: ٤٦.
(٣) النساء: ٣.

٣١٤
الأغلب مندوب إليه سواهن، فإنه أبعد في التهمة وأسلم في الدين
والعرض.
(قال عروة) بن الزبير (قالت عائشة) رضي الله عنها (ثم إن الناس) أي:
جماعة من الصحابة (استفتوا رسول الله وَليز) أي: سألوه أن يفتيهم بعد هذِه
الآية التي في أول النساء (فيهن) في إماء الأيتام (فأنزل الله تعالى:
◌ْ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِىِ النِّسَاءِ﴾(١)) أي: في أمر النساء وأحكامهن في الميراث
وغير ذلك (﴿قُلِ اللَّهُ يُقْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾) أمر الله نبيه أن يقول لهم: إن
الله یفتیکم فیھن، أي: یبین لكم حكم ما سألتم عنه. وروى أشهب،
عن مالك، كان النبي ◌َل﴿ يسأل فلا يجيب حتى نزل عليه الوحي،
وذلك في كتاب الله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِىِ النِّسَاءِ قُلِ اَللَّهُ يُقْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾.
(﴿وَمَا يُتْلَى﴾) في موضع رفع عطف على اسم الله، والمعنى: والقرآن
يفتيكم، وهو قوله ﴿فَأَنْكِحُوْمَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَآءِ﴾.
(﴿عَلَيْكُمْ فِى الْكِتَبِ﴾﴾ أي: القرآن (﴿فِى يَتَمَى النِّسَاءِ الَّتِى لَا
تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾) معناه: النهي عما كانت العرب تفعله من ضم
اليتيمة الجميلة الغنية بدون ما تستحقه من المهر، ومن عضل اليتيمة
الدميمة الفقيرة عن النكاح أبدًا، والدميمة الغنية حتى يرثها الولي،
ونحو ذلك مما يقصد به الولي منفعة نفسه في الدنيا لا نفع اليتيمة،
والذي كتب لهن هو توفية ما تستحقه من مهر وإلحاقها بأقرانها.
وقرأ أبو (عبد الله)(٢) المدني في: ﴿يَتَمَى النِّسَاءِ﴾ بياءين من
(١) النساء: ١٢٧.
(٢) في النسخ الخطية: عبيد.

٣١٥
= كتاب النكاح
تحت(١)، قال أبو الفتح: والقول في هذه القراءة أنه أراد أيامى فقلبت
الهمزة ياء، كما قلبت الهمزة في: قطع الله أديه. أي: يده (٢).
والأيامى: جمع أيم بتشديد الياء (﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ﴾) أي: في أن
تنكحوهن فحذفت في، أي: ترغبون في مالها إذا كانت كثيرة المال،
وحديث عائشة يدل على أن المحذوف: عن. أي: وترغبون عن أن
تنكحوهن. قال في حديثها: وترغبون أن تنكحوهن رغبة أحدكم عن
يتيمته التي تكون في حجره، حين تكون قليلة المال والجمال، كما
سيأتي.
(قالت) عائشة (والذي ذكر الله) تعالى (أنه يتلى عليهم في الكتاب) هي
(الآية التي قال الله تعالى فيها) في أول النساء: (﴿وإن خفتم أن لا تقسطوا
في اليتامى فانكحوا ما طاب﴾) أي: حل (﴿لَكُمْ مِّنَ النِّسَآءِ﴾)(٣) قال
بعضهم: تأويل الآية أن الله تعالى خاطب أولياء اليتامى، فقال: وإن
خفتم من أنفسكم المشاحة في صداقهن وأن لا تعدلوا فتبلغوا بهن
صداق أمثالهن فلا تنكحوهن وانكحوا غيرهن من الغرائب اللاتي أحل
الله لكم خطبتهن (قالت عائشة: وقول الله رحم في الآية الآخرة) من
سورة النساء (﴿وَتَرْغَبُونَ أَن تَنْكِحُوهُنَّ﴾﴾(٤) هذِه الرغبة (هي رغبة أحدكم
عن يتيمته التي تكون في حجره) يجوز أن يكون من حجر الثوب وهو
(١) أنظر: ((مختصر في شواذ القرآن)) لابن خالويه ص٣٥، ((المحتسب)) لابن جني ١/
٢٠٠.
(٢) ((المحتسب) ٢٠٠/١.
(٣) النساء: ٣.
(٤) النساء: ١٢٧.

٣١٦
طرفه المقدم؛ لأن الإنسان يربي ولده ويتيمته في حجره، وكذا الولي
القائم بأمر اليتيم يأخذه في حجره غالبًا (حين تكون قليلة المال
والجمال) فلا يرغب في نكاحها، وكان عمر بن الخطاب يأخذ الناس
في الدرجة الفضلى في هذا المعنى، فكان إذا سأل الولي عن يتيمته
فقيل: هي غنية جميلة. قال: أطلب لها من هو خير منك وعد عليها
بالنفع. وإذا قيل: هي دميمة قليلة المال. قال له: أنت أولى بها
وبالستر عليها من غيرك (فنهوا) الأولياء (أن ينكحوا ما) أي: اليتيمة
التي (رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء) اللاتي في حجورهن
(إلا بالقسط) يعني: بالعدل (من أجل رغبتهم عنهن) حيث كن قليلات
المال والجمال (قال يونس) بن يزيد بن أبي النجاد القرشي، أحد
الرواة (وقال ربيعة) قال المنذري: يشبه أن يكون ابن أبي عبد الرحمن
شيخ مالك(١). (في قول الله: ﴿وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى﴾
قال: يقول) الله تعالى لأولياء الميت حين تحرجوا عن القيام بمصالح
أموال اليتامى (اتركوهن) أي: أتركوا نكاحهن (إن خفتم) العجز عن
القيام بمصالحهن (فقد أحللت لكم) من غيرهن (أربعًا) فإن لم تقدروا
أي تتركوهن فلا تكثروا منهن فتحتاجون إلى مخالطتهن.
قال القرطبي: وأقرب الأقوال وأصحها قول عائشة في تفسيرها من
الفقه ما قال به مالك من صداق المثل والرد إليه فيما فسد من الصداق،
ووقع الاختلاف في مقداره لقولها: بأدنى من سنة صداقها. فوجب أن
يكون صداق المثل معروفًا لكل صنف من الناس على قدر أحوالهم،
(١) انظر: ((عون المعبود)) ٧٦/٦.

٣١٧
- كتاب النكاح
وقال مالك: للناس صداقات عرفت لهم وعرفوا لها صداقات وأكفاء،
وقال: إذا بلغت اليتيمة وأقسط الولي صداقها جاز له أن يتزوجها،
ويكون هو الناكح والمنكح على ما قررته عائشة، وبه قال مالك وأبو
حنيفة، وقال الشافعي: لا يجوز له أن يتزوجها إلا بإذن السلطان أو
يزوجها عنه ولي لها مثله، أو أعلى منه(١).
[٢٠٦٩] (ثنا أحمد بن محمد بن حنبل، ثنا يعقوب بن إبراهيم بن
سعد)(٢) الزهري قال (حدثني أبي) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد
الرحمن بن عوف المدني.
(عن الوليد بن كثير) المدني الكوفي قال (حدثني محمد بن عمرو بن
حلحلة الدؤلي، أن) محمد (بن شهاب) الزهري (حدثه، أن علي بن
حسين) بن علي بن أبي طالب زين العابدين رضي الله عنهما حدثه(٣)
(أنهم) أي وجماعته الذي كانوا معه (حين قدموا المدينة) شرفها الله
تعالى (من عند يزيد بن معاوية مقتل) منصوب لنيابته عن ظرف
الزمان (٤)، وهو من باب حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه،
أي أيام مقتل، ومنه كان كذا طلوع الثريا، أي وقت طلوع الثريا، وهو
كثير يقاس (الحسين بن علي) بن أبي طالب، وكان مقتله يوم عاشوراء
سنة إحدى وستين، وقيل: سنة اثنتين وستين.
(١) ((الجامع لأحكام القرآن)) ١٤/٥-١٥.
(٢) تحرفت في الأصل إلى: سعيد.
(٣) سقطت من الأصل واستدركتها من مطبوعة ((السنن)).
(٤) في الأصل: المكان. ولعله سبق قلم.

٣١٨
(لقيه المسور بن مخرمة) بن نوفل الزهري (فقال له: هل لك إلي من
حاجة). (من) زائدة تنصص العموم، كقوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَلِقِ غَيْرٌ
الَِّ﴾(١) (تأمرني بها؟) فيه فضيلة قضاء حوائج أهل العلم والصلاح
وبيت النبوة والشرف، وسؤالهم عما لهم من الحوائج ليبادر إلى قضائها.
(قال) علي بن الحسين (فقلت له: لا) ثم (قال: فهل أنت معطيَّ)
بتشديد الياء المفتوحة للتخفيف (سيف رسول الله وَلـ) استفهام بمعنى
الطلب، طلب المسور سيف رسول الله إرادة التبرك، وكان على يد
الحسين فلما قتل أراد المسور أن يأخذه لئلا يأخذه بنو أمية، ثم حلف
على القطع على المستقبل ثقة بالله في إبراره.
(فإني أخاف أن يغلبك القوم عليه، وايم الله لئن أعطيتنيه) فيه حجة
لابن مالك وغيره أيما وقع ثاني ضمیرین منصوبين فالاتصال أرجح،
ويجوز: أعطيني إياه (لا يخلص) بضم الياء وفتح اللام (إليه) أي: لا
يصل إليه أحد (أبدًا) وتكرر ذكر: خلص، بمعنى: وصل، ومنه حديث
الإسراء: ((فلما خلصت))(٢) أي: وصلت وبلغت. ومنه حديث هرقل:
إني أخلص إليه(٣).
(حتى يصل (٤)) بضم المثناة تحت وفتح اللام (إلى) أي حتى يبلغ
(١) فاطر: ٣.
(٢) تحرفت في الأصل إلى: جلست. والحديث في البخاري (٣٤٣٠) من حديث مالك
ابن صعصعة.
(٣) أخرجه البخاري (٧)، ومسلم (١٧٧٣) (٧٤) من حديث أبي سفيان.
(٤) كذا في الرواية التي أعتمد عليها الشارح. ولفظ رواية ابن داسة: يبلغ.

٣١٩
- كتاب النكاح
الهلاك إلى (نفسي) قبله، ورواية مسلم: حتى تبلغ نفسي (١). بضم المثناة
فوق من: يبلغ، ثم قال (إن علي بن أبي طالب # خطب بنت أبي جهل)
بن هشام، كما تقدم نسبه، قال الطبري: اسم بنت أبي جهل هذِه:
جويرية، أسلمت وبايعت وتزوجها عتاب بن أسيد(٢)، وقيل: أسمها
جميلة(٣)، وقيل: اسمها العوراء، ذكره عبد الغني بن سعيد، وهي
معدودة من الصحابة، وقيل: أسمها: جويرية (على فاطمة) البتول
سيدة نساء العالمين، عن علي قال: قلت: يا رسول الله، لم سميت
فاطمة؟ قال: ((إن الله رَ فطمها وذريتها من النار يوم القيامة))(٤). قال
الطبري: أخرجه الحافظ الدمشقي (سمعت رسول الله وَ ل وهو يخطب
الناس) فيه ما يدل على جواز خطبة الإمام الناس وجمعهم للأمر الذي
يحدث (في ذلك على المنبر) فيه أن السنة للخطيب أن يكون على منبر
أو مرتفع (وأنا محتلم) أي بلغت مبالغ الرجال، كذا في
الصحيحين(٥)، وفيه نظر؛ فإن الجماعة نصوا على أنه ولد بمكة في
السنة الثانية، وتوفي رسول الله وهو ابن ثمان سنين، فإن كان يريد
كالمحتلم لكثرة ضبطه لصغره (فقال: إن فاطمة مني) أي: جزء مني،
كما في الرواية الآتية: ((بضعة مني)) (وإني أخاف أن تفتن في دينها)
(١) ((صحيح مسلم)) (٢٤٤٩) (٩٥).
(٢) تحرفت في الأصل إلى: سعيد.
(٣) تحرفت في الأصل إلى: جهدمه، وانظر: ((الإصابة)) ٧٢/٨.
(٤) أخرجه الخطيب البغدادي ٣٣١/١٢ من حديث ابن عباس بسند ضعيف، كما في
((الفوائد المجموعة)) للشوكاني (١٢٣).
(٥) ((صحيح البخاري)) (٣١١٠)، و((صحيح مسلم)) (٢٤٤٩) (٩٥).

٣٢٠
فكره النبي ◌ُّخل فتنتها وتخوف من ذلك لفرط ما تحملها الغيرة على زوجها
من عداوة بنت عدو أبيها ومشاركتها في زوجها، وأن عداوة الآباء قد
تؤثر، وخاف ◌َلّ على ابنته من المفسدة في دينها من ضرر يسري إليها
(قال: ثم ذكر صهرًا له) الصهر يطلق على زوج البنت وأقاربه، من
صهرت الشيء وأصهرته إذا قربته، والمصاهرة مقاربة بين الأجانب
المتباعدين (من بني عبد شمس) هو أبو العاص ابن الربيع، زوج زينب
بنت رسول الله وَّر، واسمه: هشيم، ويقال: لقيط، ويقال: القاسم،
وحكى البغوي فيه: مقسم(١).
(فأثنى عليه في مصاهرته فأحسن) لأنه أحسن في معاشرته مع ابنته
وكان محبًّا لها، وأرادت قريش منه أن يطلقها فأبى، فشكر النبي ◌ِّ
له ذلك، ثم إنه حضر مع المشركين ببدر فأسر وحمل إلى المدينة،
فبعثت فيه زينب قلادتها، فردت عليها وأطلق لها وَلقر (قال: حدثني
فصدقني) حدثه أن يرد أموال قريش ويسلم، ففعل (ووعدني فوفى)
بتخفيف الفاء (لي) كان وعد النبي أن يرسل إليه ابنته زينب، فوفى له
بوعده وأرسلها، وهاجرت زينب، وبقي هو بمكة على شركه إلى أن
خرج في عير لقريش تاجرًا، وذلك قبل الفتح بيسير، فعرض لتلك
العير زيد بن حارثة في سرية من أصحاب النبي ◌َّر، فأخذها، وأفلت
أبو العاص هاربًا إلى أن جاء المدينة فاستجار بزينب فأجارته، وكلم
النبي ◌َّ الناس في رد جميع ما أخذت تلك السرية.
(وإني لست أحرم حلالاً) فيه الإعلام بإباحة نكاح بنت أبي جهل لعلي
(١) ((معجم الصحابة)) ١٦٧/٥.