النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
= مقدمة التحقيق
وقال الخطابي: وقد جمع أبو داود في كتابه هذا من الحديث في أصول
العلم وأمهات ((السنن)) وأحكام الفقه ما لا نعلم متقدمًا سبقه إليه، ولا
متأخرًا لحقه فیه(١).
المطلب الثالث: تاريخ تصنيف ((السنن)):
لا يوجد تاريخ دقيق يُجَلِّي ابتداء تصنيفه ((السنن))، ومما يذكر قول
الخطيب: ويقال: إنه صنفه قديمًا، وعرضه على أحمد بن حنبل
فاستجاده، واستحسنه(٢).
ثم بعد أن أنهى تأليف ((السنن)) أقبل على تدريسها بحضور تلاميذه
لاسيما عند استيطانه البصرة، وواظب على إقرائها إلى أن وافاه الأجل
سنة (٢٧٥هـ).
قال أبو الحسن ابن العبد: سمعت كتاب ((السنن)) من أبي داود ست
مرار، بَقِيَتْ من المرة السادسة بقية لم يتمه بالبصرة سنة إحدى، واثنتين،
وثلاث، وأربع، وخمس وسبعين ومئتين، وفيها مات(٣).
وقال أبو علي اللؤلؤي بعد حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله
رؤي على جبهته، وعلى أرنبته أثر طين .. الحديث.
صَلى اللّهـ
وَسَم
قال اللؤلؤي: هذا الحديث لم يقرأه أبو داود في العرضة الرابعة (٤).
المطلب الرابع: عدد أحاديثه:
أعرب أبو داود رحمه الله عن عدد الأحاديث التي أودعها في ((سننه))
وأفصح عنها قائلا: ولعل في كتابي من الأحاديث قدر أربعة آلاف وثمان
(١) ((معالم السنن)) ١٢/١.
(٢) ((تاريخ بغداد)) ٩ /٥٦.
(٣) مقدمة ((رسالة أبي داود إلى أهل مكة)) (١٧).
(٤) ((سنن أبي داود)) (٩١١).

١٢٢
مئة حديث، ونحو ست مئة من المراسيل(١).
وقد عزز هذا ما جاء عن تلميذه ابن داسه حيث قال: سمعت أبا داود
يقول: كتبت عن رسول الله وَل خمس مئة ألف حديث، أنتخبت منها ما
ضمنته هذا الكتاب -يعني: كتاب ((السنن))- جمعت فيه أربعة آلاف
وثمان مئة حديث .. (٢).
إلا أنه قد وجد ما يخالف هذا .. فلقد روى أبو الحسن ابن العبد قال:
كتاب أبي داود ستة آلاف حديث منها أربعة آلاف أصل، وألفان مكرر(٣).
وبلغ عدد أحاديث ((السنن)) على حسب ما هو مطبوع ومتداول (٥٢٧٤)
في طبعة محمد محيي الدين والدعاس وغيرهما، و(٥٢٣٢) في طبعة عوامة.
ولعل تفسير هذا الاختلاف مرده إلى عدة أسباب:
الأول: أن أبا داود لم يخرج الكتاب مرة واحدة على وجه واحد، بل
مكث يزيد فيه وينقص بحسب ما يظهر له في الأسانيد أو المتون.
الثاني: اختلاف الروايات، وأن بعضها ينقص عن بعض، فرواية ابن
داسه تفوق رواية اللؤلؤي من حيث العدد، كما ثبت أن لبعضهم فَوْتا
کرواية ابن الأعرابي مثلا.
الثالث: اختلاف المحققين للسنن والناشرين لها، فبعضهم يدخل
المتابعات، أو الموقوفات، أو المكررات ويعدها حديثًا مستقلًا.
(١) ((رسالة أبي داود إلى أهل مكة)) (٣٢).
(٢) (تاريخ بغداد)) ٥٧/٩، ((تاريخ دمشق)) ٥٤٧/٧.
(٣) مقدمة ((رسالة أبي داود إلى أهل مكة)) (١٧).

١٢٣
- مقدمة التحقيق
المبحث الثاني: منهج أبي داود في «السنن»
وفيه خمس مطالب:
المطلب الأول: شرط أبي داود في ((السنن)):
وضح الإمام أبو داود في ((رسالته إلى أهل مكة)) الشروط التي اشترطها
في أحاديث ((السنن))، ومن ذلك:
أنه يذكر أصح ما في الباب.
وقال أيضا: وأنه ليس في كتاب ((السنن)) الذي صنفته عن رجل متروك
الحديث شيء.
وقال: وإذا كان فيه حديث منكر بينت أنه منكر.
وقال: وما كان في كتابي من حديث فيه وهن شدید بینته.
وقال: وإن من الأحاديث في كتاب ((السنن)) ما ليس بمتصل، وهو
مرسل ومدلس، وهو إذا لم توجد الصحاح عند عامة أهل الحديث على
معنى أنه متصل.
وقال: وما لم أذكر فيه شيئا فهو صالح، وبعضها أصح من بعض(١).
وروى عنه ابن داسه أنه قال: ذكرت الصحيح، وما يشبهه ويقاربه (٢).
- ويمكن تلخيص هذه الشروط في النقاط التالية:
١- أن ما أورده في ((السنن)) هو أصح ما عرفه في ذلك الباب.
٢- عدم الرواية عن المتروكين.
٣- بیان الحدیث المنکر وما كان فيه وهن شدید.
(١) ((رسالة أبي داود إلى أهل مكة)) (ص٢٤ - ٢٨).
(٢) ((تاريخ بغداد)) ٩/ ٥٧.

١٢٤
٤- أن ما سكت عنه فهو صالح.
٥- إخراجه للحديث المرسل إذا لم يكن في الباب غيره.
٦- إخراجه لأنواع الحديث المقبول مثل الصحيح لذاته والصحيح
لغيره، والحسن.
٧- إخراجه للأحاديث المشهورة وترك الأحاديث الغريبة.
٨- محاولته استيعاب أحاديث الأحكام.
المطلب الثاني: سكوت أبي داود عن الحديث:
قال أبو داود: وما لم أذكر فيه شيئا فهو صالح، وبعضها أصح من
بعض. واختلف العلماء في معنى قوله: صالح. على قولين:
الأول: قال به ابن الصلاح، واحتج به كثير من المتأخرين في
مصنفاتهم أنه من الحسن، قال ابن الصلاح: ما وجدناه في كتابه مذكورًا
مطلقًا، وليس في واحد من الصحيحين، ولا نص على صحته أحد ممن
يميز بين الصحيح والحسن عَرفنا بأنه من الحسن عند أبي داود(١).
وقد أخذ بعض المتأخرين بمذهب ابن الصلاح، ومالوا إلى تفسير قول
أبي داود: صالح. بأنه من الحسن عنده، مثل النووي(٢)، والعلائي(٣)
وغيرهما، واعتمدوا ذلك في تخريجاتهم(٤).
(١) ((المقدمة)) (١١٠).
(٢) ((المجموع)) ٢٤١/٤.
(٣) ((النقد الصحيح لما اعترض عليه من أحاديث المصابيح)) (٢٣).
(٤) انظر: ((مقدمة الترغيب والترهيب)) ٥٣/١ حيث قال: وكل حديث عزوته إلى أبي
داود وسکت عنه فهو كما ذكره أبو داود ولا ينزل عن درجة الحسن، وقد يكون على
شرط الشيخين.

١٢٥
- مقدمة التحقيق:
الثاني: قال به العراقي(١)، وابن حجر(٢)، وزكريا الأنصاري(٣)،
وغيرهم، أنه بمعنى صالح للاحتجاج.
قال ابن حجر: وهو الظاهر (٤).
ومال بعض من الأئمة إلى هذا التأويل، واعتمدوه في تخريجاتهم (٥).
المطلب الثالث: درجة أحاديث ((السنن)):
عَدَّ العلماءُ كتابَ ((السنن)) من مَظانٌّ الحديثِ الحسن من حيث الجملة،
أما من حيث التفصيل، فقد قسم الإمامُ الذهبيُّ أحاديثَ ((سنن أبي داود)» إلى
درجات، بقوله: فکتابُ أبي داود:
١- أعلى ما فيه من الثابت: ما أخرجه الشيخان، وذلك نحوٌ من شطر
الكتاب(٦).
٢- ثم يليه: ما أخرجَه أحدُ الشيخَين، ورَغِبَ عنه الآخر(٧).
٣- ثم يليه: ما رغبا عنه، وكان إسنادُه جيِّدًا، سالِمًا من علةٍ وشُذوذ.
٤- ثم يليه: ما كان إسنادُه صالِحًا، وقَبِلَه العلماءُ لمجيئِه من وَجهَين
لَيِّنَين فصاعدًا، يَعضُدُ كلُّ إسنادٍ منهما الآخر.
(١) انظر: ((شرح التبصرة والتذكرة)) ١/ ٩٧.
(٢) انظر: ((النكت على ابن الصلاح)) ٤٤٤/١.
(٣) انظر: ((فتح الباقي)) ١/ ٩٧.
(٤) ((النكت على ابن الصلاح)) ٤٤٤/١.
(٥) انظر: ((المعتبر في تخريج أحاديث المنهاج والمختصر)) (٥٧).
(٦) عددُ ما أخرجه الشيخان من أحاديث ((سنن أبي داود)) (٩٠٩).
(٧) عددُ ما أخرجَه البخاريُّ فقط في ((سنن أبي داود)) (٣٨٥)، وما أخرجَه مسلمٌ فقط
(٦٧٠)، فمجموعُ ما أخرجَه الشيخان أو أحدُهما في ((سنن أبي داود)) هو (١٩٦٤).

١٢٦
٥- ثم يليه: ما ضُعِّفَ إسنادُه لنقصٍ حِفِظِ راوِيه، فمثلُ هذا يُمَشِّيه أبو
داود، ویَسكُتُ عنه غالبًا.
٦- ثم يليه: ما كان بَيِّنَ الضعفِ من جهةِ راويه، فهذا لا يَسكتُ عنه،
بل يُوهِنه غالبًا، وقد يَسكتُ عنه بحسب شُهرتِهِ ونَكارَتِه، والله أعلم(١).
المطلب الرابع: طبقاتُ رواة ((السنن)) من حيث العدالة والضبط:
مثَّلَ لهم الإمامُ أبو بكر محمدُ بنُ موسى الحازميُّ (ت٥٨٤هـ) في
شروطه بمثالٍ، وهو: أن نعلمَ أن أصحاب الإمام محمد بن شهاب
الزهري على طبقاتٍ خمس، ولكل طبقة منها مزيَّةٌ على التي تليها وتفاوت:
أما من كان في الطبقة الأولى: فهو الغايةُ في الصحة، وهو غايةُ مقصد
البخاري.
والطبقةُ الثانية: شاركت الأولى في العدالة، غير أن الأولى جمعت بين
الحفظ والإتقان، وبين طول الملازمة للزهري حتى كان فيهم من يُزامله في
السفر، ويلازمه في الحضر، والطبقة الثانية لم تُلازِم الزهريَّ إلا مدةً يسيرةً،
فلم تُمارِس حديثَه، وكانوا في الإتقان دون الطبقة الأولى، وهم شرطُ الإمام
مسلم.
الطبقة الثالثة: جماعة لزموا الزهري مثل أهل الطبقة الأولى، غير أنه لم
يسلموا من غوائل الجرح، فهم بين الرد والقبول، وهم شرط أبي داود
والنسائي.
الطبقة الرابعة: قوم شاركوا أهل الطبقة الثالثة في الجرح والعدیل،
وتَفَرَّدوا بقِلَّةِ ممارسَتِهِم لحديث الزهري لأنهم لم يُصاحبوا الزهريَّ كثيرًا.
(١) ((سير أعلام النبلاء)) ٢١٤/١٣ - ٢١٥.

١٢٧
= مقدمة التحقيق
وهم شرط أبي عيسى الترمذي.
الطبقة الخامسة: نَفَرٌ من الضعفاء والمجهولين، لا يُخَرّج حديثُهم إلا
على سبيل الأعتبار والاستشهاد عند أبي داود فمن دونه، فأما عند الشيخين :
فلا (١).
مما سبق يتبين أن الإمام أبا داود يخرج أحاديث الطبقة الأولى والثانية
على سبيل الاستيعاب، فلذلك أعتبر الذهبي أن ما كان على شرط الشيخين
أو أحدهما أكثر من شطر الكتاب.
وكذلك ينزل إلى الطبقة الثالثة فيحتج بأحاديث أصحابها ممن ترجح
عنده قبول روايته، وهذا شرطه.
وقد ينزل إلى الطبقة الرابعة، فيحتج - كذلك- بمن ترجح لديه قبول
روایته.
أما الطبقة الخامسة: فلا يحتج بها، ولا يخرج أحاديث أصحابها إلا
على سبيل الاعتبار والاستشهاد.
أما الرواة المتروكون: فلا يخرج أحاديثهم؛ لا احتجاجًا ولا اعتبارًا،
كما نص في ((رسالته إلى أهل مكة)) أنه لا يخرج في ((سننه)) عن رجل متروك
الحديث شيئًا. وقال ابن منده: إن شرط أبي داود والنسائي إخراج أحاديث
قوم لم يجمع على تركهم(٢).
(١) انظر: ((شروط الأئمة الخمسة)) (١٥١ - ١٥٤).
(٢) انظر: ((شروط الأئمة الستة)) لابن طاهر المقدسى (ص٨٩)، ((شروط الأئمة)) لابن
منده (ص٧٣)، ((المدخل إلى السنن)) (ص١٢٤ - ١٢٦)، والحديث في ((السنن))
٩٠٨.

١٢٨
المطلب الخامس: لماذا أورد أبو داود الضعيف في كتابه؟
تساءل البعضُ عن سبب إخراج أبي داود عن مثل هؤلاء الضعفاء،
ولماذا أخرج الأحاديث الضعيفة في ((سننه))؟
وأجابوا عن ذلك بعدة أجوبة، وهي(١):
١- لأن طريقته في التصنيف هي أن يجمع كل الأحاديث التي تتضمن
أحكامًا فقهية ذهب إلى القول بها عالم من العلماء.
٢- لأنه كان يرى أن الحديث الضعيف إن لم يكن شديد الضعف فهو
أقوى من رأي الرجال ومن القياس.
٣- أما إذا كان الحديث شديد الضعف، فإنما يورده لبيان ضعفه، وكأنه
بذلك يرد على من استدل به قائلًا: لا يستقيم لكم الاستدلال بهذا الحديث؛
لكونه شدید الضعف.
ومثاله: عقد أبو داود بابًا بعنوان: ((باب النهي عن التلقين)) ثم أورد
حديثًا من طريق أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي ﴾ قال: قال
رسول الله وَير: ((يا علي، لا تفتح على الإمام في الصلاة)).
ثم قال أبو داود: أبو إسحاق لم يسمع من الحارث إلا أربعة أحاديث
ليس هذا منها. اهـ(٢). ولم يورد في الباب غيره، مما يدل على أنه إنما أورده
لبيان ضعفه والرد على من استدل به(٣).
(١) انظر: ((شروط الأئمة الستة)) لابن طاهر المقدسي (ص٩١ - ٩٢)، ((أبو داود:
حياته وسننه)) للدكتور محمد لطفي الصباغ (ص٢٢٩).
(٢) أبو داود (٩٠٨).
(٣) ((المدخل إلى سنن أبي داود)) (ص١٢٦).

١٢٩
مقدمة التحقيق
المبحث الثالث: مكانة («السنن» وثناء العلماء عليه
يأتي كتاب ((السنن)) لأبي داود في المنزلة الثالثة بعد الصحيحين، فقد
عوَّل كثير من أهل العلم على ما دونه فيه من أحاديث وآثار، وقد تميزت
((سنن أبي داود)) عن باقي ((السنن)) بثلاث ميزات رئيسية:
الأولى: علو إسناده؛ فقد لحق أبو داود الكبار، وشارك البخاري
ومسلما في كثير من شيوخهما، ويعد الترمذي، والنسائي(١) من تلاميذه،
بل إن الإمام أحمد روى عنه حديثا واحدًا(٢) كما سبق بيانه في مبحث
الشيوخ والتلاميذ.
الثانية: كونه عُني بالمسائل الفقهية وتتبعها مستدلا لها بالأحاديث
النبوية، وأقوال الصحابة والتابعين.
قال الخطابي: وقد رزق القبول من الناس كافة فصار حكما بين فرق
العلماء، وطبقات الفقهاء على اختلاف مذاهبهم فلكل فيه ورد ومنه
شرب(٣).
وقال أيضا: وقد جمع أبو داود في كتابه هذا من الحديث في أصول
العلم وأمهات السنن، وأحكام الفقه ما لا نعلم متقدما سبقه إليه، ولا
متأخرا لحقه فيه (٤).
الثالثة: كون أسانيده نظيفة في الجملة، فقد خلا من كثير من الرواة
المتهمين الذين وجدوا في كتب ((السنن)) الأخرى، قال الذهبي: أنحطت
(١) انظر: ((تهذيب الكمال)) ٣٦٠/١١، ((السير)) ٢٠٥/١٣.
(٢) انظر: ((تاريخ بغداد)) ٩/ ٥٧.
(٤) ((معالم السنن)) ١٣/١.
(٣) ((معالم السنن)) ١١/١.

١٣٠
رتبة ((جامع الترمذي)) عن ((سنن أبي داود))، والنسائي لإخراجه حديث
المصلوب، والكلبي، وأمثالهما(١).
وقال أيضا عن كتاب الترمذي(٢): وهو أحد أصول الإسلام لولا ما
كدره بأحاديث واهية بعضها موضوع، وكثير منه في الفضائل.
وقد أثنى عليه كثير من العلماء لاسيما في جانبه الفقهي، واختصاصه
بأحاديث الأحكام، وسنذكر هنا شيئًا من ثناء العلماء عليه:
قال ابن الأعرابي: لو أن رجلا لم يكن عنده من العلم إلا المصحف الذي
فيه كتاب الله، ثم هذا الكتاب، لم يحتج معهما إلى شيء من العلم بتة (٣).
وقال الخطابي: أعلموا رحمكم الله أن كتاب ((السنن)) لأبي داود كتاب
شريف، لم يصنف في علم الدين كتاب مِثْلُه، وقد رزق القبول من الناس
كافة، فصار حكما بين فرق العلماء وطبقات الفقهاء على اختلاف
مذاهبهم، فلكل فيه ورد، ومنه شرب، وعليه معول أهل العراق وأهل
مصر وبلاد المغرب وكثير من مدن أقطار الأرض، فأما أهل خراسان فقد
أولع أكثرهم بكتابي محمد بن إسماعيل ومسلم بن الحجاج ومن نحا
نحوهما في جمع الصحيح على شرطهما في السبك والانتقاد، إلا أن
كتاب أبي داود أحسن رصفا، وأكثر فقها، وكتاب أبي عيسى أيضًا كتاب
حسن(٤).
وقال زكريا بن يحيى الساجي: كتاب الله رمت أصل الإسلام، وكتاب
((السنن)) لأبي داود عهد الإسلام(٥).
(١) كما في ((تدريب الراوي)) ١/ ١٨٧.
(٢) ((السير)) ٢٧٤/١٣.
(٤) (معالم السنن)) ١٠/١.
(٣) («معالم السنن)) ١/ ١٢.
(٥) انظر: ((تاريخ دمشق)» ٧/ ٥٤٧.

١٣١
: مقدمة التحقيق
=
وقال الحافظ محمد بن مخلد الدُّوري العطار: كان أبو داود يفي
بمذاكرة مئة ألف حديث، فلما صنف كتاب ((السنن)) وقرأه على الناس،
صار كتابه لأصحاب الحديث كالمصحف يتبعونه ولا يخالفونه، وأقر له
أهلُ زمانه بالحفظ والتقدم فيه (١).
وقال الحافظ أبو القاسم خلفُ بنُ القاسم الأزدي الأندلسي، وقد
سُئِل: أيهما أحبُّ إليك كتاب البخاري أو كتاب أبي داود؟ قال: كتاب
أبي داود أحسنُهما وأملحهما(٢).
وقال الحافظ محمد بن إبراهيم بن سعيد المعروف بابن أبي القراميد:
خير كتابٍ ألف في ((السنن)) كتاب أبي داود السجستاني (٣).
وقال الإمام الغزالي: كتاب أبي داود كافٍ للمجتهد (٤).
وقال الحافظ أبو طاهر السِّلَفي: وكتاب أبي داود أحدُ الكتب الخمسة
التي أتفق أهلُ الحل والعقد من الفقهاء والحفاظ على قبولها والحكم بصحة
أصولها.
وقال: وكتابُ ((السنن)) له صِيت في الآفاق، ولا يُرى مثلُه على
الإطلاق(٥).
وقال الحافظ المنذري: كتاب ((السنن)) للإمام أبي داود سليمان بن
الأشعث السجستاني أحدُ الكتب المشهورة في الأقطار، وحفظُ مُصنِّفه
(١) أبو طاهر السِّلَفي في مقدمته على شرح الخطابي ((معالم السنن)) المطبوعة في آخر
الكتاب ٣٥٧/٤.
(٢) ، (٣) ابن خير في ((فهرسته)) (ص ١٠٧).
(٤) السخاوي في ((فتح المغيث)) ١/ ٧٥، وهو بمعناه في ((المستصفى)) للغزالي ٣٥١/٢.
(٥) أبو طاهر السلفي في ((مقدمة شرح الخطابي)) ٤/ ٣٦٢.

١٣٢
وإتقانُه، وتقدُّمُه محفوظً عن حفاظ الأمصار، وثناءُ الأئمة على هذا الكتاب
وعلى مصنفه مأثورٌ عن رواة الآثار(١).
وقال الإمام النووي: وينبغي للمشتغل بالفقه وغيره الاعتبار بـ((سنن أبي
داود)) بمعرفته التامة، فإن معظم الأحاديث التي يحتج بها فيه، مع سهولة
تناوله وتلخيص أحاديثه، وبراعة مصنفه، واعتنائه بتهذيبه(٢).
وقال الإمام أبو جعفر ابن الزبير: ولأبي داود في حصر أحاديث
الأحكام واستيعابها ما ليس لغيره (٣).
وقال الإمام القاسم بن يوسف التجيبي: وهذا الكتابُ هو كتابُ الفقهاء
أصحاب المسائل، لأنهم يجدون فيه ما يحتاجون إليه في كل باب من أبواب
الفقه، مما يشهد لهم بصحة ما ذهبوا إليه، وليس يوجد في كتب السنة مثله
في هذا الفن، وقد احتوى من أحاديث الأحكام على أربعة آلافٍ وثمان مئة
على الأصح، أنتقاها من حديث كثير (٤).
وقال الإمام ابن قيم الجوزية: ولما كان كتاب ((السنن)) لأبي داود
سليمان بن الأشعث السجستاني رحمه الله من الإسلام بالموضع الذي
خصَّه الله به، بحيث صار حكمًا بين أهلِ الإسلام، وفصلاً في موارد
النزاع والخصام، فإليه يتحاكم المنصفون، وبحكمه يرضى المحققون،
فإنه جمع شمل أحاديث الأحكام، ورتبها أحسن ترتيب، ونظمها أحسن
(١) في مقدمة ((مختصر سنن أبي داود)) ٤/١ - ٥.
(٢) في كتابه ((الإيجاز في شرح سنن أبي داود))، شرح فيه قطعة من ((السنن)) ولم يتمه،
وهي مطبوعة بتحقيق الشيخ / حسين عكاشة.
(٣) السيوطي في ((تدريب الراوي)) ١/ ١٧٠.
(٤) في ((برنامجه)) (ص ٩٧).

١٣٣
- مقدمة التحقيق
نظام، مع أنتقائها أحسن انتقاء، وإطّراحه منها أحاديث المجروحين
والضعفاء(١).
وقيل: إن الإمام أبا داود قد صنف كتابه قديمًا، وعرضه على الإمام
أحمد فاستجاده واستحسنه(٢).
وأثنى عليه الحافظ ابن حجر ضمن قصيدة مدح فيها النبي وَّ قال:
مثل البخاري، ثم مسلم الذي
يتلوه في العليا أبو داودا
فاق التصانيف الكبار بجمعه الـ
أحكام فيها يبذل المجهودا
قد كان أقوى ما رأى في بابه
يأتي به ويحرر التجويدا
فجزاه عنا الله أفضل ما جزى
من في الديانة أبطل الترديدا
ثم الصلاة على النبي وآله
أبدًا إلى يوم الجزا أبيدا(٣)
(١) في ((تهذيب سنن أبي داود)) ١/ ٨.
(٢) الخطيب البغدادي في ((تاريخه)) ٥٦/٩.
(٣) ((ديوان الحافظ ابن حجر)) (ص١٠٤ - ١٠٥).

١٣٤
المبحث الرابع: رواة («السنن))
وفيه مطلبان :
المطلب الأول: ذكر رواة ((السنن)) مع ترجمة مختصرة لهم
روى ((السنن)) عن أبي داود جماعة كثر، وبين كلِّ خلاف ما بين زيادة
ونقصان أو تقديم وتأخير أو سقط وإثبات.
قال ابن كثير: الروايات عن أبي داود بكتابه ((السنن)) كثيرة جدًّا، ويوجد
في بعضها من الكلام بل والأحاديث ما ليس في الأخرى(١).
لكن الذين اشتهروا برواية ((السنن)) عنه خمسة، وهم:
(اللؤلؤي- ابن داسه- ابن الأعرابي - الرملي - ابن العبد)
ترجمة اللؤلؤي:
وهو الإمام المحدث محمد بن أحمد بن عمرو البصري، أبو علي
اللؤلؤي نسبة إلى بيع اللؤلؤ والاتجار به (ت ٣٣٣هـ).
سمع من أبي داود، ويوسف بن يعقوب القلوسي، والقاسم بن نصر،
وعلي بن عبد الحميد القزويني.
وعنه: القاضي أبو عمر القاسم بن جعفر الهاشمي، ومحمد بن أحمد
ابن جميع، والحسن بن علي الجبلي.
روى ابن نقطة عن أبي عمر القاسم بن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي
قال: كان أبو علي اللؤلؤي قد قرأ هذا الكتاب على أبي داود عشرين سنة،
وكان يسمَّى وراقه، والوراق عندهم القارئ، وكان هو القارئ لكل قوم
(١) ((اختصار علوم الحديث)) (ص ٥٠).

١٣٥
= مقدمة التحقيق
يسمعونه(١).
وقد روى عن اللؤلؤي هذِه ((السنن)»: القاسم بن جعفر الهاشمي (ت
٤١٤ هـ) وهو من شيوخ الخطيب، قال الخطيب عنه: كان ثقة أمينًا، ولي
القضاء بالبصرة، وسمعت منه بها ((سنن أبي داود))(٢).
وقد شاركه في الرواية عن اللؤلؤي: أبو عبد الله الحسين بن محمد بن
بكر الوزان الهراس البصري (٣).
ترجمة ابن داسه :
هو الشيخ الثقة العالم محمد بن بكر بن محمد بن عبد الرزاق بن داسه
التمار، أبو بكر البصري.
وداسه: بفتح الدال المهملة وبعدها ألف وسين مهملة، واختلف في
ضبط السين، فقيل: بفتح السين وتخفيفها، نص عليه القاضي أبو محمد
ابن حوط الله، وقيل: بفتح السين وتشديدها.
وداسه: هو أسم لبعض البصريين أو لقب.
حدث عن أبي داود بـ((السنن)) وهو آخر من حدث بها من التلاميذ كاملة،
كما روى عن إبراهيم بن فهد الساجي، وأبي رويق عبد الرحمن بن خلف.
وعنه: أبو علي الحسين بن محمد الروذباري، وأبو سليمان الخطابي،
وعبد الله بن محمد بن عبد المؤمن شيخ ابن عبد البر الأندلسي.
توفي ابن داسه سنة (٣٤٦هـ) (٤).
(١) ((التقييد)) ٣٣/١.
(٢) ((تاريخ بغداد)) ٤٥١/١٢.
(٣) انظر: ((فهرست ابن خير)) (ص١٠٤)، ((ملء العيبة)) ٢٣٩/٥.
(٤) انظر ترجمته في: ((الأنساب)) ٤٤٤/٢، ((التقييد)) ٤٤/١، ((السير)) ٥٣٨/١٥.

١٣٦
وقد اشتهرت رواية ابن داسه في بلاد الأندلس من طريق أبي محمد
عبد الله بن محمد الزيات، وبِقلة من طريق أبي حفص عمر بن عبد الملك
الخولاني(١).
وأما في المشرق فقد راجت سلفًا من طريق أبي علي الحسين بن محمد
الروذباري الفقيه كما هي عند البيهقي، والمحب الطبري، وبقلة من طريق
أبي محمد بشار السابوري عنه(٢).
فطريق ابن داسه يرويه أهل الأندلس عن أبي محمد عبد الله بن محمد بن
عبد المؤمن الزيات، وهو قرطبي رحل إلى المشرق رحلتين دخل فيهما
العراق، ولقي ابن داسه بالبصرة وروى عنه، وأجاز بعد عودته أهلَ
الأندلس، منهم الإمام المشهور ابن عبد البر الذي ملأ كتابه ((التمهيد))
بالرواية من هذا الطريق، وقد توفي أبو محمد الزيات سنة (٣٩٠هـ).
وللأندلسيين رواية عنه أيضا من طريق أبي حفص عمر بن عبد الملك
الخولاني وهو أندلسي قرطبي أيضا دخل العراق وسمع بالبصرة من ابن داسه
((السنن))، ثم قدم الأندلس فحدث، وتوفي سنة (٣٥٦هـ).
ترجمة ابن الأعرابي
هو الإمام القدوة الحافظ أحمد بن محمد بن زياد البصري، المعروف
بابن الأعرابي، شيخ الحرم.
حمل ((السنن)) عن أبي داود، وسمع: عباس بن محمد الدوري،
والحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني، وخرَّج لمشايخه معجمًا.
(١) انظر: ((فهرست ابن عطية)) (ص ٨٠، ٨٢)، ((الغنية)) (ص٣٨).
(٢) انظر: ((ملء العيبة)) ٢٣٩/٥، ((التحبير في المعجم الكبير)) ٥٣٨/١.

١٣٧
مقدمة التحقيق
-
روى عنه: أبو بكر ابن المقرئ، وأبو عبد الله ابن منده، ومحمد بن
أحمد ابن جميع الصيداوي، توفي سنة (٣٤١هـ).
ويعد هذا العلم كسابقيه ممن أخذوا (السنن)) عن الإمام أبي داود، وبعد
وفاة هذا الأخير تبوأ ابن الأعرابي مكة رعاها الله تعالى وألقى فيها عصى
التسيار، وعاش بها مفيدًا ومربيًا، وتوفي بها، ولما كانت مكة -حرسها
الله تعالى- موئلا للقاصدين حاجين وزائرين، ويتفيأ ظلالها المجاورون،
فقد تكاثر الطلبة على ابن الأعرابي، ووجدت أن روايته لـ((السنن)) قد
بلغت ستة طرق هي :
١- أحمد بن سعيد بن حزم أبو عمر الصدفي.
٢- إبراهيم بن علي التمار أبو إسحاق.
٣- أحمد بن عون الله أبو جعفر.
٤- أحمد بن إبراهيم أبو بكر المروزي، ثم المكي.
٥- عمر بن عبد الملك أبو حفص الخولاني.
٦- عبد الرحمن بن عمر بن النحاس أبو محمد.
ومثل سابقتها، فقد اشتهرت هذه الرواية أيضا بالأندلس، وكانت لهم
عناية بها لدخولها مبكرا إلى ذلك الإقليم، وربما كان الاستيطان ابن
الأعرابي الحرم المكي وسهولة الوصول إليه سبب في ذلك أيضا، والله
أعلم.
وعلى كل فقد رواها أهل الأندلس عن ثلاثة من الأئمة سمعوا من ابن
الأعرابي وشافهوه هم:
١- أحمد بن سعيد بن حزم الصدفي القرطبي رحل إلى مكة، وسمع
من: أبي سعيد ابن الأعرابي، وأبي جعفر العقيلي، وأبي بكر ابن

١٣٨
المنذر، وغيرهم، ثم انصرف إلى الأندلس فأخذ عنه أهلها.
توفي سنة (٣٥٠هـ).
٢- أحمد بن عون الله بن حدير القرطبي رحل إلى مكة وسمع من: ابن
الأعرابي، وابن فراس، ومحمد بن جبريل، وغيرهم.
توفي سنة (٣٧٨ هـ).
٣- عمر بن عبد الملك الخولاني القرطبي، وقد مضى القول بأنه من
الذين رحلوا، وأخذ عن ابن الأعرابي، وابن داسه جميعا.
ترجمة الرملي :
هو الإمام الثقة إسحاق بن موسى بن سعيد أبو عيسى الرملي، وراق أبي
داود.
روى عن: أبي داود السجستاني، وعباس بن الوليد البيروتي، ومحمد
ابن عوف الحمصي، وعنه أبو حفص ابن شاهين، وأبو العباس عبد الله بن
موسی الهاشمي، والحسین بن حمزة بن دینار.
وثقه الدارقطني، وقال ابن قانع: إن أبا عيسى الرملي مات سنة
(٣٢٠هـ) (١).
ذكر الخطيب أن أبا عيسى الرملي كان عنده كتاب ((السنن)) عن أبي
داود، وجاء في بعض فهارس الأندلسيين أنهم رووه من طريق أبي عمر
أحمد بن دُحَيم بن خليل عنه، وهذا الأخير قرطبي رحل إلى العراق
وسمع من: عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، وابن صاعد،
(١) انظر: ترجمته في: ((تاريخ بغداد)) ٣٩٥/٦، ((سؤالات حمزة)) للدار قطني ص ١٧٣.

١٣٩
= مقدمة التحقيق
وإسحاق بن موسى الرملي سنة (٣١٧هـ).
ترجمة ابن العبد:
هو علي بن الحسن بن العبد، أبو الحسن الوراق.
سمع: أبا داود السجستاني، وعثمان الأنطاكي. وعنه: الدارقطني،
والحسين بن محمد بن سليمان الكاتب، وابن الثلاج.
توفي سنة (٣٢٨هـ)(١).
وقد أدرجه ضمن رواة ((السنن)): المزي، والذهبي، والسبكي (٢)
وغيرهم.
وكان ابن العبد يقول: سمعت كتاب ((السنن)) من أبي داود ست مرار،
بقيت من المرة السادسة بقية، لم يتمه بالبصرة، سنة إحدى، واثنتين،
وثلاث، وأربع، وخمس وست ومئتين وفيها مات(٣).
(١) انظر: ترجمته في: ((تاريخ بغداد)) ٣٨٢/١١.
(٢) انظر: (تهذيب الكمال)) ٣٦٠/١١، ((تذكرة الحفاظ)) ٥٩١/٢، ((طبقات الشافعية
الکبری)» ٢٩٤/٢.
(٣) انظر: ((رسالة أبي داود)) (ص١٧).

١٤٠
المطلب الثاني: الاختلاف بين رواياتهم:
اختلفت أنظار العلماء في روايات ((السنن)) سواء من حيث أصحها أو
أكملها، وقبل أن نسوق أوجه الاختلاف يجدر بنا سوق بعض أقوال الأئمة
في ذلك:
قال ابن عطية في ((فهرسته)) (ص ٨٠): فأما رواية أبي بكر محمد بن بكر
ابن داسه البصري التمار، فحدثنا بها عن أبي عمر يوسف بن عبد الله بن
محمد بن عبد البر النمري قراءة منه عليه، قال: حدثنا أبو محمد عبد الله
ابن محمد بن عبد المؤمن الزيات، عن أبي بكر بن داسه عنه. وأما رواية
أبي عيسى إسحاق بن موسى بن سعيد الرملي وراق أبي داود، وهي
أقرب الروايات إلى رواية أبي بكر بن داسه، وسقط من رواية ابن
الأعرابي كتاب الفتن والملاحم والحروب والخاتم، وسقط عليه من
كتاب اللباس نحو من نصفه، وفاته من كتاب الوضوء والصلاة والنكاح
أوراق كثيرة.
ثم قال ابن عطية: الذي أعتمد عليه من هذِه الروايات: رواية أبي بكر
ابن داسه فهي أكمل الروايات وأحسنها.
وقال ابن رشيد الفهري المالكي (ت٧٢١) في كتابه ((ملء العيبة))
٢٤١/٥: ورواية اللؤلؤي أصح الروايات وهي آخر ما أملى أبو داود
وعليه مات.
وقال الذهبي في ((السير)) ٣٠٨/١٥: قال أبو عمر الهاشمي: كان أبو
علي اللؤلؤي، قد قرأ كتاب ((السنن)) على أبي داود عشرين سنة، وكان يدعى
وراق أبي داود.
والوراق في لغة أهل البصرة: القارئ للناس.