النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ -- مقدمة التحقيق القسم الثاني ترجمة ابن رسلان والمدخل إلى شرحه(١) وفيه فصلان : الفصل الأول: ترجمة الشارح الإمام ابن رسلان الرملي وفيه مباحث: المبحث الأول: اسمه ونسبه وكنيته ولقبه. المبحث الثاني: مولده وموطنه. المبحث الثالث: نشأته وطلبه للعلم. المبحث الرابع: عقيدته. المبحث الخامس : شيوخه. المبحث السادس: تلاميذه. المبحث السابع: مؤلفاته. المبحث الثامن: مكانته العلمية وثناء العلماء عليه. المبحث التاسع: وفاته. الفصل الثاني: المدخل إلى شرح ابن رسلان لـ((سنن أبي داود)) وفيه مباحث: المبحث الأول: اسم الكتاب وإثبات نسبته إليه. المبحث الثاني: المكانة العلمية للشرح. وفيه مطالب : (١) استفدنا كثيرا عند كتابة هذا القسم من مقدمة د. أحمد بن عبد القادر عزي لرسالته العلمية في تحقيق قسم من الكتاب. ١٦٢ المطلب الأول: أقوال العلماء على الشرح. المطلب الثاني: تقويم الشرح وبيان مميزاته وما أخذ عليه. المطلب الثالث: المقارنة بينه وبين شروح ((سنن أبي داود)) التي سبقته. المطلب الرابع: مدى استفادة المتأخرين منه. المبحث الثالث: منهج ابن رسلان في شرحه. وفيه مطالب: المطلب الأول: رواية ((السنن)) التي اعتمدها ابن رسلان في شرحه. المطلب الثاني: مصادر الشارح في الكتاب ومنهجه في الاستفادة منها وفيه مسألتان: المسألة الأولى: مصادر الشارح في الكتاب. المسألة الثانية: منهجه في الاستفادة من مصادره. المطلب الثالث: منهجه في تقرير مسائل العقيدة. المطلب الرابع: الصنعة الحديثية كما أشار إليها المصنف وفيه مسائل : أولًا : دقائق الإسناد وضبط ما قد يشكل من الأسماء. ثانيًا : التنبيه على صحة الحديث أو حسنه أو ضعفه. ثالثًا : بيان صواب ما تختلف فيه النسخ. المطلب الخامس: الناسخ والمنسوخ. المطلب السادس: فقه الحديث. المطلب السابع: مباحث اللغة. المطلب الثامن: اللطائف والفوائد التربوية. = = مقدمة التحقيق ١٦٣ الفصل الأول ترجمة الشارح الإمام ابن رسلان الرملي وفيه مباحث : المبحث الأول: اسمه ونسبه وكنيته ولقبه. المبحث الثاني: مولده وموطنه. المبحث الثالث: نشأته وطلبه للعلم. المبحث الرابع: عقيدته. المبحث الخامس: شيوخه. المبحث السادس: تلاميذه. المبحث السابع: مؤلفاته. المبحث الثامن: مكانته العلمية وثناء العلماء عليه. المبحث التاسع: وفاته. ١٦٤ ترجمة الإمام ابن رسلان الرملي (١) المبحث الأول: اسمه ونسبه وكنيته ولقبه: اسمه: هو أحمد بن حسين بن حسن بن علي بن يوسف بن علي بن أرسلان- قال السخاوي: بالهمزة كما بخطه وقد تحذف في الأكثر، بل هو الذي على الألسنة (٢) - الشهاب أبو العباس الرملي، الشافعي، نزيل بیت المقدس. واشتهر بابن رسلان. نسبه: وقد نسب إلى أربعة نسب: القبيلة، والبلد، والمذهب الفقهي، والروحي. أما القبيلة: فقد ذكروا في أصله جهتين: أنه من عرب كنانة. قاله (١) مصادر ترجمته: ((درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة)) ٢٩١/٢، ((السلوك لمعرفة دول الملوك)) ١٢٣٥/١٢، ((المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي)) ٢٨٧/١، ((الدليل الشافي على المنهل الصافي)) ٤٥/١، ((الضوء اللامع)) ٢٨٢/١ ويعتبر السخاوي من أوسع من ترجم له، وجاءت ترجمته عنده مفصلة، وأغلب من جاء بعده أخذ عنه، ((الذيل التام على دول الإسلام)) (ص ٦٢٣، ٦٢٤)، ((وجيز الكلام في الذيل على دول الإسلام)) (ص ٥٧٠)، ((الأنس الجليل)) ١٧٤/٢ وقد تفرد في ترجمته بأشياء لم تذكر في غيره من المصادر، ((طبقات المفسرين)) للداودي ٣٨/١، ((كشف الظنون)) ١/ ١٥٤، ٥٤٤، ٥٩٦، ٦٢٧، ٦٨٩، ٩٣٠، ١٠٠٥، ١٠٥٤، ١٠٥٥، ١٠٧٩، ١٧٩٧، ١٨١٧، ١٨٥٦، ١٨٧٩، ١٩٦٤، ((شذرات الذهب)) ٣٦٣/٩، ((البدر الطالع)) ٤٩/١، ((التاج المكلل)) لصديق حسن (ص ٣٦٧)، (هدية العارفين)) ١٢٦/٥، ((إيضاح المكنون)) ٣٣٠/١، ((الأعلام)) ١١٥/١، ((معجم المؤلفين)) ٢٠٤/١، ((أعلام فلسطين)) لمحمد عمر حمادة ١٦٨/١. (٢) ((الضوء اللامع)) ٢٨٢/١. ١٦٥ = مقدمة التحقيق العليمي(١). والثانية: أنه من عرب نعير. قاله السخاوي (٢). وأما البلد: فنسبه الداودي(٣) إلى الرملة(٤) مقتصرًا عليها. ونسبه بعضهم إلى بيت المقدس(٥) لأجل أنه كان يتردد إليها، وتحول إليها في آخر عمره، واستوطنها، وتوفي بها(٦). وقد يقال: الرملي، نزيل بيت المقدس(٧)، وهو الأليق، والأدق. وأما المذهب الفقهي: فهو شافعي قولًا واحدًا بلا خلاف، فقد كان من الآخذين بمذهب الشافعي، المستمسكين به والمفتين به، بل ومن المصنفين فيه (٨). وأما المذهب الروحي: فنسبه الكثير إلى التصوف، وهذا ثابت لا يحتاج إلى كثير من البراهين. جاء ذلك في أقوال العلماء عنه، وفي سلوكه، وإتيانه بطقوسهم وعاداتهم. قال ابن العماد: لزم التدريس والإفتاء مدة، ثم ترك ذلك، وسلك طريق الصوفية(٩). (١) ((الأنس الجليل)) ٢ /١٧٤. (٢) ((الضوء اللامع)) ١/ ٢٨٢. (٣) انظر: ((طبقات المفسرين)) ٣٨/١. (٤) مدينة بفلسطين ينسب إليها جماعة من العلماء والفضلاء. انظر: ((معجم البلدان)) ٦٩/٣. (٥) انظر: ((الدليل الشافي)) ٤٥/١، ((شذرات الذهب)) ٣٦٢/٩. (٦) انظر: ((السلوك)) ١٢٣٥/١٢. (٧) انظر: ((الضوء اللامع)) ٢٨٢/١، ((البدر الطالع)) ٤٩/١. (٨) انظر: ((درر العقود الفريدة)) ٢٩١/٢. (٩) ((شذرات الذهب)) ٩/ ٣٦٢. ١٦٦ وقال السخاوي: قال ابن أبي عذيبة إنه ارتحل به أبوه إلى القدس من الرملة، فألبسه الشيخ محمد القرمي الخرقة (١) .. ، وكذا لبسها من الشهاب ابن الناصح، وأبي بكر الموصلي. وقال أيضًا: وألبس خرقته جماعة من المصريين والشاميين، وجلس في الخلوة مدة لا يكلم أحدًا (٢). كنيته: أبو العباس، ذكر ذلك السخاوي(٣)، وابن العماد(٤)، والشوكاني(6)، وغيرهم. لقبه: شهاب الدين، أو الشهاب، ذكر ذلك المقريزي(٦)، وابن تغري بردي(٧)، والداودي(٨)، وغيرهم. المبحث الثاني: مولده وموطنه: أجمعت مصادر ترجمة الشارح على أن ولادته كانت بمدينة الرملة بفلسطین، لم يخالف في ذلك أحد. أما عن سنة ولادته، فقد كتب هو بخطه أنه ولد سنة (٧٧٣)هـ أو (١) هي ما يلبسه المريد من يد شيخه ابتغاء البركة، والمواصلة بينه وبين شيخه. انظر: ((اصطلاحات الصوفية)) (٣٠). (٢) ((الضوء اللامع)) ٢٨٣/١. (٣) ((الضوء اللامع)) ٢٨٢/١. (٤) ((شذرات الذهب)) ٣٦٢/٩. (٥) ((البدر الطالع)) ٤٩/١. (٦) ((السلوك)) ١٢٣٥/١٢. (٧) ((المنهل الصافي)) ١/ ٢٨٧. (٨) ((طبقات المفسرين)) ٣٨/١ ١٦٧ - مقدمة التحقيق (٧٧٥)هـ. نقل ذلك معاصروه: المقريزي(١)، والعليمي(٢)، وغيرهما(٣). ولم يذكر ابن العماد في تاريخ ولادته غير: ٧٧٣هـ (٤)، ولعل ما ذكره هو الأرجح . وكُتب على الصفحة الأولى من النسخة الموجودة بالمكتبة المحمودية، نقلًا عن تاريخ الحافظ ابن حجر العسقلاني: ولد سنة ٧٧٧هـ، سبع وسبعين وسبعمائة، کذا کتبه بخطه. اهـ. المبحث الثالث: نشأته وطلبه للعلم. نشأ الإمام ابن رسلان في بيئة صالحة، فقد كان والده تاجرًا خيّرًا قارئًا(٥)، لقبته بعض المصادر بـ: أمين الدين(٦)، ووصفته بالفقيه(٧)، وكانت أمه من الصالحات، وكان خاله صاحب أوراد وتلاوة كثيرة، وصهر ابن رسلان هو الحافظ المشهور التاج ابن الغَرابيلي. فأثرت هذِه البيئة الصالحة في تكوينه وشخصيته فلم تعلم له صبوة، وحفظ القرآن وله نحو عشر سنين، وأخذ يكبر ويكبر في قلبه حب العلم، والعزوف عن الدنيا(٨). (١) ((درر العقود الفريدة)) ٢٩١/٢. (٢) ((الأنس الجليل)) ٢/ ١٧٤. (٣) ((الأنس الجليل)) ٥١٥/٢. (٤) ((شذرات الذهب)) ٣٦٢/٩. (٥) انظر: ((الضوء اللامع)) ٢٨٢/١. (٦) انظر: ((الأنس الجليل)) ١٧٤/٢، و((هدية العارفين)) ١٢٦/١. (٧) انظر: ((الأنس الجليل)) ١٧٤/٢. (٨) انظر: ((الضوء اللامع)) ٢٨٢/١. ١٦٨ ونقل السخاوي عن ابن أبي عذيبة قال: كان أبوه تاجرًا له دكان، فكان يأمره بالتوجّه إليها، فيذهب إلى المدرسة الخاصكية للاشتغال بالعلم وينهاه أبوه فلا يلتفت لنهيه، بل لازم الاشتغال. وقال: إن أباه أجلسه في حانوت بزاز، فكان يقبل على المطالعة ويهمل أمره، فظهرت فيها الخسارة فلامه على ذلك، فقال: أنا لا أصلح إلّا للمطالعة، فتركه وسلم له قياده(١). ولقد أخذ هذا الشغف بالعلم وقت ابن رسلان رحمه الله، واستولى على تفكيره، وأخذ يتنقل به من درس في اللغة إلى آخر في الفقه إلى ثالث في القراءات وعلوم القرآن إلى رابع في الحديث، إلى غيرها من علوم اللغة والدين. وقد ذكرت المصادر التي ترجمت له أوصافًا تتضمن تقدمه في بعض العلوم على ما ذكرناه قريبا، فمن ذلك وصفه بالفقيه، نعته بذلك أغلب من ترجم له كالمقريزي(٢)، وابن تغري بردي(٣)، وعبد الرحمن الغزي (٤). ونص بعضهم على أنه كان ماهرًا بالفقه. قال المقريزي: وبَرع في الفقه(٥). كما وصفوه أيضا بأنه محدث(٦)، أو عالم بالحديث(٧)، أو مشارك في (١) ((الضوء اللامع)) ١/ ٢٨٢. (٢) في ((السلوك)) ١٢٣٥/١٢. (٣) في ((المنهل الصافي)) ١/ ٢٨٧. (٤) في ((ديوان الإسلام)) ١/ ١٨٣. (٥) في ((درر العقود)) ٢٩١/٢. (٦) انظر: ((السلوك)) ١٢٣٥/١٢. (٧) انظر: ((المنهل الصافي)) ٢٨٧/١. ١٦٩ = مقدمة التحقيق الحديث(١)، والأوصاف نفسها أطلقت عليه في التفسير (٢)، ونص آخرون على أنه برع في العربية(٣). قال السخاوي: وكان في مبدئه يشتغل بالنحو واللغة والشواهد والنظم .. ولا زال يدأب، ويكثر المذاكرة والملازمة والمطالعة .. حتى صار إماما، علامة، متقدما في الفقه وأصوله، والعربية (٤). وقال العليمي: وألف كتبًا في الفقه، والنحو(٥). ومن مسموعاته أثناء طلبه : - في الحديث وعلومه: ((صحيح البخاري))، ((سنن الترمذي))، ((سنن ابن ماجه))، ((موطأ مالك))، ((مسند الشافعي))، ((الأذكار))، («الأربعون)» للنووي. - في الفقه وأصوله: غالب تصانيف الرافعي، و((الحاوي الصغير) لعبد الغفار بن عبد الكريم القزويني. - في السيرة: ((الشفا)) للقاضي عياض، و((سيرة ابن هشام))، ((عيون الأثر)) لابن سيد الناس. - في اللغة: ((ألفية ابن مالك)) وقد اشتهر بحسن إفادتها وإلقائها(٦). - في التفسير: ((معالم التنزيل)) للبغوي. (١) انظر: ((الضوء اللامع)) ٢٨٣/١. (٢) المصادر السابقة. (٣) انظر: ((درر العقود)) ٢٩١/١. (٤) ((الضوء اللامع)) ٢٨٢/١ - ٢٨٣. (٥) ((الأنس الجليل)) ١٧٤/٢. (٦) ((الضوء اللامع)) ٢٨٢/١. ١٧٠ - في التصوف: ((عوارف المعارف)) للسهروردي(١). وحملته همته في طلب العلم على التنقل بين الرملة والقدس في سبيل العلم، حتى حفظ كتبًا. وكان من حرصه أنه يقوم الليل، فإذا أشكل عليه معنى آية أسرع في تينك الركعتين، ونظر في التفسير حتى يعرف المعنى ثم يعود إلى الصلاة (٢). وقد بلغ من حرصه على الفائدة أنه كان يطلب من بعض ذوي النجابة من تلاميذه إقراء بعض مؤلفاته لطلبته بحضوره، منها مثلا أن العز الحنبلي أخذ عنه منظومته ((الزبد))، وأجازه بها، ثم طلب منه ابن رسلان إقراءها بحضوره، فامتنع العز أدبًا(٣). ومع تنوّع ثقافته رحمه الله، إلا أن بروزه كان في الفقه وأصوله وفي القراءات وفي العربية وفنونها. قال السخاوي: ولا زال يدأب ويكثر المذاكرة والملازمة للمطالعة والأشغال، مقيمًا بالقدس تارة والرملة أخرى، حتى صار إمامًا علامة متقدمًا في الفقه وأصوله والعربية، مشاركًا في الحديث والتفسير والكلام وغيره(٤). وإلى جانب دأبه في تحصيل العلوم المختلفة فقد عنيَ بنفسه تربية لها على محاسن الأخلاق، وحملًا لها على معاليها. (١) انظر: ((الضوء اللامع)) ٢٨٢/١ - ٢٨٣. (٢) انظر: ((الضوء اللامع)) ٢٨٦/١. (٣) انظر: ((الضوء اللامع)) ٢٨٦/١. (٤) (الضوء اللامع)) ١/ ٢٨٣. ١٧١ مقدمة التحقيق = = وتصفه المصادر بأنه كان عبدًا صالحًا(١)، زاهدًا ورعًا(٢)، مقبلًا على العبادة، موزعا أوقاته على وظائفها من الصلاة، والصيام، والقيام(٣)، مائلا إلى الخمول، والبعد عن الظهور(٤)، متقشفا(٥)، متواضعا (٦)، حسن الخلق(٧)، آمرًا بالمعروف ناهيا عن المنكر(٨)، دؤوبا على المطالعة والمذاكرة(٩). قال المقريزي: ولم يقدر لي لقاؤه -رحمه الله- فلقد كان مقبلا على العبادة، غزير العلم، كثير الخير، مربيا للمريدين، محسنا للقادمين، متبركا بدعائه ومشاهدته، صادق التأله، متخلقا من المروءة والعلم والفضل والانقطاع إلى الله تعالى بأجمل الأخلاق، بحيث ظهر عليه سيما السكينة والوقار، ومهابة الصالحين. وبالجملة فما أعلم بعده مثله، ألحقه الله بعباده الصالحين، ورفع درجته في عليين(١٠). وقال السخاوي: وهو في الزهد، والورع، والتقشف، واتباع السنة، وصحة العقيدة كلمة إجماع، بحيث لا أعلم في وقته من يدانيه في ذلك. (١) انظر: ((الدليل الشافي)) ٤٥/١. (٢) انظر: ((درر العقود)) ٢٩١/٢، ((الضوء اللامع)) ٢٨٤/١. (٣) انظر: ((المنهل الصافي)) ٢٨٧/١. (٤) انظر: ((الضوء اللامع)) ٢٨٣/١، ((البدر الطالع)) ٥٠/١. (٥) انظر: ((درر العقود)) ٢٩١/٢، و((الضوء اللامع)) ٢٨٤/١. (٦) انظر: ((الضوء اللامع)) ٢٨٤/١. (٧) انظر: ((درر العقود)) ٢٩٢/١. (٨) انظر: ((درر العقود)) ٢٩٢/١، و((الضوء اللامع)) ٢٨٤/١. (٩) انظر: ((الأنس الجليل)) ١٧٥/٢. (١٠) انظر: ((درر العقود الفريدة)) ٢٩١/١، ٢٩٢. ١٧٢ وانتشر ذكره، وبعد صيته، وشهد بخيره كل من رآه(١). وقد ذُكر في ترجمته أنه جدد مسجدًا كبيرًا لأسلافه بالرملة صار مثل الزاوية للمقيمين والمنقطعين (٢)، وكان منقطعا في هذا المسجد، شاغلا وقته بالتعبد والتأله، والمحافظة على الأذكار والأوراد، والتهجد والقيام، وملازمة المطالعة والإفادة. وأنه أقام زاوية ببيت المقدس كان يتردد إليها بين الحين والآخر(٣). وبنى رباطا وبرجا بثغر يافا على البحر، كان يذهب إليه مع أصحابه وتلاميذه حاثًّا لهم على الشجاعة، ومعالي الأخلاق (٤). ورفض ما استطاع عروض الحكام والأمراء عليه، وقد عرض الأمير حسام الدين حسن ناظر القدس والجليل، مشيخة مدرسة جددها بالقدس، وقرر له فيها كل يوم عشرة دراهم فضة، فأبى(٥). ولما سافر الأشرف إلى آمد هرب ابن رسلان من الرملة إلى القدس في ذهابه وإيابه لئلا يجتمع به هو أو أحد من أتباعه(٦). وبرغم بعده عن المناصب ورفضه لها على أنه تولى التدريس في الرملة في مدرسة الخاصكية، التي كان مواظبا على الحضور فيها منذ أيام الطلب(٧)، وعندما أجازه الجلال البلقيني، والقاضي الباعوني جلس (١) ((الضوء اللامع)) ٣٨٤/١. (٢) انظر: ((الضوء اللامع)) ٢٨٤/١، ((الأنس الجليل)) ١٧٤/٢. (٣) انظر: ((الضوء اللامع)) ٢٨٤/١. (٤) انظر: ((الأنس الجليل)) ١٧٥/٢. (٥) انظر: ((البدر الطالع)) ٥٠/١. (٦) انظر: ((الضوء اللامع)) ٢٨٣/١. (٧) انظر: ((الأنس الجليل)) ١٧٢/٢، ((البدر الطالع)) ٥٠/١. ١٧٣ - مقدمة التحقيق ابن رسلان للإفتاء للناس مدة(١). بيد أنه لم يبق في هذا إلى آخر عمره بل ترك ذلك وداوم على الاشتغال تبرعا، كما أقبل على التصوف والبعد عمّا يتعلق بأي وظيفة أو عمل(٢). قال رحمه الله في خاتمة ((الزبد)): من نفسه شريفة أبيه يربأ عن أموره الدنيه ولم يزل يجنح للمعالي يسهر في طلابها الليالي ومن يكون عارفًا بربه تصور ابتعاده من قربه فخاف وارتجى وكان صاغيًا لما يكون آمرًا أو ناهيًا فكل ما أمره يرتكب وما نهى عن فعله يجتنب (٣) وحتى يتضح للقارئ موقف المصنف رحمه الله من التصوف، وأنه ليس تصوف أهل البدع والشطحات، نورد هنا ما قاله عند شرح حديث (١٥٠) من ((السنن))، حيث قال: (١) انظر: ((الضوء اللامع)) ٢٨٣/١، ((الأنس الجليل)) ١٧٤/٢. (٢) انظر: ((الأنس الجليل)) ١٧٤/٢. (٣) ((الزبد)) (ص ١٢١، ١٢٢). ١٧٤ ليس التصوف لبس الصوف ترقعه ولا بكاؤك إن غنى المغنونا ولا صياح ولا رقص ولا طرب ولا تغاشٍ كأن قد صرت مجنونا بل التصوف أن تصفو بلا كدر وتتبع الحق والقرآن والدينا وأن ترى خاشعًا لله مكتئبًا على ذنوبك طول الدهر محزونا وعند شرحه لقوله ◌َّ ((من صنع أمرًا على غير أمرنا فهو رد))(١). قال: هذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام، وهو من جوامع كلمه وَّل وهو صريح في رد جميع البدع الحادثة المخالفة لقواعد الشرع والمخترعات التي أحدثت بعده. اهـ وهكذا يتضح موقفه رحمه الله جليا، وأنه تبع لما جاء في اتباع الكتاب والسنة، وَرَد جميع البدع الحادثة المخالفة لقواعد الشرع. ونجده أيضًا كان كثير الرباط في البرج الذي بناه بثغر يافا، ولم تخلو سنة عن إقامته على جانب البحر قائمًا بالدعوة إلى الله تعالى سِرًّا وجهرًا آخذًا على يد الظلمة، فما كان رحمه الله من جهلة المتصوفة الذين عزفوا عن الحسبة وتقاعدوا عن الجهاد والرباط، بل شمر عن ساعد الجد في الدعوة. ومما يروى عنه أيضًا: أن طوغان نائب القدس وكاشف الرملة وردت (١) ((سنن أبي داود)) (٤٦٠٦). ١٧٥ - مقدمة التحقيق عليه إشارة الشيخ بكف مظلمة فامتنع، وقال: طولتم علينا بابن رسلان، إن كان له سر فليرم هُذِه النخلة -لنخلة قريبة منه- فما تم ذلك إلا وهبت ريح عاصفة فألقتها، فما وسعه إلا المبادرة إلى الشيخ في جماعة مستغفرًا معترفًا بالخطأ، فسأله عن سبب ذلك، فقيل له، فقال: لا قوة إلا بالله، من أعتقد أن رمي هذِه النخلة كان بسببي أو لي فيه تعلق ما، فقد كفر، فتوبوا إلى الله وجددوا إسلامكم، فإن الشيطان أراد أن يستزلكم ففعلوا ما أمرهم به(١). المبحث الرابع: عقيدته : قال السخاوي عنه: وهو في الزهد واتباع السنة وصحة العقيدة كلمة إجماع بحيث لا أعلم في وقته من يدانيه في ذلك(٢).اهـ. وعند مراجعة مصنفاته المطبوعة ومنها ((الزبد))، وشرحه هذا الذي بين أيدينا على ((سنن أبي داود)) نجد ابن رسلان يقول في الأسماء والصفات بمقولة الأشاعرة من التأويل، فيما عدا الصفات السبع الحياة والعلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر والكلام(٣). فهو في هذا الجانب مخالف لمذهب السلف من وصف الله بكل صفة وصف الله بها نفسه في كتابه أو وصفه بها نبيه وَّلإر في السنة الصحيحة من غير تأويل ولا تشبيه ولا تعطيل، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ اَلْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. (١) ((الضوء اللامع)) ٢٨٧/١، ((شذرات الذهب)) ٢٤٩/٧. (٢) ((الضوء اللامع)) ٢٨٤/١. (٣) انظر: ((الاقتصاد في الاعتقاد)) للغزالي (ص ٧٥). ١٧٦ قال في الزبد في وصف الله زمان : فـهـ لما يريده فعال وليس في الخلق له مثال قدرته لكل مقدور جعل وعلمه لكلّ معلوم شَمِل منفرد بالخلق والتدبير جلّ عن الشبيه والنظير حي مريد مبصر علام له البقا والسمع والكلام (١) ومن الأمثلة في شرحه هذا : علق على قوله ◌َّة: ((ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا .. ))(٢) الحديث. فقال: هذا مما يوهم التشبيه إذ ذكر الرب بما لا يليق به ظاهره من الانتقال والحركة، ويجب تأويله على الوجه الذي يليق بصفاته، وهو أن یرید: إقباله على أهل الأرض بالرحمة والاستعطاف، وبما يجري في قلوب أهل الخير منهم بالتنبيه والتذكير لما سلف لهم في الأول من التوفيق للطاعة حتى يحملهم على الطاعة، كما مدح الله المستغفرين بالأسحار. أهـ فقد ظن رحمه الله أن هذا الحديث يوهم التشبيه فأول النزول بإرادة الرحمة، والحق أن يقال: إن الله سبحانه ينزل ولا نعلم كيفية نزوله، (١) ((الزبد)) (ص ١٠). (٢) ((سنن أبي داود)) (٤٧٣٣). ١٧٧ - مقدمة التحقيق ووصفه بالنزول هو كوصفه بسائر الصفات، يعقل معناه ولا تعلم كيفيته (١). وقال أيضًا في الزبد: كلامه كـوصـفـــه القديم لم يحدث المسموع للكليم يكتب في اللوح وباللسان يقرأ كما يحفظ بالأذهان وهذا هو قول الأشاعرة: إن كلام الله سبحانه معنى واحد قائم بذات الله سبحانه، هو الأمر والنهي والخبر والاستخبار(٢). ومذهب السلف من أئمة الحديث والسنة أنه تعالى لم يزل متكلمًا إذا شاء ومتى شاء وكيف شاء، وهو يتكلم به بصوت يسمع، وأن نوع الكلام قديم وإن لم يكن الصوت المعيّن قديمًا(٣). وستأتي أمثلة أخرى أثناء الشرح. (١) انظر: ((شرح حديث النزول)) لابن تيمية (ص٥). (٢) انظر: ((شرح العقيدة الطحاوية)) (ص١٧٣)، ((معارج القبول)) ٣٧٧/١، («موقف ابن تيمية من الأشاعرة)) ١/ ٣٩٦. (٣) انظر: ((شرح الطحاوية)) (ص ١٧٤)، ((شرح العقيدة الواسطية)) لهراس (ص ١٥٠). ١٧٨ المبحث الخامس: شيوخه : درس الإمام ابن رسلان رحمه الله على عدد من علماء الشام من أهل الرملة والقدس وغيرهما، وقد ذكرت المصادر جملة منهم، ومن أهمهم: ١- إبراهيم بن محمد بن صديق بن إبراهيم الدمشقي، المؤذن، المعروف بالرسام وبابن الصديق، مسند الدنيا من الرجال، حدّث بمكة وبحلب (ت ٨٠٦ هـ) بمكة (١). ٢- أبو بكر ابن علي بن يوسف الهاشمي، الحسني، الموصلي، ثم القاهري، كان يحفظ شيئًا من البخاري بأسانيده، وكثيرًا من كلام ابن تيمية (ت ٨١٥ هـ)(٢). ٣- أحمد بن خليل بن كيكلدي، أبو الخير المعروف بابن العلائي، الدمشقي، ثم المقدسي (ت ٨٠٢هـ) أسمعه أبوه كبار الحفاظ مثل الذهبي، والمزي، والبرزالي، وغيرهم(٣). أخذ ابن رسلان عن ابن العلائي ((صحيح البخاري))، والترمذي، و((مسند الشافعي))، وغير ذلك (٤). ٤- أحمد بن علاء الدين حجي بن موسى، شهاب الدين، أبو العباس الحسباني الدمشقي، الشافعي، مؤرخ الإسلام، انتهت إليه المشيخة في البلاد الشامية، وصنف من الكتب ما لا يحصى(٥). (١) ((إنباء الغمر)) ١٥٧/٥، ((الضوء اللامع)) ١٤٧/١. (٢) ((الضوء اللامع)) ١١/ ٦١. (٣) انظر: ((الضوء اللامع)) ٢٩٦/١، ((ذيل التقييد)) ٣١٢/١. (٤) انظر: ((درر العقود)) ٢٩١/٢، ((الضوء اللامع)) ٢٨٢/١، ٢٨٣. (٥) (طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة ١٢/٤، ((إنباء الغمر)) ٢١/٧، ((الضوء اللامع) ٢٦٩/١، ((ذيل تذكرة الحفاظ)) (ص ٢٤٤)، ((شذرات الذهب)) ١١٦/٧. ١٧٩ = مقدمة التحقيق ٥- أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، صاحب ((فتح الباري)) والتأليف الجامعة النافعة (ت ٨٥٢هـ) وقد تكرر في ((شرح السنن)) كثيرا قول ابن رسلان: قال شيخنا ابن حجر (١). ٦- أحمد بن علي بن سَنْجَر، أبو العباس المارديني. سمع منه ابن رسلان ((سنن الترمذي))، وابن ماجه، و((الشفا)) للقاضي عياض، و((سيرة ابن هشام))، وابن سيد الناس، وغالب تصانيف الرافعي (٢). ٧- أحمد بن محمد بن عماد المصري، ثم المقدسي الشافعي، (١) رجح د/ أحمد بن عبد القادر عزي في ((رسالته)) عدم سماع ابن رسلان من ابن حجر، وقال: تتبعت جميع من ترجم له في المصادر التي وقفت عليها، فلم أجد أحدًا صرّح بأنه لقيه فضلاً عن سماعه منه. فهذا السخاوي، وهو أحسن من ترجم له، ومن أقرب الناس إلى ابن حجر لم يذكره في عداد شيوخه، بل قال عند ذكره لشرح ابن رسلان على ((سنن أبي داود)) قال: وربما استمد فيه من شيخنا ببعض الأسئلة، ونقل عنه في باب تنزيل الناس منازلهم من الأدب بقوله: (قال شيخنا) وكذا نقل عنه في شرحه لـ((صفوة الزبد)) وغيره. وهناك نص آخر يفيد بأن الرجل لم يلق ابن حجر، فقد قال السخاوي، وهو في معرض حديثه عن إعراض ابن رسلان عن الدنيا وهروبه من أمراء ذلك العصر، قال: معرضا عن الدنيا وبنيها جملة، حتى إنه لما سافر الأشرف إلى آمد، هرب يعني : ابن رسلان من الرملة إلى القدس في ذهابه وإيابه لئلا يجتمع به هو أو أحد من أتباعه، وإنْ تضمّن ذلك تفويت الاجتماع بمن كان يتمناه كشيخنا، فإنه سأل عنه رجاء زيارته، فقيل: إنه غائب، حتى صار المشار إليه بالزهد في تلك النواحي. أليس هذا النص يفيد عدم لقياه؟ ويحتمل أن يكون قد لقيه لقاء عابرًا أجازه فيه ابن حجر ببعض مؤلفاته أو مسموعاته، أو كاتبه تساؤلا عن بعض الإشكالات، فجاز له حينئذ أن يقول: قال ابن حجر. وهذه صيغة لا تفيد سماعا ولا لقيا، والله أعلم. (٢) انظر: ((الضوء اللامع)) ٢٨٣/١. ١٨٠ المشهور بابن الهائم، عالم بالحساب والفرائض ماهر بهما، مع حسن المشاركة في بقية العلوم، توفي سنة (٨١٥هـ)(١). أخذ عنه ابن رسلان الحساب والفرائض(٢). ٨- أحمد بن محمد بن محمد، أبو العباس الشهاب المصري، القرافي ثم المقدسي، الصوفي، يعرف بابن الناصح (ت ٨٠٤هـ)(٣). ٩- أحمد بن ناصر بن خليفة بن فرج، أبو العباس الشهاب، المقدسي، الباعوني الناصري، الشافعي، كان قاضيًا بدمشق، وتولى خطابة جامع بني أمية، وبيت المقدس، كان شاعرًا مجيدًا وكاتبًا وخطيبًا مصقعًا (٤). ١٠- عبد الرحمن بن عمر بن رسلان الكناني، أبو الفضل الجلال البُلْقيني المصري، الشافعي (ت ٨٢٤هـ)(٥). قرأ عليه ابن رسلان، غالب البخاري، وأذن له بالإفتاء(٦). ١١- عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز التركماني، المعروف بأبي هريرة ابن الذهبي (٧٩٩هـ)(٧). سمع منه ابن رسلان كثيرًا، كذا قال السخاوي(٨). (١) انظر: ((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة ١٧/٤، ((شذرات الذهب)) ١٦٣/٩، و((البدر الطالع)) ١/ ١١٧. (٢) انظر: ((الأنس الجليل)) ١٧٤/٢، ((البدر الطالع)) ٤٩/١. (٣) ((الضوء اللامع)) ٢٠٥/٢. (٤) ((إنباء الغمر)) ١٢٤/٧، ((الضوء اللامع)) ٢٣٣/٢، ((شذرات الذهب)) ١١٨/٧. (٥) انظر: ((إنباء الغمر)) ٧/ ٤٤٠، ((لحظ الألحاظ)) (٢٨٢). (٦) انظر: ((الضوء اللامع)) ٢٨٣/١، ((الأنس الجليل)) ١٧٤/٢. (٧) انظر: ((الدرر الكامنة)) ٣٤١/٢، و((ذيل التقييد)) ٩٢/٢. (٨) انظر: ((الضوء اللامع)) ٢٨٣/١.