النص المفهرس
صفحات 541-560
٥٤١ - كتاب المناسك قال: (فانطلقت) لذلك (فرأيت) وفي بعض النسخ: فوافقت (النبي وَلّ قد خرج من الكعبة هو وأصحابه) فيه [دليل على](١) مشروعية الدخول إلى الكعبة منفردًا ومع جماعة، وأن الكبير يخرج أولاً ثم يخرج أتباعه. (وقد استلموا) يعني: النبي ◌َّ وأصحابه، يعني: اعتنقوا (البيت) ثم فسر المكان الذي أستلموه من البيت وهو الملتزم، وهو (من الباب) أي: باب الكعبة (إلى الحطيم) وسياق هذا (٢) اللفظ يشعر بأن الحطيم هو الحجر الأسود، والمشهور - كما ذكره [الشيخ محب](٣) الدين الطبري المكي وغيره- أنه ما (٤) بين الركن والباب، فلعله أراد ما بين الباب وانتهاء الحطيم على حذف المضاف فهو أنتهاء(٥) والله أعلم. وقال مالك في ((المدونة)): الحطيم(٦) ما بين الباب إلى المقام فيما أخبره بعض الحجبة (٧)، وقال ابن جبير (٨): هو ما بين الحجر الأسود إلى الباب إلى المقام، وقيل: الحطيم الشاذروان، وسمي هذا الموضع حطيمًا؛ لأن الناس كانوا يحطمون هنالك بالإيمان، ويستجاب فيها (١) من (م). (٢) سقط من (م). (٣) في (ر): محيي. (٤) سقط من (م). (٥) في (م): أنتهى. (٦) من (م). (٧) ((المدونة)) ٤٧٦/١. (٨) في (م): حبيب. ٥٤٢ الدعاء للمظلوم على الظالم، قيل: من حلف هناك كاذبًا عجلت له العقوبة، وكان ذلك لجحد (١) الناس عن المظالم، فلم يزل ذلك كذلك حتى جاء الإسلام(٢) فأخر الله ذلك لما أراد إلى يوم القيامة، ذكره الأزرقي(٣). وفي كتب الحنفية أن الحطيم هو الموضع الذي فيه الميزاب(٤). والصحيح أن الحطيم هو الركن، كما جاء مفسرًا في رواية أحمد عن عبد الرحمن بن صفوان قال: رأيت رسول الله وَلقوله بين الركن والباب واضعًا وجهه على البيت(٥). وقوله: واضعًا وجهه يحتمل أن يريد به وضع الخد كما جاء (٦) في الحديث المتقدم وأطلق عليه وضع الخد (٧)، ويحتمل أن يريد به وضع جبهته كهيئة الساجد، وعلى هذا فيكون فيه رد لقول من أنكره وهو مجاهد كان يقول: ضع خدك على البيت ولا تسجد عليه سجودًا تضع جبهتك عليه، والله أعلم. (وقد وضعوا خدودهم على البيت) [هذا ما بين الركن والباب، وهذا](٨) ظاهر في أن المراد بالاستلام وضع الخد لا وضع الجبهة. (١) في (م): لجرء. (٢) في (م): الله بالإسلام. (٣) ((أخبار مكة)) ٣٢/٢. (٤) انظر: ((الهداية)) للمرغيناني ١٣٨/١. (٥) ((المسند)) ٤٣٠/٣، وفي إسناده يزيد بن أبي زياد، وهو ضعيف، كما في ((التقريب)) (٧٧١٧). (٦) من (م). (٧) في (م): الوجه. (٨) في (م): وهو مابين الركن والبيت وهو. ٥٤٣ كتاب المناسك (ورسول الله (َ﴾ وسطهم) قال الجوهري: تقول: جلست وسط القوم بالتسكين؛ لأنه ظرف وجلست وسط الدار بالفتح؛ [لأنه اسم(١)](٢) قال: وكل وسط يصلح فيه (بين)) فهو وسط بالإسكان، وإن لم يصلح فيه ((بين)) فهو وسط بالفتح، قال الأزهري: كل ما يبين(٣) بعضه من بعض [كوسط الصف، والقلادة، والسبحة، وحلقة الناس فهو بالإسكان، وما كان منضمًا لا يبين بعضه من بعض] (٤) كالساحة والدار والراحة فهو وسط بالفتح قال: وقد أجازوا في المفتوح الإسكان ولم يجيزوا في الساكن الفتح فافهمه(٥). [١٨٩٩] ([حدثنا مسدد، حدثنا عيسى بن يونس، حدثنا] (٦) المثنى) بتشديد النون (بن الصباح) بتشديد الباء الموحدة المكي (عن عمرو بن شعيب، عن أبيه) شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال المنذري(٧): سمع شعيب من عبد الله على الصحيح، وفي كتاب ابن ماجه عن أبيه عن جده، فيكون شعيب ومحمد طافا جميعًا مع عبد الله(٨). (١) ((الصحاح)) (وسط). (٢) سقط من (م). (٣) في (ر): بنيت. (٤) من (م). (٥) أنظر: ((تهذيب اللغة)) (وسط). (٦) من المطبوع. (٧) في (م): النووي. (٨) ((مختصر سنن أبي داود)) ٣٨٦/٢، وانظر: ((سنن ابن ماجه)) (٢٩٦٢)، وليس فيه ما قال المنذري، بل هو موافق لرواية المصنف. ٥٤٤ (قال) شعيب (طفت(١) مع عبد الله) يعني: جده (فلما جئنا دبر الكعبة) وهو بين الركن اليماني والباب المسدود، وهو مقابل الملتزم المذكور. قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: إن ذلك الملتزم وهذا المتعوذ (٢) بفتح الواو (قلت: ألا تتعوذ؟) لأننا أمام المتعوذ. (قال: نعوذ بالله من النار) ولهذا سمي المتعوذ؛ لأنه يتعوذ عنده من النار كأنهم جعلوا الملتزم موضع رغبة وسؤال، وهذا موضع استعاذة، التجاء، كان جماعة من السلف منهم القاسم بن محمد وعمر بن عبد العزيز وجعفر بن محمد وأيوب السختياني(٣) وحميد الطويل يلتزمون هذا المتعوذ(٤)، ويروى أن عبد الله بن الزبير لما بلغ القواعد التي أسسها إبراهيم العليّا لبناء البيت أتوا على تربة صفراء عند الحطيم فقال ابن الزبير: هذا قبر إسماعيل الثَّ، فواراه، رواه ابن(٥) إسحاق(٦). (ثم مضى حتى استلم الحجر(٧)) الأسود ثم تقدم (وأقام(٨) بين الركن) الذي فيه الحجر الأسود (والباب) الذي للكعبة فوضع صدره (ووجهه) أي: خده الأيمن والأيسر (وذراعيه وكفيه هكذا، وبسطهما) (١) سقط من (م). (٢) رواه الفاكهي في ((أخبار مكة)) (٢٤٧). (٣) في (م): السجستاني. (٤) انظر هذه الآثار في ((أخبار مكة)) للفاكهي ١/ ١٧١ - ١٧٣. (٥) سقط من (م). (٦) ((السيرة)) ص١٠٧. (٧) كذا في (م): وفي باقي النسخ: الركن. (٨) سقط من (م). ٥٤٥ - كتاب المناسك يعني: وبسط(١) كفيه وذراعيه على البيت إلى جهة أعلى(٢) الكعبة (بسطًا) لطيفًا، ويجتهد في الدعاء والإخلاص. ومن الدعاء الوارد عن صالحي السلف [اللائق بالحال، والمنقول عن الشافعي أنه استحبه في ((الإملاء)) في مختصر الحج الصغير](٣): اللهم إن البيت بيتك، والعبد عبدك، وابن عبدك وابن أمتك، حملتني على ما سيرت(٤) من خلقك حتى صيرتني في بلادك وبلغتني نعمتك حتى أعنتني على قضاء نسكك، فإن كنت رضيت عني فازدد عني رضا وإلا فمن الآن قبل أن تنأى(6) عن بيتك داري ويبعد عنه مزاري، هذا أوان أنصرافي إن أذنت لي غير مستبدل بك ولا ببيتك(٦)، ولا راغب عنك ولا عن بيتك، اللهم فاصحبني بالعافية في بدني، والعصمة في ديني، وأحسن منقلبي، وارزقني طاعتك ما أبقيتني، واجمع لي خير الدنيا والآخرة إنك على كل شيء قدير(٧). قوله: ((فمن الآن)) يجوز فيه ثلاثة أوجه: أجودها ضم الميم وتشديد النون، والثاني کسر الميم وتخفيف النون وفتحها، والثالث كذلك، لكن النون مكسورة. قال النووي: ويتعلق الداعي بهذا الدعاء بأستار الكعبة [في (١) سقط من (م). (٢) سقط من (م). (٣) من (م). (٤) في (م) و((الأم))، وانظر: ((المجموع)): سخرت لي. (٥) في (م): ينادي. (٦) في (م): بنبئك. (٧) ((الأم)) ٣٤٤/٢، و((المجموع)) ٢٥٨/٨-٢٥٩. ٥٤٦ تضرعه](١). [١٩٠٠] ([حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا السائب بن عمرو المخزومي، حدثنا محمد بن عبد الله بن السائب](٢) عن أبيه) عبد الله بن السائب بن يزيد الكندي، حج به(٣) أبوه السائب وأمه مع النبي وَلّ في حجة الوداع وهو ابن سبع سنين، وقيل: ابن عشر سنين، مات سنة إحدى وتسعين. (أنه كان يقود عبد الله بن عباس) رضي الله عنهما، وكان ابن عباس في حجة الوداع قد ناهز الحلم، وفي آخر عمره حين عمي، وخرج مع معاوية حاجًّا فكان لمعاوية موكب ولابن عباس موكب ممن يطلب العلم (فيقيمه عند الشقة) بضم الشين المعجمة وتشديد القاف [وآخره تاء مثناة] (٤) الشقق التي يسير بها إلى(٥) البيت (الثالثة) الشقة الأولى التي على الحجر الأسود، والثانية هي التي قبل الحجر الأسود [وبدأ بالحجر الأسود لأنه أول الطواف، هذا ما ظهر لي، والله أعلم](٦). (مما يلي الركن) العراقي (الذي يلي الحجر) بكسر الحاء المهملة وإسكان الجيم (مما يلي الباب) يشبه أن يكون المراد أنه بين الحجر والباب، قال ابن المنذر: قال عمرو بن علي، عن عاصم بإسناده (١) من (م). (٢) من المطبوع. (٣) في (م): بأبيه. (٤) في (م): واحدة. (٥) سقط من (م). (٦) ((أخبار مكة)) ٤٥/١، وليس فيه ذكر الصلاة. ٥٤٧ = كتاب المناسك قال: ثم خرج -يعني: النبي ◌َّ﴾- من الكعبة فصلى ركعتين بين الحجر والباب. وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: إن الحفرة الملاصقة للكعبة بين الباب والحجر هي المكان الذي صلى فيه جبريل بالنبي وَالو الصلوات الخمس في يومين حين فرضها الله على أمته واستبعده بعضهم؛ لأن ذلك لو كان صحيحًا لنبهوا عليه بالكتابة في الحفرة، وهذا لا يلزم. وعن ابن عباس عن النبي وَلّ: أن جبريل الَّ أم به حين فرضت الصلاة عند باب الكعبة مرتين. ورواه الشافعي بإسناد حسن، وفي كتاب الأزرقي أن آدم التَّ طاف بالبيت سبعًا حين نزل ثم صلى وجاه باب الكعبة ركعتين(١). (فيقول له ابن عباس: أنبئت) بضم الهمزة وإسكان النون وكسر الباء الموحدة بعدها همزة ساكنة ثم تاء المخاطب، أي: أخبرت، وفي بعض النسخ: أثبت [بثاء مثلثة](٢) بدل الهمزة لكن همزته الأولى مفتوحة مبني للفاعل من الإثبات، وفي آخره تاء المخاطب المفتوحة أدغمت في التاء الأصلية، والأصل فيه الاستفهام استفهام إخبار وتأكيد، وهذا الوجه أظهر، والله أعلم، وفي نسخة: أنبأت(٣) بفتح الحروف الأربعة مخففًا. (أن رسول الله وسلم كان يصلي هاهنا فيقول(٤): نعم) هذا يدل على (١) سقط من (م). (٢) في (م): بياء مثناة بدل النون وياء مثناة. (٣) في (م): أثبت. (٤) في (م): قال. ٥٤٨ تقدم الاستفهام فيقوم فيصلي، فيه دليل على التحري في الأماكن التي صلى فيها النبي ◌َّله وفضل الصلاة فيها، قال أصحابنا: المحراب الذي صلى فيه رسول الله وَلّ لا يجتهد فيه المصلي في تيامنه فيه (١) أو تياسره بخلاف محاريب المسلمين، فإن له أن يجتهد فيها تيامنًا وتياسرًا ليلتفت إليها. (١) سقط من (م). = كتاب المناسك ٥٤٩ ٥٧ - باب أَمْرِ الصَّفا والمَزوَةِ ١٩٠١- حَدَّثَنا القَغْنَبِيُّ، عَنْ مالِكِ، عَنْ هِشامِ بْنِ عُزْوَةَ ح وَحَدَّثَنا ابن السَّرْحِ، حَدَّثَنا ابن وَهْبٍ، عَنْ مالِكِ، عَنْ هِشامِ بْنِ عُزْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِي وَّهَ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ حَدِيثُ السِّنِّ: أَزَأيْتِ قَوْلَ اللهِ تَعالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآِرِ اللّهِ﴾ فَمَا أَرَىْ عَلَى أَحَدٍ شَيْئًا أَنْ لا يَطَّوَّفَ بِهِما. قالَتْ عَائِشَةُ: كَلاَّ، لَوْ كانَ كَما تَقُولُ كانَتْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لا يَطَّوَّفَ بِهِما، إِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِه الآيَةُ في الأَنَّصارِ كانُوا يُهِلُّونَ لِناةَ، وَكَانَتْ مَناةُ حَذْوَ قُديْدٍ وَكانُوا يَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَطُوفُوا بِئْنَ الصَّفا والمزْوَةِ فَلَمّا جاءَ الإِسْلامُ سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ وَّهِ عَنْ ذَلِكَ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعالَى: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ﴾(١). ١٩٠٢- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا خالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنا إِسْماعِيلُ بنُ أَبي خالِدِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ اعْتَمَرَ فَطافَ بِالبِيْتِ وَصَلَّى خَلْفَ المَقامِ رَكْعَتيْنِ وَمَعَهُ مَنْ يَسْتُرُهُ مِنَ النّاسِ، فَقِيلَ لِعَبْدِ اللهِ: أَدَخَلَ رَسُولُ اللهِ وَه الكَعْبَةَ؟ قالَ: لا(٢). ١٩٠٣ - حَدَّثَنَا تَمِيمُ بْنُ المُنْتَصِرِ، أَخْبَرَنا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنا شَرِيكٌ، عَنْ إِسْماعِيلَ بْنِ أَبي خالِدِ، قالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبي أَوْفَى بِهذا الحَدِيثِ. زادَ : ثُمَّ أَتَّى الصَّفا والمزْوَةَ فَسَعَى بَيْنَهُما سَبْعًا، ثُمَّ حَلَقَ رَأْسَهُ(٣). ١٩٠٤- حَدَّثَنَا النُّفیْلُ، حَدَّثَنا زُهْرٌ، حَدَّثَنا عَطاءُ بنُ السّائِبِ، عَنْ کَثِيرِ بْنِ ◌ُمْهانَ أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بيْنَ الصَّفا والمزْوَةِ: يا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إِنِّي أَرَاكَ (١) رواه البخاري (١٦٤٣، ١٧٩٠، ٤٤٩٥، ٤٨٦١)، ومسلم (١٢٧٧). (٢) رواه البخاري (١٦٠٠، ١٧٩١، ٤١٨٨، ٤٢٥٥)، ومسلم (١٣٣٢). وانظر ما بعده. (٣) أنظر السابق. ٥٥٠ تَمْشي والنّاسُ يَسْعَوْنَ؟ قالَ: إِنْ أَمْشِ فَقَدْ رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَمْشِي، وَإِنْ أَسْعَ فَقَدْ رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهَ يَسْعَى وَأَنَا شيخٌ كَبِيرٌ(١). باب أمر (٢) الصفا والمروة [١٩٠١] عبد الله (ابن السرح) عبد الله (ابن وهب، عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه) عروة بن الزبير رضي الله عنهما (أنه قال: قلت لعائشة زوج النبي وٍَّ﴿ وأنا يومئذٍ حديث السن) أي: لم يكن بعد فقه ولا علم من سنة النبي ◌ّله ما يتأول به نص القرآن (أرأيت) معناه: الاستخبار والاستفهام، أي: أستخبرك عن كذا، وهو بفتح التاء للمذكر والمؤنث والجمع والمثنى. (قول الله رَّ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ﴾) قال الأزهري: الشعائر: المعالم (٣) التي [ندب الله إليها، وأمر بالقيام عليها (٤) فوجوب السعي مستفاد من كونهما جعلا من شعائر الله التي](٥) أمر بها، والعمدة في الوجوب قوله وَ ل: ((خذوا عني مناسككم))(٦). (١) رواه الترمذي (٨٦٤)، والنسائي ٢٤١/٥، وابن ماجه (٢٩٨٨)، وأحمد ٥٣/٢، ٦٠، ٦١، ١٢٠، وابن خزيمة (٢٧٧٠، ٢٧٧١). وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود)) (١٦٦٢). (٢) من (م). (٣) في النسخ: المقالة. والمثبت كما في ((غريب الحديث والأثر))، وهو الأنسب للمعنى. (٤) انظر: ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) ٤٧٩/٢. (٥) من (م). (٦) رواه مسلم (١٢٩٧). ٥٥١ - كتاب المناسك (فما أرى على أحد شيئًا) أي: من الإثم (أن لا يطوف بهما) أي: إذا لم يطف بهما، بل تركه، وحاصله أن عروة أحتج لإباحة ترك السعي بينهما باقتصار الآية على رفع الجناح وهو الإثم، فلو كان واجبًا لما أكتفى بذلك؛ لأن رفع الإثم علامة المباح، ويزداد المستحب بإثبات الآخر، ويزداد الوجوب عليهما بعقاب التارك (قالت عائشة: كلا) وفي رواية في الصحيحين: بئسما قلت يا ابن أختي(١). (لو كان) مباحًا تركه (كما تقول: كانت) رواية البخاري: لو كانت كما أولتها عليه كانت(٢) (٣) التلاوة (فلا جناح عليه [أن لا] (٤) يطوف بهما) وحاصل كلام عائشة في جوابها أن الآية ساكتة عن الوجوب وعدمه مصرحة برفع الإثم عن الفاعل، وأما المباح فيحتاج إلى رفع الإثم عن التارك. (إنما أنزلت هذه الآية في الأنصار) أي: في جماعة منهم ومن غسان (كانوا) قبل أن يسلموا (يهلون) بضم الياء (لمناة) بفتح الميم والنون الخفيفة والقصر، وهو صنم في الجاهلية كانوا يحجون إليه، قال ابن الكلبي: كانت صخرة عظيمة(٥) نصبها عمرو بن لحي لهذيل، فكانوا يعبدونها(٦). (١) (صحيح البخاري)) (١٦٤٣)، ((صحح مسلم)) ١٢٧٧/ ٢٦١. (٢) من (م). (٣) ((صحيح البخاري)) (١٦٤٣). (٤) في (م): إلا أن. (٥) من (م). (٦) انظر: ((فتح الباري)) ٥٨٣/٣. ٥٥٢ (وكانت مناة حذو) بالذال المعجمة (قديد) أي: مقابله، وقديد(١) بضم القاف وتكرير الدال المهملة مصغر، وهي قرية حليفة (٢) بين مكة والمدينة كثيرة المياه، قاله أبو عبيد البكري(٣). (وكانوا يتحرجون) بالحاء المهملة والجيم، أي: يحاجون من الحرج وهو الإثم في فعله، وهو (أن يطوفوا بين الصفا والمروة) وروى الفاكهي أن عمرو بن لحي نصب مناة على ساحل البحر مما يلي قديد، وكانت الأزد وغسان يحجونها ويعظمونها، إذا طافوا بالبيت وأفاضوا من عرفات وفرغوا من منى أتوا مناة فأهلوا لها، فمن أهل لها لم يطف بين الصفا والمروة (٤). (فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله وَ له عن) فعل (ذلك) بعد الإسلام (فأنزل الله تعالى ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ﴾). قال الجوهري في ((الصحاح)): الشعائر أعمال الحج وكل ما جعل علمًا لطاعة الله(٥) والحكمة في التعبير بذلك مطابقة جواب السائلين؛ لأنهم توهموا من كونهم كانوا يفعلون ذلك في الجاهلية أنه لا يستمر في الإسلام، فخرج الجواب مطابقًا لذلك، وأما وجوب السعي فمستفاد من دليل آخر، ولا مانع من أن يكون الفعل واجبًا ويعتقد (١) في (م): قد. (٢) في (م): جامعة. (٣) ((معجم ما استعجم)) ٢٩٩/٣. (٤) انظر: ((أخبار مكة)) للفاكهي ١٦٣/٥ (٧٢). (٥) ((الصحاح)) (شعر). ٥٥٣ - كتاب المناسك إنسان امتناع إيقاعه على صفة مخصوصة فيقال(١) له: لا جناح عليك في ذلك، ولا يستلزم ذلك نفي الوجوب، ولا يلزم من نفي الإثم عن الفاعل(٢) نفي الإثم عن التارك، فلو كان المراد مطلق الإباحة لنفى الإثم عن التارك، وقد وقع في بعض الشواذ باللفظ الذي قالت عائشة أنها لو كانت للإباحة لكانت كذلك، حكاه الطبري(٣)، وحكيت(٤) عن أبي بن كعب(٥) وابن مسعود وابن عباس ﴾(٦). [١٩٠٢] (عن عبد الله بن أبي أوفى) علقمة بن الحارث [من الصحابة](٧) من أصحاب الشجرة (أن رسول الله وَالل اعتمر) لعلها عمرة الحديبية (وطاف بالبيت) أسبوعًا. (وصلى في خلف المقام ركعتين ومعه من يستره من الناس) رواية البخاري: وكنا نستره من أهل مكة أن يرميه أحد(٨) (فقيل لعبد الله) يوضحه رواية البخاري: فقال(٩) له صاحب لي، وهذا اللفظ هو مقول إسماعيل بن أبي خالد، كذا قاله الكرماني (١٠) (أدخل رسول الله وَل (١) في (م): فقال. (٢) في (م): القاعدة. (٣) ((تفسير الطبري)) ٤٩/٢. (٤) في (ر): حبيب. (٥) انظر: ((تفسير السمعاني)) ١٥٩/١. (٦) ((تفسير الطبري)) ٤٩/٢. (٧) في (م): الصحابي. (٨) ((صحيح البخاري)) (١٧٩١). (٩) في (ر): يقال. (١٠) ((شرح صحيح البخاري)) ٩/ ١٥. ٥٥٤ الكعبة؟ قال: لا) فإن قلت: قد ثبت أن رسول الله وَله دخل الكعبة فكيف قال: لا؟ فالجواب عرضه أنه لم يدخل في تلك المرة(١) لا أنه لم يدخل مطلقًا. [١٩٠٣] (تميم بن (٢) المنتصر) بتقديم النون على المثناة فوق، ابن الصلت بن تمام، قال النسائي: هو ثقة، ولد سنة ١٧٦ وتوفي ٢٤٤(٣) (عبد الله بن أبي أوفى) يقول: اعتمرنا مع نبي الله وَلّ فطاف بالبيت سبعًا، وصلى ركعتين عند أي: خلف المقام كما في الرواية المتقدمة، (وزاد: ثم أتى الصفا والمروة فسعى بينهما سبعًا)(٤) استدل به على وجوب السعي من يقول أن أفعاله ويمل و للوجوب (ثم حلق رأسه) يدل على أن العمرة كالحج(٥) في استحباب الحلق، وأنه أفضل من التقصير، وفيه تفصيل ذكره الشافعي في ((الإملاء)) في أثناء كتاب الحج قبل آخره بنحو خمسة عشر ورقة، قال فيه: ومن قدم أي: مكة معتمرًا قبل الحج في وقت أن حلق قد(٦) حمم رأسه حتى يأتي عليه يوم النحر أحببت له أن يبتدئ الحلاق فإني لا أدري لعله لا يدرك حلاق الحج وإن قدم يوم التروية أو يوم عرفة في وقت إن حلق فيه لم يحمم رأسه إلى يوم النحر أحببت له أن يقصر ليحلق يوم النحر، ولو حلق (١) في (م): العمرة. (٢) (مشيخة النسائي)) (٤٩)، ((المعجم المشتمل)) (٢٠٧). (٣) سقط من (م). (٤) في (ر): سعيا. (٥) في (ر): بالحج. (٦) من (م). ٥٥٥ = كتاب المناسك لم يكن عليه شيء، وهي مسألة نفيسة، وقوله: (يحمم) هو بحاء مهملة معناه أسود من الشعر، ويؤيد التقصير أنه إذا [تعاطى أي](١): المعتمر لزم أن يقوم في كل نسك بواجب من [الحلق أو التقصير، فيثاب ثواب الواجب، ويدخل في دعوة النبي وَلَو بالفعلين معًا. وقد ذكر النووي](٢) المسألة لكنه أطلق أنه يستحب للمتمتع أن يقصر في العمرة ويحلق في الحج، قال: ليقع الحلق في أكمل العبادتين(٣). وهذا الحديث يرد هذا الإطلاق. [١٩٠٤] (عن كثير بن جمهان) بضم الجيم وإسكان الميم الكوفي (أن رجلاً قال لعبد الله بن عمر) حين رآه يمشي (بين الصفا والمروة) يعني: في موضع السعي (يا أبا عبد الرحمن، إني أراك تمشي) في موضع السعي (والناس يسعون) يعني: الرجال؛ فإن المرأة لا تسعى فيه؛ لأنه أستر لها، وقيل: إن سعت في الليل سعت كالرجل. فـ (قال: إن أمشي فقد رأيت رسول الله وَله يمشي) أي: على هينته، وفيه رد على ما ذهب إليه ابن حزم: أن رسول الله و18َ كان راكبًا في جميع الطواف بين الصفا والمروة (٤). وتأول حديث جابر والمشي عند الشافعي أفضل، والركوب مكروه لغير عذر(٥). وعند الحنفية أن من ركب في (١) في (م): تعاطاه. (٢) سقط من (م). (٣) ((شرح النووي)) ٢٣١/٨. (٤) ((المحلى)) ٧/ ١٨٠. (٥) ((الأم)) ٢٦٣/٢. ٥٥٦ جميع السعي أو أكثره لغير عذر أراق دمًا (١) وعند المالكية من سنن السعي المشي(٢). (وإن أسعى) بين الميلين الأخضرين (فقد رأيت رسول الله وَ ل يسعى) بينهما (وأنا شيخ كبير) جعله علة لمشيه في موضع السعي، وكذا يمشي لضعف أو غيره من الأعذار، فالمشي جائز؛ لأن ترك الرمل في الطواف بالبيت لا شيء فيه، فتركه بين الصفا والمروة أولى بأن لا يجب فيه شيء. (١) ((المبسوط)) ٤/ ٥٠. (٢) (شرح مختصر الخليل) ٣٢٥/٢، و((الشرح الكبير)) للدردير ٤٠/٢، و(«كفاية الطالب)) ١/ ٦٧٣. ٥٥٧ = كتاب المناسك صَلىالله وَسَكم ٥٨ - باب صِفَةٍ حَجّةٍ النّبي ١٩٠٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ النُّفيْلِي وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شيْئَةَ وَهِشَامُ بْنُ عَمّارٍ وَسُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدِّمَشْقِيّانِ - وَرُبَّما زادَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضِ الكَلِمَةَ والشَّىء - قالُوا: حَدَّثَنا حاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ قالَ دَخَلْنا عَلَى جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، فَلَمَّا أَنْتَهِيْنا إِلَيْهِ سَأَلَ عَنِ القَوْمِ حَتَّى أَنْتَهَى إِلَّ فَقُلْتُ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِي بْنِ حُسيْنٍ. فَأَهْوِى بِيَدِهِ إِلَى رَأْسِي فَتَزَعَ زِرّي الأَغْلَى، ثُمَّ نَزَعَ زِرّي الأَسْفَلَ ثُمَّ وَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ ثَدْیَى وَأَنَا يَوْمَئِذٍ غُلامٌ شابٌّ. فَقالَ: مَرْحَبًا بِكَ وَأَهْلاً يا ابن أَخِي سَلْ عَمَّا شِئْتَ، فَسَأَلَّتُهُ وَهُوَ أَعْمَى وَجاءَ وَقْتُ الصَّلاةِ فَقَامَ في نِساجَةٍ مُلْتَحِفًا بِهِا يَغْنِي ثَوْبًا مُلَفَّقَا كُلَّمَا وَضَعَها عَلَى مَنْكِبِهِ رَجَعَ طَرَفاها إِليْهِ مِنْ صِغَرِها فَصَلَّى بِنا وَرِدَاؤُهُ إِلَى جَنْبِهِ عَلَى الْمِشْجَبِ. فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ حَجَّةِ رَسُولٍ اللهِوَّهِ. فَقَالَ بِيَدِهِ فَعَقَدَ تِسْعًا، ثُمَّ قالَ إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَ لَ مَكَثَ تِشْعَ سِنِينَ لَمْ يَحُجَّ ثُمَّ أُذِنَ في النّاسِ في العاشِرَةِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ حَاجٌ فَقَدِمَ المَدِينَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ كُلَّهُمْ يَلْتَمِسُ أَنْ يَأْتَمَّ بِرَسُولِ اللهِ وََّ ويَعْمَلَ بِمِثْلٍ عَمَلِهِ فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ وَخَرَجْنا مَعَهُ حَتَّى أَتَيْنا ذا الحُليْفَةِ فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمْيْسٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ فَأَرْسَلَتْ إِلَىْ رَسُولِ اللهِ بَّهَ كَيْفَ أَصْنَعُ قالَ: ((اغْتَسِلي واسْتَذْفِرِي بِثَوْبٍ وَأَخْرِمي)). فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ وََّ فِي المَسْجِدِ ثُمَّ رَكِبَ القَصْواءَ حَتَّى إِذا أَسْتَوَتْ بِهِ ناقَتُهُ عَلَى البَيْداءِ. قَالَ جابِرٌ: نَظَرْتُ إِلَى مَدِّ بَصَرِي مِنْ بِئْنِ يَدِئْهِ مِنْ راكِبٍ وَماشٍ وَعَنْ يَمِينِهِ مِثْلَ ذَلِكَ وَعَنْ يَسَارِهِ مِثْلَ ذَلِكَ وَمِنْ خَلْفِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَرَسُولُ اللهِ وَِّ بَيْنَ أَظْهُرِنا وَعَلَيْهِ يَنْزِلُ القُرْآنُ وَهُوَ يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ، فَمَا عَمِلَ بِهِ مِنْ شَىءٍ عَمِلْنا بِهِ فَأَهَلَّ رَسُولُ اللهِ وَّه بِالتَّوْحِيدِ: (َبَيْكَ اللَّهُمَّ لَبَيْكَ لَبَيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَيْكَ إِنَّ الحَمْدَ والنِّعْمَةَ لَكَ والمُلْكَ لا شَرِيكَ لَكَ)). وَأَهَلَّ النّاسُ بهذا الذي يُهِلُّونَ بِهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ وَِّ شَيْئًا مِنْهُ وَلَزِمَ رَسُولُ اللهِ وَ لِ تَلْبِيَتَهُ. قالَ جابِرٌ: لَسْنا نَنْوِي إِلَّ الَحَجَّ لَسْنا نَغْرِفُ العُمْرَةَ حَتَّى إِذا ٥٥٨ أَتَيْنا البَيْتَ مَعَهُ أَسْتَلَمَ الرُّكْنَ فَرَمَلَ ثَلاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ تَقَدَّمَ إِلَى مَقامِ إِنْراهِيمَ فَقَرَأَ ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِراهِيمَ مُصَلّى﴾ فَجَعَلَ المَقامَ بيْنَهُ وَبَيْنَ البَيْتِ قالَ: فَكانَ أَبِي يَقُولُ: قالَ ابن نُفيْلٍ وَعُثْمَانُ وَلا أَعْلَمُهُ ذَكَرَهُ إِلَّ، عَنِ النَّبِيِ وَِّ. قَالَ سُلِيْمَانُ وَلا أَعْلَمُهُ إلَّا قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَ لَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتِيْنِ بِ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ وَدِ ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى البَيْتِ فَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ ثُمَّ خَرَجَ مِنَ البابِ إِلَى الصَّفا فَلَمّا دَنا مِنَ الصَّفا قَرَأَ ﴿إِنَّ الصَّفا والمزوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ﴾: «نَبْدَأُ بِما بَدَأَ الله بِهِ)). فَبَدَأَ بِالصَّفا فَرَقِي عَليْهِ حَتَّى رَأَى البَيْتَ فَكَبَّرَ اللهَ وَوَخَّدَهُ وقالَ: ((لا إله إلاَّ الله، وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، يُحْيِيِ ويُمِيتُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىءٍ قَدِيرٌ لا إله إلاَّ الله وَحْدَهُ أَنْجَزَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الأَخْزِابَ وَحْدَهُ»، ثُمَّ دَعا بَيْنَ ذَلِكَ وقَالَ مِثْلَ هذا ثَلاثَ مَرّاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ إِلَى المَزْوَةِ حَتَّى إِذا أَنْصَبَّتْ قَدَماهُ رَمَلَ في بَطْنِ الوادي حَتَّى إِذا صَعِدَ مَشَى حَتَّى أَتَى المَزْوَةَ فَصَنَعَ عَلَى المَزْوَةِ مِثْلَ ما صَنَعَ عَلَى الصَّفا حَتَّى إِذا كانَ آَخِرُ الطَّوافِ عَلَى المَزْوَةِ قَالَ: ((إِنّي لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْري ما أَسْتَذْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الهَدِي، وَلَجَعَلْتُها عُمْرَةً فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدي فَلْيَحْلِلْ وَلْيَجْعَلْها عُمْرَةً)). فَحَلَّ النّاسُ كُلُّهُمْ وَقَصَّرُوا إِلَّ النَّبِي ◌ََّ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدي فَقَامَ سُراقَةُ بْنُ جُعْثُم فَقالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَلِعامِنا هذا أَخْ لِلْأَبَدِ؟ فَشَبَّكَ رَسُولُ اللهِ وَ أَصابِعَهُ فِي الأُخْرَىْ ثُمَّ قالَ: ((دَخَلَتِ العُمْرَةُ في الحَجْ)). هَكَذا مَرَّتَيْنِ: ((لا بَلْ لِأَبَدِ أَبَدٍ لا بَلْ لِأَبَدِ أَبَدٍ)). قالَ: وَقَدِمَ عَلي مِنَ اليَمَنِ بِبُذْنِ النَّبِي وَ فَوَجَدَ فَاطِمَةَ رضي الله عنها مِمَّنْ حَلَّ وَلَبِسَتْ ثِيابًا صَبِيغًا واكْتَحَلَتْ فَأَنْكَرَ عَلي ذَلِكَ عَليْها وقالَ مَنْ أَمَرَكِ بهذا فَقالَتْ أَبي. فَكَانَ عَلي يَقُولُ بِالعِراقِ ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ مُخَرِّشَا عَلَى فاطِمَةَ في الأَمْرِ الذي صَنَعَتْهُ مُسْتَفْتِيًا لِرَسُولِ اللهِ وَّل ◌َه في الذي ذَكَرَتْ عَنْهُ فَأَخْبَرْتُهُ أَنِي أَنْكَزْتُ ذَلِكَ عَليْها فَقَالَتْ إِنَّ أَبِي أَمَرَني بهذا. فَقَالَ: ((صَدَقَتْ صَدَقَتْ ماذا قُلْتَ حِينَ فَرَضْتَ الحَجَّ). قالَ: قُلْتُ: اللَّهُمَّ إِي أُهِلُّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُ اللهِ وَّةَ. قالَ: ((فَإِنَّ مَعي الهَدي فَلا ٥٥٩ = كتاب المناسك تَحْلِلْ)). قالَ: وَكَانَ جَمَاعَةُ الهَدى الذي قَدِمَ بِهِ عَلي مِنَ اليَمَنِ والَّذِي أَتَّى بِهِ النَّبي وٍَّ مِنَ المَدِينَةِ مِائَةً فَحَلَّ النّاسُ كُلَّهُمْ وَقَصَّرُوا إِلَّ النَّبِي ◌ََِّّ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدي قالَ: فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّزْوِيَةِ وَوَجَّهُوا إِلَى مِنَّى أَهَلُّوا بِالَحَجِّ فَرَكِبَ رَسُولُ اللهِ وَهُ فَصَلَّى بِمِنَّى الظُّهْرَ والعَصْرَ والَمَغْرِبَ والعِشاءَ والصُّبْحَ ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلاً حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ لَهُ مِنْ شَعَرٍ فَضُرِبَتْ بِنَمِرَةَ فَسارَ رَسُولُ اللهِ وََّ وَلا تَشُكُّ قُرْشٌ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ وَاقِفٌ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ بِالْمُزْدَلِفَةِ كَما كانَتْ قُريْشٌ تَصْنَعُ في الجاهِلِيَّةِ فَأَجَازَ رَسُولُ اللهِ وَّهَ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ فَوَجَدَ القُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ فَتَزَلَ بِها حَتَّى إِذا زاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالقَضْواءِ فَرُحِلَتْ لَهُ فَرَكِبَ حَتَّى أَتَى بَطْنَ الوادي فَخَطَبَ النّاسَ فَقالَ: «إِنَّ دِماءَكُمْ وَأَمْوالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرامٌ كَحُرْمَةِ يَؤْمِكُمْ هذا في شَهْرِكُمْ هذا في بَلَدِكُمْ هذا أَلا إِنَّ كُلَّ شَىء مِنْ أَمْرِ الجاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَى مَوْضُوعٌ وَدِماءُ الجاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ وَأَوَّلُ دَم أَضَعُهُ دِمَاؤُنا دَمُ)). قالَ عُثْمَانُ: (دَمُ ابن رَبِيعَةَ)). وقالَ سُليمانُ: ((دَمُ رَبِيعَةَ بْنِ الحَارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ)). وقالَ بَغْضُ هؤلاء كانَ مُسْتَرْضَعًا في بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذيْلٌ: ((وَرِبا الجاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُهُ رِبانا رِبا عَبّاسٍ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ فَإِنَّهُ مَوْضُوعُ كُلُّهُ أَتَّقُوا اللَّه في النِّساءِ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمانَةِ اللهِ واسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ وَإِنَّ لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ فَإِنْ فَعَلْنَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غيْرَ مُبَرِّحٍ وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ وَإِنّي قَدْ تَرَكْتُ فِيَكُمْ ما لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ كِتَابَ اللهِ وَأَنْتُمْ مَسْئُولُونَ عَنِي فَما أَنْتُمْ قائِلُونَ)). قالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَيْتَ وَنَصَحْتَ. ثُمَّ قالَ بِأُصْبُعِهِ الشَّابَةِ يَرْفَعُها إِلَى السَّماءِ ويَنْكِبُها إِلَى النّاسِ: ((اللَّهُمَّ أَشْهَدِ اللَّهُمَّ اشْهَدِ اللَّهُمَّ أَشْهَدْ)). ثُمَّ أَذَّنَ بِلالٌ ثُمَّ أَقامَ فَصَلَّى الظَّهْرَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى العَصْرَ وَلَمْ يُصَلِّ بِيْنَهُما شيئًا ثُمَّ رَكِبَ القَصْواءَ حَتَّى أَتَى المَوْقِفَ فَجَعَلَ بَطْنَ ناقَتِهِ القَصْواءَ إِلَى الصَّخَراتِ وَجَعَلَ حَبْلَ المشاةِ بَيْنَ يَدِيْهِ فَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ فَلَمْ يَزَلْ واقِفًا حَتَّى ٥٦٠ غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلاً حِينَ غابَ القُرْصُ وَأَزْدَفَ أُسامَةَ خَلْفَهُ فَدَفَعَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَضْواءِ الزّمامَ حَتَّى إِنَّ رَأْسَها لِيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ وَهُوَ يَقُولُ بِيَدِهِ اليُمْنَى: ((السَّكِينَةَ أيُّها النّاسُ السَّكِينَةَ أيُّها النّاسُ)) كُلَّمَا أَتَى حَبْلاً مِنَ الحِبالِ أَزْخَى لَها قَلِيلاً حَتَّى تَصْعَدَ حَتَّى أَتَّى المزْدَلِفَةَ فَجَمَعَ بَيْنَ المغْرِبِ والعِشاءِ بِأَذانٍ واحِدٍ وَإِقامَتيْنِ -قَالَ عُثْمَانُ: وَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُما شَيْئًا ثُمَّ أَتَّفَقُوا - ثُمَّ أَضْطَجَعَ رَسُولُ اللهِ وَِّ حَتَّى طَلَعَ الفَجْرُ فَصَلَّى الفَجْرَ حِينَ تَبيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ -قَالَ سُلِيْمانُ بِنِداءِ وَإِقامَةٍ ثُمَّ أَتَّفَقُوا- ثُمَّ رَكِبَ القَضْواءَ حَتَّى أَتَى المَشْعَرَ الحَرامَ فَرَقِي عَلَيْهِ قالَ عُثْمَانُ وَسُليمانُ فاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ فَحَمِدَ اللهَ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ زادَ عُثْمَانُ وَوَحَّدَهُ فَلَمْ يَزَلْ واقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدّا ثُمَّ دَفَعَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَأَزْدَفَ الفَضْلَ بْنَ عَبَّاسٍ وَكَانَ رَجُلاً حَسَنَ الشَّعْرِ أَنْيَضَ وَسِيمًا فَلَمّا دَفَعَ رَسُولُ اللهِ وَلِّ مَرَّ الظُّعُنُ يَجْرِينَ فَطَفِقَ الفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهِنَّ فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ إِ ل﴿ يَدَهُ عَلَى وَجْهِ الفَضْلِ وَصَرَفَ الفَضْلُ وَجْهَهُ إِلَى الشِّقِّ الآخَرِ وَحَوَّلَ رَسُولُ اللهِ بِه يَدَهُ إِلَى الشِّقِّ الآخَرِ وَصَرَفَ الفَضْلُ وَجْهَهُ إِلَى الشِّقِّ الآخَرِ يَنْظُرُ حَتَّى أَتَى نُحَسِّرًا فَحَرَّكَ قَلِيلاً ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الوُسْطَى الذي يُخْرِجُكَ إِلَى الْجَمْرَةِ الكُبْرِى حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ التي عِنْدَ الشَّجَرَةِ فَرَماها بِسَبْعٍ حَصياتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصاةٍ مِنْها بِمِثْلِ حَصَى الَخَذْفِ فَرَمَى مِنْ بَطْنِ الوادي ثُمَّ أَنْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ يَّهِ إِلَى المَنْحَرِ فَتَحَرَ بِيَدِهِ ثَلاثًا وَسِتِّينَ وَأَمَرَ عَلِيًّا فَتَحَرَ ما غَبَرَ - يَقُولُ ما بَقي - وَأَشْرَكَهُ فِي هَذِهِ ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ فَطُبِخَتْ فَأَكَلا مِنْ لَحَمِها وَشَرِبًا مِنْ مَرَقِها قالَ سُليْمَانُ ثُمَّ رَكِبَ ثُمَّ أَفَاضَ رَسُولُ اللهِ وََّ إِلَى البَيْتِ فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ ثُمَّ أَتَى بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ وَهُمْ يَسْقُونَ عَلَى زَمْزَمَ فَقَالَ: ((انْزِعُوا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ فَلَوْلا أَنْ يَغْلِيَكُمُ النّاسُ عَلَى سِقايَتِكُمْ لَنَزَعْتُ مَعَكُمْ)). فَناوَلُوهُ دَلْوَا فَشَرِبَ مِنْهُ(١). (١) رواه البخاري (١٥١٥، ١٥٦٨)، ومسلم (١٢١٠، ١٢١٨، ١٢٦٣). وانظر ما سلف برقم (١٧٨٥، ١٧٨٦، ١٧٨٩، ١٨٨٠، ١٨١٣)، وما سيأتي بالأرقام