النص المفهرس

صفحات 521-540

٥٢١
- كتاب الطهارة
وخصَّ من حديث بئر بُضاعة أيضًا ما دُون القُلتَين إذا لاقته نجاسَة
بحديث: ((إذا بلغ الماء قلتين))(١)؛ فإنه أخص(٢) من بئر بضاعة،
والخاص يقدم على العَام، وعلى هذا فالمرادُ ببئر(٣) بضَاعة الماء
الكثير الذي لم يغيرهُ النجاسَة وقعَت فيه؛ فإن هذِه صفة بئر بضاعة،
وقَولي: مَا لم يغيره نجاسَة وقعت فيه. احترازًا مما إذا تغير بنجاسة لم
تقع فيه، كما إذا تغير برائحة جيفة بقربهِ، فإنهُ لا ينجسُ.
(وَقَالَ بَعْضُهُمْ) هو عبيد الله بن (عَبْد الرَّحْمَنِ بْنُ رَافِعٍ) بن خديج،
وهو الذي جزم به الذهبي في ((الكاشف)) (٤)، ورواية عَبد الله ذكرها
الترمذي أيضًا (٥)، وأعل (٦) ابن القطان هذا الحَديث بجهالة راويه عن
أبي سَعيد واختلاف الرواة في أسمه هل هو عبد الله أو عبيد الله وفي
اسم أبيه هل هو عبد الله أو عبد الرحمن(٧).
قال ابن القطان: وله طريق أحسن من هذِه قال قاسم بن أصبَع في
((مُصنفه)): ثنا محمد بن وَضاح، ثنا عبد الصَمد بن أبي سكينة الحلبي
بحلب، ثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل بن سَعْد،
قال: قالوا: يا رسول الله، إنك تتوضأ من بئر بضاعة وفيها ما ينجي
الناس والمحايض والخبث(٨).
(١) تقدم تخريجه.
(٣) في (ص، س، ل) بئر.
(٢) في (ص، س) رخص. تحريف.
(٤) ((الكاشف)) ٢٢٩/٢.
(٥) ((جامع الترمذي)) (٦٦).
(٦) في (ص، س): وأعد. تحريف، والمثبت من (د، ظ، ل، م).
(٧) ((بيان الوهم والإيهام)) (١٠٥٩).
(٨) ((بيان الوهم والإيهام)) (٢٤٣٥).

٥٢٢
[٦٧] (ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ) عبد الله بن (أَبِي شُعَيْبٍ) الحَراني أبو الحَسَن
مَولى قريش، أخرج له البخاري (وَعَبْدُ العَزِيزِ(١) بْنُ يَخْتِى) أبو الأصْبَغ
(الْحَرَّانِيَّانِ) ثقة توفي ٢٣٥(٢).
(قَالاَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ) بن عبد الله البَاهلي مولاهم الحراني، قال
ابن سَعد: كان ثقة فاضلًا، له رواية وفتوى(٣). أخرج له مُسلم، (عَنْ
مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ سَلِيطِ) بفتح السِّين المهملة (ابْنِ أَيُّوبَ) بن
الحكم الأنصاري المدَني، ذكرهُ ابن حبان في ((الثقات)»(٤)، روى له
المصَنف هذا الحديث والنسائي آخر(٥)، (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بالتصغير (ابْنِ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَافِعٍ) بن خديج (الأَنْصَارِيِّ ثُمَّ العَدَوِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ)
سعد بن مالك (الخُدرِيِّ)
(قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ وَهُوَ يُقَالُ لَهُ: إِنَّهُ يُسْتَقَى) بألفٍ في آخرِهِ
دون هَمِزِ (لَكَ مِنْ بِثْرِ بُضَاعَةَ) وكانت بئر بضاعة عين تجري منها الماء إلى
بساتين لبني سَاعدة تسقيها(٦).
(وَهِيَ بِثْرٌ يُلْقَى فِيهَا لُحُومُ الكِلاَبِ وَالْمَحَابِضُ)(٧) جمع(*) محيضَة بفتح
(١) کتب فوقها في (د): د س.
(٢) انظر: ((الكاشف)» للذهبي (٣٤١٥).
(٣) ((الطبقات الكبرى)) لابن سعد ٤٨٥/٧.
(٤) ((الثقات)) ٤٣٠/٦.
(٦)
في (ظ، م): لتسقيها .
(٥) (سنن النسائي)) ١/ ١٧٤.
(*) في (ص): جمعه. تحريف.
كتب هنا فى حاشية (د): حديث عبيد الله بن عبد الرحمن، ويقال: ابن عبد الله بن
رافع بن خديج كما تقدم عند (ت) في الطهارة أيضًا عن هناد بن السري، والحسن
بن علي الخلال، وغير واحد، كلهم عن أبي أسامة، يقال: ابن عبد الله كالأول
أعنى حديث ابن العلاء.

٥٢٣
= كتاب الطهارة
الميم، وهي الخرقة التي تمسح بها المرأة دم الحيض (وَعَذِرُ) بفتح العَين
وكسر الذَّال على وزن كَلِم (١)، جَمْع عَذِرَة ككلمة وكلم (النَّاسِ) والعذرة:
الخُرء، وأصلها فِناء الدار، سُميت عذرة الناس بهذا؛ لأنها كانت تُلقى
بالأفنية، فكنى عنها باسم الفناء من باب تسمية الظرف باسم المظروف
مجازًا، وفي رواية ذكرها الذهَبي بسنده: يلقى فيها المحَايض والجِيفُ
وما یستنجی بهِ.
(فِقَالَ) له (٢) (رَسُولُ اللهِ وَّهِ: إِنَّ المَاءَ طَهُورٌ) الطَّهُور عندنا هو
المطهر(٣). وبه قال أحمد (٤)، وحكاهُ بعض أصحابنا عن مالك(٥)،
وبعض أصحاب أبي (٦) حنيفة (٧): إنَّ الطهُور هو الطاهر، واحتج(٨)
وعند (س) فيه: عن هارون بن عبد الله الحمال عن أبي أسامة به، وقال: عبيد الله
ابن عبد الرحمن، كما قال ابن إسحاق.
زاد المزي قال: ورواه مطرف بن طريف، عن خالد بن أبي نوف، عن سليط، عن
ابن أبي سعيد، عن أبيه، وقد فسره بأنه عبد الرحمن، وقال: رواه (س) في
الطهارة عن عباس العنبري، عن عبد الملك بن عمرو، عن عبد العزيز بن مسلم-
وكان من العابدين- عن مطرف فذكره، قال: وإسناده مجهول.
قال المزي: ورواه أبو معاوية، عن محمد بن إسحاق، وابن أبي ذئب، عمن
أخبرهم، عن عبيد الله بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد.
(١) في (ص، س، ل): كلمة. خطأ، والمثبت من (د، ظ، م).
(٢) سقط من (د، ظ، م).
(٣) انظر: ((المجموع)) ١٠٣/١.
(٤) انظر: ((المغنى)) ١٣/١.
(٥) انظر: ((الذخيرة» ١٦٨/١.
(٦) في (ص، س، ل): بني. تحريف.
(٧) انظر: ((البحر الرائق)) ١/ ٧٠.
(٨) في (ص، س، ل): أجمع. تحريف، والمثبت من ((المجموع)).

٥٢٤
أصحابنا بأنَّ لفظةَ طهُور حَيث جَاءت في الشرع المراد بهَا التطهير(١).
كقوله تعالى: ﴿مَآءُ طَهُورًا﴾ (٢) وقوله وَّ: ((هو الطهُور ماؤه))(٣)،
فإنهم [إنما سألوه](٤) عن التطهر(٥) بماء البحر، لا عن طهَارته، وكذا
في هذا الحَديث سَألوا عن الوضوء به (لاَ يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ) أي: مَا لم
يتغير كما تقدم.
(قَالَ أَبُو دَاوُدَ: سَمِعْتُ قُتَيْبَةَ بْنَ سَعِيدٍ) أبا رجاء البَلخي (قَالَ:
سَأَلْتُ (٦) قَيْمَ) أي: القائم بخدمة (بِثْرِ بُضَاعَةً عَنْ عَمْقِهَا) بفتح العَين
وسُكون الميم وجوز ضم العَين، وهو بعد قعرها، فقلت: (أَكْثَرُ) فيه
حذف تقديره، والله أعلم: ما أكثر (مَا يَكُونُ فِيهَا) عمق (الْمَاءُ)
فحذفت ما الاستفهاميَّة، كما حُذفت همزة الاستفهام في قوله تعالى:
﴿هَذَا رَبِّ﴾ (٧) قيل: تقديره: أهذا ربي الذي تزعمُون. قال: أكثره أن
يبلغ (إِلَى العَانَةِ) وزنها في الأصل فَعَلَةِ (٨) بفتح العَيْن، قال الأزهري
وجماعة: هي موضع منبت الشعر فوق قُبل المرأة والرجل(٩).
(قُلْتُ: فَإِذَا نَقَصَ) فيها الماء ما يكونُ أقله؟ (قَالَ: دُونَ العَوْرَةِ) يشبه
(١) في (م): المطهر. والمثبت من ((المجموع)) (٨٥/١).
(٢) الفرقان: ٤٨.
(٣)
سيأتي تخريجه إن شاء الله.
(٤) في (ص، س، ل): أسماء. وفي (ظ، م): إنما سألوا.
(٥) في (ص، د، س، ل): التطهير.
(٦) في (ص): سأل. تحريف.
(٧) الأنعام: ٧٦.
(٨) في (ص، ل): فعلى. وفي (س): فعلني.
(٩) ((تهذيب اللغة)) (أسب).

٥٢٥
= كتاب الطهارة
أن يكونَ المراد به عورة الرجل، أي: دون الركبة لقوله وَله: ((عَورة
الرجُل ما بينَ سرته وركبته)). رواهُ الحَارث بن أبي أسامة في ((مُسنده))(١).
(قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَدَّرْتُ) بتشديد الدَال وجوز التخفيف (بِثْرَ بُضَاعَةً
بِرِدَائِي مَدَدْتُهُ عَلَيْهَا ثُمَّ ذَرَعْتُهُ) أي: قِستُهُ بالذِّراع (فَإِذا عَرْضُهَا سِتَّةُ)
بالرفع (أُذْرُع) وذراع القياس ست قبضات معتدلات، وتُسمَّى ذراعُ
العامة؛ لأنه نقص قبضة عن ذراع الملِكِ، وهو بَعض الأكاسِرَة نقله
المطرُّزي(٢).
(وَسَأَلْتُ الذِي فَتَحَ لِي بَابَ البُسْتَانِ) بضم البَاء، قال بعضهم: رومي
مُعَرَب (وأَدْخَلَنِي إِلَيْهِ هَلْ غُيِّرَ) بضمِّ الغَينِ لما لم يسَم فاعله (بِنَاؤُهَا عَمَّا
كَانَتْ عَلَيْهِ) في زمن النبيِ نَِّ (فَقَالَ: لا) فيه دليل على أنَّ قبول قول
الواحدِ حُجَّةٌ (وَرَأَيْتُ فِيهَا مَاءَ مُتَغَيِّرَ اللَّوْنِ) قال النووي: يَعني بُطول
المكث وأصل النبع لا بوقوع شيء أجنبي فيه. انتهىَ(٣). وهذا يكونُ
فيه الجمع بين هذا الحَديث وحديث أبي أمَامة المتقدم في التغير،
وحديث أبي أمَامة أيضًا: ((إِنَّ المَاءَ طَاهِرٌ إلا إِنْ تَغَيَّرَ رِيحُهُ (٤) أَوْ طَعْمُهُ
أَوْ لَوْنُهُ(٥) بِنَجَاسَةٍ تَحْدُثُ فِيهِ)). رواهُ البيهقي(٦)، وأمَّا قول ابن المنذر:
(١) ((مسند الحارث بن أبي أسامة)) (١٤٣).
(٢) ((المغرب في ترتيب المعرب)) (ذرع).
(٣) ((المجموع)) ٨٥/١.
(٤) في (س): لونه. وكتب فوقها في (ص، ل): لونه. والمثبت من (د، ظ، م)،
و((السنن الكبرى)).
(٥) في (ص، س، ظ، ل، م): ريحه. والمثبت من (د)، و((السنن الكبرى)).
(٦) ((السنن الكبرى)) ٢٥٩/١.

٥٢٦
يُروى أن النَّبِي وَلّه توضأ من بئر كأن ماءه نقاعَة الحنّاء، ولعل هذا مُعتمد
الرافعي(١) في ذكر هذا.
وذكر ابن الجوزي في ((تلقينه)) أنهُ وَّ توضأُ مِن غَدير ماؤه كنقاعَة
الحِنَّاء، وكذا ذكرهُ ابن دقيق العيد فيما عَلقه على فروع ابن الحَاجب،
وضَعف بَعض الحنفية حَديث بئر بضاعة بأنه لا يجوز أن يضَاف إلى
الصحابة أن يُلقُوا (٢) في بئر توضأ منها رسُول الله وَّر المحَايض ولحوم
الكلاب، بل ذلك مُستَحيل عَنهمُ وهم بصيانة(٣) وضوءِ رسُولِ اللهِ وَل
أولى، وأجيب عنهُ بأن الصحابة لا يصح إضافة هذا إليهم أنهمُ فعَلوهُ،
بل كانت بئر بضاعة تقرب من مكان الجِيَف والمحايض، فكانت الريح
تهب فتلقي المحَايض ولحومَ الكلاب، وقد جزم الشافعي بأن بئر
بضاعة كانت لا تتغير بإلقاء ما يلقى فيها مِنَ النجاسَات لكثرة ماءها (٤).
(١) ((الشرح الكبير)) للرافعي ١٢٥/١.
(٢) في (ص): يلغوا. تصحيف.
(٣) في (ظ، م): لصيانة.
(٤) انظر: ((مختصر المزني المطبوع مع كتاب الأم)) ١١/٩- ١٢.

٥٢٧
- كتاب الطهارة
٣٥- باب الماءِ لا يَجُبُ
٦٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَخْوَصِ، حَدَّثَنا سِماكٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن
عَبَّاسٍ قالَ: أَغْتَسَلَ بَعْضُ أَزْواجِ النَّبِيِّ وََّ فِي جَقْنَةٍ، فَجاءَ النَّبِيُّ وَّ لِيَتَوَضَّأَ مِنْها-
أَوْ يَغْتَسِلَ - فَقالَتْ لَهُ: يا رَسُولَ اللهِ إِّ كُنْتُ جُنُبًا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَ له: ((إِنَّ الماءَ
لا يَجْنُبُ))(١).
باب الماء لا يُجنِبُ
[٦٨] (ثَنَا مُسَدَّدٌ) قال (ثَنَا أَبُو الأَخْوَصِ)(٢) سلَّام بتشديد اللام ابن
سُليم الحنفي الكوفي، كانَ إذا ملئت داره من أصحاب الحديث قال
لابنه أحوصَ: يا بُني، قم فمن رأيتَهُ في داري يسبُّ أحدًا من أصحاب
رسول الله وَلّ فأخرجهُ، وكان حديثه نحو أربعة آلاف حديث، وهو
خال سُليم بن عيسى المقرئ صَاحب حمزة، وقرأ هو أيضًا على حمزة (٣).
(قال: ثَنَا سِمَاكٌ) بن حرب (عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍٍ)
(قَالَ: أَغْتَسَلَ بَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ وَّهِ﴾(٤) هي ميمونة بنتُ الحَارث كما
(١) رواه الترمذي (٦٥)، والنسائي ١٧٣/١، وابن ماجه (٣٧٠، ٣٧١)، وأحمد
١/ ٢٣٥، وابن خزيمة (٩١، ١٠٩)، وابن حبان (١٢٤١).
وصححه الألباني في ((صحيح أبي داود)) (٦١).
(٢) کتب فوقها في (د، م) : ع.
(٣) انظر: ((تهذيب الكمال) ٢٨٤/١٢.
(٤) كتب في حاشية (د): حديث سماك وهو ابن حرب الذهلي الكوفي عند (ت) في
الطهارة أيضًا رواه عن قتيبة، عن أبي الأحوص، وقال: حسن صحيح. (س) فیه عن
سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن سفيان به. (ق) فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة،

٥٢٨
في روايةِ الدَّارْقُطني(١) وغيره، وعن الخَطيب أنها سودة ولعلهما(٢)
قصتان(٣). (فِي جَفْنَةٍ) بفتح الجيم جمعُها جِفانٍ ككلبة وكلاب، ويجمع
على جَفنات كسَجدة وسجدَات، وهي القَصعة(٤)، كما وردَ في روايةٍ(٥).
وفيه جَوَاز الطهارة من (٦) آنيةِ الجنب وغيره (٧) (فَجَاءَ النَّبِيُّ ◌َّهِ لِيَتَوَضَّأَ
مِنْهَا- أَوْ يَغْتَسِلَ- فَقَالَتْ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي كُنْتُ جُنُبًا) بضم الجيم
والنُون وتنوين البَاء، وفيه شاهد على اللغة الفصحى أن الجنُب يُطلق
على الأنثى كما يطلق على الذكر، ويقال: رُجُلان جُنبٌ ورجَال
جُنبٌ، وربما طابق على قِلَّةٍ، فيقال: جُنُبَةٌ وجُنُبُونَ وجُنُبانٍ، وأصل
الجنَابة البُعد، والمراد هنا البُعد عن مواضع الصَّلاةِ(٨).
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ بِّهِ: إِنَّ المَاءَ لاَ يُجنِبُ) بضم الياء وكسر النُون،
ويجوز في اللغة فتح الياء وضم النون، فإنهمُ حَكوا في ماضيه لغتين (٩)
أجنَبَ بالألِف، وجَنُبَ بوزن قرُب، ومعناه هُنا أن الجُنب إذا غمسَ
عن أبي الأحوص، وعن علي بن محمد، عن وكيع، عن سفيان نحوه، أن امرأة من
أزواج النبي قل.
(١) (سنن الدار قطني)) ١/ ٥٢.
(٢) في (ص): ولعلها. خطأ.
(٣) في (ص، د، س، ل): قضيتان. تصحيف.
(٤) انظر: ((لسان العرب)) (جفن).
(٥) رواها النسائي ١٣١/١، وابن ماجه (٣٧٨)، وأحمد ٦/ ٣٤٢ من حديث أم هانئ.
(٦) في (ظ، م): في.
(٧) من (ظ، م).
(٨) انظر: ((لسان العرب)) (جنب).
(٩) في (ص، س، ظ، ل، م): لغتان. تحريف.

٥٢٩
= كتاب الطهارة
يده فيهِ لا ينجُسُ، وحقيقته أنه لا يصير بمثل هذا الفعل إلى حَال يُجتنبُ
فلا يُستعملُ.
وفي ((النهاية)): الإنسان لا يجنب(١)، وكذلك الثوب والأرض، يريدُ
أن هذِه الأشياء لا يصير شيء منها جُنبًا يحتاج إلى الغسْل لملامسة الجُنب
إياها (٢). وفي الحديث دليل للقول القديم للشافعي(٣)، ومذهب مالك (٤)،
ورواية عن أحمد(٥) أن المستَعمَل في فرض الطهارة مُطهر.
وروي عن علي وابن عُمر في من نسي مسْح رأسه: إذا وجد بللا في
لحيته أجزأهُ أن يمسح به رأسهُ(٦). وروى أحمد أنه عليه السلام أغتسل من
الجنابة فرأى لمعَة لم يُصبها الماء فعصر شَعرهُ عليها (٧)، وإن قلنا: في
جفنة بمعنى: من جفنةٍ، ففيه دليل على الرخصَة في الوُضُوءِ بفضلٍ
وضُوءِ المرأةِ كما بؤَّبَ عليه ابن ماجه(٨).
قال في ((المنتقى)) (٩): أكثر أهل العلم على الرخصة للرجُل في فضل
(١) في (س): يجتنب. تحريف.
(٢) ((النهاية في غريب الحديث)) (جنب).
(٣) انظر: ((الحاوي الكبير)) ٢٩٦/١.
(٤) انظر: ((الاستذكار)) ٢٠١/١، ((الكافي)) ١٥٨/١.
(٥) انظر: ((المغني)) ٣١/١.
(٦) رواه ابن المنذر في ((الأوسط)) (١٩٤)، وابن أبي شيبة في ((مصنفه)) ٣٤/١ عن علي
، ورواه ابن المنذر في ((الأوسط)) (١٩٥) عن ابن عمر رضي الله عنهما.
(٧) رواه ابن ماجه (٦٦٣)، وأحمد ٢٤٣/١ من حديث ابن عباس، وضعفه الألباني في
((ضعيف ابن ماجه)) (١٤٤).
(٨) ((سنن ابن ماجه)) ١٣١/١.
(٩) ((المنتقى شرح الموطأ)) ٤٥/١.

٥٣٠
طهور المرأة والأخبار بذلك أصح، وكرههُ أحمد وإسحاق إذا خلت
به (١)، وهو قول عبد الله بن سَرجس(٢)، وحملوا حديث ميمونة وابن
عباسٍ هُذا على أنها لم تَخْلُ به، جمعًا بينهما وبين حديث الحكم بن
عمرو الغفاري: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ نَهَى أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ بِفَضْلٍ
طَهُورٍ (٣) المَرْأَةِ. رَوَاهُ أصحاب السُنن الخمسة(٤) إلا أن ابن مَاجَه
والنسائي قالا: وُضُوءِ المَرْأةِ(٥) وقال الترمذي: حَديث حسن (٦).
(١) ((مسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج)) (٥٩)، انظر: ((الجامع لعلوم الإمام أحمد))
١٧٠/٥ - ١٧٥.
(٢) رواه عبد الرزاق في ((مصنفه)) (٣٨٥).
(٣) في (ص، س): وضوء. وزاد بعدها في (د، ظ، م): وضوء. والمثبت من ((سنن أبي
داود))، و((سنن الترمذي)).
(٤) يعني: الأربعة، ومعهم الدارقطني.
(٥) رواه أبو داود (٨٢)، والترمذي (٦٤)، والنسائي ١٧٩/١، وابن ماجه (٣٧٣)
وقالا: وضوء. والدارقطني ٥٣/١، وقال: وضوء.
(٦) زاد هنا في (س، ظ، ل، م): فأما غسل. وهي زيادة مقحمة.

=
كتاب الطهارة
٥٣١
٣٦- باب البولِ فِي الماءِ الرّاكِدِ
٦٩- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنا زائِدَةُ فِي حَدِيثِ هِشامٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَّرَ قَالَ: (( لا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدّائِمِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ
مِنْهُ))(١).
٧٠- حَدَّثَنا مُسَدَّدُ، حَدَّثَنَا يَخْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلانَ قالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَهَ: (( لا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الماءِ الدّائِمِ، وَلا
يَغْتَسِلْ فِيهِ مِنَ الجَنابَةِ »(٢).
باب البول في الماء الراكد
[٦٩] (ثَنَا أَحْمَدُ(٣) بْنُ) عبد الله بن (يُونُسَ) أبو عَبد الله اليربوعي شيخُ
الشَيخين، قال ابن حَنبل لرجل: أخرج إلى أحمدَ بن يونس؛ فإنه شيخ
الإسلام(٤)، (ثَنَا زَائِدَةُ) بن قدامة أبو الصَّلت الثقفي(٥)، صَاحب سُنَّة (٦)
توفي غازيًا بالروم سنة ١٦١(٧) (فِي حَدِيثِ هِشَام)(٨) بن حسَّان الأزدي
(١) رواه البخاري (٢٣٩)، ومسلم (٢٨٢).
(٢) أخرجه أحمد ٢/ ٤٣٣ وصححه ابن حبان (١٢٥٧) وقال الألباني في ((صحيح أبي
داود» (٦٣): إسنادهُ حسن صحيح. وانظر السابق.
(٣) في (د، م) كتب فوقها: ع.
(٤) ((تهذيب الكمال)) ١/ ٣٧٧.
(٥) في (ص): الثقة.
(٦) في (ص): سند.
(٧) انظر ((الكاشف)) (١٦٢١).
(٨) في (د، م) كتب فوقها: ع.

٥٣٢
مولاهم الحافظ (عَنْ مُحَمَّدٍ) بن سيرين (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ◌َُ، عَنِ النَّبِيِّ وَّل
قَالَ: لاَ يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ) مفهومه أن النهي عن التّغَوط في الماءِ من
باب الأولى وهذا من مفهوم الموافقة، وضابطه أنه إثبات حكم المنطوق
للمسكوت عنه بطريق الأولى، ويُسمى فحوى الخطاب وتنبيه الخطاب؛
لأنه تنبيه(١) بالأدنى على الأعلى وهو إمَّا في الأكثر كالضَّرب مع
التأفيف؛ لأنهُ أعظم وأكثر عقوقًا، وكذا هنَا؛ فإن التغَوُّط أعظم وأكثر
استقذارًا، وإمَّا في الأقل كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مَنْ
إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِةٍ إِلَيْكَ﴾ (٢) مفهومهُ أنه أمين على الدينار بطريق
الأولى، وهو أقل.
(الدَّائِم) أي: الراكد الذي لا يجري، وقد جاء في بعض الأحاديث
(الذي لا يجري)) (٣) وهو تفسير للدائم وإيضاح لمعناه. وقال بعضهم:
يحتمل أن يحترز به عن راكد لا يجري بعضه كالبرك ونحوها.
(ثُمَّ يَغْتَسِلُ) قال القُرطبي: الرواية الصحيحة (يغتسلُ)) برفع اللام ولا
يجوز نصبها؛ إذ لا ينتصب(٤) بإضمار(٥) أن بعد ثم، وبعض الناس قيده
((ثم يغتسل)) مجزوم اللام على العطف على ((لا يَبُولن)) (٦)، وهذا ليس
(١) في (م): نبه. وفي (س): شبه.
(٢) آل عمران: ٧٥.
(٣) رواه مسلم (٢٨٢).
(٤) في (م): ينصب.
(٥) في (ص): بإظهار.
(٦) من (م).

٥٣٣
- كتاب الطهارة
بشيء؛ إذ لو أراد ذلك لقال: ثم لا يغتَسلَن (١)؛ لأنه إذ ذاك يكون عَطف
فعل على فعل، لا عطف جُملة على جملةٍ، وحينئذ يكون الأصل مُساواة
الفعلينِ في النهي عنهما وتأكيدِهما بالنون الشديدة؛ فإن المحل الذي
تواردا عليه هو شيء واحد وهو الماء، وإنما جاء (ثم يغتَسل) على
التنبيه على مآل الحال، ومعناه أنه إذا بالَ فيه قد يحتاج إليه فيمتنع
عليه استعمالُهُ؛ لما أوقع فيه مِنَ البَول.
قال: وهذا مثل قوله وَله: (( لا يضرب أحدكم امرأته ضَربَ الأمةِ ثم
يضاجعُها)) (٢) برَفع يضاجعها، ولم يروه أحد بالجزم ولا يتخيله فيه؛ لأن
المفهوم منه إنما نَهَاهُ عن ضَربها؛ لأنه يحتاج إلى مضاجَعتها في أثناء
الحَال فتمتنع(٣) عليه(٤) بما أسَاء من معاشرتها، ويتعذر عليه المقصُود
من أجل الضرب، وتقدير(٥) اللفظ [ثم هو يضاجعها، وثم هو يغتسل] (٦).
قال ابن دقيق العيد(٧): وهذا الذي ذكرهُ يقتضي أنه كالتعليل للنهي
عن البَول في الماءِ الراكد لا عن الغسل منه، ويكون النهي عن الغُسْل
منه ليسَ من مدلول اللفظ مباشرة بل من مدلولاته التزامًا؛ من حيث إنه
لو لم يكن البَول فيه مَانعًا مِنَ الغسل أو الوضوء منه لما صح تعليل
(١) في (س، م): لا يغتسل.
(٢) أخرجه البخاري في (٦٠٤٢، ٤٩٤٢)، ومسلم (٢٨٥٥) (٤٩).
(٣) في (ص): فيمنع.
(٤) هنا في جميع النسخ كلمة غير مقروءة وهي مقحمة. والمثبت ما في ((المفهم)).
(٥) في (ص): وتعدید.
(٦) ليست هذِه الجملة في أصلنا. وانظر: ((المفهم)) ١/ ٥٤١ - ٥٤٢.
(٧) انظر: ((طرح التثريب)) للعراقي ٣١/٢.

٥٣٤
النهي عن البَول فيه بأنهُ سيقع منهُ الغسل فيه، لكن التعليل صَحيح على
حسب ما أقتضاه الكلام عنده، فوقع النهي عن الغسل منه بعَد البَول بطريق
الالتزام؛ لأنه لازم لصحة التعليل.
(منه)(١) فيه نهي عن شيئين، والنهي عن شيئين تارة على الجمع،
وتارة عن الجمع أما النهي على الجمع فيقتضي المنع من كل واحدٍ
منهما على أنفراده، وأمَّا النهي عن الجمع فمعناهُ المنع عن فعلهما معًا
بقيد الجمعية، ولا يلزم منه المنع من أحدهما إلا مع الجمعية، فيمكن
أن يفعل أحدهما من غير أن يفعَل الآخر، والنهي عن الجمع مشرُوط
بإمكان الأنفكاك عن الشيئين، والنهي على الجمع منشؤه أن يكون في
كل واحد منهما مفسدة تستقل بالمنع.
وإذا ثبت هذا، فهذا الحَديث الذي نحن فيه من باب النهي عن
الجمع، أي: لا يجمع بين البَول في الماء والاغتسال منهُ، والحَديثُ
الآتي حَديث مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلاَنَ «لاَ يبولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ وَلَاَ
يَغْتَسِلْ فِيه)) نهي على(٢) الجمَع كما سيأتي، وفي هذا الحَديث عموم
لابد من تخصيصه أتفاقًا، فإن الماء المسْتَبحر جدًّا لا يثبت فيه هذا
الحكم.
ومذهب أبي حنيفة وأتباعه كما قال الطحاوي في ((مختصره)): وإذا
وقعت نجاسة في ماء ظهر فيه طعمها أو لونها أو ريحها أو لم يظهر
ذلك فقد نجسَهُ قليلاً كان الماء أو كثيرًا، إلا أن يكون جاريًا أو حكمهُ
(١) في (ص، س، ل): من.
(٢) في (ص): عن. وهو خطأ.

٥٣٥
= كتاب الطهارة
حكمُ الجَاري، كالغَدير الذي لا يتَحرك أحَد أطرافه بتحرك سواه (١) من
أطرافه (٢)، وأما الشَّافعي(٣) فإنهُ أعتبر القلتين، فقال: إنهُ يُنجس ما
دُونهما بوقوع النجاسَة فيه، وإن لم يتغير، وما كانَ قلتين أو أكثر لم
ينجس إلا بالتغير عنده، وهُذِه رواية عن أحمد مُرَجحة عند جماعة من
أتباعه(٤) في غير بول الآدمي وعذرته المائعة(٥) [فأمَّا هُما](٦) فينجسان
الماءَ وإن كانَ قلتين فأكثر على المشهُور ما لم يكثر إلى حيث لا
يمكن نزحه كالمصانع التي بطريق مكة، وهذا تخصيص للحديث.
فأما الحنفية القائلون بأن الماء الراكد ينجسُ بوقوع النجاسَة فيه، فهو
مقتضى العَمل بالعموم ومقتضى(٧) حمل صيغة (٨) النَّهي على حقيقتها وهو
التحريم، فإذا خرج منه المستبحر بقيَ اللفظ متناولاً ما عدَاهُ، ويحتاجونَ
إلى تخصيص آخر في الماء الذي وقع فيه الحَدُّ(٩) عندهم وهو تحرُّكُ (١٠)
أحَدِ الطرفين، وهذا إنما أُخِذ من معنى فهموهُ وهو سَراية النجاسة في
الماء، وإن مع هذا التباعُد لا سراية، وهذا المقدار من الماء يَدخل
(١) في (ص، ل): سواك. وفي (س): سوال.
(٢) ((مختصر الطحاوي)) ص ١٦.
(٣) ((الأم)) ١/ ٤٣ - ٤٤.
(٤) ((مسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج)) ٣١، ٣٢، وانظر: ((الإقناع)) ٨/١-٩.
(٥) في (ص، ل، م): المانعة.
في (ص، ل): فإياهما.
(٦)
(٧) في (ص، ل): يقتضي.
(٨) في (م) صفة.
(٩) في (ص): الجل.
(١٠) في (ص): بتحرك.

٥٣٦
تحت العموم فتخصيصهُ(١) هذا المعنى تخصيص العَام بمعنى مُستنبط منهُ
يُعُود عليه بالتخصيص، وفيه كلام لأهل الأصُول.
وأما الشافعية: فإنهم لما أعتمدُوا حديث القُلتين خصُّوا العَام به وهو
تخصيص بمنطوق؛ لأن هذا الحَديث الذي نحنُ فيه عَام في المنع من
الاغتسال في كل مَاء راكد بعَد البول فيه، فيدخل تحته القلتان فما
زاد، وأما من يرى أن الماء لا ينجس إلا بالتغَير قليلاً كانَ أو كثيرًا؛
فحمله على ذَلك رجحان الدَّليل الدَال على طهورية الماء الذي لم
يتغير ويتمسك فيه بالعُمومات، ومن أراد تخصيص تلك العمومات
بمفهوم حَديثِ القلتين المقتضي تنجيس ما دونهما وإن لم يتغير فقد
لزمَهُ القولُ بالمفهوم، وبأنه (٢) يخصص العموم وهي قاعدة عند
الأصوليين؛ أن المفهوم(٣) هَل يخصص العموم، أم لا؟ ومن حمل
النهي على التحريم، وخص منه القلتين فما (٤) زاد إذا (٥) أخذ(٦) منه
كراهة استعمال الماء الراكد إذا وقعت فيه نجاسَة، وإن لم يتغير على
ما قال به الشافعية، فيلزمهُ أن يحمل اللفظ الواحد على حقيقته
ومجازه، وفيه استعمال اللفظ الواحد على معنيين مختلفين، وهي
(١) في (ل، م): فيخصصه. وفي (س): بتخصيصه.
(٢) في (ص، س، ل): بان.
(٣) في (ص، س، ل، (د): العموم. وكذلك في (م) وكتب فوقها: المفهوم. وهو
الصواب.
(٤) في (ص، س): فيما.
(٥) ليست في (م).
(٦) في (ص): أحل.

٥٣٧
= كتاب الطهارة
قاعدة أخرى عند الأصوليين.
[٧٠] (ثَنَا مُسَدَّدٌ، قال: ثَنَا يَحْيَى) بن سَعيد القطان (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ
عَجْلاَنَ) المدَني، كان ابن عيينة يثني عليه، خرج مُسلم لهُ في
((الصحيح)) (١)، واستشهد به البخاري في كتاب التوحيد(٢)، وذكر
الحاكم مَا مَعناه أن مُسلمًا روى عن ابن عجلان ثلاثة عَشر حَديثًا كلها
في الشواهد(٣)، وأما عجلان والد محمد فقالوا: مَولى فاطمة بنت
مُتبة (٤) ابن ربيعة القرشي.
(قال: سمعت أبي يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) وفاطمة بنت عُتبة(٥) خرج لهُ
مُسْلم بن الحَجاج في ((الصَّحيح)) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ في حق المملوك(٦)،
واستشهد به البخاري في بدء الخَلق في ذكر إبراهيم الشََّ(٧).
(قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَ: لاَ يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ) تقدم أن دلالة هذا
الحَديث على النَهي عن الشيئين على الجَمع، والذي قبلهُ على النَّهي
عن الجمع، ومُقتضى النَّهي على الجمع تعلقه بكلِّ (٨) واحد منهما
على أنفراده.
(١) ((صحيح مسلم)) (١٤٢/٤٤٣، ١٣٠/١٦٠٥، ١٧٢٠، ١١٨/١٨٨٥).
(٢) ((صحيح البخاري)) (٧٣٩٣).
(٣) ((المدخل إلى الصحيح)) ٤ / ٩٧.
(٤) في (م): عقبة.
(٥)
في (م): عقبة.
(٦) ((صحيح مسلم)) (١٦٦٢) (٤١).
(٧)
((صحيح البخاري)) (٣٣٥٦).
(٨) في (ص): لكل.

٥٣٨
وظاهر النهي التحريم، ومن رأى ذلك مكرُوهًا غَير محرم فقد خرج
عن الظاهر، فيحتاج إلى الدليل، وليس الطريق في هذا الحَديث كالطريق
في الحَديث الذي قبلهُ؛ لأن ذلك الحَديث يرجع الأمر فيه إلى النَّهي عن
الوضوء أو(١) عن الاغتسال في الماء الذي بال فيه، فمن قامَ عنده الدليل
على أن الماء لا ينجسُ إلا بالتغير جعل ذلك مانعًا من إجراء النهي على
ظَاهِرِهِ وصرفه إلى الكراهة، وكذلك من قام عنده الدليل على أن القلتين
فما زاد لا ينجسُ إلا بالتغير منعه ذلك من إجراء النهي على ظاهره في
عموم التحريم.
وهذا النهي في هذا الحَديث مُعلل بالاستقذار الحَاصل في الماء
بسبب البَوْل، وهُذِه علةٌ عامة في القليل والكثير، فإن كان الماء قليلاً،
فمن يرىُ تنجيسهُ بوقوع النجاسَة فيه نشأت(٢) فيه علة أخرى، وهي
الفساد وتعطيل منافعه على غيرِهِ، وزاد بعضُهُم علَّة أخرى فيما إذا كان
بالليل وهو [ما قيل](٣) أن الماء بالليل للجنِّ فلا يبال فيه ولا يغتسل
مِنْهُ؛ خَوفًا من آفة تصيبُ من جهتِهم(٤).
(فِي المَاءِ الدَّائِم) فيه تقييد الحكم بصفة كون الماء دائمًا، فمن يقول
بمفهُوم المخالفة يقول بجواز البَول في الماء الجَاري، ويُفرق بينهما أن
(١) في (م): و.
(٢) في (م): سال، وفي (س): بان.
(٣) في (ص، س، ل): ماء قليل.
(٤) ذكره الرافعي رحمه الله في ((الشرح الكبير)) ١/ ٤٦٤ بصيغة المجهول. وهو كلام لا
دليل عليه.

٥٣٩
= كتاب الطهارة
الماء الجاري لا يستقر فيه البَول، وأن جريه يدفع النجاسَة ويخلفه الماء
الطَّاهر بعده.
(وَلاَ يَغْتَسِلْ فِيهِ) يدُل بمنطوقه على النهي عن الاغتسال عن الجنابة
في الماء الدائم، وهو عَام بالنسبة إلى المغتسلين، فيدخل فيه المغتسل
الذي على [بدنه أدنى](١) مُستقذر، ومن ليس كذلك، وهو منصوصٌ
عليه في ((المدوَّنة)) للمالكية(٢).
وقد اختلفوا في قاعدة أصولية وهي دلالة القران بينَ الشيئين على
مُسَاواتهما في الحكم، والمنقول عن أبي يُوسف والمزني مُسَاواتهما
في الحُكم، والقائلون بأن القران لا يدل على المساواة استدلوا بقوله
تعالى: ﴿كُلُواْ مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهْ﴾(٣) فإن
الأول غير واجب، والثاني واجب، وكذا في هذا الحديث البَول في
الماء حرام بخلاف الاغتسال منه.
واستدل أبو يُوسف بهذا الحَديث على أن(٤) الماء المُستَعمل
نجس(٥)؛ بناء على القاعدة المذكورة؛ فإنهُ قرن(٦) بين الغُسل فيه
والبَولِ فيه، والبولُ فيه(٧) ينجسُهُ، فكذلك الغسل، وجوابه عند غَيره
(١) في (د، م): أذى.
(٢) ((المدونة)) ١٣٣/١.
(٣) الأنعام: ١٤١.
(٤) من (د، م).
(٥) ((المبسوط)) السرخسي ١٥١/١-١٥٢.
(٦) في (ص، س، ل): فرق.
(٧) من (د، ل، م).

٥٤٠
منع دلالة الاقتران.
وذكر البغَوي في ((شرح السُّنة)): أن فيه دليلاً على أن اغتسال الجُنب
في الماء القليل الراكد يَسلبُ حُكمه، كالبَول فيه يسلب حكمه، غير أن
البول(١) فيه ينجسه؛ لأن البَول نَجِس، والغسْل لا ينجسهُ؛ لأنَّ بدَن
الجُنب ليس بنجس، لكن يسلب الطهورية ويستدل به من لا يجيز
الوضوء بالماء المُستَعْمل (٢).
وهذا منه استدلال بالقِرانِ إلا أنه أخذ الوصف الأعَمَّ من التنجیس،
وهو سلب(٣) حكم الماء، وتخصيصهُ بالقليل ليس من هذا الحَدِيث،
وهل يتعدى هذا الحكم إلى الوُضوء حتى يكره أن يغمس المحدِثُ
يده أو عضوًا منه في الماء الراكد للطهَارة الصغرىُ؟ فمن قال بالقياس
فيمكن أن يعديه بجامع الطهَارة من الحَدث، إلاَّ أنَّ هذا ليس قياسًا
في معنى الأصل فليسَ بقول؛ لأنه من قياس الشبه وهو ضعيف؛ لأن
الاختلاف بينَ الحدث الأكبر والأصغر في أحكام كثيرة فيضعف ذلك
القياس، وإن جعله من قياس العلة، فالعلة المذكورة في هذا هي
الاستقذار والعيافة(٤)، وقد لا يساوي فيها الحدث الأصغر الحدث
الأكبر فيمتنع القياس لعدم شَرطه، وهو المساواة.
(مِنَ الجَنَابَةِ) ومادة الجنابة دالة على البعد وما يقاربه من المعنى،
(١) في (ص): القول.
(٢) ((شرح السنة)) ٦٨/٢.
(٣) في (ص، س، ل): يسلب.
(٤) في (ص): القيافة. وعَافَ الشيءَ أي كرهه.