النص المفهرس

صفحات 581-600

٥٨١
= كتاب الطهارة
قال (ثنا عَبْدَةُ) ابن سُليمان المقرئ ([المعنى واحد](١) عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ،
عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزبَيرِ (عَنْ عَائِشَةَ مِنْهَا قَالَتْ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِوَ أُسَيْدَ
بْنَ حُضَيْرِ(٢) وَأَنَاسًا) وَروَاية مُسْلم(٣): فبعَث ناسًا من أصحابه في طَلبَها.
وطَريق الجَمع بَينهما: أنَّ أُسَيْدًا كَانَ رأس من بُعث لذَلك؛ فلذلك سمي
به في هذه الرواية.
(فِي طَلَبٍ قِلاَدَةٍ) وللبُخاري في التفسير عَن عَائشة: سَقطت قلادة
لي (٤) بالبيدَاء ونحنُ دَاخِلُون المَدِيْنة فأناخِ رَسُول اللهِ وَّ ونزل(٥).
وفي رواية: أَنقطعَ عقد(٦)، وهوَ كل مَا يعقد ويعلق في العُنُق قلادة،
وفيه جَوَاز أتخاذ النساء الحلي تجملاً لأزواجهن، واستصحاب(٧) الحُلي
في السَّفر (أَضَلَّتْهَا) أي: فقدتها (عَائِشَةُ) وكانت لأسمَاء (فَحَضَرَتِ
الصَّلاَةُ) الظاهِرِ أنهَا صَلاة الصُبح لرواية البخاري: فقامَ رَسُول الله وَل
حَين (٨) أصْبحَ عَلى غَير ماء(٩).
(١) في (ص): المفتي ورجل. والمثبت من (د، س، ل، م).
(٢) في (ص، س): خضر. والمثبت من (د، م).
(٣) ((صحيح مسلم)) (٣٦٧) (١٠٩)، وعنده: (فأرسل) بدل (بعث).
(٤) سقط من (م).
(٥) ((صحيح البخاري)) (٤٦٠٨).
(٦) هذه الرواية أخرجها مالك في ((الموطأ)) (١٢٠)، ومن طريقه البخاري (٣٣٤)،
ومسلم (٣٦٧) (١٠٨)، والنسائي في ((المجتبى)) ١٦٣/١-١٦٤، وأحمد ١٧٩/٦.
(٧) في (ص، ل): استحباب. والمثبت من (د، م).
(٨) في (ص، س، ل): حتى. والمثبت من (د، م).
(٩) ((صحيح البخاري)) (٣٣٤).

٥٨٢
(فَصَلَّوْا بِغَيْرِ وضُوءٍ) أغربَ ابن المنذر [فادعى أن عبدة](١) تفرد بهذِه
الزيَادَةُ(٢)، والمراد أنهمُ صَلَّوا بغير وضوء ولا تيمم؛ لأن التيمم لم يكن
بعَدُ نَزَل، ولا عَرفوهُ، بَل (٣) أعتقدُوا وجوب الصَّلاة عَليهم، وفيه دليل
على وجوب الصَّلاة عَلى فاقد الطهورين؛ إذ لو كانَت الصَّلاة ممَنوعَة
لأنكر عليهم النَّبيِ نَّهِ حينَ ذكرُوا لهُ ذَلك، وبهَذا قالَ الشافِعِي(٤)،
وأحمد(٥)، وجُمهُور المُحدِّثين، وأكثر أصحاب مالك(٦)، لكن
اختلفوا في الإِعَادَة، والمنصُوص عن الشافعي وجوبها(٧)، واحتجوا
بأنه عذر نادر؛ فلم تَسقُط الإعادة.
(فَأَتَوا النَّبِيَّ ◌ََّ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ فَأَنْزِلَتْ آيَةُ التََّهُم) ﴿وَإِن كُم قَرْهَ أَوْ
عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْهُمُ النِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءَ
فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبَا﴾(٨).
(زَادَ) عَبد الله بن محمد (ابْنُ نُفَيْلِ) في روايته (فَقَالَ لَهَا أُسَيْدُ) بن
حُضَيْرٍ (يَرْحَمُكِ الله) وفي رواية الصَّحيحين: جَزَاك اللهُ خَيرًا (٩)، فيه
(١) في (ص، س، ل): فأدى عنده. والمثبت من (د، م).
(٢) قال ابن المنذر عند ذكره لهذه الزيادة: إن كان هذا محفوظًا قد حفظه عبدة فإني لم
أجده من غير حديثه. ا؟. فقد تبين لك أنه لم يدع تفرد عبدة به، بل قال: إنه لم يجده
من غير حديثه. وانظر تعليق المحقق عليه. انظر: ((الأوسط)) لابن المنذر ١٦٤/٢.
(٣) زاد في (م): ظنوا.
(٤) ((الأم)) ١١٦/١.
(٥) انظر: ((المغني)) ٣٢٨/١.
(٦) انظر: ((الاستذكار)) ٣٠٥/١.
(٧) ((الأم)) ١١٦/١.
(٨) المائدة: ٦.
(٩) ((صحيح البخاري)) (٣٣٦)، و((صحيح مسلم)) (٣٦٧) (١٠٩).

٥٨٣
=- كتاب الطهارة
الدُعَاء لمنْ حَصَل للمَسْلمين بِسَببه خَيْر، وأيُّ خَير أعظمُ من هذا (مَا نَزَلَ
بِكِ(١) أَمْرٌ تَكْرَهِينَهُ إِلاَّ جَعَلَ اللهُ) تعالى (لِلْمُسْلِمِينَ وَلَكِ(٢) فِيهِ فَرَجًا)
وللبخاري: إلا جَعَل اللهُ للمُسْلمين فيه خيرًا.(٣) وله في النكاح: إلا
جَعَل اللهُ لك مِنْهُ مَخرْجًا وَجَعَل للمسلمين فيه بَرَكة(٤). وفي ((تفسير
إسحاق البستي)) من طريق ابن أبي مليكة عنها أن النَّبِيِّ قالَ لهَا:
(مَا (٥) أعظم بركة قلاَدتك)(٦).
[٣١٨] (ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، قال: ثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، قال: أَخْبَرَنِي
يُونُسُ) ابن يزيد بن أبي النجاد، أخرجَ له الشيخان (عَنِ) محَمد (ابْنِ
شِهَابٍ، أنَّ عبيد الله)(٧) بالتصغير (بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) الفَقيه الأعمَى،
وهوَ لم يدْرك عَمارًا؛ فالحَديث منقَطِعِ (٨)، وَرَوَاه ابن مَاجَهُ مِنَ حديث
عَبَيْد الله بن عبد الله(٩) بن عتبة عَن أبيه، عَنْ عَمَّارٍ مَوْصُولاً (١٠) (حَدَّثَهُ
صلىے
وسلم
عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﴾ِ أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّهُمْ تَمَسَّحُوا وَهُمْ مَعَ النبي
(١) في (م): لك.
(٢) في (س): ذلك.
(٣) ((صحيح البخاري)) (٣٣٦).
(٤) ((صحيح البخاري)) (٥١٦٤).
(٥) زاد في (د، م): كان.
(٦) عزاه له في ((فتح الباري) ٥١٨/١.
(٧) كتب فوقها في (د): ع.
(٨) لكن وصله المصنف في الرواية بعد الآتية بإدخال ابن عباس بينهما وسيأتي عندها
الكلام عليه.
(٩) في (ص): عبد ربه. والمثبت من (د، س، م).
(١٠) ((سنن ابن ماجه)) (٥٧١).

٥٨٤
بِالصَّعِيدِ) اختلف العُلماء في الصَّعيد: فالأكثَرُونَ على أنهُ هنَا(١)
التراب (٢).
وقال الآخرون: هُوَ جَمِيع مَا صَعَدَ على الأرض(٣).
(لِصَلاَةِ الفَجْرِ) وَرِوَاية النسائي: عَن عبيد الله بن عَبْد الله بن عتبة؛ أنهُ
أخبَرَه، عَن أبيه، عَن عمار، قال: تَيَمَمِنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّ(٤)
(فَضَرَبُوا بِأَكُفْهِمُ الصَّعِيدَ) فيه حُجة للقَول القَديم أنهُ يَجوز الاقتصَار
في اليَدَين على الكفين.
قال النووي في ((شرح المهذب)»: وهذا القَول قوي في الدليل وأقرب
إلى ظاهِر السُنة الصَحيحة(٥).
(ثُمَّ مَسَحُوا بوجوههم) رَواية الخَطِيْب: ثُمَّ مَسَحُوا وجُوهَهُمْ بحَذف
البَاءِ (مَسْحَةً وَاحِدَةً ثُمَّ عَادُوا فَضَرَبُوا بِأَكُفِّهِمُ الصَّعِيدَ مَرَّةً أُخْرَى (٦)
(١) في (م): هذا.
(٢) هذا قول الشافعي والأوزاعي، وإسحاق، وابن المنذر. أنَّ التيمم لا يجوز بغير
التراب . وأجاز مالك التيمم بالحصى، وقال أبو ثور لا يتيمم إلا بتراب أو رمل.
انظر في ذلك ((الأم)) ١١٥/١، و((مسائل أحمد وإسحاق برواية الكوسج)) (٨٥)،
و((المدونة الكبرى)) ١٤٨/١.
(٣) هذا قول أصحاب الرأي، وهم الأحناف، فأجازوا التيمم بكل شيء من تراب أو
طين، أو جص، أو نورة، أو زرنيخ، أو أي شيء من الأرض.
قالوا: ولا يجزئه أن يتيمم بشيء ليس من الأرض.
انظر: ((المبسوط)) للسرخسي ٢٤٤/١ -٢٤٦.
(٤) ((المجتبى)) ١٦٨/١.
(٥) ((المجموع ((شرح المُهَذب)) ٢/ ٢٢٠.
(٦) في (ص): واحدة. والمثبت من (د، س، م)

٥٨٥
= كتاب الطهارة
فَمَسَحُوا بِأَيْدِيهِمْ كُلِّهَا إِلَى المَنَاكِبِ) وَاحدها منكب بفتح الميم وكسْر
الكاف مجمَع عظمي العَضُد والكتف (وَالآبَاطِ) وهي تحت المناكب
(مِنْ بُطُونِ أَنْدِيهِمْ) لفظ النسَائي: فمسَحنا بوجوهنا وأيدينا إلى
المنَاكب(١).
وفيه دليل على أنَّه يُستحب في التيمم إطالَة الغُرة والتحجيل(٢) في
اليدين(٣)، كما في الوضُوء، وله أن يَبلغ المناكب والإبط، وبه قال
أصحابنا، الأكمل أن يبلغ في الوضُوء الإبط والركبة، وهوَ مقتضى
كلام ((المنهاج)) وغيره(٤).
[٣١٩] (ثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاودَ) ابن حَماد بن سَعْد (الْمَهْرِيُّ)(٥) بفتح
الميم أبو الربيع المَصْري. قال النسائي: ثقة(٦). وقالَ أبو سَعيد ابن
يونس: كانَ فَقيهًا على مَذهب مَالك زَاهِدًا(٧) (و(٨) عَبْدُ المَلِكِ بْنُ
شُعَيْبٍ) ابن الليث بن سَعْد الفهمي شيخ مُسْلم.
(عَنِ) عَبد الله (ابْنِ وَهْبِ نَحْوَ هذا الحَدِيثِ) و(قَالَ) فيه: (فَقَامَ
المُسْلِمُونَ فَضَرَبُوا بِأَكُفِّهِمُ التُّرَابَ، وَلَمْ يَقْبِضُوا مِنَ التُّرَابِ) شَيْئًا قد
(١) ((المجتبى)) ١٦٨/١.
(٢) في (د، م): التحجل.
(٣) في (ص، م، س): التيمم. والمثبت من (د).
(٤) ((منهاج الطالبين)) (ص٧)
(٥)
في (ص، س، ل): المهدي.
(٦) ((مشيخة النسائي)) (٩٣).
(٧) ((تهذيب الكمال)) ٤٠٩/١١.
(٨) في (ص، س، ل): وقال. والمثبت من (د، م).

٥٨٦
يُؤخذ منه أنهُ يَجوز التيمم، وإن لم يعَلق بكفيه تراب، وهوَ يؤيد مَذْهَب
مَالك(١) وأبي حنيفة (٢) فإنهما ذَهَبًا إلى جَوَاز التيمم بصَخرة لا يعلق على
اليَد مِنها غبار، وَمَذهب الشافعي(٣) وأحمد (٤): أن التيمم لا يجوز إلا أن
يعَلق بالكف غبَار و(٥) تراب؛ لأن اللهَ تعالى قال: (﴿فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ
وَأَيْدِيَكُمْ مِنْهُ﴾﴾(٦) ومن للتبعيض فيَحتَاج أن يمسَح بجزء منه.
(فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَلَمْ يَذْكُرِ المَنَاكِبَ وَالآبَاطَ) كما في الرِّواية التي قبلها.
(قَالَ) عبد الملك [بن شعيب](٧) (ابْنُ اللَّيْثِ: إِلَى مَا فَوْقَ المِرْفَقَيْنِ).
[٣٢٠] (ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ) القطيعي أبو عبد الله
البغدادي، وأبو خلف أسمه: محمد مَولى بني سليم، أخرجَ لهُ مُسْلم
في مَوَاضع(٨).
(وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى) شيخ البخاري وهوَ ابن(٩) عبد الله بن خَالد
(النَّيْسَابُورِيُّ) الحَافظ أحَد الأعلام (فِي آخَرِينَ قَالُوا: ثَنَا يَعْقُوبُ) ابن
إبراهيم.
(١) ((المدونة الكبرى)) ١٤٨/١.
(٢) انظر: ((المبسوط)) السرخسي ٢٤٦/١.
(٣) في (د): للشافعي، وانظر: ((الأم)) ١/ ١١٤-١١٥.
(٤) ((مسائل أحمد وإسحاق برواية الكوسج)) (٨٥).
(٥) في (د، م): أو.
(٦) المائدة: ٦.
(٧) من (د)، وفي (م): مالك.
(٨) أخرج له في باب اختباء النبي ◌ّر دعوة شفاعة لأمته، وفي الصلاة، وغيرها.
(٩) في (ص): أبو. والمثبت من (د، م)، وهو الإمام الذهلي رحمه الله.

٥٨٧
- كتاب الطهارة
(قال: ثنا أَبِي) إبراهيم بن سَعْد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف
(عَنْ صَالِحٍ)(١) بن كيسَان المدني.
(عَنِ ابن شِهَابٍ قال حَدَّثَنِ عُبَيْدُ اللهِ(٢) بْنُ عَبْدِ اللهِ) ابن عتبة الفقيه
الأعمى.
(عَنِ) عبد الله (بْنِ عَبَّاسٍ) ابن عبد المطلب عَم النَّبِي وَلَّهِ.
(عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرِ عَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ عَرَّسَ) بتَشديد الراء، أي:
نزل في آخر (٣) الليل لينَامُوا ويريحوا رَوَاحلهم وَيَسْتريحوا (بِأَوْلاَتِ
الجَيْشِ) بفتح الجِيم، ويُقال: ذَات الجَيْش، وَهي قرب المدينة مِن (٤)
ذي الحليفة في طريق مكة، وهي مِنَ المدينة عَلى بريد، وَبينها وبَين
العقيق تسعَة أميال.
(وَمَعَهُ عَائِشَةُ) فيه دليل على أَسْتِصْحَابِ الزَوْجَة في السَّفَر، وإن كانَ
لهُ نِسَاء غَيْرِهَا إِذَا صَارَت القرعة لَهَا.
(فَانْقَطَعَ عِقْدٌ) بِكَسْر العَيْن: كل ما يعقد ويُعلق في العُنق، ويُسمَّى
قلادة كما تقدم في الحَديث السَّابق.
(لها(٥) مِنْ جَزْع) بفتح الجيم وسُكون الزاي وبَعْدھَا عَيْن مُهملة، وهوَ
خَرَز، يماني(٦) مُلون الوَاحدَة جَزْعَة، والجِزع بالكسر جَانب الوادي.
(١) کتب فوقها في (د): ع.
(٢) كتب فوقها في (د): ع.
(٣) في (ص): أحد. والمثبت من (د، س، ل، م).
(٤) في (د): بين.
(٥) من (د).
(٦) في (م): غال.

٥٨٨
(أظفار)(١) قال ابن الأثير(٢): يروى هذا الحَديث: جَزْعِ ظَفَار،
وجزع أظفار، فأمَا ظَفَارِ بوَزن قَطَام فهوَ مدِينَة بِاليمَن نسبَ الجزع
إليهَا وأمَا أظفار فهوَ أسْم لنوع منَ الجزع يعرفونه، وظفَار مَدينة
مَعُرُوفَة بِسَوَاحِل اليَمَن يجلب إليهَا القُسط الهندي(٣).
قال ابن حجرَ: وحكي في ضَبْط ((ظفار)) وجهَين: كسْر أوله وصَرفه،
أو فتحه والبنَاء يَعْنِي: على الكسْر مثل قَطَامِ(٤).
(فَحَبَسَ) بفتح الحاء والبَاء يَعني النَّبِيِّ (النَّاسَ أَبْتِغَاءُ عِقْدِهَا)
أضيف إليها تجوزًا لكونه كانَ في يَدهَا عَارِية من أسمَاء أختها، وفيه
دَليل على الأعتناء [بحفظ حقوق](٥) المُسْلمين وأموالهم وإن قَلَّت
ولهذا (٦) أقام الجيش لابتغائه، وفيه جِوَاز الإقامَة بموضع لا ماء فيه
یتوَضأ مِنه ويشرب.
(ذَلِكَ حَتَّى أَضَاءَ الفَجْرُ) قال ابن حجر: أما روَاية عمرو بن الحارث
فلفظها ثم إن النَّبِي وَّ استيقظ وحَضرَت الصُبح، فإن أعربت الواو حَالية
كانَ(٧) دليلاً على أن الاستيقاظ وقع حَال وجُود الصبَاحِ. قالَ: وهوَ
(١) في (د، م): ظفار.
(٢) ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) (ظفر).
(٣) ظفار مدينة قرب صنعاء، وهي التي ينسب إليها الجزع الظفاري، وبها كان مسكن
ملوك حمير.
كذا قال ياقوت في ((معجم البلدان)) ٤/ ٦٠.
(٤) ((فتح الباري)) ١/ ٤٩٣.
(٥) في (ص، ل) بحقوق. والمثبت من (د، م).
(٦) في (ص، س) ولها. والمثبت من (د، م).
(٧) زاد في (م): ذلك.

٥٨٩
: كتاب الطهارة
=
الظاهر، واستدل به على الرخصة في تَرك التهجد في السَّفر إن ثبت أن
التهجد كانَ واجبًا عليه(١).
قال ابن عبد البر: ومعلوم عند جميع أهْل المغازي؛ أنهُ وَّةٍ لم يُصَل
منذ افترضت عَليه الصَّلاة إلا بوضُوء، ولا يدْفع ذَلكَ إلا جَاهِل أو
معَاند(٢).
(وَلَيْسَ مَعَ النَّاسِ مَاءٌ) فيه جَوَاز الإِقَامَة بموضع لا مَاء فيه كما تقدم.
(فَتَغَيَّظَ عَلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ) والنكتَة في قَوله فتغيّظ عَلَيهَا أبو بَكر ولَم يَقُل
أبوها؛ لأنَّ ذكر الأبوة يُذكر في مَقام الحُنُوِّ والشفقة، وهذا مَقامُ العِتَاب
بالقول، والتأديب بالفعل، فنزل هنا مَنزلة الأجنبي لعَائشة بقوله (حَبَسْتِ
النَّاسَ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ) وليسَ في المكان الذي نزلوا فيها مَاء.
(فَأَنْزَلَ الله عَلَى رَسُولِهِ) وَّةِ (رُخْصَةَ التطهر(٣) بِالصَّعِيدِ الطَّيّبِ) فيه
نصّ صَريح عَلَى أن التيمم رُخصَة خُصت بهَا هُذِهِ الأمة لمْ يُشَاركها
غَيرها من الأمم، وفي وَجه أنه عَزيمة حَكاهُ ابن الرفعَة وبَنَى على
الخلاف قَضَاء العَاصي (٤) بسفره والصَّحيح أنه يقضي؛ لأنه رُخصَة
وقيل لا يقضي؛ لأنه عَزيمة.
(فَقَامَ المُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهَ فَضَرَبُوا بِأَنْدِيهِمْ إِلَى الأَرْضِ، ثُمَّ
رَفَعُوا أَيْدِيَهُمْ وَلَمْ يَقْبِضُوا بِأَيْدِيَهُمْ شَيْئًا) وقد يستَدل به على أنهُ يجوز
(١) ((فتح الباري)) ١/ ٥١٧.
(٢) ((التمهيد)) ٢٧٩/١٩.
(٣) في (ص): الطهر، والمثبت من (د، م)
(٤) في (س، م): القاضي.

٥٩٠
التيمم، وإن لم يعلق بيده مِنَ التُّرَابِ شَيئًا كما تقدم، لكن قَد يقال: عَدَم
قبضهم مِنَ التراب شَيئًا لا يُنَافي التيمم بمَا علق بأيديهم، ولو لم يقبضُوا
منهُ شَيْئًا بَل علق التراب بأيديهم فتيمموا به.
(فَمَسَحُوا بِهَا) أي: بتلك الضَّربة (وجُوهَهُمْ وَأَيْدِيَهُمْ) قَد يستَدل بهِ
عَلى جَوَاز التيمم بضَربَة واحدة.
قال ابن المنذر(١): وعَامة الأصحاب على أن الواجب ضَربة واحدة
لحَديث عمار في ((الصحيح))(٢).
حَتى وصَلوا في مَسْح أيديهم (إِلَى المَنَاكِبِ وَمِنْ بُطُونِ أَيْدِيهِمْ إِلَى
الآبَاطِ) فيه دليل على إطالة الغرة والتَّحجيل في التيمم كما تقدم.
قالَ البلقيني في ((التدريب)): ومن سُنن التيمم أن يُديمَ المتَيمم يَدَهُ
عَلى العضو لا يَرفعهَا حَتى يَفرغ مِن مَسْحه، وإمرَار التراب على
العَضد تَطويلاً للتحجيل والنُطق بالشهَادَتين كما في الغسْل.
(زَادَ) محَمد (بْنُ يَحْيَى فِي حَدِيثِهِ قَالَ ابن شِهَابٍ فِي حَدِيثِهِ: وَلا
يعتبر (٣)) بفتح أوله (بهذا النَّاسُ) قال الخطابي(٤): لم يختلف أحَد من
أهل العِلم في أنه لا يلزم المتَيمم أن يمسَحَ بالتراب مَا وراء
المرفقين، وفيما قاله نظر.
(١) ((الأوسط)) لابن المنذر ١٧١/٢.
(٢) أخرجه البخاري (٣٣٨)، ومسلم (٣٦٨) (١١٢).
(٣) في (ص، ر، ل): يغتر. والمثبت من (د، م).
(٤) ((سنن أبي داود مع معالم السنن)) ١/ ١٦٢.

٥٩١
= كتاب الطهارة
فإنَّ(١) ابن المنذر(٢) والطحاوي(٣) وغَيرهما ذَكَرُوا عَن الزهري (٤) أنه
كانَ يَرى التيمم إلى الآباط [لعُموم لفظة اليَد](٥).
و(كذَلِكَ رَوَاهُ) الإمام محمد (ابْنُ إِسْحَاقَ) و(قَالَ فِيهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ
◌َ (٦) وَذَكَرَ ضَرْبَتَيْنِ كَمَا ذَكَرَهُ يُونُسُ، وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ ضَرْبَتَيْنِ).
قال النووي: قلت الأصح وجُوب ضَربتَين، وإن أمكنَ بضربة بِخرقة
ونحوها(٧) أي: فلا یکفی ذَلك.
(وَقَالَ مَالِكٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن عتبة (عَنْ
أَبِيهِ)(٨)، عبد الله بن عتبة الفقيه الأعمَى [(عن عمار) بن ياسر (وكذلك
قال أبو أويس(٩): عن الزهري وشك فيه ابن عيينة قال مرة: عن
[عبيدالله، عن](١٠) أبيه، أو (١١) عن عبيد الله، عن (١٢) ابن عباس
(١) من (م)، وفي بقية الأصول: قال.
(٢) ((الأوسط)) لابن المنذر ١٦٥/٢.
(٣) ((شرح معاني الآثار)) ١١١/١.
(٤) في جميع الأصول الخطية: أبو بكر الصديق. وهو وهم ولم نجد ذلك مرويًا عن أبي
بكر الصديق. والمثبت من ((شرح أبي داود)) للعيني.
(٥) في (د): لمفهوم لفظة اليد قال أبو داود. وفي (م): قال أبو داود لعموم لفظة اليد.
(٦) زاد في (ص): وكذلك قال أبو أويس. وليس هذا موضعها. والمثبت من (د، م).
(٧) ((منهاج الطالبين)) (ص ٧).
(٨) زاد في (ص، س، ل) عن عمار. والمثبت من (د، م).
(٩) في (م): أبو داود فيه.
(١٠) في (م): عبد الله ابن.
(١١) في (م): و.
(١٢) سقط من (م).

٥٩٢
اضطرب فيه) ومرة قال (عن أبيه)](١) (وَمَرَّةً قَالَ: عَنْ ابن عَبَّاسٍ) وقد
(اضْطَرَبَ فِيهِ) يعني [(ابن عيينة](٢) وَفِي سَمَاعِهِ مِنَ الزُّهْرِيِّ وَلَمْ يَذْكُرْ
أَحَدٌ مِنْهُمْ الضربتين (٣) إلاَّ مَنْ سَمَّيْتُ) يعني: قريبًا، واللهُ أعلم(٤).
[٣٢١] (ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ) وَهَو محمَّد بن أبي داود (الأَنْبَارِيُّ)
بالنون ثم الموَحدَة وثقه الخَطيب(٥) (ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ) محَمد بن خازم
الضَّرِيرُ السَّعدي.
(عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ) بن سَلمة أبي وَائل (قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا
بَيْنَ(٦) عَبْدِ اللهِ) ابن مسْعُود (وَأَبِي مُوسَى) الأشعري (فَقَالَ أَبُو مُوسَى:
يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَرَأَنْتَ) بمعنى: أخبرني.
(لَوْ أَنَّ رَجُلاً أَجْنَبَ فَلَمْ يَجِدِ المَاءَ شَهْرًا. أَمَا كَانَ) له أن (يَتَيَمَّمُ) زادَ
البخاري: ويصلي(٧)؟.
(قَالَ: لاَ)، لا يتيمم، ولا يُصلي (وَإِنْ لَمْ يَجِدِ المَاءَ شَهْرًا) كانَ
مَذهب ابن مَسْعود أن الجُنُب لا يتيمم؛ لأنه ليسَ دَاخلاً في عُموم
(١) من (د، م).
(٢) من (د، م).
(٣) من (د، م).
(٤) أخرجه النسائي في ((المجتبى)) ١/ ١٦٧-١٦٨، وأحمد ٢٦٣/٤-٢٦٤ وفيه زيادة:
ولا يغتر بهذا الناس.
وصححه الألباني على شرط الشيخين. انظر: ((صحيح سنن أبي داود)) (٣٣٨).
(٥) ((تاريخ بغداد)) (٢٧٩٦).
(٦) زاد في (م): یدي.
(٧) ((صحيح البخاري)) (٣٤٧).

٥٩٣
= كتاب الطهارة
﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءَ﴾، وكانَ عُمَر يَرى أن الآية لا تتنَاوَل الجنُب رَأْسًا فمنَعَهُ
التيمم (١) لذلك(٢).
(فَقَالَ أَبُو مُوسَى) الأشعري (فَكَيْفَ تَصْنَعُونَ بهذِه الآيَةِ التِي فِي سُورَةِ
المَائِدَةِ)(٣) خصَّت بالمائدَة وإن كانت في النسَاء أيضًا؛ لأن تناولها
للجُنُبِ أظهَر لتقدم حُكم الوضُوء فيهَا (﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءٍ فَتَيَمَّمُوا﴾)(٤)
أُسْتدل بقوله ﴿فتيممُوا﴾ عَلى وجُوب النية في التيمم؛ لأن مَعْنى
تيمموا: أقصُدُوا وهوَ قول فقهاء الأمصَار إلا الأوزاعي(٥)، وعلى أنهُ
يجب قصد التراب ولاً يكفي هُبُوب الريح وسَفيه التراب عَلى عضوه
فردده عَليه؛ لأن التراب أتاهُ ولم يَقصدهُ وهُذا هُوَ الأصح (٦)، والثاني
يجزيه كما لو برَز للمطر فانغسَلت أعضاءه ونوَى الوضوء (٧) فإنهُ يُجْزئ
(صَعِيدًا) أي: ترابًا (طَيِّبًا) أيْ: طَاهِرًا كَذَا عندَ الشافعي (٨).
(فَقَالَ عَبْدُ اللهِ) بن مَسْعُود (لَوْ رُخِّصَ لَهُمْ فِي هذا) أي: في التيمم
للعُذر بالجنَابة (لأَوْشَكُوا) أي: قربُوا وأسْرعُوا، وفي هذا ردّ على من
(١) زاد هنا في (ص): رأسًا.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (١٦٧٩). من طريق الأسود عن عمر قال: لا يتيمم
الجنب وإن لم يجد الماء شهرًا.
(٣) زاد في (ص) هنا: ذكر الآية. وليس موضعها.
(٤) من (د، م).
(٥) سقط من (م).
(٦) ((الشرح الكبير)) للرافعي ٣١٧/٢.
(٧) زاد في (د، م) به.
(٨) ((الأم)) ١١٤/١-١١٥.

٥٩٤
زَعَمَ أنه لا يقَال: أوشك بلفظ الماضِي ولا يُستعمل إلاَّ مُضَارعًا (١) (إِذَا
بَرَدَ عَلَيْهِمُ المَاءُ) بفتحِ البَاء والراء على المشهور، فإن (٢) قلت: فما وَجْه
الملاَزَمة بيْنَ الرخصَة في [تيمم الجنب وتيمّم المتبَرَه](٣) حَتى صَح أن
يقَال: لو رخصنا لهم في ذلك لكانَ إذا وَجَد أحَدهم البَرد تيمم؟
فالجَوابُ: أن الجِهَة الجَامعَة بينهما اشتراكهما في عدم القدرة على
استعمال الماء؛ لأن عَدَم القدرة(٤) على (أَنْ يَتَيَمَّمُوا) إما بفقد المَاء
وإِمَا بتعذر(٥) الاستعمال (بِالصَّعِيدِ) اُختَلفُوا في الصَّعِيد مَا هُوَ؟ فروي
عن الخليل؛ أنه وَجْه الأرض(٦)، وعلى هذا فيجوز التيمم بكل مَا
كانَ مِن جنس الأرض بَاقيًا على أصْل أرضيته وهوَ مذهب مالِك(٧)
وأبي حنيفة(٨)، وصَارَ عليّ إلى أنه التراب، وهوَ مَذْهَب الشَّافعي(٩)
كما سيأتي.
(فَقَالَ لَهُم (١٠) أَبُو مُوسَى: إِنَّمَا كَرِهْتُمْ هذا لِذَا) أي: لهذا الذي ذكرته
من بَرد الماء (قَالَ: نَعَمْ) ظاهِرِه أنهُ سَلم لابن مَسْعُود هذا ونحًا إلى سَد
(١) انظر: ((شرح سنن أبي داود)) للعيني ١٢٥/٢.
(٢) في (ص، ل): قال. والمثبت من (د، س، م).
(٣) في جميع الأصول: تيمموا وتيمم للبرد !!. والمثبت من ((عمدة القاري)) (٥٣/٤).
(٤) زاد في (د): دالُ.
(٥) في (ص، ل) يُبُعْد. والمثبت من (د، م).
(٦) ((كتاب العين)) للخليل ٢٩٠/١.
(٧) ((المدونة الكبرى)) ١٤٨/١.
(٨) ((المبسوط)) للسرخسي ٢٤٦/١.
(٩) ((الأم)) ١١٤/١-١١٥.
(١٠) في (د، م): له.

٥٩٥
كتاب الطهارة
الذَرِيعة مِنْ أصلها كما هي قاعدة مَذْهَب مَالك.
قال القرطبي: كأنه كانَ يَعتقد تخصيص عُمُوم الآية بالقَول بسد
الذريعَة. ثم قالَ: ولا بُعد في القول به عَلى ضعفه، ثم قالَ: وقد صَح
عن عمر وابن مَسْعُود أنهما رَجَعًا إلى أن الجنب يَتيمم وهو الصَّحيح؛
لأن الآية بعُمومهَا متناولة له(١).
(فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى: أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّار(٢)) بن ياسِر (لِعُمَرَ) بن
الخَطاب (بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ وَّ لِحَاجَةٍ) فيه اسْتخدام المعَلم لتلميذه
البَالِغ إذا لم يشق [ذلك عليه](٣) (فَأَجْنَبْتُ) بفتح الهمزة منَ الجنَابة
وهيَ البعد سُمي جنبًا؛ لأنهُ نهي أن يقرب مَوَاضِع الصَّلاة مَا لم
يطهر (٤) فيجتنبها، وقال الشافِعِي(٥): إنما سُمي جنبًا(٦) منَ المخالطة.
ومن كلام العَرب: أجنب الرجُل إذَا خَالطَ أمَرأته، وهذا ضد المعنى
الأول (فَلَمْ أَجِدِ المَاءَ فَتَمَرَّغْتُ فِي الصَّعِيدِ كَمَا تَتَمَرَّغُ) بفتحِ التَاءين،
وفي نسخ الصَّحيحين(٧): ((كما تَمَرَّغُ)) بحذف إحدى التَاءين تخفيفًا
(الذَّابَّةُ) قالَ ابن دقيق العيد (٨): كأنه أستعمل القياس لما تقدم لهُ مِنْ
(١) ((المفهم)) للقرطبي ٦١٣/١.
(٢) في (س): أبي.
(٣) من (د): وفي (م): عليه.
(٤) في (د): يتطهر.
(٥) انظر: ((إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام)) ٦٤/١.
(٦) من (د، م).
(٧) ((صحيح البخاري)) (٣٤٧)، و((صحيح مسلم)) (٣٦٨) (١١٠).
(٨) ((إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام)) ٧٩/١.

٥٩٦
مَشرُوعية التيمُم، فكأنه لما رَأى أن الوضُوء خَاصّ ببعض الأعضاء وكانَ
بَدَله التيمم، وهوَ خَاصّ بالأعضاء، وَجَبَ أن يَكون بدَل الغسْل الذي
هو(١) يعم جميَع البَدَن عَامًا لجميَع البدَن.
قال ابن(٢) حزم الظاهِري: في هذا الحَديث إبطال القياس؛ لأن
عمارًا رَأى المسْكوت عنه مِنَ التيمم للجنابة حكمه حُكم الغسْل
للجنابة إذا هُو بَدَل مِنْهُ، فأبطل رَسُول اللهِ وَّ ذلك وأعلمهُ أن لكل
شَيء حكم المنصوص عَليه(٣). والجَوَابُ عَما قَال: أنَّ الحَديث دَل
على بُطلان هذا القياس الخاص، ولا يلزم مِنْ بُطلان الخاص بُطلان
العام، والقائسُون لا يَعتقدُونَ صحة كل قياس، ثم في هذا القياس
شيء آخر، وهوَ أن الأصْل الذي هوَ الوضُوء قد ألغي في مُسَاوَاة
البَدَل لهُ، فإن التيمم لا يعُم جميع أعضاء الوضُوء، فصَار مُسَاوَاة
البَدَل الأصلي ملغى في محل النَّص، وَذلك لا يقتضي المسَاوَاة في
الفَرع، بل لقائل أن يقول: قَد يكُون الحديث دليلاً على صَحة أصْل
القياس، فإن قوله عليه الصَّلاة والسَّلام: ((إنما يكفيك كذَا)). يَدُل على
أنه لو كانَ فعله لكفاهُ. وذلك على صحة قَولنَا: لو كانَ فعله لكانَ
مُصيبًا، ولو كانَ فعلُهُ لكَان قائسًا التيمم عَلى الجَنَابة، لاَ التيمم عَلى
الوضُوء على تقدير أن يَكون اللمس(٤) المذكور في الآية ليسَ هوَ
(١) سقط من (د، م).
(٢) في (ص، د، ل): أبو. والمثبت من (س، م).
(٣) ((المحلى)) ١٥٥/٢.
(٤) من (د، س، م، ل) .

٥٩٧
--- كتاب الطهارة
الجماع؛ لأنه لو كان عندَ عَمار هوَ الجماع لكانَ حكم التيمم مُبينًا في
الآية فلم يكن يحتاج إلى أنْ يَتمرغ، فإذن فعله ذَلك يتَضَمن أن اعتقاد
كَونه ليسَ عَاملاً للنَّصّ بَل للقياس، وحُكم النَّبِي ◌َّر بأنه كانَ يكفيه
التيمَم على الصُّورَة المذكورة مَعَ مَا بَينا من كونه لو (١) فعَل ذَلك لفعله
بالقياس عندَه لا(٢) بالنّصّ(٣). وهذا من مستحسنات(٤) نخبه.
(ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِيَّ ◌ِِّ وَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ) فيه ذكر التلميذ لأستاذه ما یعْرض
لهُ في غيبَته من الأحكام وغيرها ليرشده إلى الصَّوَاب في ذلك.
(فَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ(٥) يَكْفِيكَ) في التيمم (أَنْ تَصْنَعَ هَكَذَا) بَيَدَيْكَ،
وخَاطَبَهُ بإنما ليحصر لهُ القَدرِ الوَاجب (فَضَرَبَ بِيَدِهِ) بالإفراد، لفظة
البُخَاري: بكفه ضربة(٦) (عَلَى الأَرْضِ) قالَ أصحَابنَا وغيرهم: يندب
لمن ضرب يده عَلى الأرض لمَسْح الوَجْه أن يُفَرق أصابعه؛ لأن
التفريق أبلغ في إثارة الغبار، وهذا أصَح الأوجُه، وأمَا ضَربةُ مَسْح
يَدیه فالتفريق فيها واجب.
قال ابن الرفعة: وهوَ متفق على وجوبهَا (٧).
وَكَذَا يجب نزع خَاتمه في الثانية (فَتَفَضَهَا) أي: لِيَخف التراب عَنها
بِحَيث لا يبقى عَليها إلا لقدر الحَاجَة.
(١)، (٢) من ((الإحكام)) وليست في النسخ.
(٣) ((إحكام الأحكام)) لابن دقيق العيد ٧٩/١-٨١.
(٤) في (د، م): مستحسات.
(٥) سقط من (م).
(٧) ((تحفة المحتاج)) ٣٦٥/١.
(٦) ((صحيح البخاري)) (٣٤٧).

٥٩٨
قال الماوردي: ونصَ الشافعي على استحباب تخفيف الغبار، وفي
الجَديد على عَدَمِهِ، وقالَ آخرون: وإن كثر نفخ أو نفض وإلا فلا(١).
قال ابن الرفعَة: وهذا مَا عليه الجمهور (ثُمَّ ضَرَبَ بِشِمَالِهِ عَلَى يَمِينِهِ
وَبَيَمِينِهِ(٢) عَلَى شِمَالِهِ) فيه تقديم اليَمين(٣) على اليسَار (عَلَى الكَفَّيْنِ) فيه
دَليل على الاجتزاء بالكَفين كما سَيَأتي.
(ثُمَّ مَسَحَ وَجْهَهُ) موضوع (ثُمَّ)) يَدل على الترتيب، وقدَ اُسْتدل بِذَلك
على أن ترتيب اليَدَين على الوَجْه ليسَ بوَاجب؛ لأنه إذا ثبت ذلك في (٤)
التيمم ثَبتَ في الوضوء ضَرورة لعَدَم الفارق(٥) بينهما، والرواية الآتية:
مسح بهما وجهه ويَدَيْه)) فالواو(٦) فيها لا تدُل على الترتيب.
(فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ) بن مسعُود (أَفَلَمْ تَرَ عُمَرَ عَ لَمْ يَقْنَعْ بِقَوْلِ عَمَّارٍ)(٧)
وإنما لم يقنع عُمَر بقول عَمار؛ لأنه لما كانَ حَاضرًا مَعَهُ في تلك
السَّفرة(٨) ولم يتذكر القصة أرتابَ في ذلك.
[٣٢٢] (ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرِ) البصري (الْعَبْدِيُّ) بإسكان البَاء الموَخَّدة
(١) ((الحاوي الكبير)) ٢٤٦/١-٢٤٧.
(٢) في (ص): يمينه، والمثبت من (د، م).
(٣) في (د، س): اليمنى.
(٤) في (ص): على. والمثبت من (د، س، م، ل).
(٥) في (ص، س، م): المقابل. والمثبت من (د).
(٦) في (ص): قالوا و. والمثبت من (د، م، ل).
(٧) الحديث مر أثناء الشرح ذكره في الصحيحين، وقد أخرجه النسائي في ((المجتبى))
١٧٠/١-١٧١، وأحمد ٤ /٢٦٤.
(٨) في (س): الغزوة.

٥٩٩
- كتاب الطهارة
[شيخ البُخَارِي](١) (أنا سُفْيَانُ) بن سَعيد(٢) الثوري (عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ،
عَنْ أَبِي مَالِكِ) غزوان(٣) الأنصاري الغفاري وثقهُ ابن معين (عَنْ عَبْدِ
الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى قَالَ كُنْتُ عِنْدَ عُمَرَ) بن الخَطاب ◌َ﴾ (فَجَاءَهُ رَجُلٌ) (٤)
فَقَالَ: إِنَّا نَكُونُ) أي: نقيم (بِالْمَكَانِ الشَّهْرَ أو) نقيم (الشَّهْرَيْنِ) يعني:
ولم نَجد الماء (فَقَالَ عُمَرُ ﴿ أَمَّا أَنَا فَلَمْ أَكُنْ أُصَلِّ حَتَّى أَجِدَ المَاءَ)
تقدم عَن عمَر وابن مَسْعود و(٥) أنهما كانا لا يريَان الآية تتناول
الجُنب رَأْسًا.
قال القُرطبي: وقد صَح أنهما رَجَعَا إلى أن الجُنب يتيمم، وهوَ
الصَّحيح؛ لأن الآية بعُمومها تتناوله، ولحَديث(٦) [عمران بن
حصين](٧): أصابتني (٨) جَنابة ولا ماء فقَال: ((عليك بالصَّعيد فإنه
يكفيك)»(٩) وهذا نصَ رَافِع للخِلاف(١٠).
(قَالَ: فَقَالَ عَمَّارٌ) بن يَاسِر، من قُدَماءِ الصَّحَابة (يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ أَمَا)
(١) تأخرت في (م) عن موضعها، وكتبت عند سفيان بن سعيد.
(٢) زاد في (م): شيخ البخاري.
(٣) في (ص، ل): عزوان. والمثبت من (د، س، م).
(٤) بياض في (د، م، ل) بمقدار كلمتين.
(٥) سقط من (د، م، ل).
(٦) في (ص): به لحديث. والمثبت من (د).
(٧) في جميع الأصول: عمار. وهو خطأ. والمثبت من ((المفهم)).
(٨) كذا في (م)، وفي باقي النسخ: أصابني.
(٩) أخرجه البخاري (٣٤٨)، والنسائي في ((المجتبى)) ١٧١/١، والدارمي في ((سننه))
(٧٤٣)، وأخرجه مطولاً مسلم (٦٨٢) (٣١٢)، وأحمد ٤٣٤/٤-٤٣٥.
(١٠) ((المفهم)) للقرطبي ٦١٣/١-٦١٤.

٦٠٠
الهَمزة للاستفهام، و((مَا)) للنفي (تَذْكُرُ إِذْ كُنْتُ أَنَا وَأَنْتَ) تفسير لضَمير
الجمع، أي: كنا (فِي الإِبِلِ) أي: في سَقيهَا أَوْ رَغْيِهَا ورعَاية مَصَالحهَا.
(فَأَصَابَتْنَا(١) جَنَابَةٌ فَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ) روَاية مُسْلم: أما تذكر إذ أنا
وَأنت في سَرية فأجنَبنا فلم نَجِد مَاء فأمَا أنتَ فَلَم تُصَل، وأمَّا أنا
فتمعكتُ في التراب فصَليت(٢).
(فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ نَّهِ فَذَكَرْتُ [لَهُ ذَلِكَ](٣) فَقَالَ: إِنمَا (٤) كَانَ يَكْفِيكَ) [أتى
بإنما ليَحصر](٥) لهُ القَدر الوَاجب (أَنْ تَقُولَ هَكَذَا) واستعمل تقول بمعنى:
تَفْعَل (وَضَرَبَ بِيَدَيْهِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ نَفَخَهُمَا) أَسْتدل به بَعْضُهُم عَلَى جَوَاز
التيمم بالحجَارَة التي لا غبار عليها؛ إذ لو كانَ الغبار(٦) مُعتَبرًا لم ينفخ
فيهما، وأُجيب بأن المراد بالنفخ تخفيف التراب، فإن المستحب إذا
حَصَل على اليد غبار كثير أن يخفف بحيث يَبقى على العضو مَا يعمُّ
العُضْو المُستعمل، وفي هذه القصة جَوَاز الاجتهاد في زَمَن النبيَِّه
وفي المسألة ثلاثة أقوال: أصَحهَا: جَوَاز الاجتهاد في زَمنهِ بحضرته
وغير حَضرته (٧).
(١) في (ص): فأصابنا. والمثبت من (د، س، م).
(٢) ((صحيح مسلم)) (٣٦٨) (١١٢).
(٣) في (د، م): ذلك له.
(٤) في (ص، س): أما. والمثبت من (د، م).
(٥) في (ص): أي بما يحصل في الماء ليحصل!، وفي (م، س): إنما لتحصيل.
والمثبت من (د).
(٦) من (د، س، ل، م).
(٧) ذكر النووي في ((شرح مسلم)) ٤/ ٦٣ أن في المسألة ثلاثة أوجه للشافعية: الأول:
يجوز الإجتهاد في زمنه ◌َلة بحضرته، وبغير حضرته ورجح هذا الوجه وصححه.