النص المفهرس

صفحات 461-480

٤٦١
= كتاب الصلاة
قال أبو عبد (١) الله القابسي شارح ((الشاطبية)): كان شيخنا أبو العباس
أحمد بن موسى الفروخاني يأخذ علينا في الأجزاء (٢) المذكورة بترك
البسملة ويأمرنا بها في مثل: ﴿إِلَيْهِ يُّرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾(٣) لما فيها بعد
الاستعاذة من قبح اللفظ، وكذا قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِىّ أَنشَأَ جَنََّتٍ
مَّعْرُوشَتٍ﴾(٤)، وأجاز(٥) بعضهم الإتيان (٦) بالبسملة.
قال أبو القاسم المسيبى: كنا إذا افتتحنا الآية على مشايخنا من بعض
السورة نبدأ ببسم الله الرحمن الرحيم، وروى نحوه عن حمزة(٧).
قال عاصم ابن(٨) يزيد الأصبهاني: سئل حمزة عن أصحاب محمد
وَفيه. فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ
وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾) (٩) وروي عن ابن عباس أنه كان يفتتح القراءة ببسم
الله [الرحمن الرحيم](١٠) وهو عام في أوائل السور وأبعاضها.
(﴿يَلِفْكِ﴾) وهم عبد الله بن أبي ومن تبعه، والإفك أعظم ما يكون
من الكذب، وسمي إفكًا لعظمه؛ لأن عائشة زوجة المعصوم ومحصنة،
(١) في (س): عبيد.
(٢) في (م): الأخر.
(٣) فصلت: ٤٧.
(٤) الأنعام: ١٤١.
(٥) في (م): واختار.
(٦) في (م): الإثبات.
(٧) انظر: ((الإقناع في القراءات السبع)) ص٥٦.
(٨) سقط من (ل، م).
(٩) البقرة: ١٣٤، ١٤١.
(١٠) من (م).

٤٦٢
وبنت أبي بكر، والإجماع على أن المراد بهُذِه الآية ما كذب به على
عائشة، ولم يشك النبي ◌ّ في أمرها، وضيق صدره إنما هو من قول
الكفار والمنافقين، وهذا الكلام إنما صدر من المنافقين، وهم أعداء،
وكلام الأعداء لا يقبل.
(﴿عُصْبَةُ﴾) وهم الجماعة من العشرة إلى الأربعين.
(﴿مِنكُمْ﴾) أي: من المؤمنين الذين يظهرون الإيمان، وأنه لا يكفر
أحد بذنب(١) سوى الشرك (الآية) وتبويب المصنف على هذا الحديث
يشعر أنه بسمل سرًّا ولم يجهر به فلم يسمعه الحاضرون، ولو
سمعوا(٢) لنقلوه ووصل إلينا.
(قال أبو داود: هذا حديث منكر) ثم ذكر وجه الإنكار وهو أنه (قد
روي هذا الحديث عن) محمد بن شهاب (الزهري(٣)) -أحد رواته-
جماعة و(لم يذكروا هذا الكلام على هذا الشرح) بذكر الاستعاذة
(وأخاف أن يكون أمر الاستعاذة) منه هكذا الرواية، أي: مدرج (من
كلام حميد) الأعرج، لكن إذا احتمل واحتمل فالأصل (٤) أن لا مدرج
حتى يثبت، والله أعلم.
(١) في (ص): بدين.
(٢) في (م): سمعوه.
(٣) سقط من (م).
(٤) في (م): فالأفضل.

٤٦٣
= كتاب الصلاة
١٢٧- باب مَنْ جَھَرَ پھا
٧٨٦ - أَخْبَرَنا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، أَخْبَرَنا هُشَيْمٌ، عَنْ عَوْفٍ، عَنْ يَزِيدَ الفارِسِيِّ قالَ:
سَمِعْتُ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: قُلْتُ لِعُثْمانَ بْنِ عَقّانَ: ما حَمَلَكُمْ أَنْ عَمَدْتُمْ إِلَى بَراءَةَ وَهِيَ
مِنَ الِئِينَ وَإِلَى الأَثَّفالِ وَهِيَ مِنَ المثاني فَجَعَلْتُمُوهُما فِي السَّبْعِ الطّوَلِ وَلَمْ تَكْتُبُوا
بَيْنَهُما سَطْرَ ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؟ قالَ عُثْمَانُ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َ مِمَا يَنْزِلُ عَلَيْهِ
الآياتُ فَيَدْعُو بَعْضَ مَنْ كَانَ يَكْتُبُ لَهُ وَيَقُولُ لَهُ: ((ضَعْ هُذِهِ الآيَةَ فِي السُّورَةِ
التِي يُذْكَرُ فِيها كَذَا وَكَذَا )). وَتَنْزِلُ عَلَيْهِ الآيَةُ والآيَتانِ فَيَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ وَكَانَتِ
الأَثَّفالُ مِنْ أَقَلِ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ بِالَمَدِينَةِ وَكانَتْ بَراءَةُ مِنْ آَخِرٍ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ
وَكَانَتْ قِصَّتُها شَبِيهَةً بِقِصَّتِها فَظَنَنْتُ أَنَّهَا مِنْها فَمِنْ هُناكَ وَضَغْتُهُما فِي السَّبْعِ
الطُّوَلِ وَلَمْ أَكْتُبْ بَيْنَهُما سَطْرَ ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾(١).
٧٨٧- حَدَّثَنَا زِيادُ بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنا مَزْوانُ - يَغْنِي: ابن مُعاوِيَةَ - أَخْبَرَنا عَوْفٌ
الأَغْرَابُّ، عَنْ يَزِيدَ الفارِسِيِّ، حَدَّثَنا ابن عَبّاسٍ بِمَعْناهُ قَالَ فِيهِ: فَقُبِضَ رَسُولُ اللهِ
صَلّه
﴿ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنا أَنَّهَا مِنْها(٢).
وَسَيِّلم
قالَ أَبُو دَاوُدَ: قالَ الشَّغِيُّ وَأَبُو مالِكِ وَقَتَادَةُ وَثَابِتُ بْنُ عُمارَةَ: إِنَّ النَّبِيَّ وَ لَمْ
يَكْتُبْ ﴿بِشْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ حَتَّى نَزَلَتْ سُورَةُ النَّمْلِ هذا مَعْناهُ.
٧٨٨- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ وَأَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ المَزْوَزِيُّ وابنُ السَّرْحِ قالُوا: حَدََّنا
سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ -قَالَ قُتَيْبَةُ فِيهِ - عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: كانَ
النَّبِيُّ ◌َّهَ لا يَغْرِفُ فَضْلَ السُّورَةِ حَتَّى تُنَزَّلَ عَلَيْهِ ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
(١) رواه الترمذي (٣٠٨٦)، وأحمد ٦٩/١، والنسائي في ((الكبرى)) ١٠/٥ (٨٠٠٧).
وضعفه الألباني (١٤٠).
(٢) رواه الترمذي (٣٠٨٦)، أحمد ٥٧/١، والنسائي في ((الكبرى)) ١٠/٥ (٨٠٠٧).
وضعفه الألباني (١٤٠).

٤٦٤
وهذا لَفْظُ ابن السَّرْحِ(١).
باب من جھر بها
هذا في بعض النسخ.
[٧٨٦] (أخبرنا عمرو بن عون) قال: (أنا هشيم) ابن بشير الواسطي
(عن عوف (٢)) بن أبي جميلة، بندويه، ويقال: رزينة، يعرف بالأعرابي،
وليس بأعرابي الأصل (عن يزيد) البصري (الفارسي) كتب مصحفًا
لعبيد الله بن زياد، وروى له الترمذي والنسائي.
(قال: سمعت ابن عباس قال: قلت لعثمان بن عفان: ما حملكم)
على (أن عمدتم) بفتح الميم، كضرب أي: قصدتم وتعمدتم.
(إلى) سورة (براءة) لها عشرة أسماء براءة والتوبة، والمقشقشة؛
لأنها تقشقش من النفاق(٣)، أي: [تتبرأ منه](٤)، والمبعثرة؛ لأنها
تبعثر عن أحوال المنافقين وتبحث عنها، والفاضحة؛ لأنها فضحت
المنافقين، وسورة العذاب، والمخزية؛ لأن فيها خزي المنافقين(٥).
(١) رواه الطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) ٤٠٧/٣ (١٣٧٦)، والحاكم ٦١٠/٢،
والبيهقي ٤٢/٢، والضياء في ((المختارة)) ٤٩٨/٤ (٣٣٦).
وصححه الألباني (٧٥٤).
(٢) في (ص، س): عون.
(٣) في (م): المنافقين.
(٤) في (م): تتبرى منهم.
(٥) ذكر المصنف سبعة أسماء فقط من العشرة، وتتمتها: المثيرة؛ لأنها أثارت مخازي
المنافقين، والمشردة؛ لأنها تشرد بالمنافقين، والمدمدمة؛ لأنه تدمدم عليهم.
انظر: ((الكاشف)) للزمخشري ٢٢٩/٢.

٤٦٥
- كتاب الصلاة
(وهي من المئين) والمراد والله أعلم بالمئين(١) ما زادت عدد آياته
على المائة، فجعلوا الزائد على المائة الذي هو بعضها منزل منزلة
المائة بكمالها؛ لأن الشيء يذكر بلفظ الكل، ويراد به بعضه، كما قال
النبي ◌َّ: ((أيام منى أيام أكل وشرب))(٢) وإنما هي يومان وبعض (٣)
الثالث، ومنه قوله تعالى: ﴿اَلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾(٤) وإنما هي شوال
وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، وتقول: جئتك العام ورأيتك اليوم،
وإنما رآه في بعضه، وجعل [الاثنين جمع](٥) على ما ذهب إليه مالك
والأستاذ والغزالي محتجين بأن الجمع مشتق من اجتماع الشيء
بالشيء، ومذهب الشافعي وأبي حنيفة لا يطلق على الأثنين جمع
إلا (٦) مجازًا.
[قال الشيخ برهان الدين المقرئ الجعبري: سميت المئين لمقاربتها
المائة وهي إحدى عشرة سورة: يونس، وهود، ويوسف، والنحل،
وسبحان، والكهف، وطه، والأنبياء، والمؤمنون، والشعراء،
والصافات. وقيل: من سبحان إلى المؤمنين](٧).
(و) عمدت (إلى الأنفال، وهي من المثاني) قيل: هي السور التي
(١) في (ص): بالمائتين.
(٢) أخرجه مسلم (١١٤٢) (١٤٥) من حديث كعب بن مالك.
(٣) في (م): تعين.
(٤) البقرة: ١٩٧.
(٥) في (ص): الأشيب. وفي (س): الأيتين.
(٦) سقط من (م).
(٧) سقط من (م).

٤٦٦
تقصر (١) عن المئين وتزيد على المفصل، قال ابن الأثير: كأن المئين
جعلت مبادي يعني: بعد الطول، والتي تليها مثاني(٢). وهذا يرجح
أحد الأقوال في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِىِ وَالْقُرْءَانَ
اٌلْعَظِيمَ﴾(٣) أن المثاني هي السور التي هي(٤) دون الطول، وفوق
المفصل، وهي المئين، وحجة هذا القول ما أخرجه البغوي بإسناد
الثعلبي، عن ثوبان، أن رسول الله وسلم قال: ((إن الله أعطاني السبع
الطول مكان التوراة، وأعطاني المئين مكان الإنجيل، وأعطاني مكان
الزبور المثاني، وفضلني ربي بالمفصل))(٥). قال برهان الدين(٦)
الجعبري: سميت المثاني لقصورها عن المئين وهي عشرون سورة:
الرعد، وإبراهيم، والحجر، ومريم، والحج، والنور، والفرقان،
والنمل، والقصص، والعنكبوت، والروم، ولقمان، والسجدة،
والأحزاب، وسبأ، وفاطر، ويس، وص، والزمر، ومحمد وَّه
(فجعلتموهما) أي: قرنتم(٧) بينهما وجعلتموهما سورة واحدة (في
السبع الطول) بضم الطاء وفتح الواو، جمع طولى، ككبرى وكبر،
(١) في (ص، س): نقص.
(٢) ((النهاية في غريب الحديث)) (ثنا).
(٣) الحجر: ٨٧.
(٤) سقط من (م).
(٥) أخرجه البغوي في ((تفسيره)) ٣٩١/٤ من طريق الثعلبي في ((الكشف والبيان)) ٩/
٦٧-٦٨.
(٦) سقط من (م).
(٧) في (م): فرقتم.

٤٦٧
- كتاب الصلاة
وفضلى وفضل.
(ولم تكتبوا بينهما سطرًا بسم الله الرحمن الرحيم) فيه دليل على أن
البسملة إذا كتبت بين سورتين [تكتب سطرًا واحدًا بمفردها بينهما،
يفصل بين السورتين](١) ليعلم الناظر انتهاء الأولى وابتداء الثانية،
وعلى هذا فالأولى أن تستعمل في المكاتبات وغيرها سطرًا بمفردها،
بل إفرادها في المكاتبات أولى فلا يخلط بها بعدها غيرها تفضيلاً لها
على ما يأتي بعدها من كلام الآدميين.
(قال عثمان: كان النبي ◌َّ مما ينزل عليه) يحتمل أن يكون في هذا
شاهد لما قاله ابن خروف والسيرافي وابن طاهر والأعلم: أن (من) تأتي
بمعنى رُبَّ إذا أتصلت بـ (ما) كقوله :
وإنا(٢) لمَّا نضرب الكبش ضربة
على رأسه تلقي اللسان من الفم (٣)
والتقدير على هذا ربما(٤) ينزل عليه، وكذا تحتمله رواية الترمذي:
كان رسول الله سير مما يأتي الزمان وهو ينزل عليه السور (٥) ذوات
العدد (٦) (الآيات) من السورة (فيدعو بعض من كان يكتب له) قد
يستدل به على أن النبي ◌َل لو كان لا يحسن الكتابة.
(١) سقط من (م).
(٢) في الأصول الخطية: إنما. والمثبت من ((همع الهوامع)) للسيوطي ٢/ ٤٦٣.
(٣) البيت لأبي حية النميري. انظر: ((الكتاب)) ١٥٦/٣، ((مغني اللبيب)) ص٤٠٩.
(٤) في (م): إنما.
(٥) في (ص): السورة.
(٦) ((سنن الترمذي)) (٣٠٨٦).

٤٦٨
(ويقول ضع هذه الآية في السورة(١)) فيه دليل على أن ترتيب الآيات
في السور (٢) على ما هو عليه في مصحفنا توقيف (٣) من النبي وَل.
قال القرطبي(٤): وقراءة القرآن منكوسًا فيبتدئ من آخر السورة إلى
أولها حرام محظور؛ لأن فيه إفساد لنظم السورة، ومخالفة لما قصد منها.
(التي يذكر فيها كذا وكذا) قد يستدل به لما قاله بعض السلف كما
حكاه النووي، وهو أنه يكره أن يقول: سورة البقرة، وسورة آل
عمران، وسورة النساء، وسورة العنكبوت، وكذلك البواقي بل يقال:
السورة التي يذكر فيها البقرة، [والسورة التي يذكر فيها آل عمران](٥)
والسورة التي يذكر فيها النساء كما في هذا الحديث.
قال النووي: والصواب أن ذلك جائز لا كراهة فيه، وهو قول
جماهير المسلمين من سلف الأمة وخلفها(٦). والأحاديث فيه أكثر من
أن تحصر لقوله وَه: ((من قرأ الآيتان من آخر سورة البقرة كفتاه)) (٧)
وعلى هذا فأقل مراتب هذا الحديث أن يحمله على أنه خلاف
الأولى، وأن الأولى أن يقول: السورة التي يذكر فيها كذا، بل يقال
(١) زاد في (س، م): التي. وبياض في (ل).
(٢) في (م): السورة.
(٣) في (ص، س): توفيق. والمثبت من (م)، وبياض في (ل).
(٤) ((الجامع لأحكام القرآن)) ١/ ٦١.
(٥) سقط من (س، ل، م).
(٦) ((شرح النووي على مسلم)) ٦/ ٩٠.
(٧) رواه البخاري (٤٠٠٨، ٤٠٠٩)، ومسلم (٨٠٧، ٨٠٨).

٤٦٩
= كتاب الصلاة
بالكراهة، فإنها أدنى مراتب الحديث، ويكون فيه (١) جمع بين
الأحاديث؛ فإن هذا الحديث أخرجه أصحاب السنن، وابن حبان،
وأحمد، ويدل عليه أيضًا قوله (وتنزل عليه الآية والآيتان، فيقول مثل
ذلك) أي: ضعوها في مكان كذا، وروي عن ابن عباس: آخر ما نزل
من القرآن: ﴿وَأَثَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾(٢) فقال جبريل: يا
محمد ضعها في رأس ثمانين ومائتين من البقرة.
(وكانت الأنفال(٣) من أول ما أنزل عليه بالمدينة) فيه التصريح بأنها
نزلت بالمدينة يعني إلا سبع آيات فإنها نزلت بمكة، وهي من قوله
تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكِّرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ (٤) هذا هو الأصح، وإن كانت(٥)
الواقعة مكية.
وفي الصَّحيحين من رواية سعيد بن جبير: قلت لابن عباس:
سورة(٦) الأنفال؟ قال: نزلت في بدر(٧).
(وكانت براءة من آخر ما نزل من القرآن) ونزلت جملة واحدة كما
روى الثعلبي بإسناد واهٍ، عن عائشة: (( ما نزل عليّ القرآن إلا آية آية،
(١) في (ص، س، ل): تحته.
(٢) البقرة: ٢٨١.
(٣) في (م): الآيتان.
(٤) الأنفال: ٣٠.
(٥) في (ص، س، ل): كان.
(٦) سقطت من (م).
(٧) أخرجه البخاري (٤٦٤٥)، ومسلم (٣٠٣١) (٣١).

٤٧٠
ما خلا سورة براءة، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ ﴾﴾؛ فإنهما نزلتا عليّ ومعهما
سبعون ألف ملك من الملائكة))(١). والإجماع منعقد على أن براءة أيضًا
نزلت بالمدينة سوى آيتين.
(وكانت قصتها شبيهة بقصتها فظننت أنها منها) زاد إسحاق بن راهويه
في ((مسنده)): فلذلك قرنت بينهما. وهذا الحديث رواه أصحاب السنن،
وابن حبان، وأحمد، وإسحاق، وأبو يعلى، والبزار من طريق يوسف بن
مهران، عن ابن عباس، وذكروا الحديث سوى قوله: تدعى القرينتين. فلم
يذكرها إلا إسحاق(٢).
(فمن هناك وضعتها(٣) في السبع الطول) قال الزجاج: والشبه (٤) الذي
بين السورتين أن في الأنفال ذكر العهود، وفي براءة نقضها(٥)، وكان
قتادة يقول: هما سورة واحدة(٦)، وقيل: إن الصحابة اختلفوا في أن
سورة الأنفال وسورة براءة هل هما سورة واحدة أم سورتان؟ فقال
بعضهم: سورة واحدة؛ لأنهما نزلتا في القتال، ومجموعهما معًا
مائتان وخمس آيات، فكانت هي السابعة (٧) من السبع الطول، وقال
(١) أخرجه الثعلبي في ((الكشف والبيان)) ٥/٥.
(٢) انظر: ((تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الكشاف)) للزيلعي (٥١٩).
(٣) في (ص): وضعها. وفي (س): وصفها.
(٤) في (ص، س): التنبيه.
(٥) في الأصول الخطية: بعضها. والمثبت من ((تفسير الخازن)) ٥٦/٣، وتفسير ((زاد
المسير)) لابن الجوزي. ٣٩٠/٣.
(٦) انظر: ((زاد المسير)) ٣٩٠/٣، و((تفسير الخازن)) ٥٦/٣.
(٧) في (ص، س، ل): السابع.

٤٧١
= كتاب الصلاة
بعضهم: هما سورتان، فلما حصل هذا الاختلاف من الصحابة تركوا
بينهما فرجة تنبيهًا (١) على قول من يقول هما (٢) سورتان، ولم يكتبوا
بينهما بسم الله الرحمن الرحيم تنبيهًا(٣) على قول من يقول: هما سورة
واحدة.
(ولم أكتب بينهما سطرًا بسم الله الرحمن الرحيم) فيه دلالة على أنهم
كانوا يكتبون بسم الله الرحمن الرحيم بين غير هاتين السورتين سطرًا، قال
الحافظ أبو بكر البيهقي: أحسن ما يحتج به أصحابنا أن البسملة من
القرآن في فواتح السور كتابتها في المصاحف في غير براءة، فكيف
يتوهم عليهم أنهم كتبوا مائة وثلاثة عشر آية ليست من القرآن(٤).
وقال الغزالي: أظهر الأدلة كونها مكتوبة بخط القرآن، ونحن نقنع
في هذِه المسألة(٥) بالظن ولاشك أنه حاصل قالوا: أثبتت(٦) للفصل
بين السور؟ قلنا: كان الفصل ممكن بدون هذِه الزيادة في كتابة
القرآن، وهو ما فصل به بين الأنفال وبراءة، لم(٧) ينتقض بكتابتها في
أول الفاتحة (٨).
(١) من (س، ل، م).
(٢) من (س، ل، م).
(٣) في (ص): بينما.
(٤) ((معرفة السنن والآثار)) للبيهقي ٥١٢/١.
(٥) في (ص، س، ل): البسملة.
(٦) في (ص، س): اثنين.
(٧) في (م): ثم.
(٨) ((المستصفى) ١/ ٨٢-٨٣.

٤٧٢
[٧٨٧] (ثنا زياد بن أيوب) قال: (ثنا مروان بن معاوية) بن الحارث
الفزاري الكوفي.
قال أبو داود عن أحمد: ما كان أحفظه، كان يحفظ حديثه، قال:
(أنا عوف) بن أبي جميلة (الأعرابي، عن يزيد الفارسي) قال: (حدثني ابن
عباس بمعناه) و(قال فيه: فقبض (١) رسول الله وَليل ولم يبين أنها منها) ولا
بكتابتها في أولها، وقد كان رسول الله وسلم يأمر في كل سورة بكتابة ﴿بسم
الله الرحمن الرحيم﴾ فيها، فضمت إلى الأنفال لشبهها بها(٢)، قاله أبي
ابن کعب.
(قال الشعبي) واسمه عامر (وأبو مالك) سعد بن طارق الأشجعي
(وقتادة وثابت بن عمارة) بضم العين الحنفي البصري، وثقه ابن معين
وغيره وكذلك روى الأعمش.
(إن رسول الله وَ﴿) كان يكتب باسمك اللهم حتى أُمِرَ أن يكتب بسم
الله فكتبها فلما نزلت ﴿قُلْ ادْعُوا الله أَوْ ادْعُو الرَّحْمَنَ﴾(٣) كتب بسم الله
الرحمن.
و(لم يكتب بسم الله الرحمن الرحيم) قد يستدل به أن النبي وَلفقد كان
يكتب؛ لأن مفهومه كان يكتب غيرها، وقد يجاب عنه بأن التقدير لم يأمر
كاتبه أن يكتبها في شيء من كتبه (حتى نزلت سورة النمل) فكتب ﴿بسم
الله الرحمن الرحيم﴾ (هذا معناه).
(١) في (م): فقضى.
(٢) من (م).
(٣) الإسراء: ١١٠.

٤٧٣
= كتاب الصلاة
فائدة: روى القرطبي، عن ابن مسعود: من أراد أن ينجيه الله من
الزبانية التسعة عشر فليقل: بسم الله الرحمن الرحيم يجعل الله بكل
حرف منها جُنَّة من كل واحد، فالبسملة تسعة عشر حرفًا على عدد
الزبانية، قال الله فيهم: ﴿عَلَّهَا تِسْعَةَ عَثَرَ ﴾﴾(١)، وهم يقولون في
كل أفعالهم بسم الله الرحمن الرحيم. فمن هنالك قوتهم(٢).
وروى البيهقي في ((الشعب)) عن أحمد بن حنبل، أنه قال: من لم
يقرأ في كل سورة بسم الله الرحمن الرحيم فقد ترك مائة وثلاثة عشر
آية من كتاب الله تعالى(٣).
قال الشهرزوري في ((المصباح)): إنما لم يقل: [أربعة عشر](٤)؛ لأن
براءة لا بسملة فيها (٥).
[٧٨٨] (ثنا قتيبة بن سعيد، وأحمد بن محمد المروزي، و) أحمد بن
عمرو (بن السرح) المصري (قالوا: ثنا سفيان) بن عيينة (عن عمرو) بن
دينار (عن سعيد بن جبير(٦)، قال قتيبة) بن سعيد (عن ابن عباس قال:
كان النبي وَي﴿ لا يعرف فصل السورة) أي: أنقضائها تدل عليه رواية
ابن حبان: عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: إن المؤمنين كانوا في
(١) المدثر: ٣٠.
(٢) ذكره القرطبي ((الجامع لأحكام القرآن)) ١/ ٩٢، ورواه الثعلبي مسندًا في ((الكشف
والبيان)) ١/ ٩١.
(٣) ((شعب الإيمان)) للبيهقي ٤٤٠/٢.
(٤) في (م): أربع عشرة.
(٥) انظر تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف ٢٢/١.
(٦) في (ص): جنيد.

٤٧٤
عهد رسول الله وَل لا يعلمون أنقضاء السورة(١) (حتى تنزل(٢) عليه بسم
الله الرحمن الرحيم) زاد ابن حبان: فإذا نزل بسم الله الرحمن الرحيم
علموا أن السورة قد أنقضت، ونزلت سورة أخرى. وأخرج الحاكم في
((المستدرك على الصحيحين)) ثلاثة أحاديث كلها عن عمرو بن دينار،
عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.
الأول: أن النبي ◌َ * كان إذا جاءه جبريل فقرأ بسم الله الرحمن
الرحيم علم أنها سورة(٣).
الثاني: كان النبي ◌َّ﴾ لا يعلم ختم السورة حتى تنزل بسم الله
الرحمن الرحيم (٤).
الثالث: كان المسلمون لا يعلمون أنقضاء السورة حتى تنزل بسم الله
الرحمن الرحيم، فإذا نزلت علم أن السورة قد انقضت(٥).
(١) رواه ابن حبان كما في ((إتحاف المهرة)) ٧٤/٧ (٧٣٦٥).
(٢) في (ص، س، ل): نزلت.
(٣) ((المستدرك)) ٢٣١/١.
(٤) ((المستدرك)) ٢٣١/١.
(٥) ((المستدرك)) ٢٣٢/١.

٤٧٥
== كتاب الصلاة
١٢٩- باب فِي تَخْفِيفِ الصَّلاةِ
٧٩٠- حَدَّثَنَا أَحَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنا سُفْيانُ، عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَهُ مِنْ جابِرِ قالَ:
كانَ مُعاذٍ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ وَِّ ثُمَّ يَرْجِعُ فَيَؤُمُّنا - قَالَ مَرَّةَ: ثُمَّ يَرْجِعُ فَيُصَلِّي بِقَوْمِهِ-
فَأَخَّرَ النَّبِيُّ وَ لَيْلَةَ الصَّلاةَ - وقالَ مَرَّةً: العِشاءَ - فَصَلَّى مُعاذٌ مَعَ النَّبِيِّ ◌َِّ ثُمَّ جَاءَ
يَؤُمُّ قَوْمَهُ، فَقَرَأَ البَقَرَةَ فاعْتَزَلَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ فَصَلَّى، فَقِيلَ: نَافَقْتَ يا فُلانُ. فَقالَ:
ما نافَقْتُ. فَأَتَى رَسُولَ اللهِ وَّهِ فَقَالَ: إِنَّ مَعَاذَا يُصَلِي مَعَكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ فَيَؤُمُّنا يا
رَسُولَ اللهِ وَإِنَّمَا نَحْنُ أَصْحابُ نَواضِحَ وَتَعْمَلُ بِأَيْدِينا وَإِنَّهُ جاءَ يَؤُمُّنَا فَقَرَأَ بِسُورَةٍ
البَقَرَةِ. فَقالَ: ((يا مُعاذُ أَفَتَانُ أَنْتَ أَفَتَانُ أَنْتَ أَقْرَأْ بِكَذا اقْرَأْ بِكَذا)).
قالَ أَبُو الزُّبَيْرِ بٍ ﴿سَبِّح ◌َسْمَ رَبِّكَ الأَغْلَى﴾ ﴿واللَّيْلِ إِذا يَغْشَى﴾ فَذَكَزْنا لِعَمْرِو
فَقالَ: أُرَاهُ قَدْ ذَكَرَهُ(١).
٧٩١- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْماعِيلَ، حَدَّثَنا طالِبُ بْنُ حَبِيبٍ سَمِعْتُ عَبْدَ
الرَّحْمَنِ بْنَ جابِرٍ يُحَدِّثُ، عَنْ حَزْمِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، أَنَّهُ أَتَى مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ وَهُوَ يُصَلِّي
بِقَوْمِ صَلاةَ المغْرِبِ في هذا الخَبَرِ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَ: ((يا مُعاذُ لا تَكُنْ فَتَانًا
فَإِنَّهُ يُصَلِّي وَرَاءَكَ الكَبِيرُ والضَّعِيفُ وَذُو الحَاجَةِ والمُسافِرُ))(٢).
٧٩٢- حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زائِدَةَ، عَنْ
سُلَيْمانَ، عَنْ أَبِي صالِحٍ، عَنْ بَعْضٍ أَصْحَابِ النَّبِيِّ وََّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َهْ لِرَجُلٍ:
((كَيْفَ تَقُولُ فِي الصَّلاةِ)». قالَ: أَتَشَهَّدُ وَأَقُولُ: اللَّهُمَّ إِّي أَسْأَلُكَ الَجَنَّةَ وَأَعُوذُ بِكَ
مِنَ النّارِ، أَمَا إِّي لا أُحْسِنُ دَنْدَنَتَكَ وَلا دَنْدَنَةَ مُعاذٍ. فَقالَ النَّبِيُّ وَِّ: « حَوْلَها
(١) رواه البخاري (٧٠١)، ومسلم (٤٦٥).
(٢) رواه البزار في ((كشف الأستار)) ٢٣٧/١ (٤٨٣)، والطحاوي في ((شرح مشكل
الآثار)» ٤١١/١٠ (٤٢١٧)، والبيهقي ١١٧/٣.
وضعفه الألباني (١٤٢).

٤٧٦
نُدَنْدِنُ))(١).
٧٩٣ - حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنا خالِدُ بنُ الحَارِثِ، حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ
عَجْلانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مِقْسَم، عَنْ جابِرٍ ذَكَرَ قِصَّةَ مُعاذٍ قالَ: وقالَ - يَغْنِي: النَّبِيَّ
وَ لِلْفَتَى -: «كَيْفَ تَصْنَعُ ياً ابن أَخِي إِذا صَلَّيْتَ؟ )). قالَ: أَقْرَأُ بِفاتِحَةِ الکِتابِ
وَأَسْأَلُ اللهَ الَجَنَّةَ وَأَعُوذُ بِهِ مِنَ النّارِ وَإِ لا أَدْرِي مَا دَنْدَنَتُكَ وَلا دَنْدَنَةُ مُعاذٍ. فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ وَ: ((إِنِّي وَمُعاذٌ حَوْلَ هاتَيْنٍ)). أَوْ نَحْوَ هذا(٢).
٧٩٤ - حَدَّثَنا القَغْنَبِيُّ، عَنْ مالِكِ، عَنْ أَبِ الزِّنادِ، عَنِ الأَغْرَجِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ أَنَّ
النَّبِيَّ وَ قَالَ: ((إِذا صَلَى أَحَدُكُمْ لِلنّاسِ فَلْيُخَفِّفْ فَإِنَ فِيهِمُ الضَّعِيفَ
والسَّقِيمَ والكَبِيرَ وَإِذا صَلَّى لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ ما شاءَ))(٣).
٧٩٥- حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَاقِ، أَخْبَنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ،
عَنِ ابْن الْمُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّ قالَ: ((إِذا صَلَّى أَحَدُكُمْ
لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ فَإِنَّ فِيهِمُ السَّقِيمَ والشَّيْخَ الكَبِيرَ وَذا الحاجَةِ))(٤).
باب تخفيف الصلاة (٥)
[٧٩٠] (ثنا أحمد بن حنبل، ثنا سفيان) بن عيينة (عن عمرو) بن دينار
(١) رواه ابن ماجه (٩١٠)، وأحمد ٤٧٤/٣. وصححه الألباني (٧٥٧).
(٢) رواه البخاري في ((القراءة خلف الإمام)) (١٧٦)، وابن خزيمة ٦٤/٣، والبيهقي
١١٦/٣.
وصححه الألباني (٧٥٨).
(٣) رواه مسلم (٤٦٧).
(٤) رواه مسلم (٤٦٧).
(٥) تقدم هذا الباب هنا على الباب الآتي. وفي المطبوع: باب تخفيف الصلاة للأمر
يحدث، ثم: باب في تخفيف الصلاة.

٤٧٧
- كتاب الصلاة
(سمعه من جابر) بن عبد الله ظها؛ لأنه (١) ووالده صحابيان (كان معاذ)
ابن جبل (يصلي مع النبي ◌ِّ ثم يرجع فيؤمنا) و(قال مرة) أخرى (ثم
يرجع فيصلي بقومه) لفظ البخاري: ثم يأتي قومه فيصلي بهم(٢). وفي
هذا الحديث جواز صلاة المفترض خلف المتنفل؛ لأن معاذًا كان
يصلي الفريضة (٣) مع النبي رَسير فيسقط فرضه، ثم يصلي مرة ثانية بقومه
فهي له تطوع، ولهم فريضة، وقد جاء هذا مصرحًا به فيما رواه
البيهقي، عن أبي عاصم، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار عن
جابر أن معاذًا كان يصلي مع رسول الله وَّر العشاء ثم ينصرف إلى
قومه فيصلي بهم فهي له تطوع ولهم فريضة (٤).
ورواه عن ابن جريج أيضًا عبد الرزاق بمثله إلا أنه قال: فيصلي بهم
تلك الصلاة هي له نافلة، ولهم فريضة(٥).
والزيادة من الثقة مقبولة، وهذا جائز عند الشافعي وأحمد، ولم
يجزه مالك وأبو حنيفة، وتأولوا حديث معاذ على أنه كان يصلي مع
النبي وَ ل﴿ تنفلًا، ومنهم من تأوله على أن النبي وَّ لم يعلم به، ومنهم
من قال في حديث جابر(٦): ((هي له تطوع، ولهم فريضة)). إنه قول
(١) في (ص، س، ل): لأنهما.
(٢) ((صحيح البخاري)) (٧١١).
(٣) من (م).
(٤) ((السنن الكبرى)) للبيهقي ٨٦/٣.
(٥) رواه الدارقطني ((سننه)) ٢٧٥/١، والبيهقي ((السنن الكبرى)) ٨٦/٣ من طريق
عبد الرزاق.
(٦) من (م).

٤٧٨
بعض الرواة يعني: مدرجًا في آخر (١) الحديث.
قال البيهقي: بل هو قول جابر؛ فإن الأصل أن ما كان موصولًا
بالحديث كان منه، إلا أن تقوم دلالة على التمييز(٢).
(فأخر النبي وَِّ ليلةً الصلاة -وقال مرة) أخر صلاة (العشاء) فيه:
ترجيح القول المرجوح أن تأخير العشاء أفضل.
(فصلى معاذ مع النبي ◌َّر ثم جاء يؤم قومه(٣) فقرأ البقرة) أي:
افتتحها. لرواية مسلم: فأمهم فافتتح سورة البقرة فانحرف رجل(٤).
وفيه: جواز قول: سورة البقرة، وسورة النساء، وسورة المائدة، ومنعه
بعض السلف، وزعم أنه لا يقال إلا: السورة التي يذكر فيها البقرة،
وهو خطأ صريح.
(فاعتزل رجل من القوم) قال الخطيب: هذا الرجل حرام بن ملحان
خال أنس(٥). وسماه المصنف: حزم بن أبي بن كعب، عم كعب بن مالك
ابن كعب وكذا سماه البخاري في ((تاريخه الكبير))(٦)، وذكر المصنف
أيضًا: أنه حزم بن أبي بن كعب بن أبي الغيث، وذكر النسائي(٧) أنه
حرام بالمهملة.
(١) من (م).
(٢) ((معرفة السنن والآثار)) ٣٦٥/٢-٣٦٦.
(٣) في (ص): قوم. وسقط من (س).
(٤) (صحيح مسلم)) (٤٦٥) (١٧٨).
(٥) ((الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة)) ص ٥١.
(٦) ((التاريخ الكبير)) (٣٧٣).
(٧) ((السنن الكبرى)) للنسائي (١١٦٧٣).

٤٧٩
- كتاب الصلاة
(فصلى) لفظ مسلم: «فانحرف رجل فسلم ثم صلى وحده وانصرف،
فقالوا له: أنافقت))(١). واستدل أصحابنا، وغيرهم بهذا الحديث على أنه
يجوز للمأموم أن ينوي المفارقة ويتم صلاته منفردًا.
وفي المسألة ثلاثة أوجه أصحها عند أصحابنا أنه يجوز المفارقة
لعذر ولغير عذر والعذر ما يسقط به عنه الجماعة أبتداء، وكذا تطويل
القراءة على الأصح أو خوف شيء يفسد صلاته.
قال النووي: هذا الاستدلال ضعيف؛ لأنه ليس في الحديث أنه
فارقه وبنى على صلاته، بل في الرواية الأولى -يعني: لمسلم- أنه
سلم وقطع الصلاة من أصلها، ثم استأنفها وهذا لا دليل فيه للمسألة
المذكورة، وإنما يدل على جواز قطع الصلاة وإبطالها لعذر. والله
(٢)
أعلم(٢).
قلت: وهو عجيب منه فإن رواية مسلم ليس فيها أنه قطع الصلاة من
أصلها، ولا أنه استأنفها، بل لفظه فانحرف رجل فسلم ثم صلى وحده،
ويمكن أن يكون هذا الرجل قلبها نفلا وسلم من صلاته وصارت له
تطوعًا، ثم أعاد صلاة العشاء كاملة وحده كمن دخل المسجد فصلى
ركعتين أو ثلاثًا ينوي بها الظهر، ثم جاء المؤذن فأقام الصلاة وصلى
بهم الإمام فقلب(٣) الصلاة تطوعًا، وسلم من صلاته وجعلها تطوعًا،
ثم دخل مع الإمام وأتم صلاته. والله أعلم.
(١) ((صحيح مسلم)) (٤٦٥) (١٧٨).
(٢) ((شرح النووي)) (٤/ ١٨٢).
(٣) في (ص، س، ل): فقلبت.

٤٨٠
(فقيل) له (نافقت يا فلان) وفيه: الإنكار على المكروهات كما في
المحرمات، وفيه: الاكتفاء في تغيير المنكر بالكلام دون الفعل ونسبوه
إلى النفاق؛ لأنه فعل ما(١) لا يجوز فعله(٢) في الشريعة، وهذا من
خصال المنافقين.
وفي ((صحيح البخاري)): قال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من(٣)
أصحاب النبي ◌َّ - كلهم يخاف النفاق على نفسه (٤) (فقال: ما نافقت)
وهذا من أحاسن أخلاق الصحابة حيث(٥) نسبوه إلى النفاق فلم يسبهم
ولا عنفهم بل نفى النفاق عن نفسه.
(فأتى النبي ◌َّ فقال) يا رسول الله (إن معاذًا يصلي معك ثم يرجع
فيؤمنا(٦)) بعد ما صلى (يا رسول الله، وإنما نحن أصحاب نواضح)
جمع ناضح وهو البعير الذي يستقى عليه، والأنثى ناضحة سميت
بذلك لنضحها الماء باستقائها، والنضح الرش.
(ونعمل) أعمالنا (بأيدينا) ونباشرها بأنفسنا دون خدام ولا أجراء ولا
نأتي من أعمالنا إلى المساء (وإنه جاء يؤمنا، فقرأ بسورة البقرة) بكمالها،
وفيه شاهد على أن قرأ يتعدى بنفسه وبالباء.
(فقال: يا معاذ أفتان أنت أفتان أنت) وللبخاري: ((فتان فتان فتان))
(١) في (ص): مما.
(٢) سقط من (س، م). وضرب عليها في (ل).
(٣) من (س، ل، م).
(٤) ((صحيح البخاري)) (٤٧).
(٥) في (ص): حين.
(٦) في (ص): فتوضأ.