النص المفهرس

صفحات 581-600

٥٨١
= كتاب الطهارة
عَاصم، قال ابن معين والنسائي: ثقة.(١) ذكرهُ ابن حبان في ((الثقات))(٢).
(عَنِ الحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو، وَهُوَ الأَقْرَعُ) وهو الحكم بن عمرو بن مجدع،
وقيل: مجدح(٣) ويُقالُ له: الحكم بن الأقرع الغفاري أخو رافع، ولهما
صُحبة، نَزل البصرة ولي خُراسَان ومَات بمرو عام ٤٩.
(أَنَّ النَّبِيِّ نَِّ نَهَى أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ بِفَضْلٍ طَهُورٍ) بفتح الطَّاء، أي:
بِفَضْلِ (الْمَرْأَةِ) (٤) الماء الذي تتطهر به المرأة من وضوء وغسل وغيرهما،
وقد يدخل فيه التراب الذي تتيمم به، والمشهور عن أحمد أنه لا يجوز
استعماله إذا خلت به المرأة، وهو قول عبد الله بن سَرجس(٥) والحَسَن،
وغنيم بن قيس، وهو قول ابن عُمر في الحَائض والجنُب(٦).
قال أحمد: وقد كرههُ غَير واحد من أصحاب النبي ◌َّ هُذا إذا خلت
المرأة به، والرواية الثانية: يجوز الوضوء به للرِّجال والنساء، أختارهَا ابن
عقيل(٧)، وهو قول أكثر أهل(٨) العلم؛ لرواية مُسلم في (صحيحه)): كان
(١) (تهذيب الكمال)) ٢٣٥/١٢.
(٢) ((الثقات)) لابن حبان ٤ / ٣٤١.
(٣) سقط من (م)، وفي (د): وقيل: مخدج.
(٤) الحديث رواه الترمذي (٦٤)، وقال: حسن، والنسائي ١٧٩/١، وابن ماجه
(٣٧٣)، وابن حبان (١٢٦٠)، وأحمد في ((المسند)) ٢٩/ ٤٠٥ من طريق شعبة به،
وقال الألباني في ((صحيح أبي داود)) (٧٥): إسناده صحيح.
(٥) ((مصنف عبد الرزاق)) (٣٨٥).
(٦) ((مصنف عبد الرزاق)) (٣٨٦).
(٧) انظر: ((المغنى)) ٢٨٣/١.
(٨) من (د، س، م).

٥٨٢
رسول الله * يغتسل بفضل مَيمُونة(١)، وقالت مَيمُونة: اغتسلتُ من جفنة
ففضلت منها فضلة، فجاء النبي وَّ يغتسل فقلتُ: إني اغتسَلتُ منهُ،
فقال: ((الماء ليسَ عليه جَنَابة))(٢). واختلف أصحاب أحمد في تفسير
الخلوة به، هي: أن لا يشاهدها رَجُل مُسلم، فإن شاهَدَها صَبي أو
أمرأة أو رجلٌ كافر لم يخرج بحضُورهم عن الخلوة. وذهب بَعْض
أصحابه إلى أن الخلوة استعمالها للماء من غير مشاركة(٣) الرجل في
استعماله(٤).
وأجَابَ أصحابنا وغيرهم عن حَديث الحكم بن عمرو هذا بأجوبة،
أحدها: جَوَاب البيهقي وغيره أنه ضَعيف(٥).
قال الترمذي: سَألتُ البخاري عنهُ فقال: ليسَ هُذا بصحيح. قال
البخاري: وحَديث ابن سرجس الصَّحيح أنه مَوقُوف عليه، ومن رفعه
فقد أخطأ(٦)، وكذا قال الدارقطني(٧). قال البيهقي في كتاب
(المعرفة)): الأحاديث السَّابقة بالرخصَة أصح(٨)، وأجَابَ الخَطابي (٩)
(١) ((صحيح مسلم)) (٣٢٣) (٤٨).
(٢) أخرجه أحمد ٣٣٠/٦، وابن ماجه (٣٧٢)، وصححه الألباني في ((صحيح الجامع))
(١٩٢٦).
(٣) من (د)، و((المغني)).
(٤) انظر: ((المغني)) ٢٨٤/١.
(٥) ((السنن الكبرى)) للبيهقي ١٩١/١.
(٦) ((علل الترمذي)) (٣٢).
(٧) (سنن الدار قطني)) ١١٧/١.
(٨) (معرفة السنن والآثار)) ٢٧٨/١.
(٩) ((معالم السنن)) للخطابي ٤٢/١.

٥٨٣
--- كتاب الطهارة
وأصحابنا(١) أن النهي عن فضل أعضائها هو مَا سال عنها في حال
الاغتسال، ويؤيد هذا أن رواية داوُد بن عَبد الله الأودي عن حميد
ابن (٢) عبد الرحمن الحميري، عن بَعض أصحَاب النبي ◌ُّ عن النبي
وسي﴿ أنهُ نَهى أن يغتسل الرجُل بفضل المرأة. الجواب الثالث: أن النهي
للتنزيه جمعًا بين الأحاديث.
(١) ((المجموع)) للنووي ١٥٣/١.
(٢) في (ص، د، ل) عن.

٥٨٤
٤١- باب الوُضُوءِ بِماءِ البَخرِ
٨٣- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مالِكِ، عَنْ صَفْوانَ بْنِ سُلَيْم، ◌َنْ سَعِيدِ بْنِ
سَلَمَةَ - مِنْ آلِ ابنِ الأَزْرَقِ - أَنَّ المُغِيرَةَ بْنَ أَبِي بُزِدَةَ- وَهُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدّارِ- أَخْبَرَهُ
أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيّ ◌َةِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنّا نَرْكَبُ البَحْرَ
وَنَحْمِلُ مَعَنا القَلِيلَ مِنَ الماءِ، فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنا، أَفَنَتَوَضَّأُ بِماءِ البَحْرِ؟ فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ وََّ: ((هُوَ الطَّهُورُ ماؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتُهُ))(١).
باب الوُضُوءِ بِمَاءِ البَحْرِ
[٨٣] (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْم)
بضم السِّين المهملة مصغر، المدني القرشي الزُّهري الفقيه، وأبوه
سُليم مولى حميد بن(٢) عبد الرحمن بن عوف، ذكر صفوان عند ابن
حنبل فقال: هذا رجُل يستسقى بحديثه وينزل القطر من السماء بذكره،
فإنه مِن عَباد الله الصالحين(٣).
وقيل: لو قيل له: غدا(٤) يوم القيامة ما كان له مزيد على ما هو عليه
من العبادة.
(١) رواه الترمذي (٦٩)، والنسائي ١/ ٥٠ ١٧٦، وابن ماجه (٣٨٦)، (٣٢٤٦)، وأحمد
٢٣٧/٢.
وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود)) (٧٦).
(٢) من (د)، و((التهذيب)) (٢٨٨٢).
(٣) أسنده ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) عن أحمد ١٣٤/٢٤.
(٤) في (ص، ل، م، س): هذا.

٥٨٥
كتاب الطهارة
=
(عَنْ سَعِيدٍ بْنِ سَلَمَةَ) بفتح السين واللام المخزومي (مِنْ آلٍ)(١) عقبة
(ابْنِ الأَزْرَقِ) وثق النسَائي سَعيدًا (أَنَّ المُغِيرَةَ بْنَ أَبِي بُرْدَةً) الكناني وثقه
النسائي وابن حبان(٢)، ولي غزو البَحر لسُليمان بن عبد الملك سنة
ثمان وتسعين(٣).
(وَهُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ) وكانَ حليفًا لهم (أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ.
يَقُولُ: سَأَلَ رَجُلٌ رسُول الله وَّهِ) وقع في بعض الطُرق التي ذكرها
الدار قطني أن (٤) اسم السَّائل عَبدُ اللهِ المدلجي(٥)، وكذا ساقه ابن
بشكوال(٦) بإسناده وأوردهُ الطبراني فيمن اسمهُ عبد، قال ابن منيع:
بَلغني أن اسْمه عَبد، وقيل: عبيد بالتصغير، قال السّمعَاني في
(الأنساب)): أسمهُ العركي(٧)، وغلِطَ فيه، وإنما العَرَكي بفتح العَين
والراء وصف له، وهو ملاح السّفينة.
قال الشافعي(٨): هذا الحديث نصف علم الطهَارة (فَقَالَ: يَا رَسُولَ
اللهِ إِنَّا نَرْكَبُ البَحْرَ) ورواية ابن مَاجَه عن ابن الفراسي قال: كنتُ أصيدُ
وكانت لي قربة أجعَل فيها ماء وإِنِّي تَوضَّأت بماءِ البحر فذكرتُ ذلك
(١) في (م): بني.
(٢) ((الثقات)) ٤١٠/٥.
(٣) (تهذيب الكمال)) ٣٥٢/٢٨.
(٤) سقط من (م).
(٥) ((علل الدراقطني)) ٩/ ١٢.
(٦) في (ص): بشكو إسناده. وفي (م): بشكوال في إسناده.
(٧) ((الأنساب)) للسمعاني ١٥٨/٤.
(٨) في (ص): القراني، وفي (م): العرايني. غير منقوط. وفي (س): العركي.

٥٨٦
لرسول الله ◌َ﴾(١)، وفي البحر لأهل اللغة أصلان أحدهما معنى السَّعة،
والثاني معنى الشق. قال القَزَّاز: سُمي بحرًا لسعته، من قولهم: تبخّر
الرجُل في العِلم. وفيه نظر؛ لأنَّ التبُّر(٢) في العِلم مأخُوذ من البحْر؛
لا أنَّ البحر مأخوذ منهُ، وحَكى الأزهري عن الليث: سُمي بحرًا
لاستبحاره وانبساطه وسعته(٣).
وقال الأزهري: سُميت الأنهار بحارًا (٤)؛ لأنها مَشقوقة في الأرض
شقًّا، والبَحرُ في كلام العَرب الشق، ومنه قيل للناقة التي تشق في أذنها :
بحيرة(٥) وتسمية الماء الكثير بالبحر لملازمته الشق أو مجاورته، وهذا(٦)
يلزم منهُ المجَاز بالنسبة إلى الموضع اللغَوي، فإن أُدُّعِيَ فيه النقلُ عرفًا أو
الاشتراك، فالكل خلاف الأصل وفيه دليل على جواز ركوب البحر في
الجملة.
قال ابن دقيق العيد: وورد في بعض الروايات ركوبه للصّيد فيدل
دلالة خاصة على ركوبه في طلب المعيشة، لكن يعارضه رواية
المُصَنف: (( لا يَركب البَحر إلا حَاجًا أو معتمرًا أو غازيًا في سبيل
الله .. )) الحديث(٧)، ولك (٨) أن تأخذ من هذا الحَديث مُطلق الركوب
(٢) في (ص، ل، م): البحر.
(١) ((سنن ابن ماجه)) (٣٨٧).
(٣) ((تهذيب اللغة)): بحر.
(٤) في (ص): أنهارًا.
(٥) ((تهذيب اللغة)): بحر.
(٦) في (م، س): وقد.
(٧) سيأتي تخريجه إن شاء الله.
(٨) في (ص، س، ل، م): وذلك.

٥٨٧
= كتاب الطهارة
من حيث هو ركوب من غير تعرض إلى الأحوال العارضة التي تحرم أو
توجب كراهيةً أو غير ذلك، كما هو عَادَة الفقهاء في إطلاق الحكم بالنظر
إلى الحقيقة مِنْ غَير التفات إلى الأحوال العَارضة كما تقول: الصَّيد
جَائز، وقد يعرض ما يُوجبُ تحريمه. والنكاح مُستَحب، وقد يعرض
ما يُوجب وجوبه(١) ولك(٢) أن تُفَصِّل.
ونقل(٣) أبو القاسم بن الجَلاب عن مَالك كان(٤) يكره ركوب البحر
لما يدخل على الإنسَان من نقص في صَلاته، وذكر ركوب البحر ثلاثة
أقسام وجعل ما ذكره(٥) مالك من الكراهة منزلاً على أحدها فقال:
رُكوب البحر على ثلاثة أوجه: جَائز: وهو إذا كانَ من شأنه أنهُ (٦)
يقدر على صَلاته قائمًا، ولا يميد، ومكروه: وهو ما(٧) إذا لم يتقدم لهُ
عَادَة بِرُكوبه ولا يَعلم إذا ركبَهُ هَل يميد وتتعطل صَلاَته أم لا؟
وممنوع: وهو ما إذا كانَ يَعلم من شأنه أنه يميد ولا يقدر على أداء
الصَّلاة لكثرة الراكب، ولا يقدر على السُّجُود(٨).
وتقرير النَّبِي ◌َِّ السَّائل عمَّا ذكر (٩) لهُ في ركوبهم البَحر، ولم
(١) في (ص، س، ل، م) : تحريمه.
(٢) في (ص، س، ل، م): وذلك.
(٣) من (د).
(٤) من (م).
(٥) في (ص): وجعلها ذكره. وفي (م): جعلها بكر.
(٦) في (د): أن.
(٧) سقط من (د).
(٨) انظر: ((مواهب الجليل)) ٤٨١/٣.
(٩) في (م): ذكره.

٥٨٨
يستفصل عن أحْوَال راكبه، دليل على الجواز مُطلقًا على القاعدة التي
ذكرها الشافعي أن ترك الاستفصال في حكاية الحال مع قيام الاحتمال
مُنَزل(١) مَنزلة العُموم في المقَال(٢). فَعَلىَ هُذِهِ القاعدة(٣) إذا وَجَدَ
اللفظ جَوَابًا عن السُّؤال، فيُنزل التقرير بعد السُّؤال مَنزلة اللفظ حَتى
يعمَّ أحْوال السؤال في الجَواز؛ لإقامة الإقرار على الحكم مَقام
الحكم، إذ لا يجُوز تقريرُهُ الَّ على أمر بَاطل فنزل (٤) إقراره مَنزلة
الحكم المبين (6).
لكن يرد هَاهنا ما قاله الغزالي: إن المفهوم ليسَت دلالته لفظية،
والعموم من عوارض الألفاظ. وهذا المعنى موجود في دلالة التقرير،
إذ ليسَت لفظية، ويُجاب عن هذا بأنا قلنا أنَّه منزل منزلة العُموم بمعنى
شمول الحكم للأحوَال، ولا يجعلهُ حقيقة في العُموم.
(وَنَحْمِلُ مَعَنَا القَلِيلَ مِنَ المَاءِ) يستدل به على أن إعداد الماء الكافي
للطهَارة مع القدرة عليه غير واجب على ما تقدم، وهو ترك الاستفسار
والإقرار على السؤال؛ لأنهم أخبروه(٦) أنهم يحملون القليل من الماء
وهو كالعَام(٧) في حَالات حَملهم، فيمكن أن يكونَ مع القدرة على
(١) في (م): بترك.
(٢) ((التبحير شرح التحرير)) ٢٣٨٧/٥، ((البرهان في أصول الفقه)) (٢٤٨).
(٣) سقط من (م).
(٤) في (ص، د، ل): فنزله.
(٥) في (م): البين.
(٦) في (ص، م، ل): أخبروا.
(٧) في (م): كالعدم.

٥٨٩
= كتاب الطهارة
حَمله، ويمكن أن يكون بسَبَب العَجز عن حَمله بسَبَب ضيق مراكبهم عن
حَمَلِ البَاقي، فإذا جَعلناهُ كالعَام فيتناول حَال القُدرة، ولم ينكر عليهم،
فدلَّ ذلك على جَواز هذِه الحالة.
(فإن(١) تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا) بكسر الطَّاء، يُقالُ: عَطش عَطَشًا فهو
عَطشان وامرأةٌ عَطِشَةٌ وعَظْشَى.
قال سليمان بن خلف الباجي في كلامه على هذا الحدیث: فیه دلیل
على أن العَطَش له تأثير في ترك استعمال الماء المعدّ(٢) للشرب، ولذلك
أقرهُ النبي ◌ََّ على التعَلق به.(٣)
وقال الحافظ يوسُف بن عَبد الله بن عَبد البرِّ في هذا الحَديث: إن
المُسافر إذا لم يكُن معهُ من الماء إلا ما يكفيه لشربه وما لا غنى به
عنهُ ولا فضل فيه؛ يعني: عن سقيه، أنه لا يتوضأ به، وأنه جائز(٤) له
التيمم. انتهى(٥).
وينبني هذا على تقرير مسألة، وهي أنه إذا خاف العَطش فما الخَوف
المعتبر في إباحة التيمم وظاهر اللفظ في الحَديث تعليقه بُمطلق العطش،
والشافعية(٦) يعتبرُون هُذِهِ الحَالة بحالة المرض المُبيح للتيمم فينظر هل
(١) في (ص، س، ل): فإذا.
(٢) في (م): العذب.
(٣) ((المنتقى شرح الموطأ)) ٤١/١.
(٤) في (ص، م، ل): جعل.
(٥) «التمهيد)» ٢٢٣/١٦.
(٦) انظر: ((المجموع)) للنووي ٢/ ٢٤٥ .

٥٩٠
يكون الخوف من التلف لنفس أو عضو أو منفعة أو زيادة المرض أو تأخير
البُرء أو شَيْنٍ فاحشٍ على عضوٍ ظاهر، فإذا قسناهُ بذلك اقتضى ذلك تقييدًا
في العَطش واحتاج إلى دَليل، ولعله القياس وينبني على القاعدتين أن
التوقعَ مِن خوف العَطش كالواقع، والمظنونَ كالمعلوم؛ لأن قوله:
عَطشنا يَحتملُ العَطش حَالاً أو مآلاً(١) والحكم يحتمل العِلم والظن،
فإذا فرَّعنا على وُجُوب الاستفصَال عند اختلاف الحكم، وأنَّ تركَ
الأَستفصَال يدُل على عُمُوم الحكم، جُرِيَ على ذلك.
(أَفَتَتَوَضَّأُ بِمَاءِ البَحْرِ؟) فيه حَذف الصِّفةِ مع بقاء الموصوف تقديرهُ:
أفنتوضأ بماء البحر الملح(٢)؟ فحذف الصفة كقوله تعالى: ﴿أَلْكَنَ جِئْتَ
بِالْحَقِّ﴾ (٣) أي: الوَاضِح، وإنما يصح الحَذف إذا فهم المعنى طلبًا
للاختصَار مَع حُصُول المقصُود.
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ) قال ابن العربي: لو قال لهم(٤) النبي ◌َّرَ: نَعم،
لما جَاز الوضوء به إلا لضرورة، وعليه وقع سُؤالهم؛ فبها كان يرتبط
جَوابهم لو قاله؛ فاستأنف بيان الحكم بجواز الطهارة به(٥).
قال ابن دقيق العيد: وفيه وجه آخر: لو قال نعم لم يستفد منه من
حيث اللفظ إلا جواز الوضوء به الذي وقع عنهُ السُّؤال ولما أجَاب
بأنه الطهُور أفاد جَوَاز رَفع الأحداث أصغرها وأكبرها(٦) وإزالة
(١) في (ص، م، ل): ومالًا.
(٢) في جميع النسخ: العذب. وفي هامش (د): لعله الملح.
(٤) من (د).
(٣) البقرة: ٧١.
(٥) ((عارضة الأحوذي)) لابن العربي ٨٨/١ - ٨٩.
(٦) في (م): أصغرهما وأكبرهما.

٥٩١
- كتاب الطهارة
الأنجاس به لفظًا، فكانَ أعم فائدة. وفيه وجه آخر (هُو) هذا هو (١) ضَمير
الشأن، وهو من محاسن كلامهم، والسَّبب فيه أنهُ يشعر بالجملة الآتية
بعده إشعَارًا كليًّا وتتشرف(٢) النفس إلى تفسير الآتي عند سَماع
الإبهام، فإذا أتى به قبلته النَّفس قبول الطالب المطلوبه وكونه يحتمل
أن يكون ضميرًا يعُودُ على البَحر لا يمنع أن يكون ضمير الشأن كما
أن قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾(٣) ضَمير الشأن، وإن كان يحتمل
أن يَعود على الربِّ الذي قالوا للنبي وَّو: صف لنا ربك مما هو.
فأنزل اللهُ تعالى: ﴿قُلّ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾.
(الطهور) بفتح الطاء أسم للماء الذي يتطهر به، واستدل به على أن
الطهور هو ما يتطهر به، ووجه الاستدلال أن الطاهرية أعم من الطهورية
فكل طَهُورٍ طاهرٌ ولا ينعكِسُ، والحكم على الشيء بالمعنى الأعم لا
يستلزم الحكم عليه بالوصف الأخص، فلا يفيد الجواب عن السُّؤال
عن الأخصِّ.
وحكى (٤) القاضي طاهر بن عبد الله الطبَري الشافعي عن أبي بكر
الأصم وأبي بكر بن داود وبعض متأخري أصحاب أبي حنيفة وطائفة
من أهل اللغة أن معنى طَهُور وطاهر سواء(٥)، واحتجوا بأن ما كانَ
(١) سقط من (س، م).
(٢) في (س، م): تتشوق.
(٣) الإخلاص: ١.
(٤) في (ص، ل): حكم.
(٥) ((المجموع)) ١/ ٨٤.

٥٩٢
فاعله لازمًا ففعوله مثلہ کنائم ونؤوم، وصابر وصَبُور وشاکر وشكور، وما
كانَ فاعله متعديًا ففعُوله مثله في التعدي كقابل وقبول(١) وضارب
وضَرُوب وشاتم وشتوم، وأصل هذا أن صيغة فعول لا تنبني(٢) إلا من
فعل ثلاثي مجرد عن الزيادة والفعل في مسألتنا طهر وهو قاصرٌ وطهور
مثله، وأجَابَ عنه القاضي بأنه لابد أن يكون لفعول صفة(٣) زائدة على
فاعله، ألا ترى أنك تقول: نائم لمن وُجِدَ منه النوم، ونؤومٌ لمن كَثُر
منه النَوم وكذلك صَابر لمن صَبر مرة. وصَبور لمن تكرر منه الصَّبر.
ولما كانت المياه طاهرة لم يكن بد أن يجعَل في الطهور مزية على
طاهر، وليست تلك المزية إلا تعديها للتَّطهير وأيضًا فلا يقالُ: ((نائم))
إلا لمن وجد منه النوم، وكذلك قاتل وشاتم ولا يوصف صَاحبه بذلك
إلا بعد وجوده منه، وأمَّا الماء فيقال فيه: طَهور قبل أن يوجد منه
التطهير، فكان بمنزلة قولنا: سُحور وفطُور لما يُتَسَخَّر به ويفطر عليه،
فكذلك طهورٌ لما يتطهر به.
وقد أورد هذا بعض المتأخرين فقال: لا شك أن مجرد بنائه على
فعول لا يُوجب تعديه كما قال السَّائل لكنَّا نقول: أستقر لفظ طَهُور في
عُرف اللغة إنما يُطلق على ما يتطهر به فهو اسم للآلة التي يفعَل بها
كالبخور والغسُول لما يتبخر بهِ ويغتسل به، فصَار كاللقب على ذلك لا
أصل بنائه(٤) فقط، كقوله عليه الصلاة والسلام: ((جُعلت لي الأرض
(١) في (م): كقاتل وقتول.
(٢) في (ص): يثني. وفي (د، س): تبنى.
(٣) في (ص، ل): لمفعول نعم. (٤) في (د): بيانه.

٥٩٣
- كتاب الطهارة
مَسْجدًا وطهورًا))(١).
(مَاؤُهُ) في إعراب قوله: ((هو الطهور ماؤه)) أنهاه بعضهم إلى قريب من
عشرين وجهًا في كثير منها تكلف وإضمار لا يظهر الدلالة عليها، فتركنا
أكثرها واقتصرنا(٢) على أربعة أوجهٍ:
الأول: أن يكون (هو) مُبتدأ والطهور مبتدأ (٣) ثانيًا خبره (ماؤه)
والجملة من هذا المبتدأ الثاني وخبرهُ خبر للمبتدأ الأول.
الثاني: أن يكون (هو) مُبتدأ والظَّهور خبرهُ و(ماؤه) من بدل
الاشتمال، وفي هذا بحث دقيق.
الثالث: أن يكون (هو) ضَميرُ الشأن كما تقدمَ(٤) وفي محله تفصیل،
و ((الطَّهور ماؤه)) مبتدأ وخبر، ولا يمنع من هذا تقدم ذكر البحر في السُّؤال
كما تقدم؛ لأنهُ إذا قصد الإنشاء وعدم إعادة الضَّمير في قوله هو على
البخْر، صح هذا الوجه كما قالوا في ﴿هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ أنه ضَمير شأن
مع ما روي من تقدم ذكر الله تعالى في سُؤال المشركين، حَيث قالوا:
أنسب لنا ربَّك.
الرابع: أن يكون (هو) مُبتدأ و(الطهورُ) خبر و(ماؤه) فاعل؛ لأنه قد
اعتمد عَامِله بگونه خبرًا.
واستدل المالكية بلفظ الطهور على مسألة الماء المُستعمل من حَيث
(١) رواه البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١)، والنسائي ١/ ٢٠٩، وأحمد ٣/ ٣٠٤،
وغيرهم من حديث جابر ة
(٢) في (ص): واختصرنا.
(٣) من (د، س، ل، م).
(٤) سقط من (م).

٥٩٤
أن صفة(١) فعُول تقتضي التكرار كالقطوع للسَّيف والضروب للرجُل
فيقتضي ذلك تكرار التطهر به، فيدخل فيه الماء المستعمل(٢)، وقيل
في الآية أنه جعَل الماء مُطهرًا، ولم يفرق بين أن يُستعمل وبين أن لا
يُستعمل، فوجب أن تثبت له الصفة ما دَام ماء، وهذا يجيء مثله في
لفظ الحديث.
وأجاب القاضي أبو الطيب طاهر الطبري بأنه أراد أنه معد للطهَارة
كما نقول: فُطُور وسُحور؛ لأنه معدٌّ لذلك، والدليل على ذلك أنه
سَماهُ طهورًا قبل أن يتطهر به.
قال ابن دقيق العيد: والاستدلال بالآية أقرب من لفظ الحديث؛ لأن
لفظ الحدیث اسم جنس مُضاف یقع على قلیله اسم كثيره، وبالعكس
فيقتضي أن يضاف الحكم بالطّهورية إلى كل ما يُسمى ماء البحر،
وألفاظ العموم كلية، أي: يثبت الحكم في كل فَرد مِن أفراد ألفاظ
العموم، فيقتضي ذلك أن يكون كل جُزء مما يُطلق عليه اسم ماء البحر
يحكم(٣) له بالطهُورية، فإذا سلم الخصم اقتضاء الصِّيغة للتكرار لزم
ذلك في کل جُزء.
فإن قيل: يمكن أن يُجاب عن التكرار بأن الماء يتردّد على العضو،
فملاقاته لأول جُزء طهره ثم ينتقل إلى الجزء الثاني مِنَ البَدَن فيطَهرُه،
فيحصُل تكرار التطهير بالجُزء المُعَينِ مِنَ الماء بخلاف الوجه الذي
(١) في (م): أنه صيغة.
(٢) («أحكام القرآن)) لابن العربي ٤٣٨/٣.
(٣) في (م): فحكم.

٥٩٥
= كتاب الطهارة
ذكرهُ القاضي، فإنه لا يقتضي حصول التكرار بالنسبة إلى جزء معَين فإنما
يقتضيه بالنسبة إلى الجنس.
قال: وفيه بحث؛ (لأنَّ لقائلٍ)(١) أن يقول أحد الأمرين لازم، وهو
إمَّا عدم التكرار المدَّعي أو ثبوت حكم (٢) الأستعمال قبل أنفصال الماء
عن العضو، والثاني منتفٍ فيلزم الأول.
واستدل الحنفية بكون الماء مُطهرًا وطَهورًا على أنه لا تشترط النية
في الوضوء، وحملوا على ذلك من الاستدلال قوله تعالى: ﴿وَيُزِلُ
عَلَيْكُمْ مِّنَ السَّمَاءِ مَآءَ لَيْطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾(٣) نص على كون الماء مُطَهرًا، ولو
توقفت الطهَارة على النية لم يكن مجرد الماء مُطهرًا(٤)، ويستدل به
على جواز التطهر بماء البحر، وهو المقصُود بالذات مَنَ الحَديث(٥)
وعنه وقع السُّؤال وذلك مَذهب الجمهور من الأئمة.
قال ابن المنذر: وممن روينا عنهُ أن ماء البحر طهور أبو بكر
الصديق(٦)، وعمر بن الخطاب(٧)، وابن عَباس(٨)، وعقبة بن عامر (٩).
(١) في (م): لأنه قائل.
(٢) في (ص، م، ل): حكمه.
(٣) الأنفال: ١١
(٤) ((شرح فتح القدير)) ١/ ١٣١.
(٥) في (د): الحدث.
(٦) رواه ابن المنذر في ((الأوسط)) ٣٥٣/١، وأبو عبيد في ((الطهور)) (٢٣٨)، وابن أبي
شيبة في ((مصنفه)) ١٥٤/١، وصححه الألباني في ((الإرواء)) (٩).
(٧) ((مصنف عبد الرزاق)) (٣٢٥، ٣٢٦).
(٨) رواه أحمد ٢٧٩/١، والدراقطني في ((سننه)) ٣٥/١.
(٩) رواه أبو عبيد في ((الطهور)) (٢٤٠).

٥٩٦
=
وبه قال عطاء(١)، وطاوس(٢)، والحسن البصري(٣)، ومالك(٤) وأهل
المدينة وأهل الكوفة وأهل الشام والشافعي(٥) وأحمد(٦)، وبه نقول(٧).
قال: وروينا عن ابن عُمر أنه قال في الوضُوء بماء البحر: التيمم أحَب
إلي منهُ(٨)، وعن عبد الله بن عمرو: لا يجزئ من الوضُوء ولا مِنَ
الغسْل والتيمم أحَب إلي منهُ(٩)، وعن ابن المسيب: إذا ألجئت إليه
فتوضأ منه(١٠).
قال ابن عبد البر: جاء عن ابن عمر وابن عمرو كراهية الوضوء بماء
البحر، ولا يصح عنهما والذي ذكر في علة قولهما أنه نار وأسندوا فيه(١١)
حَديثًا (١٢)، وأجيب عنه بوجهين: أحدهما: أنه أرَادَ بقوله نارًا في نار أن
البحَار تَصير يوم القيامة نارًا لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا اُلْبِحَارُ سُجِرَتْ﴾ (١٣)
و﴿وَلْبَحْرِ الَْسْجُورِ﴾(١٤) فوصفه بما يؤول إليه حَالُه.
(١) ((مصنف عبد الرزاق)) (٣٢٥، ٣٢٦).
(٢) ((مصنف عبد الرزاق)) (٣٢٨).
(٣) ((الطهور)) (٢٤٥).
(٤) («الموطأ)) ٢٢/١.
(٥) ((الأم)) ٤١/١.
(٦) ((مسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج)) (٤٩).
(٧) ((الأوسط)) لابن المنذر ١/ ٣٥٤ - ٣٥٥.
(٨) رواه أبو عبيد في ((الطهور)) (ص٢٤٨)، وابن المنذر في ((الأوسط)) ٣٥٥/١.
(٩) رواه أبو عبيد في ((الطهور)) (ص٢٤٧)، وابن المنذر في ((الأوسط)) ٣٥٥/١.
(١٠) في (ص، ل، (د): به. والأثر أخرجه ابن المنذر في ((الأوسط)) ١/ ٣٥٦.
(١١) في (س): استدلوا به.
(١٢) ((التمهيد)) ٢٢١/١٦.
(١٣) التكوير: ٦.
(١٤) الطور: ٦.

٥٩٧
= كتاب الطهارة
والثاني: أن البحر في إهلاكه لراكبه كالنار في الصفة، ولهذا يقال:
السُّلطان نار، أي: فعله يهلك كما تهلك النار، واستدلوا(١) بهذا الحَديث
على أن الماء المتغير بقذارة طهور بناء على أن الأصل في ماء البحر
العذوبة وتغيره بسبب مروره على أجزاء من الأرض سَبخة مَالحة. وهذا
الاستدلال يتوقف على إثبات هذه المقدمة، أي(٢) أن الأصل فيه
العذُوبة، وتغيره باعتبار المرور، وقد ذكر ذلك عن غير واحد من
الفضلاء، ولكنه أمر لابد من إثباته بدليل يدل عليه إذا نوزع فيه، فإن
الله تعالى سمَّاهُ ملحًا بقوله تعالى: ﴿وَهَذَا مِلْعُ أُجَاجٌ﴾(٣) وأصل التسمية
به تدل على أن هذا الوصف لازم له لا عارض(٤).
وهذا الحديث مذكور(٥) في علم الأصول في مسألة العَام الوارد على
سَبَب خاص، حيث قالوا: إن الجَواب إذا كان مُستقلاً عن السؤال عَامًّا
في لفظه لا يتقيد بسببه من حيث أن العموم إنما خصصهُ ما يناقض عُمومه،
وليس في ورود العَام على سَبَب خاص ما يناقض عمومه، وذكروا خلاف
الشافعي في هذه المسألة، وإنما ننبه فيها على شيء يغلط فيه بعضهم
بسببه، وذلك أن السؤال والجواب قد يكون أتساقهما وسياقهما مقتضيًا
للتخصيص وقد لا يكون، فإن كان الأول اقتضى ذلك التخصيص؛
لأن السِّياق مُبين للمجملات مرجح لبَعْض المحتملات مُؤكد
(١) في (د): استدل.
(٢) في (د): أعني.
(٣) فاطر: ١٢.
(٤) سقط من (ص).
(٥) في (م): المذكور.

٥٩٨
للواضحات، وإن كان الثاني فهي المسألة الخلافية، فقد يرجح بعض
الضعَفة فيرى السُّؤال والجَواب حَيث يقتضي السياق التخصيص فيحملهُ
على المسألة الخلافية ويُرجح(١) ما رجحه الجمهور من القول بالعموم.
قال ابن دقيق العيد: وهو عندنا غلط في مثل هذا المحل فلينتبه(٢) له
وقد أشارَ بعض فقهاء المالكية المتأخرين إلى تَصحيح قول سَعيد بن
المسَيب المتقدم أنهُ إنما يتوضأ به إذا ألجئ إليه من هذا الحديث؛ لأنهُ
ورد جوابًا عن قوله: إن توضأنا به عَطشنا وأجاب بأن حَمله على
المسألة الأصُولية المُرَجح عند الأكثرين من القول بالعموم.
وقال: إنما يلزم ذلك الشافعي الذي اختار تخصيص العام بسببه،
وهاهُنا قاعِدَة ينبني عليها ما لا يحصَىُ منَ المباحث المتعلقة بهذا
الحَديث(٣) ونحوه، لا بأسَ بذكرها هَاهنا لينتفع (٤) بها في غَيرِهِ مِنَ
الأحَاديث ولا يحتاج إلى إعادتها، وهي أنَّ اللفظ العَام مُطلق باعتبار
الأزمَان والبقاع والأحَوال والمتعلقات، وإن كان عَامًّا في الأشخاص.
وقد يُستعمل ذلك في دفع(٥) كثير من الاستدلالات بالألفاظ من
الكتاب والسُّنة فيؤتى إلى بعض الأحوال التي يتفق عليها (٦) من
الخصمين، فيقال: إن اللفظ مُطلق في الأحوال، وقد عملنا في
(١) في (م): ورجح.
(٢) في (ص): فيشبه. وفي (م): فينتبه.
(٣) من هنا تغير خط الناسخ في (م).
(٤) في (م): يشفع.
(٥) في (ص): وقع.
(٦) في (م): ينفق علينا.

٥٩٩
= كتاب الطهارة
الصُّورة الفُلانية، والمطلق يكفي في العَمل به مَرة واحِدَة، فلا يلزم العَمل
به في صُورة النزاع.
قال ابن دقيق العيد: أمَّا كون اللفظ العَام في الأشخاص مُطلقًا في
الأحوال وغيرها، كما ذكر فصَحيح، وأما الطريقة المذكورة في
الاستدلال فإذا لزم من العمل بالمطلق في صُورة دُون غيرهَا عود
التخصيص إلى صيغة(١) العمُوم وجبَ القول في العمُوم في تلك
الأحْوَال لا من حَيثُ أن المُطلق عَام باعتبار الاستغراق بل من حَيث
أن المحافظة على صيغة العُموم في الأشخاص واجب، فإذا وجدت
صُورة وانطلق عليها (٢) الأسم من غير أن يثبت فيها الحكم، فإن ذلك
مُنَاقض للعُموم في الأشخاصِ.
فالقول بالعموم في مثل هذا من حيث وجُوب الوفاء بمقتضى الصِّيغة
العَامة، لا مِنْ حيث أن المُطلق عَام عُمومًا استغراقيًا، وأما قولهم إن
المطلق يكفي في العمل به مَرة، فنقول: يكتفي فيه بالمرة(٣) فعلاً أو
حملاً، الأول مُسلم والثاني ممنوع، وبيان ذلك أن المطلق إذا فعل
بمقتضاه مرة ووجدت الصورة الجزئية التي يَدخل تحتها الكلي المُطلق
كفى ذلك في العمل به، كما إذا قيل: أعتق رقبة ففَعَل ذلك مَرة لا
يلزمهُ إعتاق رقبة أخرى لحصُول الوفاء بمقتضى الأمر من غَير اقتضاء
اللفظ العموم، وكذا إذا قال: إن دخلت الدَّار فأنت طالق فدَخلت مرَّة
(١) في (م): الصيغة.
(٢) في (م): صوت وانطق عليه.
(٣) في (م): بأن.

٦٠٠
حَنث ولا يحنث بدُخولها ثانيًا لوُجُود مُقتضى اللفظ فعلاً من غير اقتضاء
العموم.
أمَّا إذا عمل به مَرة حملاً، أي: في صُورة مِن صُوَر المطلق لا يلزم
التقييد بها فلا يكون وفاء بالإطلاق؛ لأن مقتضى تقييد الإطلاق،
بالصُّورة(١) المعينة حملا أن لا يجعَل الاكتفاء بغيرها، وذلك یناقض
الإطلاق، مثاله: إذا قال(٢): أعتق رقبة، فإن مُقتضى الإطلاق أن
يحصُل الإجزاء بكل ما يسمى رقبة (٣) لوجود المطلق في كل معتق من
الرقاب، وذلك يقتضي الإجزاء به، فإذا خصَّصنا(٤) الحكم بالرقبة
المؤمنة منعنا إجزاء الكافرة، ومقتضى الإطلاق إجزاؤها إن وقع العتق
لها، فالذي نقلناه(٥) خلاف مقتضاهُ فتنبه(٦) لهذِه المواضع التي ترد من
ألفاظ الكتاب والسُّنة إذا كانَ الإطلاق في الأحوال أو غيرها مما
يقتضي الحمل على البَعْض، فيه عود التخصيص إلى محَل العموم،
وهي الأشخاص أو مخالفة لمقتضى (٧) الإطلاق عند الحَملِ، فالحكم
لا يكون بالتخصيص مع وجُود الوفاء أو التقييد بُمقتضى العُموم أو
الإطلاق إلا لدليل منفصِل.
(١) في (ص، س، ل، م): فالصورة.
(٢) في (د): قيل.
(٣) في (ص، س): وفيه، وفي (م): رقبة وفيه.
(٤) في (م): خصص.
(٥) من (ص).
(٦) من (د).
(٧) في (د): بمقتضى.